إسلام ويب

أساليبهم في حرب الإسلامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تفنن أعداء الإسلام في حربه سراً وعلناً، واستخدموا ما أمكنهم من وسائل لإضعاف الإسلام في قلوب المسلمين، وقد ذكر الشيخ هذه الأساليب وفضحها، داعياً المسلمين إلى التنبه لها ومحاربتها، والعمل على إحياء روح الإسلام بين المسلمين.

    1.   

    قواعد أربع في الحرب ضد الإسلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

    أيها الأحبة الكرام، موضوع هذا الدرس هو: وسائلهم في حرب الإسلام، وهذا هو المجلس الثالث والثمانون من سلسلة الدروس العلمية العامة، في ليلة الإثنين، السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة من سنة (1413هـ).

    أولاً: قواعد أربع لا بد منها:

    القاعدة الأولى: العداوة والصراع في الحياة سنة إلهية

    إن العداوة والصراع في هذه الحياة قائمة إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وليست هذه العداوة بالضرورة مبنية على خطأ ممن نصبت له العداوة، ولا على ظلم، ولا على اعتداء؛ بل إن الله تعالى، وهو الإله الكريم الجواد الرحيم الرحمن المتفضل على عباده بكل خير، ومع ذلك كان له من خلقه أعداء، كما قال الله عز وجل: مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:98].

    وهكذا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وهم خلق عند الله تعالى في السماء، ومع ذلك لهم أعداء، والرسل عليهم الصلاة والسلام لهم أعداء، وأي أعداء قال تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة:97].

    فذكر أن هناك من اليهود وغيرهم من هم أعداء لجبريل عليه الصلاة والسلام، أما الرسل صلى الله عليهم جميعاً وسلم، فإن العداوة لهم برزت أشد البروز، لأن لكلٍ منهم شريعةً ومنهجاً وأتباعاً وديناً، وربما أقام النبي عليه الصلاة والسلام دولة، وحارب أعداءه وقاومهم، ولهذا قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

    فانظر كلمة (كل) ما من نبي إلا وله أعداء، مع أن النبي قد لا يكون له أتباع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {رأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد} فهناك من الأنبياء من لم يكن لهم تابع، لكن كان لهؤلاء أعداء يحاربونهم ويناصبونهم، وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112].

    وهذا يبين سبب خلق النار، وما فيها من السعير والعذاب، لأن النار أعدت لهؤلاء الذين فسدت فطرهم، وخربت عقولهم، وتحجرت قلوبهم، فهم لا يسمعون. وإن كانوا ذوي آذان، ولا يبصرون وإن كان لهم عيون، ولا يعتبرون وإن كان في صدورهم قلوب، لكنها لا تعي ولا تعقل، قال الله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    فهؤلاء الذين هم أعداء الرسل، وأعداء الله والملائكة، وأعداء الدين والحق، هم وقود النار، فهذه قاعدة لا بد من فهمها وبيانها، مهما حاولت وجادلت وتحريت وتلطفت، واستخدمت من الأساليب والطرق، فلن تعدم عدواً، ولن يعدم المؤمن أحداً يؤذيه حتى ولو كان على قمة جبل.

    ولستُ بناجٍ من مقالةِ شانئٍ     ولو كنتُ في رأسٍ على جبلٍ وعر

    القاعدة الثانية: الأعداء جبهة واحدة ضد الإسلام

    إن الأعداء مهما وجد بينهم من التباغض والتباين والتناقض والتباعد، فإنهم إذا واجهوا الحق وواجهوا الإسلام؛ وحدوا صفوفهم في مواجته، خاصةً إذا قويت شوكة الدين وعز جانبه، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].

    مع أن التاريخ شاهدٌ بالكثير من القصص والأخبار، التي كان اليهود فيها أعداء للنصارى، وكان النصارى فيها أعداء لليهود، ومع ذلك قال الله تعالى لليهود: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] قال بعض المفسرين: المعنى أن بعض النصارى أولياء لبعض، وبعض اليهود أولياء لبعض. وقال آخرون: بل المعنى أن اليهود والنصارى يجتمعون ويوحدون كلمتهم إذا واجهوا دين الحق والإسلام، فينسون العداوات فيما بينهم لمواجهة هذا العدو المشترك، كما هو المشاهد اليوم، فإننا نجد تحالف القوى العظمى ضد الإسلام، اليهودية، والنصرانية، والعلمانية، وبقايا الشيوعية، كلها أصبحت جبهة واحدة ضد الإسلام.

    وليسَ غريباً ما نرى منْ تصارعٍ     هو البغيُ لكنْ بالأسامي تجددا

    وأصبـحَ أحـزاباً تناحرُ بينها     وتبدو بوجهِ الدينِ صفاً موحدا

    إنهم جميعاً يظهرون العداوة لهذا الدين: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118].

    من كل ذئب إذا واتته فرصته     أهوى إليك بناب الغدر عن كثب

    وإن بدا جانب الأيام معتدلاً     سهلاً     أتاكَ بثغرِ أغيدٍ شنب

    ما شئتَ من مقتٍ ما شئت أدبِ     ما شئت من ذلةٍ في خده الثربِ

    إن الأفاعي وإن لانتْ ملامسها     ماذا على نابها من كاملِ العطبِ

    كانوا المطيةِ للأعداء مذ درجوا     فينا وما برحوا في كلُ محتربِ

    رسل الفساد وما حلوا وما رحلوا     إلا وكانوا به أعدى من الجربِ

    القاعدة الثالثة: تعاون المسلمين مع الأعداء

    إن هذا الكيد الموجه ضد الإسلام، والموجه ضد المسلمين، لم يكن ليبلغ مبلغه ويحقق أثره لولا أنه وجد آذاناً صاغية من المسلمين، ووجد تربة خصبةً لزرعه في بلاد الإسلام، ولهذا قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]. ثم قال في الآية التي بعدها: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الأنعام:113] وقال سبحانه: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].

    إن من السهل أن نلقي الملامة على عدونا، سواءً الاستعمار، أو الصهيونية، أو الحكومات الجائرة، أو أمريكا، أو القوى الخفية، أو القوى المعلنة، ولكن هذا الكلام ليس دقيقاً، فهو -أعني العدو- إنما نفد من خلالنا، وبحبل منا بلغ ما يريد، حتى الشيطان نفسه، وهو أعظم الأعداء، إنه يقول يوم القيامة في خطبته الشهيرة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم:22].

    وقد صدق في بعض ما قال وهو كذوب، كما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فإنه ما كان له من سلطان، إنما سلطانه على الذين آمنوا به وتولوه، قال الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    وإذا نظرنا اليوم إلى عدونا، وقد نفذ إلى مجتمعاتنا، وإلى بلاد الإسلام كلها، فإننا من الممكن أن نتصور أنه كان يمكن أن يحدث النقيض، وكان من الممكن أن يؤثر جهد المسلمين وكيدهم في عدوهم، وكان هناك احتمال أن يقع غزو فكريٌ إسلامي على الأمم الكافرة، ولكن الذي حصل هو أن أعداء الإسلام قووا وضعف المسلمون، ووجد العدو في المسلمين من القبول والاستجابة ما مكن له، فعلينا أن نلوم أنفسنا، وأن نعود إلى ذواتنا، وأن ندرك أنه ما كان هناك شئ ليحدث لولا أننا تجاوبنا مع هذا الكيد، فحقيق بنا أن نخاطب هذه الأمة المكلومة المجروحة بكلمات الشاعر الذي يقول لها:

    ادفني قتلاكِ وارضي بالمصيبةْ     واذهبي عاصفةِ الليل غريبةْ

    واحملي العارَ الذي أنجبتهِ     وتواري في الزنازينِ الرهيبةْ

    أنتِ ضيعت البطولات سدى     يا شعوباً لم تعلمها المصيبةْ

    القاعدة الرابعة: كيد الأعداء ومكرهم ضعيف

    إن كيد العدو ضعيف، ومكره إلى تباب، قال الله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    وسبحان الله! قد يتصور بعض البسطاء، والذين لا علم عندهم، وغير المتأملين، قد يتصورون نوع تعارض ظاهري، بين الآيات التي وردت في شأن كيد الكافر، يقول الله تعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76] ويقول: وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [غافر:25] أي: في ضياع، ولا قيمة له ولا بقاء له، فهذه الآيات تدل على ضعف كيد الشيطان، وأتباع الشيطان من الكافرين، وزواله، وذهابه وضلاله وأنه لا يبلغ أثره.

    وبالمقابل هناك آيات أخرى تتحدث عن عظيم كيدهم ومكرهم، قال الله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:46].

    فسبحان الله! انظر إلى واقع الحياة المشهود اليوم لترى مصداق ما أخبر به الله جل وعلا في كتابه الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنـزيل من حكيم حميد، فأنت اليوم حين تقرأ عن خطب أعداء الإسلام ودراساتهم واحتياطاتهم؛ تحس بعمق الكيد وخبثه ودهائه، وأنهم يحسبون لكل شيء حساباً، ويدبرون أدق التدبير وأعظمه وألطفه، فلهم حيل وأساليب خفية لطيفة لا يدركها أكثر الناس، فهنا تتذكر قول الله تعالى: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:46] فهو مكرٌ دقيق، مكرٌ لو بلغ أثره وتحقق مقصوده لزالت الجبال بسببه، لكننا نجد أن الجبال باقية في مكانها، إذاً مكرهم دقيق ولطيف وبعيد، ولكن آثاره أقل مما يدبرون ويتصورون.

    فإذا نظرت في المقابل إلى الآيات الأخرى التي تتكلم عن ضعف كيدهم، قال تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76] وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [غافر:25]؛ وجدت مصداق ذلك اليوم في أعمال كثيرة ظنوا هم أنها بأيديهم، فإذا بالأمر يكون خلاف ما يتوقعون، فتجد الثغرات التي تقع في النتائج المترتبة على أعمالهم ولو بعد حين، وتكتشف ضعف الكيد ووهنه وكثرة ثغراته في أمور كثيرة، منها: مثلاً مواجهة الشيوعية اليوم. لقد كان العالم الغربي يتعامل مع الشيوعية على أنها قوة باقية لعشرات السنين، وصرحوا بذلك، كما في كتاب نصر بلا هزيمة لـنيكسن وغيره، ولم يكن هناك أي دراسة تتوقع سقوط الشيوعية في الغرب بهذه السرعة، فإذا ببناء الشيوعية يتهاوى خلاف ما كانوا يتوقعون، فلما تهاوى، حاولوا أن يصطادوا في الماء العكر، وقالوا: نحن كنا وراء سقوطالشيوعية، وسربوا أخباراً عن أعمال الفاتيكان في بولندا للقضاء على الشيوعية، وعن اتصالاتٍ خفية، وعلى أن العالم الغربي هو الذي كان يسعى إلى إسقاط الشيوعية.

