إسلام ويب

خواطر في النصر والهزيمةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يكتب الله عز وجل شيئاً للأمة الإسلامية إلا وكان وراءه الخير، حتى وإن توهمه الناس شراً، ومن ذلك الحروب والأزمات التي تمر بها، فإن الجهاد الإسلامي كان مصدر خير عظيم للأمم التي تعرضت له رغم ما حل ببعض أفرادها من القتل والأسر، لكنه كان سبباً في دخول أجيال وأجيال في دين الله الذي أرتضاه وللنصر الذي وعده الله لعباده عوامل منها: تحديد المبدأ وجمع الكلمة والإعداد المادي والتعبئة الشعبية وشرط النصر نصرة الله ونصرة دينه وإقامة شعائره، وإذا كتب الله النصر يُسّر أسبابه وسخر له جنوده الذين لا يعلمهم إلا هو، سبحانه وتعالى.

    1.   

    الحرب ليست شراً محضاً

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعــد:

    أيها الإخوة الأحبة الأكارم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وشكر الله لكم مسعاكم وحرصكم على الحضور والاستماع، وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يكتبه لنا جميعاً أجراً ومثوبة يوم أن نلقاه، وألا يتفرق هذا الجمع إلا بذنبٍ مغفور وسعي مشكور وعملٍ مبرور، وأن يكتب لنا النجاة في الدارين من كل ما يسخطه جل وعلا.

    أيها الأحبة: الحرب شبح مخيف يزلزل القلوب ويخيف الأسماع، فما إن يسمع أحدٌ كلمة (الحرب) حتى يرتقي ويرتمي في مخيلته صورة الآلاف من القتلى من الكبار والصغار، وصورة الدماء التي تسيل، وصورة النيران التي ترتفع وتتوقد، ولذلك ارتبطت الحرب في أذهان البشر -أو غالبهم- بالتدمير والإفناء، وأصبح الناس إذا أرادوا أن يتكلموا عن فردٍ أو طائفة بالذم والنقيصة، وصفوا هذا الفرد أو هذه الفئة أو هذه الأمة بأنها أمة تلجأ إلى العنف وتنادي بالحرب.

    وهذا المفهوم -أيها الإخوة- هو في الواقع مفهوم جاهلي لكلمة (الحرب) بل هو في الواقع مفهوم على الورق، أما على الواقع فما من أمةٍ من الأمم سواء كانت كافرة أم مسلمة، إلا وحين تقلب صفحات تاريخها، تجد أنها خاضت حروباً كبيرة، ودخلت معارك طاحنة، وقاتلت أمماً عديدة خرجت مرة منتصرة ومرة منهزمة، وفي هذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به فإن الحرب ليست شراً بكل حال.

    الخير الناتج عن الجهاد الإسلامي

    فها نحن نرى أن الحروب الإسلامية -وبالمعنى الاصطلاحي الشرعي: الجهاد الإسلامي- كانت خيراً للبشرية كلها، فكم من أممٍ دخلت في هذا الدين على إثر تلك الحروب والغزوات التي قام بها المسلمون، وكم من قلوب انفتحت للهداية بسبب هذه الحروب، وكم من طواغيت أُزيلوا عن عروشهم وتسلطهم على الأمم وحيلولتهم بينها وبين نور وهدى الله عز وجل، ولهذا يقول الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40].

    إذاً: الحرب الإسلامية لم تكن شراً، بل كانت خيراً محضاً للأمة المسلمة التي خاضت الحرب وضحت وبذلت وقدمت فلذات أكبادها وقوداً لهذه الحروب، فكانت خيراً لهم في الدنيا والآخرة عزاً وسعادةً في الدنيا، وفضلاً وشهادةً عند الله تعالى في الدار الآخرة قال تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140] كما أنها كانت خيراً للأمم والشعوب التي حوربت، فأزيلت الحكومات التي كانت تحول بينهم وبين الإسلام، فتركوا وشأنهم ففكروا ونظروا وتأملوا فدخلوا في هذا الدين عن طواعية واقتناع.

    ولهذا يعجبني تصوير الشاعر الهندي محمد إقبال لهذا الأمر وهذا الموقف في قصيدته المشهورة (شكوى وجواب شكوى) حين يقول:

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك      فوق هامات النجوم فخارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما      سرنا على موج البحار بحارا

    لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو          نصب المنايا حولنا أسوارا

    ورءوسنا يا رب فوق أكفنا     نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    ندعو جهاراً لا إله سوى الذي     خلق الوجود وقدَّر الأقدارا

    كنا نرى الأصنام من ذهبٍ     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    إشارة إلى أن المسلمين حين فتحهم للهند كانوا يأتون إلى الصنم المصنوع من الذهب فيكسرونه ويقتلون سدنته فوقه.

    لو كان غير المسلمين لحازها      ذهباً وصاغ الحلي والدينارا

    وكأن ظل السيف ظل حديقةٍ      خضراء تنبت حولها الأزهارا

    فانظر دقة التصوير، لم يكن السيف الإسلامي قتلاً وإفناءً وتدميراً وتيتيماً للأطفال وترميلاً للنساء، بل كان كالحديقة التي تنبت الأزهار حولها.

