إسلام ويب

العائدون إلى اللهللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تناول المحاضر في محاضرته عن بعض ما يحتاجه العائد إلى الله، وقبل أن يدخل في موضوعه أَحَبَّ أن ينبه أنه على الناس أن ينظروا إلى واقعهم بنظرة مليئة بالتفاؤل، وأن يقللوا رواية الأحاديث التي تفيد أن الناس هلكى وبيَّن مواضع هذا الذكر، ثم نبه إلى أن هذه الأمة كلما كثر فيها العائدون فإن هذا يعلم منه إرادة الله لهذه الأمة بالخير، ثم استدل على بعض المبشرات التي أخبر بها الصادق المصدوق وما جاء به من عند ربه أن الخير وطريق الخير وإصلاح النفس كلها باقية إلى أن يأتي وعد الله الحق، ثم نبه إلى ثلاث قضايا ليرشد بها ويستفيد منها العائد إلى الله ومن أراد المواصلة على السير إلى الله؛ لأن المسافر قد تعترضه بعض الصعوبات فعليه مواجهة كل صعوبة بعلاجها.

    1.   

    الحديث عن الظواهر الإيجابية والسلبية

    إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فإن عنوان هذه المحاضرة: العائدون إلى الله، وبين يدي هذه المحاضرة، أقدم مقدمة قد تستغرق بعض الوقت ولكنها لا تخلو من فائدة، بل إنني قصدت من ورائها التنبيه إلى قضية تربوية مهمة، فقد يجد بعض الإخوة أنني أميل إلى الحديث عن الظواهر الإيجابية، والأحداث السارة في المجتمع، أكثر من الميل إلى الحديث عن الظواهر السلبية والأحداث المؤلمة، وهذا ليس تعامياً مني عن الواقع وما يجري فيه، وإنما هو استجابة لما أفهمه من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقول كما في الصحيحين: {ويعجبني الفأل} وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، فيفرح بالرؤيا الحسنة يراها هو أو يراها بعض أصحابه، ويكره ضدها، ويعجب للاسم الحسن الجميل، ويكره ضده وقد يغيره كما قد حصل في عدد من الحالات.

    حديث: { من قال: هلك الناس فهو أهلكهم}

    ويصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الذي رواه مسلم- الذين يكثرون من الحديث عن الأحوال السيئة، والانحرافات الفكرية والخلقية في المجتمع، ويرددون هذه الأشياء بمناسبة وبغير مناسبة، بأنهم من أهلك المسلمين، فيقول: {من قال: هلك الناس فهو أهلكهم}.

    ويقول أبو إسحاق صاحب مسلم لا أدري هل الرواية بالرفع أم بالنصب، يعني: أن الرواية لهذا الحديث تحتمل وجهين:-

    الوجه الأول: {من قال: هلك الناس فهو أهلكَهم} بفتح الكاف، فيكون فعلاً ماضياً، ويكون معنى الحديث على هذه الرواية أن من قال: هلك الناس، وأكثر من الحديث عن الانحراف الواقع في المجتمع، فهو الذي تسبب في هلاك المسلمين.

    ولماذا تسبب في هلاك المسلمين؟

    لأنه أشاع في نفوس المسلمين اليأس من الإصلاح، وأشاع في أنفسهم التهاون بالفاحشة والجريمة، وأشاع في نفوسهم اليأس من رحمة الله تبارك وتعالى ومغفرته، وهذه كلها من أعظم أسباب وألوان الفساد.

    الوجه الثاني: {من قال: هلك المسلمون فهو أهلكُهم} بضم الكاف، ويكون معنى الحديث على هذه الرواية أنه أكثرهم هلاكاً، فتكون أهلكهم هنا صيغة تفضيل، ويكون معنى الحديث: إن المكثر من الحديث عن الفساد بمناسبة أو بغير مناسبة هو أكثر المسلمين هلاكاً وأشدهم فساداً، ووجه فساده وهلاكه في هذه الحالة في الغالب:

    أولاً: أنه مصاب بالعجب بنفسه، أو الاغترار بعمله.

    وثانياً: أنه مصاب باستصغار الناس واحتقار شأنهم، إضافة إلى معنى ألمحُهُ في هذه الرواية، وهو أن المكثر من ترداد الفساد وذكر صوره، إنما ينطلق في الغالب من قلب مريض بالشك وبالشهوة، فلذلك تجد أن جميع الصور التي في الواقع تنعكس على هذا القلب الذي هو كالمرآة الصدئة، فكل صورة لا تظهر فيها إلا مشوهة أو مشوشة، حتى لو كانت الصورة في الأصل واضحة أو سليمة، فإنها تظهر في هذه المرآة الصدئة مشوهة أو مشوشة.

    الحديث عن الواقع باعتدال

    إذاً فالرسول صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى أن يكون حديثنا عن الواقع والفساد الموجود فيه حديثاً معتدلاً، لا نتعدى فيه حدود الحاجة.

    وقد يقول قائل في هذا الموقف: إذن هل يجب علينا أن نتعامى عن الفساد القائم والواقع ولا نتحدث عنه، فلا نذكر إلا الخير والصورة المشرقة، ونغمض أعيننا عن الصور المعتمة والقاتمة في المجتمع؟!