    نعم كان للعالم الغربي يدٌ في ذلك، لكن اليد الغربية كانت يداً واهية ضعيفة، وأما الذي أسقط الشيوعية فهي السنن الإلهية العظيمة التي سبق الحديث عنها.

    مثال آخر: حرب الخليج، لقد ظن العالم الغربي أنه سوف يخرج من حرب الخليج ظافراً منتصراً، وسوف يتوج ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، الذي بموجبه يخضع العالم لهيمنة الصليب، ممثلاً في الولايات المتحدة أو في الأمم المتحدة وهما لفظان أو اسمان لمسمى واحد، فإذا بحرب الخليج تتمخض عن أحداث لا يتوقعونها، مثلاً: كانوا يتوقعون أن يتخطف المؤمنون بعد حرب الخليج في بيوتهم بلادهم، وأن يضعف شأن الإسلام، فإذا بهم يواجهون أن العالم الإسلامي عاش فراغاً كبيراً بعد حرب الخليج، وأن الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يلبي طموحات الناس وتطلعاتهم ورغباتهم وأمورهم، هو العودة إلى الدين الحق، فشهد العالم الإسلامي كله صحوة إسلامية عظيمة، زادت وتنامت بعد حرب الخليج الثانية.

    مثال آخر: ظنوا أنهم قد قضوا على جميع التحديات التي كانت من بقايا الشيوعية، فإذا بتحديات جديدة تبرز أمامهم في بلاد العالم الإسلامي، وفي البلقان، وفي الصين، وفي غيرها.

    مثال رابع: حرب البلقان، سواءً في البوسنة والهرسك أو في غيرها. إنها مثلٌ شاهدٌ يدل على ضعف الكيد الكافر، فهي قوة إسلامية ضعيفة قليلة، ومع ذلك وقف الصرب أمامها عاجزين مقهورين، على رغم سنة كاملة من الضرب والحرب والحصار والتقتيل والإبادة، ومع ذلك -أيضاً- وقف العالم الغربي عاجزاً محتاراً، فإن بقاء الحرب يهدد قوة الغرب ويهدد هيبة الأمم المتحدة، وربما ينذر بخطرٍ كبير، وربما تتحول جزيرة البلقان إلى بحرٍ من الدم، وهذا ما توقعت وتنبأت به استخبارات بريطانيا وغيرها، ومع ذلك هم عاجزون عن حل هذه المشكلة.

    مثال خامس: قضية الصومال. إنهم يدركون أن الأمر خطير، ولهذا أعلنوا أمس واليوم أن القوات الأمريكية سوف تنسحب قريباً، وأنه خلال شهرٍ واحد سوف تكون بعض هذه القوات قد غادرت وانسحبت، وحلت محلها قوات أخرى من دولٍ متعددة، وواجهوا سلبيات هناك لم تكن لهم في حساب.

    المهم أنهم قد يقدرون ويحسبون ويخططون ويرسمون، لكن تأتي النتائج خلاف ما كانوا يتوقعون، كما قال الله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]؛ إن علينا أن نؤمن بالله عز وجل، وأن الله تبارك وتعالى هو وحده المتصرف في الأكوان، فهو الرب الذي لا يُقضى شيء إلا بإذنه، ولا يقع في الكون إلا ما يريد، وأمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. فالذي ينفذ هو أمر الله تبارك وتعالى، وليس أمر الغرب أو الشرق، ولا أمر هذه الدولة أو تلك، ولا يقع في الكون شيء إلا بإذن الله عز وجل.

    زعمتْ أوروبا أن تحارب ربها     وليغلبنَّ مغالب الغلابِ

    إن النموذج الفرعوني ظاهرٌ اليوم عياناً، فهذا فرعون كان يقول: إن هؤلاء -أي موسى وأتباعه-: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54] أي: قلة وحفنة، كما يعبرون بلغة العصر الحاضر: وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:55] وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] فهم يقولون: هؤلاء أقلية، ويحاولون أن يعرقلوا خطة الحضارة، وسير الأمور، ونظام الإدارة، ونحن حذرون يقظون، وسوف نقاومهم بكل الوسائل. هذا هو الظن الفرعوني، الظن البشري الجاهلي، عمل على حسب التأييد الشعبي، وعلى ملء عقول الناس، وعلى تشويه نظراتهم، حتى قال عن موسى عليه الصلاة والسلام: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] وقد قال الحافظ ابن كثير، قال: قيل في المثل: أصبح فرعون واعظاً. ففرعون يخاف على الدين، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ [غافر:26] وفرعون يبعد الفساد ويحاربه: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] وهذا يقوله فرعون في مواجهة موسى عليه صلوات الله وسلامه، وجمع فرعون الكهنة، ورجال الدين في زمانه، وجبرهم لصالحه، فكانوا يحضرون الحفلات والمناسبات وغيرها، ويؤيدونه، ولما مات قاموا وصاحوا وبكوا وأعولوا وجمعوا الشعوب بهذه المناسبة، لما مات أحد الفراعنة، لكن النتيجة على الرغم من القوة التأله والطغيان النتيجة: هذا فرعون جثة ملقاة على جانب البحر: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] يقول الله تبارك وتعالى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:91-92].

    فقذف البحر بجثته إلى الخارج لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92] وفي الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره، أن جبريل عليه الصلاة والسلام يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: {يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه؛ مخافة أن تدركه الرحمة} أي أن جبريل عليه السلام يضع في فم فرعون الطين الأسود، خشية أن تدركه رحمة الله. فهذا هو إلههم الذي كانوا يعبدون ويؤلهون، وكانوا له يسجدون، وبحمده يسبحون، هاهو جثة ملقاة على البحر، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، إذاً هذه قواعد أربع لا بد أن نعيدها باختصار:

    القاعدة الأولى: العداوة والصراع في الحياة سنة إلهية.

    القاعدة الثانية: الأعداء مهما اختلفوا فيما بينهم يوحدون صفوفهم في مواجهة الإسلام.

    القاعدة الثالثة: لم يكن كيد العدو ليبلغ مبلغه؛ لولا أنه وجد من المسلمين تجاوباً معه.

    القاعدة الرابعة: إن كيد الكافرين ضعيف وهو إلى تبابٍ وإلى ضلال.

    1.   

    فائدة طرح موضوع: أساليب الأعداء في محاربة الإسلام

    ثانياً: فائدة طرح الموضوع:

    إن كشف أساليب الأعداء سنة قرآنية وطريقة نبوية، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم خطط المشركين فقال: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا [الإسراء:73] وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا [الإسراء:76] إلى غير ذلك.

    وذكر خطط اليهود فقال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [المائدة:41] وذكرت خطط النصارى فقال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً [آل عمران:75].

    وذكر خطط المنافقين فقال: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا * هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:3-4].

    إذاً فذكر خطط الأعداء وكشفها، منهج قرآني وسنة نبوية، ولها فوائد عظيمة منها:

    التطعيم

    تطعيم المؤمن ضد هذه الأساليب، بحيث تؤدي أساليب الأعداء إلى مردود عكسي، فتزيد الإيمان بدلاً من أنهم كانوا يريدون أن تضعفه، وتوثقه ولا يرتاب المؤمنون بسببها ولا يشكون. مثال: قال الله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173] هذه خطة، عمل أبو سفيان وقريش على نشر إشاعة مؤداها: إن قريشاً قد حشدت حشودها للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستئصال شأفتهم، وقالوا ربما تكون هذه الإشاعة سبباً في ضعف المسلمين وترددهم، أو تراجع بعضهم وقلة يقينهم وإيمانهم، قال الله تعالى: فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    فأثمرت هذه الخطة نتيجة عكسية، المشركون ما كانوا يريدون أن يزيد الإيمان، ولا أن يزيد التوكل، ولكن الله تعالى جعل النعمة في طي النقمة.

    وربما نقمٌ في طيها نعم     وربما صحت الأبدان بالعلل

    إذاً الإرهاب النفسي والتخويف كان مقصوداً، لكن المؤمنين الواعين المتوكلين على الله تعالى، تمردوا على هذا النوع من الحرب، وجعلوه لصالحهم.

    مثلٌ آخر: قال الله تعالى: وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

    المسلم المعاصر اليوم حين يقال له -مثلاً-: سيقول الذي أشركوا عن دعاة الإسلام ورجاله وعلمائه كيت وكيت، وسوف ينشر في الصحف كذا وكذا، وسوف يقال في الإذاعة كذا وكذا، فإنه إذا رأى هذا الكلام وقرأه أو سمعه؛ فإنه لم يتأثر به بل قال: هذا مصداق ما علمنا أنهم سيقولون كذا ويقولون كذا. إذاً كشف هذه الخطط فيها تطعيم للمسلم أن يتأثر بها، فإذا قيل له: سوف يقول أعداء الإسلام -مثلاً- عن دعاة الإسلام إنهم متطرفون. فإذا قرأ في الجريدة: المتطرفون، قال: هذا ما كنا نُحذّره من قبل، فالذين حذرونا كانوا مصيبين وصادقين، وقد عرفوا دخيلة هؤلاء وخبيئتهم، وماذا يقولون وماذا تنطوي عليه جوانحهم.

    مواجهتها بالطرق المناسبة

    الفائدة الثانية: مواجهة هذه الأساليب بالطرق المناسبة؛ فإن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ولا شك أن الغفلة عن ألوان الخداع التي يمارسها اليوم عدو الإسلام، فهو يملك الإعلام، ويملك الاقتصاد، والتصنيع، والإدارة، لا شك أن الغفلة عن خططه تؤدي إلى الوقوع في شراكه وحبائله، ولا يمكن للأمة أن تواجه هذه الحرب الضروس؛ إلا إذا وصلت إلى درجة من الوعي والإيمان والتوكل على الله تعالى، والإدراك الواضح لأساليب الخصوم.

    تقوية الإيمان

    الفائدة الثالثة: تقوية الإيمان عند المؤمنين. فإن الحرب لا تزيدهم إلا قوة، وقد حدثني أحد الإخوة أن كثيراً من الشباب يقبض عليهم، وهم حدثاء عهدٍ بهداية وبإيمان، فيودعون السجون، ويعذبون ويضربون ويؤذون، فإذا خرجوا كانوا أشداء أقوياء، صُبُراً عند الحرب. صدقاً عند اللقاء، وهذا مصداق ما أخبر الله تعالى به: فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً[الأحزاب:22].

    رص الصفوف وجمع الكلمة

    الفائدة الرابعة: رص الصفوف وجمع الكلمة. فإن الشعور الحقيقي بالخطر، وقوة العدو وشدته وشراسته، يؤدي إلى الوحدة والتقارب، وما أحوج المسلمين اليوم إلى توحيد صفوفهم، وإزالة العداوة والشحناء بينهم!.