    إذاً فالجهاد والحرب ليست شراً بكل حال، وإنما هي في كثيرٍ من الأحيان خير، صحيح أن النفوس تكره الحرب، وكما قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

    فقضية أن الناس لا يحبون الحروب، أو يكرهونها ويمقتونها هذا شيء، لكن كونها خيراً لهم ولدينهم أو لمصلحتهم هذا شيء آخر غير مرتبط بذلك.

    وخاصةً أن الله عز وجل شرع لنا الحرب والقتال كما قال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].

    دعوى السلام عند الغرب

    أيها الإخوة: نسمع الأمم الغربية والشرقية اليوم تتشدق بنبذ الحرب والدعوة إلى السلام، فأي سلامٍ هذا الذي يقصدونه وينادون به ويتحدثون عنه في محافلهم الدولية ومجاميعهم وأجهزة إعلامهم؟

    إن هذا السلام يعني أنهم يريدون أن تظل هيمنتهم على البشرية، وألا تقوم الأمم الأخرى المغلوبة على أمرها والمضطهدة؛ بالمطالبة بنيل حقوقها، أو السعي بالتمكين لنفسها.

    إنهم يريدون أن تظل الحضارة بأيديهم وأن يظل الأمر لهم، فكلما وجدوا من هذه الأمم -ولا أقول الأمم الإسلامية فقط، بل أقول أمم الأرض كلها- من يسعى إلى نيل حقه، قالوا: هذا يريد أن يعكر صفونا وهناءة عيشنا فحاربوه.

    هؤلاء الذين ينادون بالسلام كم أقاموا في الدنيا من مجازر؟!

    حتى مع الأمم الكافرة أيضاً، لكننا نضرب مثلاً بذوي القربى من المسلمين في فلسطين، لماذا لم تسل دموعهم لهذه الملايين من المسلمين التي شردت، وقتلت وأفنيت؟

    لماذا لا تتحرك إنسانيتهم وعواطفهم للمدارس التي أحرقت؟

    أين هم من مجازر صبرا وشاتيلا التي فعلها اليهود بالفلسطينيين؟

    أين هم من المخيمات التي لا زال المسلمون يعيشون فيها منذ عشرات السنين وهي لا تكاد تسترهم من أذى الحر والقر؟

    أين هم من شعب أفغانستان المسلم الذي يذوق المرارة وهو شعب مهجر بأكمله، منذ أكثر من عشر سنوات وهو مشرد بعضه في باكستان وبعضه في إيران وبعضه هنا وبعضه هناك، وكثير منهم في بلاد الغرب، في أمريكا وبريطانيا وغيرها؟

    لقد أصبحنا نسمع نغمة جديدة، إنهم يتحدثون عن هؤلاء المجاهدين وقد يصفونهم بالمتطرفين، أو أنهم من ذوي العنف، أو أنهم لا يحبون السلام، كما رموا بذلك المجاهدين في فلسطين منذ زمن، وهي فتوى جاهزة معلبة ضد كل من يعكر صفو عيشهم، مع أن هؤلاء هم الوحيدون الذين أثبتوا -من بين جميع الرايات التي تعلن القتال في الدنيا- ولاءهم وصدقهم للإسلام، لأننا نجد أن كثيراً من البلاد تثور فيها الحروب، فإذا أرادت الدول الكبرى الشرقية والغربية أن تهدأ الحرب عقدت اتفاقية فسكنت الحرب، أما في أفغانستان فعلى رغم ما يسمى بالوفاق الدولي بين روسيا وأمريكا، إلا أن المجاهدين لا يزالون يحملون السلاح.

    الشر يهيمن على البشرية كلها

    إننا نعلم -أيها الإخوة- أن الشر اليوم يهيمن على البشرية كلها، حيث تتحكم فيها الحضارة الغربية، وأعني بالحضارة الغربية بمفهومها الاصطلاحي بشقيها الشرقي والغربي، الشيوعي والرأسمالي، وأن كنا نعلم أن الشيوعية قد انحسرت وتقلصت، لكن لازالت تتشبث ببقايا خيوطٍ لها هنا وهناك، وإن واقع العالم الإسلامي الموجود اليوم وما فيه من تناقض وتناحر وفتن، هو إفرازٌ لذلك الخلاف الموجود أصلاً بين الشرق والغرب، ولا شك أن هذا العالم لا تكاد ترتفع فيه راية تنادي بالإسلام إلا وجدت العداء المستحكم من الشرق والغرب من الشيوعية، والرأسمالية، ومن هذا المنطلق فإن الحرب التي قد نخافها ونخشاها في كثيرٍ من الأحيان قد تحمل بشارات كثيرة للمسلمين بأن أعداءهم هم الذين سوف يتقاتلون، ولذلك فإن كثيراً من المسلمين يدعون ويقولون: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.

    إننا نرجو ونؤمل أن يكون كل أمرٍ يكتبه الله تعالى ويقدره للمسلمين خيراً لهم في عاجل أمرهم وآجله، وأن يكون شراً لأعدائهم كما كان يتفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تقص عليه رؤيا، فكان يقول: {خيرٌ لنا وشرٌ لأعدائنا} فهكذا نحن نقول في اليقظة والمنام، وفي كل أمرٍ يثيره الله عز وجل: خيرٌ لنا وشرٌ لأعدائنا.