    فأقول: كلا، بل إن الحديث عن الفساد وما يجري في المجتمع من انحراف وانحلال هو كالملح في الطعام، إن زاد أفسد الطعام، وإن نقص -أيضاً- أفسد الطعام، بل يجب أن يوضع فيه بقدر، فلا يزيد ولا ينقص، ولذلك لما روى الإمام أبو داود رحمه الله هذا الحديث في سننه أعقبه بكلمة للإمام مالك بن أنس رحمه الله، حيث يقول الإمام مالك فيها عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم السابق: إذا قال ذلك تحزناً لما يرى في الناس -أي في أمر دينهم- فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك عجباً بنفسه، وتصاغراً للناس فهو المكروه الذي نُهي عنه.

    ويشير الإمام مالك رحمه الله إلى التفصيل في معنى هذا الحديث، وأن الحديث عن هلاك الناس يختلف بحسب الظروف والملابسات والمناسبات التي قيل فيها، كما أن الهلاك المقصود في الحديث، يحتمل في ظني معنى آخر، حيث يكون قول: هلك الناس، في الحديث فيه شرٌ من كل وجه، وهو الحديث عن هلاك الناس في الآخرة، فإنك تجد بعض الناس، وبعض الوعاظ يقنط الناس من رحمة الله عز وجل، وهو يقول: هلك الناس، ويشير بذلك إلى أنهم قد هلكوا وعذبوا في الآخرة، ولا طمع لهم في رحمة الله سبحانه وتعالى.

    وهذا لا شك أنه خطأ تربوي وقع فيه كثير من السابقين من أصحاب الملل الضالة والأهواء المنحرفة، كـالخوارج وغيرهم، ووقع فيه بعض أهل السنة من الوعاظ والقصاص الذين يقفون أمام الناس فيقنطونهم من رحمة الله تعالى، فيجب أن نضع الأمر في موضعه وفي إطاره الصحيح.

    ونحن نجد في القرآن الكريم الحديث عن الجنة إلى جانب الحديث عن النار، والحديث عن رحمة الله إلى جانب الحديث عن غضبه، كقوله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:50] ولذلك قال بعض السلف: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، أو كما قال.

    أسباب خطر الحديث عن الفساد الأخلاقي

    وبمناسبة هذا الحديث فإنني أرى أن الحديث عن الفساد الخلقي بالذات، والشذوذ والانحراف والمبالغة في تضخيم ذلك ونشره، أخطر من الحديث عن أي لون آخر من ألوان الفساد، وذلك لأسباب:

    السبب الأول: منها أن الميل إلى الإشباع الغريزي فطرة مركوزة في قلب كل إنسان ذكراً كان أو أنثى، فالحديث عن الفساد في هذا الإطار يحرك منطقة في النفس لصورة قد لا أستطيع أن أصفها لكم الآن، ولكن يمكن أن يدركها كل واحد منكم إذا حاول أن يراقب نفسه وهو يسمع الحديث عن ألوان الفساد، وخاصة -كما قلت- الفساد الخلقي.

    السبب الثاني: أن الأصل في هذه القاذورات التي يتلبس بها بعض الناس هو الستر وعدم الفضيحة، وبقاء المتلبسين بها متوارين عن أعين الناس بعيدين عن ذلك؛ فنشرها وفضحها قد يدخل في إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فلا يحسن كثرة الحديث عنها.

    السبب الثالث: هو أن الحديث في هذه المفاسد ومواطنها قد يصادف قلباً مريضاً أو نفساً منحرفة، فتتحرك إلى مواطن هذه الرذيلة وتقع فيها بقصد أو بغير قصد.

    متى نتحدث عن الفساد؟!

    وقد يسأل سائل، متى نتحدث عن هذا الفساد، وبالذات عن الفساد الخلقي؟.

    فأقول: هناك مناسبات قد يسوغ ويحسن أن نتحدث فيها عن هذا الفساد، وأضرب لها بعض الأمثلة:

    فيحسن بل يجب أن نتحدث عن هذا الفساد إلى من بيده القدرة على التغيير -بأي صورة من صور التغيير- حتى يتحركوا للقضاء على هذا الفساد وردع القائمين به والمتلبسين به.

    وهناك صورة أخرى وهي: إذا علمت -مثلاً- أن هناك إنساناً قد يقع من حيث لا يدري -وهو غافل- في موطن من مواطن هذا الفساد، فعليك أن تنبهه من هذا الموطن لتحذره من الوقوع فيه، لأنك تعلم أنه واقع في غفلة، والغفلة تُزال بالتحذير والتنبيه.

    والصورة الثالثة التي يسوغ ويحسن أن نتحدث فيها عن الفساد وبالذات الفساد الخلقي: أن يكون ذلك لغرض تربوي تقصد فيه بناء جانب معين في نفس المربى، وقد توجد صور أخرى غير هذه الصور التي ذكرت، إنما الخطأ الذي أشير إليه وأرى أنه واقع هو مبالغة البعض في الحديث عن الفساد.