    1.   

    أساليب قديمة وجديدة

    قال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:43].

    قال الحسن وقتادة وجمهور المفسرين: قد قيل فيمن أرسل من الرسل من قبلك؛ ساحر وكاهن ومجنون وكذبوا كما كذبت، فلم يقل لك الناس من الشتم والسب والعيب والأذى، إلا ما قالوه للرسل من قبلك. ونحن نقول اليوم لدعاة الإسلام، وأهل العلم والصلاح، نقول لهم: ما يقال لكم إلا ما قد قيل للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكم أسوة وقدوة؛ فإنه لا يمكن أن تجد كلمة قيلت اليوم إلا ولها رصيدٌ في الأمس، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23].

    إن طرائق الكفر في محاربة الإيمان هي هي، وإن تغيرت الأدوات وتنوعت الوسائل، إلا أن الأصول ثابتة، وإليك بعض الأمثلة:

    تشويه نية الداعي ومقصده

    أولاً: تشويه نية الداعي ومقصده، والحكم على ضميره، وعلى ما في داخله، قال تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] وقيل لموسى وهارون: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:78] إذاً قيل للرسل موسى ومحمد وغيرهم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، قيل لهم: أنتم تريدون الملك، وتريدون السلطة، والحكم، وتسعون إلى قلب الأنظمة في البلاد.

    اتهام الإنسان في عقله

    ثانياً: اتهام الإنسان في عقله. قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: إنا لنراك في ضلالة، وقالوا: ساحر ومجنون ومسحور، إذاً اتهموه في عقله وتفكيره ونظره، حتى يحولوا بينه وبين الناس، ودعوا الجماهير إلى التمسك بموروثاتها، والوفاء لآبائها وأجدادها وتقاليدها، وأن الرسل والأنبياء يريدون أن يغيروا هذه الأشياء، ويحكموا على الأمم السابقة بالضلال والانحراف، ولهذا ذكر الله تعالى ما قاله قوم نوح: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً [نوح:23-24].

    فحرضوا الجماهير بالتمسك بهذه المورثات والعادات والتقاليد والشخصيات والآباء والأجداد، وأن الرسل يريدون صرفكم عن ذلك كله.

    أسلوب التضييق على المؤمنين والحصار

    ثالثاً: أسلوب التضييق على المؤمنين والحصار. سواء كان حصاراً اقتصادياً، كما قال المنافقون: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7] مساكين! يظنون أن أهل الإيمان طلاب مال وطلاب جاه، وما علموا أن الدرهم والدينار تحت أقدامهم، وأنهم لا يعبئون بالدنيا ولا ينظرون إليها، بل يحتقرونها، ويحتقرون من يسعى في جمعها، وهكذا تعلموا من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، فهكذا المؤمنون.

    أما المنافقون فظنوا أن المسألة مادية، ولهذا قالوا: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7] أي: ينصرفوا إذا لم يجدوا مالاً، ولم يجدوا نفقة، وأيضاً المنافقون بذلك يظنون أن الرزق بأيديهم، وأن العطاء من جيوبهم، فإذا رأوا إنساناً رزق من غير طريقهم تعجبوا واندهشوا، وقالوا من أين جاء لفلان المال؟

    ومن أين جاء له هذا العطاء؟

    ومن أين جاءت له هذه المزرعة؟

    ومن أين جاءه هذا الرزق؟

    فإذا حجبوا هم ما بأيديهم ظنوا أن الإنسان يموت جوعاً وعطشاً وفقراً، أو يذهب يتسول ويسأل الناس ما يأكل وما يشرب.

    وما علموا أن الله تعالى بيده خزائن السماوات والأرض، وأن الله تعالى يعطي ويرزق من يشاء بغير حساب، قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:3].

    يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً} فهم يظنون أن الحصار الاقتصادي يجعل المؤمنين يتراجعون.

    التصفية

    رابعاً: التصفية والقتل والقمع، ويسمونها التصفية الجسدية، قال تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [الكهف:20] فهو قتل وبطريقة بشعة أيضاً، وكذلك قال فرعون ومن معه: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [غافر:25].

    أي: اقتلوهم هم واقتلوا أبناءهم، ويجوز أيضاً أن يكون المعنى التهديد بقتل الأولاد، إرغاماً للمؤمنين، واضطراراً لهم إلى التراجع عن دينهم؛ بحيث يقتل ولد واحد منهم والأب يرى، ومما يصدق ذلك قصة ماشطة بنت فرعون، وقد رواها أهل السنن وأحمد بأسانيد عديدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى السماء ليلة أسري به، وجد ريحاً طيبة، فقال: {يا جبريل ريح من هذه، قال: هذه ريح ماشطة بنت فرعون قال: وما كان من خبرها؟

    قال: إن ماشطة بنت فرعون سقط المشط من يدها، فقالت: بسم الله. فقالت بنت فرعون: الله والدي أبي. قالت: لا، ربي وربك ورب أبيك الله رب العالمين. قالت: أولك ربٌ غير أبي؟

    قالت: نعم، ربي وربك الله. فقالت: أخبر أبي. قالت: أخبريه، فذهبت البنت إلى أبيها وقالت: إن الماشطة قالت كيت وكيت، فأحضرها فقالت: نعم، ربي وربك الله. فأحضر قدراً من نحاس، فأوقد عليه النار حتى أصبح أحمر يتلهب، ثم جاء بها ومعها أولادها، فقال لها: ارجعي عن دينك. فقالت: لا أرجع. فأخذ ولدها الصغير ليلقيه في هذا القدر، فقالت: لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟

    قالت: أن تجمع عظامي وعظام أولادي في قبر واحد. قال: ذلك لك علينا من الحق. فأخذ ولدها ووضعه في هذا القدر، فإذا هو يحتمس ويسود ويحترق في لحظة واحدة، والأم ترى وتشاهد، ثم أخذ الآخر وكان ممسكاً بطرف ثوبها فألقى به في القدر، ثم أخذ الثالث من على كتفها فألقى به في القدر، والأم تصبر وتتجلد، ثم أخذها ورماها معهم فاحترقوا جميعاً}.

    قال الله: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:10-14].

    لقد ذهب فرعون وذهبت الماشطة، لكن هذا إلى نار تلظى قال الله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] وتلك إلى: جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] إذاً التصفية والقتل واردة عندهم، وقد يقتلون أولاد الواحد، إرغاماً له ومضايقةً وتهديداً، بل قد يهددونه بالاعتداء الجنسي على بناته أو على زوجته أو على قريبته؛ من أجل مضارته ومضايقته، كما هو ظاهر الآية أيضاً: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ [غافر:25].

    أي: أبقوهن حيات، للخدمة والامتهان والابتزاز والاغتصاب، والاعتداء الجنسي عليهن. هذا هو منطق الكفر أمس واليوم وغداً، ولا تظن إلا هذا: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ [غافر:25].

    الحصار وفرض الإقامة الجبرية

    خامساً: الحصار وفرض الإقامة الجبرية. كما فعلوا بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال:30] أي: يمنعوك من الخروج ومغادرة البلد.

    النفي من الأوطان

    سادساً: النفي من الأوطان والإخراج، قال الله تعالى: أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30].

    وكذلك في الآيات الأخرى: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82].

    فعيبهم وذنبهم: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82] أصبح التطهر عاراً وعيباً وذنباً عند هؤلاء المنكوسين الممسوخين، فأصبحوا يخرجونهم، لأنهم أناس يتطهرون.

    إن من الممكن جداً أن يستخرج من القرآن الكريم حصرٌ كامل للأساليب الفكرية في مقاومة دعوة التوحيد عبر العصور، وهذا باب يطول، وما ذكرته لا يعدو أن يكون بعض الأمثلة التي تؤكد أن الأساليب القديمة هي ذاتها الأساليب الجديدة، التي يستخدمها طغاة العصر في مقاومة الإسلام والتوحيد والدين.

    1.   

    الحرب المعاصرة

    إننا محتاجون أن نلقي شيئاً من الضوء على الحرب التي تواجه الإسلام اليوم، لأننا نصطلي بنارها، ونواجهها ونعايشها لحظة لحظة وساعة ساعة، وهذه الحرب تتحدد فيما ظهر لي في هدف واحد كبير، وهو الفصل بين المسلمين وبين حقيقة دينهم.

    إننا بحاجة إلى أن نضع خطاً كبيراً تحت هذه الكلمة: (الفصل بين المسلمين وبين حقيقة دينهم) بالفصل بينهم وبين القرآن، والفصل بينهم وبين المسجد، والفصل بينهم وبين العلماء والدعاة؛ ليسهل حينئذٍ خداع العامة، وترويج الأقاويل الباطلة عليهم، بعيداً عن أولي الأمر وأولي الرأي، الذين يدركون ويستنبطون، ويسهل صرف الناس عن دينهم والتلبيس عليهم. وطالما وقفت الأمة -مرات كثيرة- مع جُلادها ضد منقذيها بسبب عدم تبين الأمور، وغيبة الوعي، وضياع الهدف، وما جمال عبد الناصر عنا ببعيد، طالما صفقت له الجماهير، وطالما تحلق الشباب في العالم الإسلامي يستمعون إلى خطبه، وطالما وضعت الأمة فيه آمالاها، وإذا بالأمور تتبين عن حقدٍ مبيتٍ للإسلام والمسلمين، وقضاء مبرم على هذا الدين بقدر ما كانوا يستطيعون.

    إنه بالفصل بين الأمة وبين دينها، وبينها وبين قرآنها وبينها وبين مسجدها، وبينها وبين علمائها ودعاتها؛ ليسهل القضاء على علماء الأمة وعلى دعاتها بشتى الوسائل، والأمة تتفرج وتشعر أن الأمر لا يعنيها، إن الوئام والانسجام بين الدعاة وبين الأمة هو خير وقاية للطرفين.

    وقد قال قوم شعيب لشعيب: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً [هود:91-92] لقد تعللوا برهطه وعشيرته، وامتنعوا عن رجمه وقتله لمراقبة ورعاية رهطه وعشيرته وقبيلته ومن حوله.