    فالحرب ليست شراً محضاً، وكما يقول أحمد شوقي:

    والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا      فالحرب أجدى على الدنيا من السلم

    والشر إن تلقه بالخـير ضقـت به      ذرعاً وإن تلقـه بالشـر ينحسـم

    إن الظلم اللاحق بالمسلمين اليوم ظلمٌ فادح، في ابتزاز أراضيهم، ونـزف دمائهم، ونهب خيراتهم، وتسليط الأعداء عليهم، وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية ومن العيش الكريم، ونحن نجد أن الغرب ينظر إلى الدم النصراني على أنه دم مقدس، في مقابل أنه لا يرى أن للمسلمين حرمة، ولذلك نجد أنهم يغضبون إذا استخدمت روسيا السلاح في الجمهوريات السوفيتية النصرانية؛ كـجمهوريات البلطيق لكنهم لا يرفعون رأساً إذا كانت الضربة بإخواننا المسلمين، فما بال الإنسانية تتحرك للنصرانية ولا تتحرك للمسلم؟!

    أيها الأحبة: إذاً الوقفة الأولى باختصار ليست الحرب شراً محضاً، وقد تكون الحرب إن كتبها الله تعالى خيراً للمسلمين، ونحن لا نتمناها ولا نطلبها لكننا نقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن أبي أوفى:{أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم مجري السحاب منـزل الكتاب هازم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم}.

    فيا أخي الحبيب: ادع بما دعا به نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم: {اللهم مجري السحاب منـزل الكتاب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم، اللهم وانصرنا عليهم} وادع ربك على كل عدو للإسلام ظاهر أو مستتر، معلن أو مخفي، فالأعداء كثر

    ومنهم عـدوٌ كاشر عن عـدائه      ومنهم عدوٌ في ثياب الأصادق

    ومنهم قريب أعظم الخطب قربه      له فيكم فعل العدو المفـارق

    لا أقول كما كان يقول بعض الغرب: اللهم اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيلٌ بهم، نحن نقول: كلا. بل اللهم اكفنا شر أصدقائنا وشر أعدائنا، فإننا بدون عون الله تعالى وتأييده ونصره لا نستطيع أن نصنع شيئاً أبداً.

    1.   

    المدافعة سنة الحياة

    الوقفة الثانية: هي أن الله جعل نظام الحياة والبشرية في هذه الدنيا يقوم على أساس المدافعة كما قال الله عز وجل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة:251] وقال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] ولهذا فالحياة البشرية من يوم أن خلق الله أبونا آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا تخلوا أبداً من عداوات هنا وهناك، وخصومات متنوعة مختلفة، وحروبٍ تقوم هنا وحروبٍ تقوم هناك، وأحلافٍ تقوم هنا وأحلاف تنفض هناك.

    إذاً: فنظام الحياة البشرية جعله الله قائماً على مبدأ المدافعة -أو ما يسمونه بمبدأ الصراع- الصراع بين الخير والشر بل وحتى الصراع بين قوى الشر بعضها مع بعض، وهذا الصراع بين قوى الشر بعضها مع بعض لا شك أنه في مصلحة الإسلام، صراع الكافرين مع الكافرين، صراع النصارى مع اليهود -مثلاً- صراع الشيوعيين مع اليهود والنصارى، فصراع الأمم الكافرة بعضها مع بعض هو لا شك خيرٌ للإسلام، ولا يمكن أن تخلو الحياة البشرية من مثل هذه السنة بحالٍ من الأحوال.

    إن فكرة أن ينفرد شعبٌ من الشعوب أو أمة من الأمم فقط بالسيطرة والهيمنة على مقدرات الكون والدنيا وخيرات الشعوب؛ وعلى الأمم كلها، وأن تصبح الكلمة الأخيرة ويصبح القرار الأخير بيدها هذا تصورٌ بعيدٌ عن معرفة سنن الله تعالى في الكون، ولذلك تجد إلى وقتٍ قريب أن الصراع كان قائماً بين الشرق والغرب، بين الرأسمالية في الغرب وبين الشيوعية في الشرق، فبعدما حصل التخلخل والانهيار في النظام الشيوعي هل تتصور أن الغرب تفرد بحكم البشرية، وآل الأمر إليه وانتهت السنة الإلهية في دفع الأمم بعضها ببعض؟

    لا أبداً، لا تتصور هذا بحالٍ من الأحوال، فدفع الله الناس بعضهم ببعض قائمٌ باقٍ إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

    فوائد تعدد القوى السياسية المهيمنة

    ولعلي أشير إلى أن الفترات التي يخبو أو يضعف فيها هذا الصراع بين قوتين كبيرتين هي من الفترات التي تكون تعيسة بالنسبة للمسلمين، لأنهم حينئذٍ يكونون أمام قوة واحدة تتحكم فيهم بدون منافس، لكن حين تسترخي هذه القوة، فإنهم يستفيدون منها من وجوهٍ عديدة، كما حصل بالنسبة للاتحاد السوفيتي مثلاً.