    لا تزال أمة محمد بخير

    أيها الإخوة: تجلس أحياناً إلى بعض الناس، من المتحمسين للخير والمتمسكين، بل والمتشددين، فيبدأ يسرد لك من القصص التي يشيب لها الرأس، سواء في عقوق الوالدين، أو في أنواع الجرائم الخلقية، أو في غيرها... حتى يخرج الإنسان وهو يشعر أن قلبه قد تلوث بما سمع واسود، ولو أنكرت على هذا الإنسان وقلت له: يا أخي، لا تزال أمة محمد بخير، ويجب عليك أن تنظر إلى جوانب الخير المشرقة في المجتمع مثلما نظرت إلى الجوانب السوداء المعتمة؛ اتهمك بأنك مغفل وأنك طيب القلب، وأنك لا تدري، وهو بهذا يصور نفسه بأنه هو الوحيد الذي يدري ويعلم ويدرك ويفهم، وأن غيره ممن ينكر هذا الأسلوب مصابون بالغفلة وعدم الإدراك، وهذا -كما قلت- خطأ تربوي، يجب أن نتفاداه وأن ننبه عليه من يقع فيه.

    1.   

    العودة إلى الله هي الظاهرة الطبيعية

    وبعد أن نقول: إن تلك المقدمة التي قد تكون طالت بعض الوقت أردت منها أن تكون تمهيداً إلى الحديث عن موضوع: العائدون إلى الله، ومن هذا المنطلق خصصت الحديث عن ظاهرة طيبة في المجتمع يلمسها الجميع، وهي اتجاه كثير من الناس -وخاصة الشباب ذكوراً كانوا أم إناثاً- إلى الخير وسلوكهم طريق الإسلام، وعودتهم إلى الله عز وجل تائبين نادمين.

    ومن العجيب أنني بعد أن اتفقت مع الإخوة على عنوان هذه المحاضرة وموضوعها، سمعت بدون قصد عدداً طيباً من الأخبار التي تصب في هذا الوادي، وهذا يدل على أن التوجه إلى الإسلام، وأن الأحداث الفردية التي نسمعها يوماً بعد يوم، تدل على أن الله عز وجل قد أراد بهذه الأمة خيراً.

    وهذه الظاهرة يشتغل الكثير من الناس بتحليلها وبيان أسبابها، وقد أصدرت إحدى المجلات التي تصدر في الكويت عدداً خاصاً تحدثت فيه عن ظاهرة التدين بين الشباب، وما يسمونه أيضاً بالتطرف ويقصدون به الغلو في الدين، واستقطبت فيه عدداً من المختصين وغير المختصين ممن يحسنون الحديث في هذه الموضوعات، وممن ليسوا على نفس المستوى وليسوا بنفس الدرجة، وأشغل بعض هؤلاء أنفسهم بدراسة هذه الظاهرة وتحليلها.

    وأقول: إنني لست أنكر أن كل شيء له سبب، ومن ذلك التوجه إلى الخير له سبب، ولكني أقول: إن ظاهرة الاتجاه إلى الخير والعودة إلى الله ليست ظاهرة غريبة حتى نحتاج إلى تعليلها وتفسيرها، بل هي ظاهرة طبيعية وخلافها هو الوضع الشاذ، وهو الوضع الغريب، فنحن يجب أن نشتغل بالحديث عن أسباب الفساد، ولم انحراف الشباب عن الإسلام، وكيف يعودون إليه.

    أما أن نشتغل بالحديث لماذا عادوا إلى الإسلام، فهذا ليس فيه كبير طائل في كثير من الأحيان -وليس في كل الأحيان- لأنه هو الوضع الطبيعي الذي ننتظره، والذي يجب أن يكون عليه الجميع.

    1.   

    مبشرات دوام الخير في هذه الأمة

    إن هذه الظاهرة هي مصداق لبشارات نبوية أخبر بها سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في العديد من الأحاديث.

    بقاء طائفة من الأمة على الحق

    فالبشارة الأولى التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، هي: ما رواه واحد وعشرون من أصحابه عليهم الصلاة والسلام، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من خذلها ولا من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك} وأمر الله الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم، هو ما أخبر به في الحديث الآخر الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص {أنه إذا كان في آخر الزمان وقبيل قيام الساعة بعث الله تبارك وتعالى ريحاً طيبة، فقبضت روح كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى في الأرض إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة}.

    فهذا هو أمر الله، وقبل هذه الريح لا يزال في أمة محمد قائم بأمر الله، وقائم بالحجة على عباد الله، يهدي بالحق ويعدل به، ويربي الناس على منهج النبوة، وعلى طريقة محمد صلى الله وعليه وسلم، فهذا مصداق لوعد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.

    الوعد بتجديد الدين

    والبشارة الثانية: هي ما رواه أبو داود في سننه وأطبق العلماء على تصحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها} وإذا كان بعض العلماء قد تحدث عن التجديد في القرون الأولى، وأشاروا إلى أن عمر بن عبد العزيز في القرن الأول، وأن الشافعي في القرن الثاني ... وهكذا، فإن المقصود ليس فرداً واحداً، بل إن الراجح من أقوال العلماء أن المجددين لأمر هذا الدين ولهذه الأمة؛ إنما هم طوائف مختلفة من شتى أصناف الناس، بعضهم يجدد أمر العلم، وبعضهم يجدد أمر الدعوة والتربية، وبعضهم يجدد أمر الجهاد والقتال.

    وهكذا لكل لون من ألوان الحياة صورة من صور التجديد يقوم عليها طائفة من الطوائف، ومن العسير أن تنحصر صور التجديد كلها في فرد واحد، ولو أمكن أن يقال ذلك في عمر بن عبد العزيز باعتباره اجمع له ما لم يجتمع لغيره، فإن من العسير -كما قال الحافظ ابن حجر- أن يتحقق ذلك فيمن بعده ممن ادعي لهم وصف الانفراد بالتجديد.