    إذاً: التفاف الأمة حول دعاتها، وقاية لعلماء الأمة من ألوان الخسف والإهانة، ولقد مر بالأمة زمانُ علق العلماء على أعواد المشانق وقتلوا، وصب عليهم ألوان العذاب، بل وأحرقوا بالنيران في الميادين العامة، كما حصل ذلك في الصومال، وحصل ذلك في مصر، وحصل في عدن أيام الشيوعية، وحصل في الشام، وحصل في بلادٍ كثيرة، وشوهت صور العلماء في وسائل الإعلام، وعرضوا على أنهم دراويش، ومتخلفون وعلى أنهم رجعيون، وعلى أن هم الواحد منهم أن يجمع عدداً من الزوجات، وعلى أنهم أصحاب عقول عتيقة، وقتل وشرد منهم من شرد وقتل، وكانت الشعوب خلال ذلك كله لاهية تبحث عن لقمة العيش، وتبحث عن الوظيفة، وتقطعت النداءات دون جدوى، وكان الحال حينئذٍ كما قيل:

    لقد أسـمعتَ لو ناديـتْ حياً     ولكنْ لا حياةَ لمن تنادي

    ولو ناراً نفختَ بها أضاءت     ولكن أنتَ تنفخُ في رمادِ

    فالتقاء الأمة بعلمائها، واجتماعها معهم، والوئام والانسجام بين هؤلاء وأولئك؛ هو وقاية للعلماء والدعاة والمخلصين والمجددين والمصلحين من أن تمتد إليهم يد الأذى أو يد التشويه، وهو -أيضاً- وقاية للأمة ذاتها من الانحراف، في عقيدتها أو في سلوكها أو في عبادتها، وذلك لوجود الهداة الدعاة، الذين يبصرونها بدين الله تعالى، ويدعونها إليه، ويحذرونها من سبل الضلال، ولن تجد الأمة قط أنصح لها من أهل الدعوة والعلم، لا في دينها ولا في دنياها، إذاً هم وقاية للأمة في دينها من الضياع والانحلال والفساد، وهم وقاية للأمة في دنياها -أيضاً- من تسلط المتسلطين، فإن العلماء والدعاة والمخلصين هم المدافعون عن حقوق الأمة , وهم المحامون عن مصالحها، دينية أ, دنيوية، وهكذا كانوا عبر التاريخ ولا زالوا إلى يوم الناس هذا.

    لقد جرب العدو -أيها الأحبة- وأدرك أن الشعوب قابلة لأن تتحرك وتثور إذا مست عقيدتها مساً مباشراً.

    إن إحراق المصحف أو هدم المسجد -مثلاً- أو شتم الرسول عليه الصلاة والسلام، أو سب الله تعالى من قبل بعض الكافرين، والمنافقين، إن هذا يثير المشاعر، ويحرك حتى أكثر الناس بعداً عن الدين، حتى المشاعر الخامدة تتحرك.

    وما أخبار المسجد البابلي إلا شاهد عيان على ذلك، كيف تحركت الأمة من أقصاها إلى أقصاها، حيث مس مسجدٌ مساً مباشراً وهدم بصورة صريحة، وقد يسبب مثل هذا الاعتداء على المسجد أو المصحف، أو على الرسول عليه الصلاة والسلام، أو على العالم الرباني، قد يسبب طوفاناً من الغضب يجرف في سيله كل خطط الأعداء. ولهذا فلا بأس من قدر من العناية بالمصحف، وقراءته في الإذاعة، حتى في إذاعة إسرائيل، وإذاعة لندن، وصوت أمريكا، يفتتحون بالقرآن الكريم، ولا بأس أيضاً من تحلية المصحف بالذهب، ولا بأس أيضاً -عند الضرورة- من إنشاء معاهد تخصص للقرآن الكريم، شريطة أن تقتصر على مجرد اللفظ، وإتقان القراءة والتجويد، دون التربية والبناء، ودون الدعوة للعمل بالقرآن، بل حتى التجويد ينبغي أن يكتفى منه بالإدغام والإخفاء ويتجنب الإظهار، كما قال الشاعر:

    وإخفاءٌ وإدغام     وويل للذي أظهر

    أما تفسير القرآن والدعوة إليه، فضلاً عن المناداة بتحكيمه والعمل بشرائعه؛ فهي جريمة عندهم، ربما يصل عقابها إلى القتل أو ما يسمونه بالإعدام، لأن الذي ينادي بذلك خارج عن القانون، ويريد تحطيم مكتسبات الوطن، ويريد العودة إلى عصور التخلف والرجعية، وهو مرتبط بالقوى الأجنبية العميلة، إلى غير ذلك.

    ولا بأس -أيضاً- من تشييد المساجد وتزويقها وتفخيمها، وصرف الأموال لذلك، والإعلان السافر المتكرر عن بناء المسجد على نفقة فلان، وتوسعته على نفقة علان، وترميمه على نفقة فلانة، لكن لا مانع من أن يبنى جوار المسجد كنيسة صغيرة، أو معبد لـبوذا، أو حتى مرقص للترفيه والتسلية، كما رأيناه في عدد كبير من بلاد الإسلام.

    أما المتردد على هذا المسجد ليصلي فيه، فإنه بمجرد أن يصلي الصلوات الخمس يصنف في قائمة المتطرفين، ويعتبر متزمتاً، وتلاحقه أجهزة الأمن وتكتب عنه التقارير، أما إذا أقام درساً في المسجد أو ألقى كلمة، أو التقى بزميل أو زميلين أو قريب أو صديق؛ فهو حينئذٍ رئيس تنظيم سري خطير، أو يعمل تجمعات محظورة، وكم هدمت من مساجد وعطلت عن العبادة الحقيقية دون أن ينكر الناس ذلك.

    إذاً: الناس يغضبون إذا هدم المسجد علانية، أو أحرق المصحف، لكن إذا عطل عن غرضه وهدفه، وسبب وجوده، فإن الناس ربما يغفلون ولا يتحركون، خاصة إذا أُحكم الكيد ونظم المكر، وأيضاً لا مانع من تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، وعدم التعرض له أو المساس بشخصه، وأن يوجد قانون في بعض الدول يحارب ويعاقب من يفعل ذلك، لكن الويل كل الويل لمن يعمل بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن هذا من أكبر البراهين على أنه إرهابي، وعلى أنه يعاني من الكبت الجنسي، وعلى أنه -على أقل تقدير- يستغل الدين لأغراض شخصية، وهو يكفر الدين، والدين من هذا الإنسان براء.

    وخلاصة ذلك أن هناك طريقة واضحة اليوم، وهي تهدئة المشاعر بالمحافظة الظاهرية على أماكن العبادة، والحفاظ الظاهر على أشخاص الملة، أنبياء كانوا أو علماء أو دعاة، وبالمقابل يكون العمل الجاد للحيلولة بين الأمة وبين قرآنها، وبينها وبين مسجدها، وبينها وبين عالمها بشتى الوسائل، ومن هذه الوسائل المتعلقة بالأمة الموجهة لها:

    أولاً: تجنيد الأجهزة الإعلامية لصياغة

    وذلك لصياغة الأمة صياغة علمانية، من خلال البرنامج والمسلسل والأغنية والتعليق الإذاعي والحوار والتغطية الإخبارية؛ بحيث يساهم الإعلام في صياغة الأمة، وتقديم نمط كامل للحياة العلمانية، هو بديل عن دين الله تعالى الذي يحكم الحياة كلها.

    ثانياً: تجنيد الأجهزة التعليمية على كافة المستويات

    وذلك بتخريج الطلاب والطالبات، الذين لا يشعرون بالاعتزاز بدينهم أو تاريخ أمتهم، بل تربوا على أن أهم شيء في الحياة هو تحصيل الشهادة لضمان الوظيفة، أي: البحث عن لقمة العيش، ولو أراق الإنسان في سبيلها ماء وجهه، ولو ضحى من أجلها، وملأ الرعب والخوف قلبه، ولو سكت عن كلمة الحق ولو داهن وجامل ونافق، وتربية الطلاب على أن الولاء الوطني الأجوف للزعيم أو الحزب أو الطائفة أو القبيلة؛ هو الولاء الحقيقي.

    ولذلك كان السعي إلى تجفيف منابع التدين، وتطبيع العلاقات بين الأديان -كما يسمونها- الإسلام مع اليهودية ومع النصرانية، وبالتالي تغيير المناهج الدراسية، خاصة مناهج الدين، ومناهج التاريخ، ولم يسلم هذا التغيير حتى في هذه البلاد، التي تعتبر آخر المعاقل التي تتمنع على أعداء الإسلام وخصومه.

    ثالثاً: سن القوانين الاجتماعية العلمانية

    وهي التي تبيح العلاقات المحرمة بين الجنسين، بل وتشجع ذلك باسم الحرية، وباسم ممارسة الحياة الاجتماعية السليمة من العقد، وفي معظم بلاد العالم الإسلامي تسن القوانين التي تحمي المجرمين باسم الحرية، ولكن هذه القوانين نفسها التي تتيح للإنسان إقامة علاقاتٍ مع امرأةٍ أجنبية؛ لا تسمح للإنسان أن يتزوج امرأةً أخرى على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    رابعاً: إغراق المجتمعات بالمؤسسات والمدارس والنوادي

    سواءً النوادي الرياضية أو الترفيهية أو الاجتماعية، شريطة أن يكون هدف هذه النوادي تربية المجتمع العلماني البعيد عن قيود الدين.

    إن مثل هذه الأساليب السابقة وغيرها، تولد مجتمعاً لا مكان للدين فيه، إلا أنه ترفع فيه المنارات، ويسمع فيه الأذان، وربما كان من الممكن أن يتم عقد النكاح فيه على الطريقة الشرعية إذا رغب الطرفان، وكذلك من الجائز أن يتم دفن الموتى فيه على الطريقة الإسلامية، أما ما سوى ذلك فلا، ونحن نجد نماذج لمثل هذه المجتمعات التي عمل العدو على مسخها، في تركيا اليوم وفي إندونسيا، وهما أوضح نموذج لذلك، ومثله ما عملته اليهودية في دولة إسرائيل مع المسلمين في فلسطين؛ حيث فرضت عليهم العلمانية في القوانين الاجتماعية، وفي المؤسسات والمسلسلات والتعليم وفي سوى ذلك. حتى أنه في بعض هذه الدول تكون نسبة المسلمين (90%)، ومع ذلك تكون الإجازة يوم الأحد ولا أحد يعترض على ذلك، لأنه أصبح قانوناً ملزماً، والجميع تربوا على النظرة العلمانية اللادينية، أما الداعية فإنه يعاني من هذه المجتمعات الأمرين، فهو -كما يقال- مثل صياح القبور.