    أولاً: أنهم -كما يقال- تنفسوا الصعداء داخل الجمهوريات السوفيتية، فبدأنا نسمع عن إقامة بعض المساجد، وإقامة بعض المدارس، وتوزيع مصاحف أو كتبٍ إسلامية، وصلات مع بعض الجمعيات الإسلامية، ولا شك أن هذا العمل لا زال عملاً محدوداً قليلاً لا يكاد يذكر بالقياس -مثلاً- إلى انتفاع اليهود من هذا الانفتاح الذي حصل على الشيوعية، لكن لو كان المسلمون أقوياء لاستطاعوا أن يستفيدوا من هذا الانفتاح فائدة كبيرة.

    المهم أن استرخاء هذه القوة كان في صالح المسلمين من حيث أنهم استفادوا من الانفتاح في مد الجسور إلى إخوانهم المسلمين داخل ما يسمى بالسور الحديدي الشيوعي.

    الفائدة الثانية: أنهم حين يكونون أمام جهات متعددة كلها تخطب ودهم وتسعى إلى إرضائهم، فإنهم يستطيعون أن يستفيدوا من بعضهم ضد بعض، كما يستفيد صاحب السلعة، الذي يجد عدداً من الزبائن يريدون أن يشتروها، فهب أنك صاحب سلعة في دكانك وأتاك زبون واحد لهذه السلعة يستطيع أن يشتريها منك بما غلا ورخص من الثمن، لكن لو كانت هذه السلعة يتنافس عليها خمسة أو ستة كلهم يريد أن يشتريها لأمكن أن يتزايد عليها حتى يرتفع سعرها.

    استفادة المسلمين من تعدد القوى

    إننا لو كنا أمام مجموعة من الدول كلها تتنافس على نيل السيطرة والهيمنة على البشرية اليابان -مثلاً- وفرنسا وبريطانيا، وأمريكا، وروسيا، وكل دولة تنافس الأخرى، لكان المسلمون يستطيعون أن يستفيدوا من هذا التناقض، وهذه الحرب القائمة بين هذه الرءوس المتعددة، ويحرص كل طرف من هذه الأطراف على نيل رضاهم، وكسبهم إلى صفه والانتفاع من خيراتهم الكثيرة الموجودة في بلادهم، ومن أعدادهم الغفيرة ومن إمكانياتهم الهائلة، ومواقعهم الاستراتيجية المعروفة، لكي يستفيد من كل هذه الأشياء ويستفيد المسلمون بالتالي، لكن حين يكون الزبون واحداً فقط، فإنه يتحكم كما يشاء دون أن يجد من ينافسه.

    ولذلك فإنني أقول: إن هناك دولاً لو تقدمت في المضمار العالمي، لكان هذا -إن شاء الله- خيراً للإسلام والمسلمين، وأضرب مثلاً بقضية اليابان، فقد أصبحت -كما تعلمون- تتقدم في اقتصادها وتصنيعها، وتتقدم في علومها وتقنيتها بشكلٍ كبير، ولا شك أن اليابان على ما فيها أفضل للمسلمين من الدول اليهودية أو النصرانية، فـاليابان دولة وثنية لا تختص بدينٍ معين، ولذلك فهي معرضة لأن تتقبل الإسلام.

    فالوثنيون إذا رأوا نور الإسلام والوحدانية، وضياء الإيمان أشربته قلوبهم وأقبلوا عليه لأنهم لم يتمسكوا من قبل بدينٍ سماوي أو شبهة دين سماوي، بخلاف اليهود والنصارى فإنهم يعتقدون أن معهم وثيقة -كما يزعمون- من السماء وهي الإنجيل والتوراة، ولذلك يتشبثون بها ويرفضون ما عداها، فاليابانيون في غالبهم وثنيون.

    أمرٌ آخر هو مبنيٌ على الأول أن اليابان كدولة وثنية لا تحتفظ بتاريخ من الصراع والحروب مع المسلمين، بل تاريخها مع المسلمين تاريخ عادي، ليس هناك أية خلفيات معينة،بخلاف اليهود والنصارى -والشيوعيين- فإنهم يحتفظون بتاريخ طويل من المعارك مع الإسلام ومع المسلمين، وهذا التاريخ يؤثر فيهم ويصنع عقولهم ويتلقاه صغارهم عن كبارهم، وهو عبارة عن منهج يتربون على وضعه.

    وحين أقول: اليابان لست أعني أن الأمة الإسلامية ستظل إلى الأبد أمة ضعيفة تأخذ من فتات موائد الآخرين إما من الشرق وإما من الغرب، وإما من الشمال أو الجنوب، فليس هذا هو قصدي بالكلام.

    مثلما يضربون في المثل العامي ويضحكون من رجل كان يقول: اللهم إني أسألك أن تغني فلاناً حتى أستدين منه، لا. نحن لسنا نسأل الله أن يرفع دولاً أخرى حتى ننتفع منها، كلا. لكننا نعلم أن نظام الحياة محكومٌ بسنن، والله عز وجل وضع في هذا الكون سنناً مطردة.

    وليس صحيحاً أن الأمة الإسلامية التي عاشت قروناً في ضعفٍ ونومٍ عميق وسبات طويل، وما زالت لم تضع قدمها في الطريق الصحيح؛ سوف تنهض بين يومٍ وليلة وتصبح رائدة في مجال العلم والتقدم البشري، وتقود الأمم كلها، هذا أمر سيكون بإذن الله تعالى كما وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو كائن لا محالة، لكن لا يمنع أن يكون هذا أمرٌ يقع بالتدريج وأن تكون الأمة المسلمة تترقى شيئاً فشيئاً ويصنع الله لها بحكمته ورحمته سلماً ترتقي من خلاله إلى ما أراده لها.