    إذاً: فيجب أن يكون عندنا أمل كبير -ولا أقول أمل- بل يجب أن يكون عندنا قناعة تامة بأن الله عز وجل وعدنا وعداً ثابتاً على لسان رسوله صلى الله وعليه وسلم، أنه سيجدد لهذه الأمة أمر الدين كلما اندرس، وهذا الوعد قائم حتى يأتي أمر الله، وآخر من يجدد أمر هذا الدين هو المهدي أو عيسى ابن مريم عليهما السلام، ولذلك لما تحدث الحافظ العراقي عن المجددين حتى وصل إلى القرن السابع قال رحمه الله في منظومة له:

    والظن أن الثامن المهدي من     ولد النبي أو المسيح المهتدي

    فالأمر أقرب ما يكون وذو الحجى     متأخرٌ ويسود غير مسود

    فظن رحمه الله أن المجدد في ذلك القرن هو المهدي أو عيسى عليهما السلام، وقد تبين لنا خطأ هذا الظن، فقد وجد بعد هذا القرن قرون ولازلنا الآن في القرن الخامس عشر، والغيب بيد الله.

    فتح باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها

    والبشارة الثالثة: هي إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح باب التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فعلى سبيل المثال روى الإمام الترمذي رحمه الله في جامعه عن صفوان بن عسال: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر باباً قبل المغرب مسافته أربعون -أو سبعون- عاماً، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها} وقال: حسن صحيح، وهو كما قال.

    إذاً فباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذا شرط يجب أن يضاف إلى شروط التوبة التي يذكرها الناس، فإذا ذكرت شروط التوبة الأربعة، فينبغي أن يضاف إليها للإيضاح: أن تكون التوبة قبل أن يغرغر الإنسان، وأن تكون قبل أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، وحينئذٍ: لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً [الأنعام:158].

    1.   

    قضايا في طريق الهداية

    أيها الإخوة: إن فرحنا بهذه الظاهرة واستبشارنا بها؛ يوجب علينا أن نحرص على ترشيدها وتوجيهها الوجهة الصالحة، ولذلك أشارك في هذه العجالة في طرح ثلاث قضايا، وأرجو أن تنتبهوا معي لهذه القضايا، لأنني أحب أن تكون موضع نقاش وحديث بيني وبينكم، فهي لا تعدو أن تكون اجتهادات اجتهدت فيها، فإن أصبت فمن الله وبتوفيقه، وإن أخطأت فمني، والله ورسوله منه بريئان.

    عدم القنوط من رحمة الله

    القضية الأولى التي من المهم أن نشير إليها ونتحدث عنها هي: أن التائب إلى الله عز وجل يحتفظ في ماضيه في الغالب، بسجل أسود من المعاصي والخطايا كان يفعلها غير آبهٍ ولا مبالٍ، وسبحان مقلب القلوب وسبحان من جعل هذا القلب ملكاً للأعضاء!

    هذا الإنسان الذي كان بالأمس يقدم على المعصية غير هيابٍ ولا وجل، أصبح -اليوم- ذكر المعصية يقلقه ويؤرقه ويزعجه، وقد يصل الحال به إلى أن يقنط من رحمة الله تعالى وييأس، وهذا مدخل من مداخل الشيطان على التائبين، وهو أن يجعل ذنوبهم وخطاياهم أمامهم؛ فيغلق بذلك باب التوبة والقبول لدى الله تبارك وتعالى أمامهم، وهذا من جانب أمر موجود في كل مؤمن.

    ولذلك صح عن ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيح أنه قال رضي الله عنه وأرضاه: [[إن المنافق يرى ذنوبه كذباب طار على وجهه، فقال به هكذا، وإن المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يوشك أن يقع عليه]] وقد يتعمق وينمو هذا الشعور حتى يتحول -كما قلت- إلى يأس وقنوط، قال تعالى: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] ولذلك كيف نعالج هذا الأمر؟

    أولاً: نعالجه بالنصوص التي تفتح الأمل أمام التائبين، وبالذات أضرب لها مثالاً واحداً، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي أيوب يقول صلى الله عليه وسلم: {لولا أنكم تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم} والحديث ورد في العديد من كتب السنة عن العديد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد يقول قائل: سبحان الله! كيف يُحرِّم اللهُ الذنوب ثم يقول لنا الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟!

    فأقول: هذا الحديث هو علاج وبلسم يوضع في موضعه الصحيح، فتعالج به جراح التائبين النادمين المقلعين، الذين أقلقتهم ذنوبهم حتى كادت أن تودي بهم في مهاوي القنوط واليأس من رحمة الله، وهذا هو العلاج الأول.

    العلاج الثاني: هو أن نفتح أمامهم باب التعويض، بحيث يُكَفِّرُ الواحد منهم عن كل ذنب عمله بعمل صالح يحدثه، يزكي به قلبه ويُصدِّقُ به توبته، فهذه هي القضية الأولى.