    وهذا الوضع إذا وصلت المجتمعات إلى هذا المستوى؛ فإن هذا يوحش قلوب المتدينين من أبناء المجتمع، ويجعل ظنهم يسوء بالناس من حولهم، بل وربما أودى بكثير من الناس إلى ممارسة كثير من المعاصي العظام، التي تشمئز منها الأبدان وتقشعر منها الجلود، بل وربما وصل الحال إلى ارتكاب الكفر البواح عياناً وعلانية، بالقول أو بالفعل أو بهما معاً، وبذلك يضعون حاجزاً بين الدعاة وبين هذا المجتمع، المجتمع المنحرف في أخلاقياته وسلوكه، أما دعاة الإسلام فيشعرون أنهم في وادٍ آخر، وربما أصبحوا ينظرون إلى هذا المجتمع نظرةً سيئة، ويعتبرونه موالياً للأعداء ومناصراً للكافرين ضد الإسلام وضد الدعوة والخير؛ بسبب هذا الشر المستطير المنتشر فيه، ومع ذلك؛ فإن هذا الحاجز الذي أقاموه في المجتمعات العلمانية، يمكن تخطيه بالدعوة وبالصبر والمصابرة، وبطول النفس، وبالتوكل على الله تبارك وتعالى.

    ولهذا وجدنا أن حزباً كـحزب الرفاه، الذي كان يسمى حزب السلام في تركيا، وهو حزب إسلامي؛ وجدناه يحصل هذا العام على أكثر من (25%) من الأصوات، ويتجاوز بذلك جميع الأحزاب العلمانية، فيسقط في يد الأحزاب الأخرى العلمانية كـحزب الأمة وحزب الصراط المستقيم، وتندهش وتتعجب، وتقيم الدراسات للنظر في حزبها وبرامجه وقياداته وضرورة التغيير وغير ذلك، والواقع أن هذا هو تجاوب الأمة مع صوت الحق متى خلي بينها وبينه، حتى أن بعض العلمانيين في تركيا يقولون: نحن ندرك أن الخلافة قد تقوم اليوم أو غداً في تركيا، بل ربما في العالم الإسلامي كله، لكن نحن لا نريد أن نراها، يقول الله: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:43] وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32].

    لو قالوا: إن كان هذا هو الحق فنسأل الله أن تأتي الخلافة اليوم قبل غد، وأن نستمتع نحن بها قبل أولادنا، لكن أنى لهم أن يقولوا، إنما قالوا كسابقيهم:فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32].

    أيضاً نحن نجد اليوم في فلسطين، على رغم الجهود اليهودية المكثفة؛ لتغيير عقول وقلوب وأخلاق وعادات وتقاليد الشعب الفلسطيني، من خلال الإعلام المكثف، ومن خلال التعليم والمؤسسات والقوانين، ومن خلال الأساليب الجهنمية، ومع ذلك تجد أن الأمة قد شمرت عن ساعد الجد، وصدقت وعادت إلى دينها، وأنتم تسمعون أخبار منظمة حماس، وهي منظمة إسلامية داخل فلسطين، وهناك نشاط إسلامي أوسع وأكبر داخل الفلسطينيين، سواءً في الأرض المحتلة أو في غيرها، وقد رأيت الذين أبعدوا وعددهم أكثر من أربعمائة، أبعدوا عن ما يسمى بدولة إسرائيل، وهم اليوم بين إسرائيل وبين لبنان لا أحد يقبلهم، رأيتهم وهم جميعاً يشيرون بأصابعهم بعلامة التوحيد، ورأيت كثيراً منهم وعليهم شعار من شعار الالتزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إعفاء اللحى، وهم في الغالب من الأشخاص المتدينين، بل كلهم من المتدينين.

    1.   

    وسائل العزل بين الأمة وعلمائها

    إن هذا يكشف على أنه مهما خطط العدو لجعل المجتمعات الإسلامية مجتمعات علمانية؛ حتى يرفضها الدعاة ويبتعدوت عنها، ويحاربوها ويسعوا إلى تدميرها؛ إلا أنه من الممكن أن يتغلب الدعاة، وأن تتغلب الأمة على هذه الحواجز، ولذلك يسعى العدو إلى لون آخر من الحواجز، وهي الحواجز التي يقيمها في الأمة ضد الدعاة، وهاهنا يأتي الدور الكبير للحيلولة بين الأمة وبين أهل الدعوة والإسلام بكافة الوسائل، ومن هذه الوسائل ما يلي:

    اتهام العلماء بطلب الدنيا بالدين

    أولاً: اتهام الدعاة بأنهم يريدون مقاصد دنيوية، مثل السعي لقلب نظام الحكم، وهي شبهة قديمة، ومع ذلك ما فتئوا من ترديدها وما ملوا منها، ومن الطريف المضحك: أن أحدهم قيل له: أنت تسعى إلى قلب نظام الحكم. قال: لا -هذا في مصر- هو أصلاً نظام الحكم مقلوب، ونحن نسعى إلى تعديله.

    والطريف أن الذين يطلقون هذه الكلمة: (السعي إلى قلب نظام الحكم) هم أنفسهم قلبوا نظام الحكم، فلننظر كيف جاء الرئيس التونسي مثلاً، وكيف جاء الرئيس الجزائري، وكيف جاء الرئيس السوري وغيرهم، كيف جاءوا إلى الحكم، هل جاءوا برغبة شعوبهم واختيارهم؛ أم جاءوا على صهوات الدبابات والمدافع، لقد أطلقتها أجهزة الأمن على شباب دون العشرين وهم لا يملكون إلا مقصات الأظافر يقلبون بها نظام الحكم!!! وإن من السهل توزيع الخبر على وكالات الأنباء العالمية لتطير به في كل مكان، وتتحدث عنه في كل مناسبة؛ حتى لا يبقى أدنى ريب أو شك حتى عند المتحمسين للدين، وحتى عند الغيورين، والعقلاء، والواعين -أحياناً- لا يبقى عندهم شكٌ أن الخبر صحيح، وكيف لا يكون الخبر صحيحاً، وقد تصدر الصحف كلها، ونشر بالخط العريض، وقد اعترف المتهمون بالجريمة وقد وقد...، وهكذا تتنطلي الحيلة عليهم.

    يا أعدلَ الناس إلَّا في معاملتي     فيك الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحكمُ

    أخي: عليك المسارعة إلى ما علمك الله: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] فنحن وسائر دعاة الإسلام، بل وكل مسلم ولو لم يكن داعية معروفاً أو مرموقاً، واجب عليه أن يسعى إلى العمل بشريعة الله سبحانه وتعالى، وتحكيمها في عباده، سواء في دماء الناس أو أعرضهم أو أموالهم وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] والفاسقون الظالمون، وهذا دين الله وقوله، شاء من شاء وأبى من أبى، رضي كم رضي وسخط من سخط؛ لكن اتهام الناس بغير بينة، وانتزاع الإقرارات تحت وطأة التعذيب والتهديد والعسف والإرهاب؛ أمرٌ غير مقبول، ويجب أن يرفضه الجميع، ويرفضوا كل ما نتج عنه.

    لقد سمعت أحد المتهمين الذين أعدموا في قضية سابقة حدثت في مصر، وهو يقول للقضاة: إنني أعرف أنني مقتول، ويشرفني جداً أن ألحق بقافلة الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عز وجل، وإن أجهزة الأمن قد قالت لي قبل أن أحضر هاهنا إلى القاعة أن إذا غيرت شيئاً في اعترافاتي أو إقراراتي التي أخذت مني بالقوة، إذا غيرت شيئاً منها أمام المحكمة؛ فسوف يقتلونني بطريقتهم الخاصة. ثم قال: لأن أقتل اليوم أحب إلي من أعيش تطاردني أشباح الاغتيال والقتل في كل لحظة.

    أيها الإخوة: إن من الأمور العادية أن يتم تزوير اعترافات وشهادات وإدلاءات ونشرها بين الناس، وكما قيل:

    لا يلام الذئب في عدوانهِ     إن يك الراعي عدو الغنمِ

    ومن المقاصد الدنيوية التي يتهمون الدعاة بها أيضاً: اتهامهم بأخذ الأموال واختلاسها، والتشهير بذلك وترويجه بأجهزة الإعلام، مع عدم إعطائهم فرصة حتى للدفاع عن أنفسهم ولو في نطاق محدود.

    اتهامهم بالعمالة لدول أجنبية

    وهذا يعتبر طعناً في الولاء والوطنية، والعجيب أن تلك الجهات التي تتهمهم بالولاء لدولٍ أجنبية؛ هي نفسها ذات ارتباطات صريحة بدولٍ معادية، فهي على صلة بإسرائيل وتعاونٍ وطيد معها، ولها علاقات خفية ومعلنة مع أمريكا، ومع مخابراتها، وتصل إلى حد الولاء والتبعية المطلقة لها، بل وما نشر من أرواق المخابرات السوفيتية والأمريكية؛ يكشف تورط شخصيات كبيرة وشهيرة في مثل ذلك، فالأمر كما يقول المثل: رمتني بدائها وانسلت.

    واليوم أصبحت إيران والسودان محط الرحال، فكل من دعا إلى الله، أو طالب بالحكم بالشريعة، أو علل أو تعلل، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، فإن أسهل ما يمكن أن يقال في شأنه: إنه مرتبطٌ بـإيران ومرتبطٌ بـالسودان، وإيران والسودان منطلق للتخريب والإرهاب والمعسكرات الإرهابية، ويجب أن ندرك أنه كما قيل: من فمك ندينك.

    كنت أتعجب كيف تنشر جريدة الحياة كثيراً من الأخبار المزورة الكاذبة! فإذا بها تصرح قبل أربعة أيام في ردٍ على أحد المراسلين أو أحد القراء، تقول له: إن معظم الأخبار السياسية كاذبة، سواءً نشرتها صحيفة الحياة أو غيرها من الصحف، ولو لم نقتصر إلا على الأخبار الصحيحة لأصدرنا لك ورقاً أبيض أو رسمنا فيها صوراً للقطط والكلاب.

    إذاً يجب أن ندرك أن مثل هذه الدعايات والأقوال المغرضة؛ لا تعتمد على حقٍ ولا على صدق، وقد عجبت أكثر حينما قرأت في خضراء الدمن -أيضاً- خبراً يقول: إن الأردن كانت قد اتهمت اثنين من النواب بتهمٍ، كالإرهاب وحيازة الأسلحة، وغيرها من التهم التي يعتقدون أنها تؤثر في مشاعر الجماهير وتهز قلوبهم وعقولهم، ونشروا وقالوا: إن هناك شاهداً اعترف بأنه هو الوسيط الذي نقل الأموال من إيران إلى هذين النائبين، وإذا بهذا الشاهد نفسه يرسل إلى جريدة خضراء الدمن رسالة يقول فيها: إنني كاذبٌ في هذا الإدلاء الذي قلته، وهذه الشهادة التي قدمتها، وإنما قمت بذلك تحت وطأة الترغيب والترهيب، وقد نشر هذا في قصاصة في الجريدة، وهي موجودة عندي، إذاً لا ثقة بأجهزة الأمن، ولا ثقة بأجهزة القضاء ولا أجهزة الإعلام؛ إذا كانت تتحدث عمن تسميهم بالإسلاميين أو الأصوليين أو المتطرفين أو غير ذلك من العبارات، إذا تكلمت عن رجال الإسلام فلا ثقة بها مطلقاً، والثقة بها في غير ذلك منـزوعة.