    ومن هذا أن توجد دولٌ عديدة تسعى إلى كسب ود المسلمين ونيل رضاهم والانتفاع بما لديهم، فتتنافس هذه الدول ويستفيد المسلمون من هذا التنافس.

    القيام بالأسباب وعدم انتظار المفاجآت

    إن الأمة الإسلامية لا يجوز لها أن تخضع أو أن تتوقع أنها خاضعة لنظام الطفرات والمفاجآت وأن تعلق أملها دائماً بانتظار المصادفات، بل ينبغي أن تعرف السنن التي وضعها الله تعالى في هذا الكون، وأن تسعى إلى الطريقة الصحيحة وعبر تدرج إلى أن تتلافى النقص الموجود في حياتها، فلا بد من فعل الأسباب وهذا لا شك يتطلب منا وقتاً.

    وخلاصة الوقفة الثانية: أننا نؤمل أن كل ما يجريه الله تعالى في هذا الكون يكون سبباً في بروز قوى جديدة في الكون، ودول جديدة تتنافس على مركز الصدارة ليستفيد المسلمون من هذا التنافس لمصلحتهم بدلاً من أن يكون زبوناً واحداً فيتحكم فيهم كما يشاء.

    1.   

    عوامل النصر

    وقفة ثالثة: لم تدخل الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل معركة واحدة وقوتها أكبر من قوة عدوها أبداً، اللهم فيما ذكر في معركة حنين ولعلها من المعارك النادرة التي دخلها المسلمون وكانت قوتهم أكبر من قوة عدوهم، ولعله من العجيب أن ينهزم المسلمون في أول تلك المعركة، كما قال الله عز وجل: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] فانهزم المسلمون في أول الأمر في حنين لأنهم اعتمدوا على قوتهم ورأوا أنهم لن يغلبوا، فلم تغن عنهم هذه القوة شيئاً مصداقاً لقول الله عز وجل: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19].

    فلم يدخل المسلمون معركة من المعارك بقوتهم الذاتية ولم تكن أسلحتهم أقوى وأفتك من أسلحة عدوهم، وعددهم أكثر من عدد عدوهم، بل إن الله عز وجل يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] أي: أن المهم ألا تقصروا أنتم في جمع القوة التي تستطيعون، وبعد ذلك دعوا الأمر لله عز وجل فإنه يصل قوتكم بحوله وقوته فينصركم على عدوكم، ولكن لا بد من إعداد ما تستطيعون، أما ما لا تستطيعون فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    ولما دخلت الأمة معتمدةً على قوتها في أي معركة؛ فإنها كانت تنهزم وتخرج من المعركة خاسرة ذليلة، كل أمة دخلت المعركة -وخاصةً الأمة الإسلامية- معتمدةً على عددها وعدتها فهي أمة منهزمة.

    إنما المسلم كالفلاح الذي يضع الحب في الأرض ثم يرفع يده إلى السماء وينتظر أن ينـزل الله تعالى المطر: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:63-67].

    إذاً أنت تفعل السبب ثم ترفع يدك إلى الله عز وجل؛ لأنك تعلم أن السبب وحده قد يجني عليك، وكما قيل:

    إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى            فأول ما يجني عليه اجتهاده

    كم من إنسان فعل سبباً يحسب أنه في صالحه، فكان هذا السبب هو أعظم وسيلة إلى فشله! كم من أمة افتعلت حرباً تظن أنها سوف تكسبها فخرجت من هذه الحرب منكسة الرءوس مهزومة ولم تقم لها بعدها قائمة! فلا يجوز أن تعتمد الأمة على قوتها أو قدرتها فقط، والمطلوب من الأمة على كل حال أمور:

    تحديد المبدأ أو الهدف

    الأمر الأول: تحديد المبدأ الذي قامت ووجدت عليه والذي تقاتل من أجله ألا وهو الإيمان، وإذا كان المبدأ الذي نقاتل من أجله هو الإيمان فعلاً فإنه لا خوف علينا، كيف نخاف من هزيمة والله عز وجل يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] فالنصر في الدنيا للمؤمنين، وكذلك النصر في الآخرة يقول عز وجل: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] ويقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    إذاً فالنصر حليف المؤمنين، وإذا كانت الأمة قامت وقاتلت من أجل الإيمان فإن هذا الإيمان هو الذي يضمن لها بإذن الله عز وجل النصر.