    الاستقامة على الطريق القويم

    القضية الثانية: أنه يجب على إخواننا التائبين -ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً تائبين- تحقيق معنى الاستقامة، والحذر من خطرين كلاهما مهلك وكلاهما يهدد كل واحد من هؤلاء القوم، وأرجو الانتباه لهذين الخطرين:

    الخطر الأول: هو التشدد والغلو في الدين كردة فعل للانحراف والبعد عنه، والعلماء يقررون أن كل فعل له ردة فعل مساوية في القوة ومعاكسة في الاتجاه، فمثلاً: لو كان عندك كرة فضربتها برجلك بقوة، فاصطدمت في الجدار ارتدت بقدر القوة التي ذهبت بها، وهكذا بقدر مبالغة الإنسان في الفساد في السابق قد - وهنا أضع خط تحت كلمة قد، لأن الأمر للاحتمال لا للتوكيد وإنما هو خطر أنبه إليه وأحذر منه- يدعو هذا الحال التي كان يعيشها الإنسان والإنسان إلى الغلو والتشدد كما ذكرت، ويتبعه إلى الزيادة والإفراط لمحاولة التكفير عن الماضي، فينتقل الإنسان من طرف إلى طرف.

    ومن الحلول التي أطرحها في هذا المجال:

    أولاً: البحث عن الرفقة الصالحين المعتدلين المجانبين لمذهب التشدد في الدين بما لم يأذن به الله، ولذلك روى الإمام اللالكائي في كتابه شرح أصول أعتقاد أهل السنة والإمام ابن بطة في كتاب الإبانة عن عبد الله بن شوذب رحمه الله أنه قال: [[إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يؤاخي صاحب سُنة يحمله عليها]] إذا نسك يعني: تعبد واتجه للخير-.

    ومفهوم هذه الكلمة: أن من شقوة هذا الإنسان أن يؤاخي صاحب هوى يحمله على هذا الهوى، فيكون الأمر كما قال الشاعر:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    الأمر الثاني: أن يتفقه الإنسان في دينه، والتفقه في الدين يكون بمعرفة القرآن والسُنة وأقوال العلماء المحققين من اللاحقين أو السابقين، ويستعين الإنسان على ذلك بكتبهم وأشرطتهم وغيرها من الوسائل الممكنة في تحصيل العلم ومعرفته، ولذلك أيضاً أنقل لكم قول أحد التابعين وهو الإمام أيوب السختياني رحمه الله، وهو يماثل أو يقارب قول عبد الله بن شوذب من قبل، يقول أيوب السختياني: [[إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى بعالم من أهل السنة]] والحدث هو: الشاب.

    وذلك لأن الشباب إذا لم يلتفوا حول العلماء العالمين الملتزمين بالنصوص الشرعية، تفرقت بهم السبل ذات اليمين وذات الشمال، فعلينا إذن أن نوجه هؤلاء إلى الالتفاف حول العلماء وطلاب العلم والدعاة الملتزمين بالنصوص، وأؤكد على هذه القضية (الملتزمين بالنصوص).

    أما الهوى فكل إنسان يختلج في نفسه الهوى كائناً من كان، ولا يقاوم الهوى إلا التمسك بالنص الشرعي، وأهواء الناس تختلف، فقد تجد من هواه أن يشدد على الناس ويميل إلى كلمة محرم أكثر مما يميل إلى كلمة مباح.

    وهذا النوع من الناس موجود، فليحذر الإنسان أن يميل مع الهوى، والضابط في ذلك هو: أن يلتزم الإنسان بالنصوص الشرعية قرآناً وسُنة، وما يوضحها ويجليها من أقوال العلماء المحققين السابقين واللاحقين.

    الحذر من الاندفاع أمام الحماس والعاطفة

    القضية الثالثة: أن يحذر الإنسان من الانسياق والاندفاع أمام الحماس والعاطفة غير المنضبطة، وقد يندفع الإنسان أمام عاطفته ويلبس هذه العاطفة لبوس الدين وتعظيم حرمات الله، وأضرب لكم قصة طريفة ذكرها عدد من العلماء، وأنقل لكم لفظ الإمام البيهقي في السنن لأنه أقرب إلى إيضاح المعنى الذي أقصد إليه.

    فقد روى الإمام البيهقي في سننه في كتاب الحج، جِماع أبواب جزاء الصيد قصة عن قبيصة بن جابر الأسدي رضي الله عنه وأرضاه قال: [[خرجنا حجاجاً فكثر مراؤنا ونحن محرمون -يعني جدلنا- أيهما أسرع شدّاً الظبي أم الفرس، قال: فبينما نحن كذلك إذ سنح لنا ظبي -وهم على خيولهم أو فرسانهم- فرماه رجل منا بحجر فما أخطأ خششاءه -العظم الناشز خلف الأذن- فقتله، فأسقط في أيدينا، فلما قدمنا مكة انطلقنا إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه -و عمر هو الخليفة يومئذ- قال: فدخلت أنا وصاحب الظبي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فذكر له أمر الظبي الذي قتل قال: فقال عمر رضي الله عنه: عمداً أصبته أم خطأ؟