    إن مثل هذه الأشياء قد توجد عند الناس، وقد تصور لهم أنكم أنتم أيها الناس بسطاء ومغفلون، وأنكم لا تعرفون بواطن الأمور، فتحملون الأمور على ظواهرها، وتصور أن هؤلاء دعاة، وأنهم مخلصون، وأن قصدهم الخير، وقصدهم الدعوة، أما الحقيقة الخفية الباطنة فهي أن هؤلاء مرتبطون بـإيران، أو مرتبطون بـالسودان أو مرتبطون بجهات أخرى، والخفايا فيها فضائح في هؤلاء المتسترين بالدين، إنهم يخادعون الجماهير بمثل هذا الكلام حتى يقول الإنسان والله يمكن أنني مسكين مخدوع آخذ الأمور بالظاهر، والأمور الخفية لا أعرف عنها شيئاً، على كل حال هما خصمان، أحدهما يملك أجهزة الإسلام ويسلطها على عدوه، ويوجهها كيف يريد، والآخر لا يملك حتى مجرد التصريح لجريدة، وربما يلوذ بالصمت حتى في بعض مجالسه الخاصة وما كل ما يعلم يقال.

    وفي مجلة مهاجرة أيضاً الوطن العربي قدمت تحقيق العلاقات الإسلامية بـأمريكا فما هي علاقة الجماعات الإسلامية بـأمريكا؟

    قالت: عمر عبد الرحمن وهو زعيم الجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد في مصر، أنه مقيم في أمريكا، وقالت: إن حسن الترابي وهو زعيم الجبهة الإسلامية في السودان إنه ذهب وزار أمريكا وكندا، إذاً مجرد زيارة لـأمريكا، أو مجرد إقامة فيها تعتبر عند هؤلاء علاقة بالمخابرات الأمريكية وتعاون مع أمريكا.

    أما الذين يصدرون صحفاً بكاملها في بلاد الغرب، والذين يقيمون علاقات بأكملها مع أنظمة، ويقيمون بعلاقات مع أجهزة مخابرات عربية وغربية؛ فهؤلاء أطهر من السحاب في سمائها، ويجب عليك أن تؤمن بالمتناقضات في هذا الزمن.

    ومثل ذلك: الاتهام بالارتباط الأجنبي، ولو لم يكن بالحكومات، مثل الارتباط بأحزاب أو جماعات أو قوى خفية أو قوى ظاهرة، فإن مجرد الدعوى لا تصعب على أحد، ولكن المطلوب هو الوثائق والأدلة، كما قال الله تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    إن من الممكن أن يتهم المروجون لمثل هذه الأقاويل وهذه الأكاذيب، وهذه الإشاعات الباطلة، من الممكن أن يتهموا بأنهم عملاء لـ(c.i.a) مثلاً، أو للموساد، أو حتى لإحدى القوى العظمى، فما هو المانع من ذلك؟

    وما هو الدليل الذين يدفعون به عن أنفسهم؟

    إن الله تعالى قال: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    وأيضاً لا يكفي أن تأتي لي ببرهان من إنسان مكبل في غياهب السجون، يعاني من ضغوطٍ نفسية وعائلية واقتصادية، وتنتزع منه بالقوة إقراراً ثم توزعه على الناس، أو تشهر به في وجهه، دعه حراً طليقاً وعلى الملأ وفي الهواء الطلق، تقف أنت وإياه على قدم المساواة دون أن تتميز أنت بمزية، ليس لك مزية إعلامية، ولا مكانة خاصة، ولا تسلط خاص، ولا وسائل ولا إغراءات، وحينئذٍ يكون الكلام منكما مقبولاً. أما أن يكون القاضي يملك الوسائل كلها، ويرمي الخصم بكل نقيصة، ولا يسمح له بالدفاع عن نفسه، فإن هذا أكبر دليل على أن كل المسألة لا تعدو أن تكون كذباً في كذب، ولعباً على السذج والمغفلين، ويجب أن لا نكون سذجاً ولا مغفلين.

    إن مسألة الاتهام بالانتماء اليوم أو الانتساب، أو الولاء لدولة أو لجماعة؛ أصبح أمراً رائجاً تروجه أجهزة الأمن في بلاد عدة للتأثير على الناس، وتشويه صور الدعاة، والحط من قدرهم أو التشكيك في مقاصدهم، وأن دوافعهم ليست غيرة للدين ولا للحرمات، ولا غضباً لله ورسوله، وإنما بدوافع خارجية وانتماءات أجنبية، وما أشبه ذلك، فعلى المسلمين أن يكونوا على مستوى من الوعي بحيث يحبطوا هذه التهم.

    وقل لي بالله عليك: ما هو الشيء الذي تريده من الداعية حتى يثبت براءته؟

    هل تريد منه أن يقول لك: هذا كذب؟

    إنه يقول لك بملء فمه: إن هذا كله كذب في كذب في كذب. لكن ماذا تريد أكثر من ذلك؟

    إنسان اتهم بتهمة وليس عليها دليل، هو لا يملك إلا أن يقول لك: إن هذا كذب، ولا يملك هو الدليل، وإذا أردت أن تطلب منه يميناً فخذ يمينه، أما أكثر من هذا فإن الذي يطالب بالدليل هو ذلك الذي يلقي بتلك التهم على دعاة الإسلام، وهي على كل حال كما قيل: شنشة أعرفها من أخزم.

    الاتهام بالتطرف والإرهاب

    أما الأسلوب الثالث فهو: الاتهام بالتطرف والإرهاب، والسعي إلى تحطيم المكتسبات الوطنية والسياسية كما يقال، وضرب اقتصاد البلاد، والسياحة، والمكاسب السياسية، وضرب الاستقلال الوطني.

    إن جميع الصحف المصرية اليوم إلا ما ندر، وجميع الصحف التونسية، ومعظم الصحف الكويتية، تضرب على هذا الوتر، وتصور دعاة الإسلام وشباب الجماعات الإسلامية، بل وشباب الدعوة -ولو لم يكونوا من الجماعات- على أنهم متوحشون، وليست لديهم قدرة على الحوار، وعلى أنهم متعصبون، وأصحاب انفعالات وهياج عاطفي وعصبي، وأنهم لا يستطيعون الحوار مع الأطراف الأخرى، إلا من منطلق أحادي، أي: أنهم يؤمنون بأن آراءهم حقٌ لا يقبل الجدل، وأن آراء غيرهم باطل لا يستحق النظر أو التأمل، وأن خصومهم كفار أو فساق، ويكفرون الناس، وأنهم يمارسون أساليب العنف، إلى غير ذلك.

    إن مثل هذه الأساليب لا تعبر حقيقة عن دعاة الإسلام، فإن دعاة الإسلام يؤمنون بالحوار، وكيف لا يؤمنون به والله تعالى يقول: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    وكيف لا يؤمنون به والله تعالى يقول: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم [العنكبوت:46].

    لكن الذي لا يؤمن بالحوار هو الذي يمارس أسلوب الإسقاط، فهل حاوروا هم شباب الإسلام، ورجال الدعوة؟ هل حاوروهم بالحجة والبرهان، أم حاوروهم بالسب والشتم والتجريح والاتهام، وممارسة أسلوب الإسقاط على هؤلاء والتهرب؟ فمثلاً تجد منهم من يَتهم ثم يَنفي، يَرمي ثم يَهرب، وأقرب مثال: ذلك الكاتب في جريدة الندوة، لقد كتب مقالاً ينادي به ويطالب بضرب المتطرفين والقضاء عليهم، فلما رد عليهم صاحب الفضيلة الشيخ سفر الحوالي، كتب هو في مقال بعدها يقول: إنني لم أكن أقصد أهل هذا البلد، لكنني أقصد المتطرفين في مصر، وفي تونس، والمتطرفين في بلاد أخرى في الجزائر وغيرها، ثم إذا به بعد ذلك بعددين يقول بالحرف الواحد: سفر الحوالي وجماعته من المتطرفين، إذاً لقد أبان عما يخبؤه قلبه، وكشف عن تناقضه، وحدد حقيقة ما يدعو إليه، وهو أنه يدعو -في الوقت الذي ينادي به بالوحدة الوطنية هو وأمثاله- إلا أنهم يدعون إلى ضرب الإسلام والصحوة، وضرب المسلمين والدعاة، وهو وغيره يعرفون أن ضرب الإسلام في هذه البلاد يعني القضاء على كل خيرٍ فيها، فإن هذه البلاد لا وجود لها إلا بالإسلام، وما عرفت استقراراً -في يوم من الأيام- ولا أمناً في غير شريعة الله عز وجل.

    إن هؤلاء لا يترددون موغلون في الكذب والتزوير، والاستهانة بعقلية الجماهير والقراء، فهم يفترضون أن القراء مغفلون، وسذج، وسريعوا النسيان، فلا مانع أن يناقض هؤلاء اليوم ما قالوه بالأمس، ولا مانع أن يستشهدوا بالكلام لنقيض ما هو له، ولا مانع أن يضربوا الأمور بعضها ببعض، ومن أعجب العجب أن الكاتب السيئ الذكر إياه، ذكر بيان سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز في الرد على المتطرفين، مع أن بيان الشيخ -حفظه الله تعالى- إنما كان للدفاع عن دعاة الإسلام في هذا البلد، سواء الشيخ سفر الحوالي أو غيره.

    ولا مانع عند هؤلاء من اتهام الأطراف الأخرى بأنها تعيش حالة من الهستيريا العقلية، وهي الضلالة أو الجنون كما قيل بالنسبة للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو أنهم يعانون أزمات نفسية، فهم يلقون هذا على دعاة الإسلام، أو أنهم يعانون من ظروف اقتصادية، ولذلك أحد الكاركاتيرات التي اطلعت عليها اليوم في بعض الصحف المصرية، أن زعيم جماعة -ملتحٍ وقصير الثوب وعليه عمامة- يعطي واحداً صرة من الذهب ويقول له: خذ سمكة في يدك ولا عشر في البحر. أي: بدلاً من أن تذهب تبحث عن وظيفة فلا تجد، تعال وكن متطرفاً، وأعف لحيتك وصلِّ في المسجد، وهذه الفلوس، أي: أنهم يغرون الناس بالمال، مع أننا نعرف أن هؤلاء مساكين ليس عندهم أموال، من الذي يعطيهم المال؟

    إسرائيل تعطيهم، أو أمريكا، دول الخليج، أو غيرها؟!

    نحن نعرف أن العالم كله يحاربهم، والصحف كلها تسميهم المتطرفين والإرهابيين، ولا تسمح بصوت حقٍ يدافع عنهم، فهم غرباء في هذا الوقت وفي هذا الزمن، ومع ذلك يقول: سمكة في يدك ولا عشر في البحر.