    فلابد أن نقاتل من أجل المبادئ لا من أجل المصالح، فيكون القتال من أجل الدين والعقيدة، ومعنى هذا أننا حين نقاتل لا بد أن نشعر أننا أمة مجاهدة في جميع الظروف والأحوال، أمة تشعر بأنها أصلاً ما صارت أمة لأنها أمة عربية -مثلاً- أو لأنها أمةٌ في بلدٍ معين، أو لأنها تنتسب إلى عرقٍ معين، إنما صارت أمة لأنها تدين بدينٍ معين، وتعتقد عقيدة خاصة، ومستعدة أن تموت من أجل هذا الدين وهذه العقيدة، ولسان حالها يقول:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً      على أيٍ جنبٍ كان في الله مصرعـي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ      يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ

    فحينئذٍ تدخل هذه الأمة المعركة بسلاح الإيمان، وتكون أمة عقائدية لم ترتع في النعيم وتَعْم من الشهوات وتخلد إلى الترف والراحة وتطمئن إلى ما هي فيه، ولم تنس الهدف الذي قامت من أجله، وهو هدف الدعوة إلى الإيمان، ولهذا كان حال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب كما علمتم -مثلاً- في معركة بدر لما احتدمت المعركة أو كادت أن تقوم؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم على حالٍ معين، ما هي تلك الحال؟

    وهو زعيم الأمة وقائد المعركة الحقيقي وأكبر رأس للمسلمين وأكبر قائد لهم، انظر كيف كانت الحال التي يعيشها صلى الله عليه وسلم عند قيام المعركة، لم يأمر صلى الله عليه وسلم أن تضرب الطبول، ولا أن ترفع أناشيد وطنية -مثلاً- ولا لافتات ولا شيء من ذلك، إنما دخل صلى الله عليه وسلم في العريش الذي بنوه له ورفع يديه إلى السماء يبتهل ويبكي ويقول: {اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم، وظل يدعو ويبتهل إلى الله عز وجل حتى سقط رداؤه صلى الله عليه وسلم عن منكبه من شدة ابتهاله ورفعه يديه إلى السماء، حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! كفاك مناشدة ربك فإن الله تعالى منجزٌ لك ما وعدك}.

    فهي في حال الحرب هكذا حالها، وهكذا شأنها شدةً في الإقبال على الله، وصدقاً في التوكل عليه، وإقبالاً للقلوب إليه، وبراءة من الحول والقوة إلا من حوله جل وعلا وقوته وتوبةً نصوحاً له، ليست توبةً باللسان، بل توبة حقيقية تظهر آثارها في الواقع.

    هذا كان حالها في شأن الحرب، لكن في حال السلم كيف كانت؟

    هل كانت أيضاً أمة رخوة مترفة ضائعة، أمة قد غرقت في النعيم، ورضيت بأن تسكن في المسكن المرتفع والقصر الفاره وتركب السيارة الفخمة وتأكل من أطايب الطعام وتحضر المباريات الرياضية -مثلاً- وتسمع الأناشيد أو الأغاني العاطفية ويكفيها هذا في حياتها أبداً؛ حتى في حال السلم كانوا يشعرون بأنهم في حالة مرابطة دائمة.

    ولعلي أضرب مثلاً واحداً لهذا أيضاً وهو في الصحيحين، وهو قصة عمر رضي الله عنه التي يرويها عنه ابن عباس، يقول عمر رضي الله عنه: [[كنت اختلف أنا ورجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينـزل يوماً وأنـزل يوماً، يقول: فإذا نـزل جاءني بالخبر -خبر الوحي من السماء- وما نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حدث في المدينة، وإذا نـزلت أنا أتيته بخبر ما نـزل من الوحي وما حدث في المدينة، قال: فطرق عليَّ يوماً الباب طرقاً شديداً فخرجت إليه فزعاً مذعوراً فقلت: ما شأنك يا فلان؟

    قال: حدث اليوم أمرٌ عظيم.

    قلت: ماذا؟

    هل جاءت غسان؟

    قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لحربنا وقد امتلأت قلوبنا منهم رعباً]].

    إذاً كان المسلمون إما في الحرب أو ينتظرون عدواً يغير عليهم، لأنهم يعرفون أن مقتضى اجتماعهم على عقيدة الإيمان يعني أنه لابد أن يتنادى الأعداء لحربهم، ولهذا حتى في حال السلم كان الواحد منهم إذا طرق عليه الباب طرقاً شديداً ماذا يتصور؟

    الواحد منا -اليوم- لو طرق عليه الباب، وشعر أن الطارق منـزعج، لقال: ربما قتل ولدي، أو ربما دهس، أو ربما صُدِمَتْ السيارة، وربما كذا، وربما كذا، فتصوراتنا قريبة جداً ومحدودة، لكنه لما طرق الباب عليه طرقاً شديداً تصور أنه ربما تكون غسان والدول التي كان المسلمون يتسامعون أنها تنعل، وتعد العدة لحربهم أنها قد قدمت وأنها على مشارف المدينة، هذا أول ما بدر إلى ذهن عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقال له أخوه الأنصاري: [[كلا. بل طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه]] فالمهم أن هذه الأمة منذ وجدت أمة ميزتها أنها ذات هوية وعقدية واضحة، وهذه مشكلة كبيرة أن ينسى الناس عقيدتهم أو هويتهم التي اجتمعوا من أجلها ويغفلوا عن ذلك.