    قال: تعمدت رميه وما أردت قتله، زاد رجل -راو في القصة- فقال: عمر رضي الله عنه: لقد شرك العمد الخطأ ثم اجتنح إلى رجل -كان عمر بجواره رجل من الصحابة فمال عمر أو التفت إليه -فوالله لكأن وجهه قلب -يعني فضة- وربما قال: ثم التفت إلى رجل إلى جنبه فكلّمه ساعة ثم التفت إلى صاحب الظبي، فقال: خذ شاة من الغنم فأهرق دمها وأطعم لحمها وربما قال: فتصدق بلحمها واسقِ إهابها سقاءً، فلما خرجنا من عنده أقبلت على الرجل والآن قبيصة بن جابر في موقف المتحمس رضي الله عنه، ومن كمال عدله وإنصافه أنه ذكر لنا القصة حتى نأخذ منها الدرس، فـقبيصة بن جابر لم يعجبه أسلوب الخليفة في حل هذه المشكلة، حيث إن عمر بن الخطاب تعرض له مشكلة في الدين فيلتفت إلى واحد من الناس ويتحدث معه ساعة، ثم يلتفت على صاحب الشأن ويقول: خذ شاة فأهرق دمها وتصدق بلحمها واسق إهابها سقاءً، فلم يعجبه هذا الأسلوب، بل تصور أن عمر سيقول له: قال الله كذا وقال الرسول صلى الله عليه وسلم كذا، أو أن يقول له على الأقل انحر ناقتك.

    أيها الإخوة: قال قبيصة: أقبلت على الرجل فقلت: أيها المستفتي عمر بن الخطاب، إن فتيا عمر لن تغني عنك من الله شيئاً، والله ما علم عمر حتى سأل الذي إلى جنبه، فانحر راحلتك فتصدق بها -هذا نموذج للتشديد- وعظم شعائر الله، وأنا أضع تحت هذه الكلمة خطاً (وعظّم شعائر الله) إذاً كم وكم على مدار التاريخ وفي واقعنا القريب من يشددون على الناس بما لم يشدد الله، من باب تعظيم شعائر الله في ظنهم، والحقيقة أن تعظيم شعائر الله يكون بمخالفة الهوى في طاعة الله.

    يقول: فنما هذا ذو العوينتين إليه -يعني الجاسوس سمع الكلمة وأخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- والله ما شعرت إلا به يضرب بالدِّرة عليّ -ودرة عمر لها شأن وخبر في التاريخ، فيضرب عمر بالدِّرة على رأسه- ويقول: قاتلك الله! تَعدَّى على الفتيا، وتقتل الحرام، وتقول والله ما علم عمر حتى سأل الذي إلى جنبه، أما تقرأ كتاب الله، فإن الله عز وجل يقول: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95] ثم أقبل عليَّ وأخذ بمجامع ردائي أو قال ثوبي -وكان هذا الشاب ذكياً فطناً، فلما رأى هذا الشأن من عمر خاف فقال:- يا أمير المؤمنين! إني لا أحل لك مني أمراً حرمه الله عليك -أي: والله لا أحل لك أن تضربني ضرباً لا يحل لك، أو تعاقبني بأي لون من ألوان العقوبة لا يجوز لك- فسكت عمر وأطلقه -ولكنه لم يرضَ حتى لقنه درساً تربوياً هو في الحقيقة درس لنا جميعاً وللأجيال كلها- فقال له عمر: إني أراك شاباً فصيح اللسان، فسيح الصدر وقد يكون في الرجل عشرة أخلاق، تسعة حسنة -أو صالحة- وواحدة سيئة، فيفسد الخلق السيئ التسع الصالحة، فاتق طيرات الشباب]].

    وفي الرواية الأخرى عند البيهقي أيضاً [[وإياك وعثرة الشباب]].

    إذاً: الحل الثالث: هو عدم الاندفاع وراء هوى النفس، وإلباسه لبوس تعظيم شعائر الله.

    عدم التشديد على النفس

    الحل الرابع: هو أن يدرك الإنسان أن تشديده على نفسه، وهضمه لحقوقها، وجوره عليها؛ قد يؤدي به إلى حالة من الكبت والملل من العبادة، ربما تصل في النهاية والعياذ بالله إلى الانحراف والانتكاس.

    وما أشرت إليه من أن الإنسان إذا هضم حقوق النفس الطبيعية البشرية التي خلق وفطر عليها، وجار على نفسه وشدد عليها، وأن هذا قد يؤدي به إلى حالة من الكبت والملل في العبادة وربما تصل في النهاية إلى الانحراف والانتكاس، وهذا هو الخطر الثاني الذي أحب أن أحذر منه.

    فالخطر الأول الذي انتهينا منه: هو أن يكون عند الإنسان ارتداد فعل لما سبق، فيغلو أو يزيد في العبادة والدين.

    والخطر الثاني: هو أن الإنسان قد ينتكس ويرتكس ولو بعد حين إلى الحال التي فارقها، فيعود إلى الانحراف من جديد لسبب أو لآخر.

    ومن الأسباب المرصودة التي يمكن أن يلحظها كل واحد منكم: أن الانحراف قد يكون بسبب ما ذكرت أولاً، من تنكر الإنسان لفطرته وجبلته التي لا تلبث أن تتمرد وتنتفض وتثور؛ فيرجع الإنسان إلى صورة من الانحراف، قد تكون أعنف مما ترك قبل.