    وكذلك قرأت في جريدة أخرى: أن المتدينات من الفنانات اللآتي اعتزلن الفن، وتبن إلى الله تعالى، والتزمن الحجاب الشرعي؛ أنهن أخذن مالاً من بعض الجهات مقابل الالتزام بالحجاب، أنتم لا تأخذون أموالاً، ولا تقبضون مقابل، وفرج فودة -مثلاً- الذي كان يكتب للدولة لم يقبض مالاً ولا مرتباً!! أما هؤلاء المساكين الذين لا يجد أحدهم لقمة العيش، ويترك من غداءه لعشائه ومن عشائه لغدائه، هؤلاء يقبضون من الشرق ومن الغرب.

    ولا مانع أن يوصف هؤلاء بأنهم يعانون من كبت جنسي، وقد قرأت اليوم في إحدى الكاريكاتيرات أيضاً أن أحد شباب الجماعات الإسلامية صوره في صورة ساخرة، يحاول أن يلحق ببنت، فلما أعرضت عنه وتركته قال لها: أنا أحبك لكن إذا تخليت عني فسوف أشيع في الحي أن الحب حرام! لاحظ كيف يصورون الأمور على غير وجهها! أما هم أصحاب الصحف، والإعلام والسلطة، وأصحاب النفوذ؛ فهم العقلاء، وهم الأسوياء المحترمون النظيفون النـزيهون، ما سرقوا أقوات الشعب، ولا سرقوا المساعدات الخارجية، ولا اضطهدوا الناس، ولا أودعوهم في غياهب السجون، ولا تعاملوا مع المخابرات الأجنبية، ولا اتصلوا بالدول الخارجية، ولا وصلوا إلى الحكم بقوة الحديد والنار، ولا صادروا رغبة الشعب، ولا سخروا كل إمكانيات الدولة لتحقيق مآربهم ومطالبهم.

    إن الألفاظ والألقاب التي يطلقونها اليوم على دعاة الإسلام؛ إنه لا يطلقها إلا من سفه نفسه، أفهذه هي أهوات الحوار لديكم الذي تدعون إليه وتنادون به؟

    إن الذي يصدر في صحفنا المحلية اليوم كما نوهت سابقاً بمثال جريدة الندوة، وأنوه الآن بمثال جريدة الجزيرة فيما كتبه حماد السالمي في أكثر من مرة، عن سب المتدينين وإلصاق تهم التطرف بهم، وأنهم ليس لهم نصيب لا من الدين ولا من العروبة!!

    إن هذا هو طليعة الغثاء الخارجي الذي بدأ يغزونا في الداخل، وأخشى أن يكون وراء الأكمة ما وراءها، فيجب أن يتحرك الغيورون على الدين هنا وفي كل مكان، ويجب أن يُسعى لوقف هؤلاء عند حدهم، وجعل هؤلاء المتكلمين عبرة لغيرهم. إنه إن مرت هذه الكلمات بسلام؛ فسوف نرى سيلاً من التهجم على المتدين في صحفنا، وإنا نعلم أن منكم سماعون لهم، وأنَّ المنافقين متواجدون في كل مجتمع وفي كل مؤسسة، في الإعلام وفي غيره، وهم إن أتيح لهم المجال؛ سوف يعبرون عن أحقادهم ومرض قلوبهم في النيل من المتدينين وسبهم، والنيل من الدين ذاته.

    إنه لا مانع أبداً من المطالبة بمحاكمة هؤلاء شرعاً، واللقاء معهم، ومناظرتهم ومراسلتهم، والرد عليهم، وإخراجهم في بيوتهم وفي مكاتبهم، واضطرارهم إلى أن يتوبوا إلى الله تعالى، علانية، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا؛ ليرتدع بهم غيرهم ويتوقف من كان يضمر في نفسه شراً.

    الاتهام بخدمة أهداف خاصة

    الأسلوب الرابع: هو الاتهام بخدمة أهداف خاصة. كأن يتهم الدعاة بأنهم لا يسعون إلى مصلحة الأمة ولا يهمهم أمر الدين، وإنما هم يسعون إلى تحقيق أهداف جماعة بعينها، وما ذلك إلا للحيلولة بينهم وبين بقية المسلمين.

    إنني أقول لكم أيها الإخوة: إن مجرد الانتماء والانتساب للجماعات التي تكون على الكتاب والسنة، وعلى طريقة السلف الصالح؛ إن مجرد الانتساب ليس حراماً بذاته، وقد قرأت لكم في المجلس السابق فتوى سماحة الوالد عبد العزيز بن باز بحروفها في هذا الجانب، ومن ينتسب إلى جماعة من هذه الجماعات، ليس عليه حرج أن يعلن ذلك صراحة، لأن المسألة لا تعدو أن تكون تعاوناً على البر والتقوى، وليس الانتساب إلى هذه الجماعات عيباً ولا عاراً، ولكن مجرد إلصاق هذه التهمة بفلان أو علان دون أن يقول هو بذلك ولا ادعاه ولا أعلنه؛ إن هذا من أظلم الظلم، وهو من الكذب الذي يجب ألا يلقه المسلمون بألسنتهم.

    إن هذا التصنيف إلى جماعات وطوائف الذي تسعى إليه أجهزة الأمن في بلادٍ كثيرة، وقد أصبح يتسرب إلى منطقة الخليج العربي؛ يجب أن يحارب علانية، والانتساب إلى الجماعات -كما قلت- متى كان مجرد انتساب، لا يشوبه تعصب ولا بدعة ولا هوى؛ ليس عيباً ولا عاراً، ولكننا مع ذلك -معاشر دعاة الإسلام- نرى أن الأفق الأرحب أفق الأمة أوسع وأنظف وأحسن، وبناءً عليه؛ فإن دعاة الإسلام ليسو دعاة جماعة بعينها، ولا يدعون الناس إلى طائفة بذاتها، وإنما هم دعاة إلى دين الإسلام، ولا يقبلون هذه الأطر الضيقة؛ أن يحجموا بها شخصياتهم أو عقولهم أو آراءهم أو نفوسهم، وإن كانوا لا يحاربون هذه الجماعات، ولا يناصبونها العداء، بل هم يصادقونها ويوالونها على البر والتقوى والطاعة، ويتعاونون معها بالمعروف، ويناصحونها إذا رأوا منها ما يوجب النصيحة، وهذا هو الذي أعلمه من هؤلاء الدعاة. ومن ذلك أيضاً: العمل على تكثير الجماعات الإسلامية والطوائف، وتشقيقها وتوسيعها، وضرب بعضها ببعض، حتى يسلم العدو، ويقف متفرجاً؛ على حين يتشابك هؤلاء كما يتشابك الصبيان فيما بينهم.

    إن الغريب قد لا يستطيع ما يستطيعه القريب، فالقريب أبلغ في المحاربة:

    احـذر عـدوك مـرة     واحذر صديقك ألف مرة

    فلربما انقلب الصديق     فصار أدرى بالمضرة

    ولذلك يجب على دعاة الإسلام ورجاله وحملته؛ أن يكونوا فوق مستوى المسائل الشخصية، والمعارك القريبة، وأن لا يقبلوا أن تثار معركة إلا مع عدو الإسلام، أما المعركة مع إخوانهم ومع أحبابهم وأصحابهم؛ فيجب أن لا يستجيبوا لها، وأن يكونوا فوق مستوى هذه المعارك التي هي للعدو لا للصديق.

    الحصار الإعلامي

    الأسلوب الخامس: هو أسلوب الحصار الإعلامي. ففي الوقت الذي يُجند الإعلام فيه لضرب الدعاة، والنيل منهم، وسبهم والتشهير بهم، فإن دعاة الإسلام لا يمكنون من الدفاع عن أنفسهم، بل إنه يستكثر عليهم زاويته.

    بل إنني أقول بصراحة: حتى مجرد ذكر اسم بعض العلماء وبعض الدعاة، ممنوع في الإعلام في أكثر من دولة، مجرد ذكر اسمه، اللهم إلا أن يذكر اسمه لسبه وعيبه وشتمه وتنقصه واتهامه؛ فهذا لا بأس به، وكذلك الحال في الكتب، إنني أضرب لك مثلاً: كتابان يتعلقان بشخص: أحدهما فسح له؛ لأنه يَنال منه ويَرد عليه، أما الآخر فإنه لم يفسح له، على رغم أنه كتاب لا يمت إلى الواقع بصلة، وليس فيه إلا قال الله قال رسوله، وقال أهل العلم، وفيه تقريض لأحد كبار الأئمة والعلماء في منطقة الخليج، وبالذات في هذه البلاد في المملكة وفيه هذه الأمور، ومع ذلك فإن هذا الكتاب لم يفسحَ له؛ لمجرد وجود ذلك الاسم على غلافه.

    ومثله أيضاً: حرب الشريط الإسلامي، والحيلولة بينه وبين الناس؛ أن يسمعوه أو يشتروه أو يتبادلوه، وما زالت القضية حتى اليوم حيلولة بين الناس وبين عددٍ من طلبة العلم والدعاة، لا يستمعون إليهم، ولا تصل إليهم دروسهم ولا محاضراتهم ولا أشرطتهم، على رغم أننا نجد أن هناك ترويجاً في الأشرطة الغنائية -حتى في الصحف- وإعلاناً عنها، وجوائز لمن يشتريها، ونجد هناك إغراءً للمغنين والمغنيات المحليين بالانتشار، ونجد هناك ترويجاً للمسلسلات المحلية، وإظهاراً للفتيات السعوديات على شاشة التلفاز، إلى غير ذلك من الوسائل، هذا نموذج محلي، وهناك نماذج أخرى في جميع البلاد -ولا أستثني- تنصب في الحصار الإعلامي على صوت الحق، وصوت الوضوح والصراحة، ومحاولة الترويج والتشهير للأصوات الأخرى المغرضة.

    1.   