    يا إخواني! حتى الأمة التي اجتمعت على عقيدة منحرفة إذا أخلصت لهذه العقيدة فهي أقرب إلى النصر من أمة لها عقيدة صافية، لكنها قد نسيتها وغطى الغبار عليها، فأي مجموعة تجتمع على عقيدة أو على مبدأ -حتى وإن كانت منحرفة- تضحي في سبيلها، نحن نعلم أن هناك من قتل -مثلاً- من أجل يهوديته، وهناك من قتل من أجل نصرانيته، وهناك من قتل من أجل شيوعيته، وهناك من قتل من أجل باطنيته ورافضيته، فكذلك ومن باب أولى.. ينبغي أن تكون للمؤمن كفرد ولأمته ولمجتمعه ودولته هوية واضحة لا غبار عليها؛ وهي أننا أمة اجتمعت على الإيمان والعقيدة الصحيحة، فمن أجلها نقاتل ومن أجلها نسالم، وهي التي تحكم جميع تصرفاتنا ولا نكتفي بأن نعطي العقيدة كلامنا الطيب وألفاظنا الجميلة وخطبنا الرنانة.

    هذا لا يكفي، لابد من هذا ولابد معه أن تكون العقيدة واقعاً يهيمن على جميع تصرفات حياتنا.

    التعبئة الدائمة

    أمرٌ آخر لا بد أن تعده الأمة بعد الإيمان وهو التعبئة الدائمة، وذلك لأن الإنسان من طبيعته أن ينسى، والإيمان قد يغطي عليه الغبار، والنفوس تخلد إلى الراحة والترف ويفعل فيها النعيم والترف شيئاً عظيماً من الضعف؛ وحب العافية وإيثار السلامة وكراهية الجهاد والتضحية، وهنا تأتي وسائل التربية والإعلام في الأمة.

    إن دور وسائل الإعلام في الأمة أن تنفخ هذا الغبار دائماً وتنفخ في الأمة روح الجهاد والبسالة، والتضحية، والفداء، بحيث أن هذه الوسائل تؤدي دورها بشكلٍ صحيح، في تصحيح العقيدة، والسلوك، والدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، وتحديد من هو العدو ومن هو الصديق هذه مهمة وسائل الإعلام في الأمة الإسلامية.

    أيها الإخوة: إن الناس إذا وقع لهم ما وقع فإنهم يحتاجون من يذكرهم بالله عز وجل، ويشدهم إلى الإيمان، يذكرهم بوجوب التوبة، ووجوب الاستغفار، ووجوب الذكر والدعاء، ورفع القلوب إلى الله، والتوكل عليه عز وجل إلى غير ذلك من المعاني التي تحتاجها الأمة، فما بالك إذا كان إعلام الأمة مشغولاً بأمورٍ أخرى بعيدة كل البعد عن هذا، وكأنه لا يعيش في حالة حربٍ حقيقية، فتجد أنه مشغول بأمور أحسن ما تقول عنها: أنها تافهة، لسنا بحاجة إلى طبق اليوم، كما أننا لسنا بحاجة إلى النكت والطرائف، كما أننا لسنا بحاجة إلى تمثيليات شعبية، كما أننا لسنا بحاجة إلى قصائد، فهذا كله قد لا يكون له حاجة أصلاً، وبعضه يمكن أن يكون له حاجة في وقتٍ آخر، لكن الأمة بحاجة إلى تعبئة قوية تقوم بها كل وسائل الأمة التي ائتمنتها الأمة على أفلاذ أكبادها وعلى عقائدها وأخلاقها ودينها أن تقوم بدورها الحقيقي في هذا المجال.

    أيها الإخوة: لعلي أضرب مثلاً واحداً كلكم تسمعون ما يأتي بأجهزة الإعلام من التنبيه على الوسائل الوقائية التي يتقي بها الناس في حال وجود غازات أو أسلحة كيماوية، هذا شيء كلنا سمعه، فما هو أثر هذا الأمر على الناس؟ كثير من الناس أصيبوا بالرعب والفزع، والسبب هو أنهم لم يتعودوا على مثل هذا الأمر، وأنا لا أكتم أنني أرى أن مثل هذه الطريقة مناسبة، أعني طريقة استخدام أجهزة الإعلام -كما تحدثت قبل قليل- في إزالة الغبار عن الناس، هل سنظل دائماً أمة خاوية.. خامدة.. خائفة.. صوت الطائرة في الجو يفزعنا، ورؤية السلاح تخيفنا!! هل سنظل هكذا؟!

    إذا كنا أمة إسلامية مجاهدة فإننا لا يمكن أن نظل هكذا بحالٍ من الأحوال، ولذلك فإن هذا الأمر الذي نسمع به الآن سواء أكان إعلانات عبر أجهزة الإعلام في تنبيه الناس؛ أم حتى -مثلاً- الأجراس التي تطلق للتنبيه أو للتدريب، أقول كل هذا لا غبار عليه لماذا؟ لكي لا يكون الناس خائفين، الإنسان بطبيعته كما يقول أبو ذؤيب الهذلي:

    والنفس طامعةٌ إذا أطمعتها      وإذا ترد إلى قليل تقنع

    فكثيرٌ من الدول التي تعيش حالة حروب مثل لبنان أو أفغانستان أو غيرها تجد أن مجموعة يموت نصفهم في المعركة والباقون يذهبون يأكلون الغداء أو العشاء في المطعم، فلم يعودوا يبالون بهذه القضية، ولم يعد الخوف الذي يسيطر على النفوس موجوداً عندهم، وهذا أمر لا يمكن أن يزول من النفوس إلا بالتدريب والممارسة.