    والسبب الثاني: هو الفراغ، فالشاب الذي يكون قد اهتدى إلى هجر المجالس السيئة والمخالطات والأعمال والمجالات التي كان يشغل وقته بها، وكانت تستغرق كل طاقاته ومواهبه، بعد أن ترك هذه الفرص ربما لا يجد من المجالات الخيرية بنفس القوة ما يعوضه ويشغل وقته ويصرف طاقاته إليه، فيترتب على هذا الفراغ ولو بعد فترة، نوع من الحنين إلى الماضي، وإلى بعض الأعمال المنحرفة التي ألفها وتعود عليها، فيشتد ذلك حتى ينتكس الإنسان ويرتكس والعياذ بالله، وهذا خطر، وقد تلاحظون وجود بعض الناس -ولو كانوا قليلاً، ولكن حتى هذا القليل يجب أن نعالجه- قد يعاودون بعض ما كانوا عليه وإن تركوه لفترة من الفترات، فمن العلاج المفيد:

    أولاً: إنه يجب على الصالحين والمستقيمين أصلاً تهيئة الفرص المتنوعة التي تستوعب هؤلاء الطيبين المهتدين وتشغل وقتهم، كالدروس والمحاضرات والمراكز وإقامة الصداقات والعلاقات وغيرها.

    ثانياً: إن هذا القلب التائب يجب أن يرتبط بعدد كبير من القلوب بالحب، والحب هو الرباط الذي يظل ملحاً على الإنسان ويقاوم جميع التحديات، فإذا ارتبط قلب التائب الراجع إلى الله بقلوب عدد من الصالحين بالمحبة، فهذا الارتباط قضاء مبرم على الفراغ، لأنه يشعر باستمرار أن قلبه مشغول بمحبتهم، إن رآهم فرح بهم، وإن غابوا عنه حن إليهم، بحيث يصعب بكل حال أن يفك هذا الارتباط.

    ثالثاً: إنه يجب على التائب أن يكثر من عمل الصالحات في حدود ما تطيق نفسه، دون أن يؤدي ذلك إلى كلال نفسه ومللها، ولذلك قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70].

    فقال العلماء في معنى هذه الآية قولين كلاهما يتعلق بالنقطة التي أتحدث عنها.

    القول الأول: إن من تاب وأقلع عن المعاصي وحسن إسلامه -وهذا الشرط- وعمل الصالحات قلب الله سيئاته في صحيفته حسنات، وهذا المعنى صحيح، وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً فيها، يؤتى برجل فيقول الله لملائكته: نحوا عنه كبار ذنوبه واعرضوا عليه صغاره، فيقولون له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيذكرون له ذنوبه الصغيرة، وهو خائف منها مشفق وجل، فإذا انتهوا مما عنده من الصغائر. قال الله عز وجل: إنني أقلبها لك حسنات، فيفرح هذا الإنسان ويقول: يا رب عملت ذنوباً لا أراها هاهنا}.

    فانظر إلى طبيعتك الطماعة -أيها الإنسان- حتى في هذا الموقف العجيب، فعندما كانت الذنوب ضده وليست في صالحه كان ساكتاً عنها، وبطبيعة الحال لا يذكر بها، والله عز وجل أعلم وهو يعلم أن الله أعلم، لكن طبيعة الإنسان لا تغادره ولا تفارقه، فهو ساكت فلما قلبها الله حسنات قال: يا ربي عملت ذنوباً لا أراها هاهنا.

    ولذلك ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: {يمر بالإنسان يوم القيامة موقف يفرح فيه بسيئاته} والمقصود بالإنسان هاهنا التائب، فهذا هو المعنى الأول، وهذا المعنى يجعل الإنسان:

    أولاً: لا يقنط كما ذكرت في أول الحديث.

    ثانياً: يجعله يحسن إسلامه ويكثر من عمل الصالحات؛ لأن ظاهر الآية وظاهر الحديث مقيد بحسن الإسلام وعمل الصالحات، أما من أسلم وآمن ولم يحسن إسلامه، ولم يعمل الصالحات، فظواهر النصوص على أن سيئاته تمحى عنه ولا تقلب حسنات كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا أسلم العبد فحسن إسلامه، محا الله عنه كل سيئة} وروى البخاري الحديث معلقاً عن مالك بن أنس رضي الله عنه، ولم يشر فيه إلى هذا المعنى.

    إذاً الشرط هو أن يحسن العبدُ الإسلام.

    المعنى الثاني للآية: هو أن الله يبدل السيئات حسنات، بمعنى أن الإنسان بدلاً من أنه كان يعمل السيئات أصبح يعمل الحسنات، فيبدله الله بالشرك إخلاصاً، وبالفجور إحصاناً وعفافاً، وبعمل السيئات عمل الطاعات والقربات، وهذا المعنى يدعو الإنسان إلى أن يعوض عن كل عمل سيء عمله بعمل صالح، وأن لا يكون كما قيل: جباراً في الجاهلية خواراً في الإسلام.

    كما إنني أحب أن أنبه بمناسبة عمل الصالحات، إلى أن الإنسان له خط بياني، فهو يرفع أحياناً ويهبط أحياناً، فالإنسان ليس ملكاً: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] فالإنسان بشر، ولذلك يجد الإنسان من نفسه أحياناً نشاطاً إلى العبادة وإقبالاً عليها، ويجد في أحيان أخرى في نفسه نوعاً من الفتور وبرود الهمة، فيجب على الإنسان في هذا الموقف أن يتذكر ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده من قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل لـعبد الله بن عمرو بن العاص: {إن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد هلك}.

    إذاً: يجب أن يكون الإنسان في ارتقائه أو ضعفه حد أدنى لا ينـزل عنه ولا يقبل لنفسه أن تنحط عنه هذه المرتبة، وهذه هي القضية الثانية التي أشرت إليها، وهي الخطر على التائبين من وجهين: إما أن يغلو فيزيد، وإما أن يشعر بالفراغ أو غيره من الملل فيؤدي بهم ذلك إلى الانتكاس والارتكاس والرجوع إلى حالهم السابق.