    مداخلــة

    هاهنا مشاركة أرسلها لي أحد الإخوة؛ ولأنها مفيدة ونافعة أحببت أن أقرأها عليكم، وإن لم تكن ذات علاقة كبيرة بهذا الموضوع:

    يقول: في هذا الوقت الذي تشتد فيه ضراوة الكافرين ومن شايعهم من العملاء والمنافقين، ويقود هذا الزحف الأممي على أهل الإسلام دولة الصليب، يبقى جهد الدعاة قاصراً عن دفع هذا الظلم الذي لحق بالإسلام وأهله، وفي أحيانٍ كثيرة يبدو هذا الجهد محصوراً في عمل من الأعمال لا يتعداه الداعية، فيفرغ فيه جل وقته، ويبذل فيه غالب جهده، ألا يمكن أن تتغير تلك الصورة فيكون المسلم -إن صح التعبير- جهازاً متعدد الأغراض -وهذه من الكلمات التي ينبغي أن تنقل لأنها تعبير عن فكرة سليمة- فتكون له مشاركة في وجه من أوجه الخير، والتي ربما تكون في اليوم الواحد أمامه، فيضيف إلى جهده الأساسي الذي اختاره لنفسه جهداً آخر، وكلما سنحت له فرصة أضاف عملاً آخر يرضى الله تعالى به عنه، فيأمر بمعروف وينهى عن منكر، إما بقول أو كتاب، أو زيارة قريبٍ أو صلة رحم، أو دعوةٍ إلى الله ورسوله، أو يفرغ جزءاً من وقته مع زميله في العمل أو صديقه في الدراسة أو جاره؛ للحديث عن شئون المسلمين، وعن قضية حدثت لهم، أو ينشط لتوزيع شريط أو عن أمرٍ ألم بالمسلمين، أو يساهم في الحديث في المسجد بأي صورة، عن معنى آية من آيات القرآن الكريم يختارها، أو حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو يواصل من يرجو فيه خيراً للإسلام والمسلمين، بل وأن يحمل منقطعاً أو يؤوي مسكيناً، ويبلغ رسالة الأنبياء والرسل بسهولة وبساطة ووضوح، وغير ذلك كثيرٌ كثير.

    فإذا عاد إلى منـزله أو أوى إلى فراشه، دعا الله عز وجل للمسلمين في كل مكان، وأسأل الله تعالى أن يعز هذا الدين وأهله، وأن يخذل الكافرين والمنافقين، وأن يشتت شملهم، وأن يمزقهم كل ممزق، وأن يجعل الدائرة عليهم إنه سميع مجيب. وصلى على نبينا محمد وآله وصحبه.

    1.   

    الأسئلـــة

    تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى

    السؤال: تكلمت في القاعدة الثانية عن اليهود والنصارى، وأنهم يجتمعون سوياً أمام المسلمين، ولكن الله تعالى يقول: تحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] أي: يكونون مع بعض بصورة شكلية، وإذا اجتمعنا ضدهم فسوف نكون نحن المنتصرين؟

    الجواب: هذا مثل ما ذكرت لك في موضوع الكيد، كيدهم قوي ومكرهم تزول منه الجبال، ولكن إذا واجهوا المسلمين الصادقين ذهب كيدهم، كما قال الله تعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76].

    أي: إذا جاء أولياء الرحمن ذهب كيد أولياء الشيطان وصار ضعيفا.

    أما إذا واجهو العلمانيين والقوميين والوطنيين؛ فإنهم حينئذٍ منتصرون عليهم.

    أهداف أمريكا في الخليج

    السؤال: نحن أبناء المسلمين وخاصة العرب، الكثير منهم يبرروا ضعف مواقفهم أن الغرب لهم أهداف، وأين دليل حرب الخليج، حيث كان يقول الناس: إن أمريكا سوف تضع قاعدة عسكرية ولها أهداف، ولكنها خرجت مع انتهاء الحرب، نرجو التوضيح؟

    الجواب: في الواقع أن الأمر واضح جداً من خلال حرب الخليج وما كان خافياً بالأمس أصبح واضحاً اليوم، وأصبح الغرب لا يجدون غضاضة في أن يصرحوا به ويعلنوه، فمن أهم الأهداف التي سعوا إليها ضرب أي قوة تواجه إسرائيل. وهذا أصبح معلناً اليوم، حتى أن بعض العلمانيين في بلادنا صرحوا به، لقد ضربت قوة العراق وكان من أهداف ضربها تأمين سلامة إسرائيل، واليوم يقولون: إن إيران تهدد قوة إسرائيل، ولا بد من إيقاف الصادرات إلى إيران، وفرض حصارٍ عليها، ومثلها أي دولة أخرى، وكذلك ما يتعلق بـليبيا، فإن من أهم المقاصد والأهداف: تأمين إسرائيل ومحاولة تدمير أي قوة تواجهها.

    كذلك من الأهداف حماية آبار النفط، وضمان وصول النفط إلى دول الغرب، وهذا لا شك تحقق لهم، ونحن لا نقول إن العراق لا يشكل خطراً، فـالعراق خطر أيضاً، ولكن هناك أخطار أخرى، هناك إسرائيل خطر، وهناك خطر الإسلام الذي يخاف منه الغرب أن يكون مداً متنامياً في العالم الإسلامي كله.

    أيضاً: تدشين ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، القائم على القطب الأحادي، أي على أن الولايات المتحدة المتفردة بالسلطة فيه، كان هو أحد الأهداف المقصودة، وقالوا: إنه لا بد أن يكون الإعلان عن النظام الدولي الجديد وسط طبول الحرب الذي تفرع؛ بحيث يكون له هيبة وتأثير ووقع في نفوس الناس.

    دور أعداء الإسلام في الداخل

    السؤال: ذكرتم مجملاً ومفصلاً أساليب أعداء الإسلام وخططهم في الخارج، فما هو دور أعداء الإسلام في الداخل؟

    هل هو نطاق ضيق وعمل قليل، أم هو تنفيذ لما هو في الخارج؟

    الجواب: أعداء الإسلام في كل مكان هم هم، ولكنهم أحياناً يكونون كفاراً معلنين، وأحياناً يكونون منافقين يستترون بالدعوة إلى العلمانية، أو إلى العلمية وإلى الوطنية، وإلى غير ذلك من الشعارات البراقة، التي تناسب المقام وتناسب الحال، ولكن هم كما قال الله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30].

    الكل يعرفون اليوم من هم أولياء الإسلام، ومن هم محبوه، ومن هم المدافعون عنه، ويعرفون من خصومه وأعداؤه.

    الفقه والواقع

    السؤال: ما رأيك في من يقول: إن تعلُّم أحوال العالم الإسلامي أهم من تعلم أحكام الحيض والنفاس؟

    الجواب: هذا خطأ؛ لأنه لا ينبغي أن نضرب الدين بعضه ببعض، فمن الدين تعلم أحكام الحيض وأحكام النفاس، والوضوء والغسل والصيام والحج والزكاة وغيرها، ومن الدين -أيضاً- أن يتعلم الإنسان ما يحتاجه في أمر معاشه، ومن الدين -أيضاً- أن يعرف الإنسان ما يجب عليه من مساعدة إخوانه ومناصرتهم.

    وأقول: ليس ضرورياً لكل مسلم أن يعرف تفاصيل أحوال العالم الإسلامي، فإذا وجد من يكفي ومن يقوم كفى، لكن ينبغي أن يخاطب المسلمون -أيضاً- بالمساعدة بالمال، والمساعدة بالدعاء في بعض الأمور، وينبغي أن نعلم أنه كما يوجد بين المسلمين من يهتم بأحوال الأمة الإسلامية، ويتحدث عن قضاياها، ويكشف الخطط التي تدبر ضدها؛ ينبغي أيضاً أن يوجد في المسلمين دعاة معروفون مشهورون، همهم تعليم الناس النية الصالحة، وتعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتعليم الناس أحكام العبادة، وتعليم الناس المبادئ العامة، والأصول والقواعد الكلية للدين، كل هذا يجب أن يكون، والمؤسف اليوم أننا قد ننتقد واحداً تكلم ولا نتكلم نحن، فينبغي أن نقول كل ذلك مما تمس الحاجة إليه.

    المنشورات التي فيها بعض خطط أعداء الإسلام

    السؤال: نقرأ كثيراً من المنشورات التي فيها بعض أعمال أعداء الإسلام وبعض خططهم، فهل يصدق كل ما ينشر من هذه المنشورات؟ وهل من الممكن أن تكون غير صحيحة؟

    الجواب: نعم من الممكن أن تكون غير صحيحة، فالأعداء أحياناً يتكثرون ويحاولون إيجاد حرب نفسية كما أشرت عند المسلمين، من جهة أن يشعروا المسلمين بأن الغرب والعدو يملك قوة ضارية وضاربة، وأنه لا سبيل إلى مقاومته وأنه ليس أمام المسلمين إلا التسليم، وأن يلقوا سلاحهم ويطأطئوا رءوسهم، ويتركوا الأمر لعدوهم، فكثيرٌ من النشرات والإخباريات، وكثير من الإحصائيات تعتمد على مثل هذه الحرب النفسية.

    أخبار عن المسلمين

    السؤال: معظم الأسئلة تدور حول أخبار البوسنة، وأخبار الصومال، وما يجري في مصر، وتغيير مناهج التعليم، واستمرار إيقاف الأشرطة؟

    الجواب: حقيقة الحديث عن مثل هذه الأمور طويل، وربما معظمها سبق أن تحدثت عنه، وفيما يتعلق بـالصومال فقد أعلن جماعة من العلماء هناك، وأعلن الاتحاد الإسلامي الجهاد ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وحصلت اشتباكات مع قوة العدو الكافر هناك، وصارت هناك بعض البوادر، وكأن الغرب حاول أن يسبق الأحداث؛ فأعلن -كما أسلفت- عن أنه سوف ينسحب قريباً، وحاول أن يضم إليه بعض الطوائف وبعض الجهات، وحاول أن يغري الناس باستتباب الأمن وبتوزيع المعونات، والعجيب أنهم يقولون: إن الجنود الأمريكيين الذين جاءوا لتوزيع المعونات، كانوا يضعون أيديهم على خدودهم في انتظار الناس، فلا يأتيهم إلا العدد القليل لطلب المعونة؛ لأن الناس ليسو في مجاعة كما صور لهم إلى هذا الحد.

    القوات المسلحة في الصومال

    السؤال: ما هي تصوراتكم تجاه إرسال بعض دول الإسلام قوات إلى الصومال؟

    الجواب: في الحقيقة هذا من الأمور المؤسفة؛ أن تكون الدول الإسلامية تبعاً في هذا لغيرها، وأن يبعث المسلمون قوات تبعاً لغيرهم، لو أن المسلمين كانوا صادقين لكانوا هم أصحاب المبادرة، وعلى فرض أن ثمة حاجة في الصومال إلى قوة تحرس قوافل الإغاثة، كان من الممكن أن تقوم بها دول إسلامية، وأن يكون المسلمون هم الذين يساعدون إخوانهم هناك، أما أن تقوم بها أمريكا بمبادرة من قبل نفسها، حتى قبل أن تستشير الأمم المتحدة ذاتها وترسل ثلاثين ألفاً من قوات المارينـز، ثم بعد ذلك تتوالى القوات الغربية، ثم يطلبون من المسلمين إرسال عدد رمزي من القوات، لمجرد إضفاء الشرعية على ذلك؛ فهذا ِأمرٌ غير صحيح.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.