    وأختم الحديث بالقضية الثالثة: وأختصر الحديث فيها، وقد أحببت أن أعرض الموضوع كاملاً وإن كنت أشعر أنني أطلت بذلك.

    أنواع التائبين

    والقضية الثالثة: هي في نظري مهمة جداً ليس للتائبين أنفسهم، بل لنا نحن الذين نسمع هذه الأحداث، وإن كنا يجب أن نكون جميعاً تائبين من جميع الذنوب والمعاصي، وهي: أن التائبين على أنواع؛ فليسوا كلهم يجب أن يصنفوا في جدول أو قائمة واحدة.

    النوع الأول: تائب قابل للتوبة

    فمن التائبين من لم يوفق في أول عمره بالتوجيه السليم والتربية الصحيحة، مع أنه يملك الاستعداد أصلاً لذلك، وعنده القابلية له، فإذا وفق هذا الإنسان لموجه أو لكلمة طيبة أو لموقف اهتدى واستنار قلبه بنور الإيمان، وأشرقت نفسه به، وعظم شأن الدين عنده، فجدد لنا بذلك أخبار السابقين، كـخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم من السابقين التائبين، رضي الله عنهم أجمعين.

    بل جدد لنا أخبار الصحابة كلهم فما منهم إلا وقد قارف عملاً من أعمال الجاهلية، فله بذلك أسوة وقدوة، وهم خير أسوة وقدوة، فهذا صنف من التائبين وهم كثير.

    بل إنني أقول: إنهم أكثر التائبين، ولذلك فليفرح التائبون وليقروا عيناً بأن الله عز وجل أوصل قلوبهم إلى مكانها الصحيح، وليحمدوا الله ويشكروه على هذه النعمة، وشكر النعمة نفسه نعمة تستحق أن يشكر الله عليها، وكما قيل:

    إذا كان شكري نعمة الله نعمة     عليَّ له في مثلها يجب الشكر

    فلست أقوم الدهر في بعض حقه     وإن طالت الأيام واتصل العمر

    النوع الثاني: تائب متذبذب.

    ويجب أن ننتبه للصنف الثاني ممن يسميهم الناس بالتائبين، وهم فئة قليلة من الناس يكون شأنهم تذبذب الشخصية واضطرابها، فلا يستقر واحدهم على حال، فأنت تجده اليوم طيباً متحمساً حماساً زائداً، ثم تجده غداً وقد ضعف وتغير حاله، ثم تجده بعد غد وقد اختلف عما كان، وقد تقابله بعد شهر فتجده قد عاد لحاله الأولى، سواء في مظهره أو في مخبره، ومع الأسف أن أخبار هذه الطائفة تشيع في المجتمع، أكثر مما تشيع أخبار الطوائف الأولى.

    ويتداول الناس أنباء تحولاتهم، خاصة إن كانوا على علاقة بأمر يعرفه الناس، فقد يكون الواحد منهم على علاقة بالفن أو الصحافة أو الرياضة أو التمثيل، ويعرفه الناس قبل ذلك، فيتسامعون بأنه اهتدى وصلح وأصبح متحمساً للخير، ثم يفاجئون بعد حين أنه قد ضعف وابتعد واختلف عما كان يعهده الناس، فيشعر كثير منهم أن صلاح هؤلاء القوم كسب عظيم للإسلام، ويتعلقون بهم ويتابعون تحركاتهم، بل لا أبالغ إذا قلت: إن بعض الناس يمنحونهم الولاء، ويعتبرونهم قادة على مستوى معين من الوعي والإخلاص يجب أن يسير الناس خلفهم، ونحن يجب أن لا نسير وراء الطفرات والتأثرات، فهذه الطفرات لا تأتي بخير، ويعجبني أن أتمثل بقول الشاعر:

    يا عجباً من سيرك المدلل     تمشي رويداً وتجي في الأول

    فنحن نريد أناساً من هذا النوع، يمشي رويداً ويجيء أولاً، وكلكم شاهدتم السباقات -مثلاً- سباق الأقدام، فتجد المتسابقين حين يبدءون في السباق يبرز منهم عدد ثلاثة أو أربعة أو أكثر، حتى يخيل للمشاهدين أن هؤلاء هم الفائزون، وتجد الفائزين الحقيقيين في مؤخرة الركب، وما يزال المتسابقون يسقطون واحداً بعد الآخر، أو يضعفون ويهدأ سيرهم، والمؤخرون يتقدمون حتى تأتي النتائج في الغالب مخالفة لتوقعات المشاهدين، ويكون هذا الإنسان الذي يمشي مشياً هادئاً رزيناً متزناً هو السابق، وهكذا نريد في شأن السير إلى الله عز وجل.

    هذه أهم الملاحظات والأفكار التي قلت إنني أريد أن أتحدث فيها، ونيتي ليس أن أتحدث وتسمعوا، ولكن أن أسمع منكم أو من بعضكم ما قد يكون من اعتراضات أو مناقشات أو إضافات ليكون الحديث أكبر فائدة من هذا وأكثر متعة وأبعد عن الضجر، ولكن ضيق الوقت يحول دون ذلك.

    وأسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة النصوح، ويثبتنا على الإسلام، ويهدينا صراطه المستقيم، ويقبلنا في عباده الصالحين. والحمد لله رب العالمين.