    إنَّ دور أجهزة الإعلام ليس دوراً محصوراً اليوم أو أمس أو غداً، بل هو دور أصلاً من الماضي للحاضر للمستقبل، يجب أن يستمر دائماً وأبداً ينفض الغبار عن قلوب الناس، ويزيل الخوف منهم، فأنت من الممكن أن تخاف اليوم، لكن غداً يصبح الأمر عادياً عندك، فلا تهتم بهذا الشيء، وهذه من الأشياء التي تفتقدها الأمة بلا شك وتحتاج إليها كثيراً، فدور الإعلام هو أن يرفع معنويات الأمة ويعبئها، بحيث يمكن أن يحقق للأمة نصراً حقيقياً لا تحققه بالسلاح المادي.

    وأضرب بذلك مثلاً تاريخياً وما حصل في الجزيرة المسماة كريت ويسمونها قريطش في المصادر الغربية، وكانت جزيرة في البحر المتوسط، كانت تخرج منها الجيوش لغزو الروم، فتضايق الروم منها وجهزوا أسطولاً حربياً ضخماً لحصار هذه الجزيرة الصغيرة، وفعلاً جاءوا وحاصروا هذه الجزيرة حصاراً اقتصادياً طويلاً، ظل الناس فيها شهراً وشهرين حتى نفدت المؤن والأرزاق، وكاد الناس أن يموتوا من شدة الجوع؛ ولم يكن أمام الناس مفر إلا الاستسلام، ففكروا أن يستسلموا، وكان في وسط الجزيرة رجل منعزل للعبادة والذكر، ليس له بهم علاقة فلما رأوا ما هم فيه أتوا إليه، وقالوا له: يا فلان الأمر كما ترى فبماذا تنصحنا؟

    سألهم: هل عندكم أسلحة؟

    قالوا: لا. قال: هل عندكم قوت؟

    قالوا: لا. قال: هل عندكم مؤن؟

    قالوا: لا. قال: هل عندكم أموال؟

    قالوا: لا. قال: ماذا بقي لكم؟

    قالوا: لم يبق لنا شيء مطلقاً، فكل الإمكانيات المادية ضاعت منهم، قال: إذا كان في الصباح فاجمعوا لي رجالكم ونساءكم وأطفالكم ودوابكم واجعلوها في صعيدٍ واحد.

    فجمعوا كل ما لديهم واجتمعوا عن آخرهم، فقام الرجل وخطب فيهم خطبة بليغة وذكرهم بالله عز وجل وربط قلوبهم به، وجعلهم يدركون أن النصر من عنده وأن من نصره الله فلا تهزمه قوةٌ في الدنيا مهما كانت؛ حتى قويت قلوبهم، فقال لهم: هلموا إلى مدخل المدينة -وهو الباب الذي يحيط به الروم المحاصرين لها- فلما اجتمعوا فتح الباب بسرعة وقال لهم: عجلوا الآن إلى الله عز وجل وقولوا: الله أكبر! فاندفعوا إلى الروم اندفاعةً واحدة، وهم يصرخون بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، فلما رأى الروم هذا المشهد فزعوا وفوجئوا وظنوا أن المسلمين يمتلكون قوة قد خبئوها لهم وأنهم يستعدون لهم، فنـزلوا بسرعة إلى سفنهم وهربوا في عرض البحر، وأنجى الله تعالى هذه المدينة من غير أسلحة مادية وإنما من خلال ما يمكن أن نعبر عنه بأجهزة الإعلام التي وظفت وسخرت لجعل الأمة أمة مجاهدة فعلاً، أمة في حالة من التعبئة والقوة تستطيع أن تتغلب على عدوها وتنازله بإيمانها بالله عز وجل.

    الإعداد المادي

    أمرٌ ثالث لابد أن تعده الأمة وهو الإعداد المادي كما أسلفت، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] من الجنود، والسلاح، إلى غير ذلك.

    ولعلكم تستغربون حين تعلمون أن إسرائيل وهي دولة صغيرة نشأت منذ سنوات ليست بالبعيدة، ومع ذلك فإن هذه الدولة تملك قوة عظيمة، حتى إني سمعت في أحد التقارير عنها أن كل مواطن إسرائيلي لابد أن يجند في الجيش ذكراً كان أو أنثى، فإن كان ذكراً يجند ثلاث سنوات والأنثى تجند سنتين، وبغضَّ النظر أن هذا الأمر يصلح لهم باعتبارهم لهم دينهم الخاص، فنحن المسلمون لا نقول نجند نساءنا، بل أبداً الأمر كما قيل:

    كتب القتال علينا وعلى       الغانيات جر الذيول

    المرأة لها دور تؤديه في تربية الجنود وإعدادهم وإصلاحهم إلى غير ذلك من الأدوار، لكن نحن نريد أن تربي الأمة ولابد شبابها وتعدهم، بحيث يكون كل شاب في هذه الأمة هو فعلاً جندي في أي معركة تقوم بين الأمة وبين أعدائها.

    وأود -أيها الإخوة- بهذه المناسبة أن أذكر إلى أن اليهود من أخطر أعدائنا الذين لا شك أننا غفلنا عنهم الآن؛ لأن من عاداتنا أننا في غمرة الصراع مع عدو ننسى أعداءنا الآخرين، صحيح أن عداوتنا مع البعثيين عداوة مستحكمة وعظيمة وحاضرة، لكن أيضاً يجب ألا ننسى عداوتنا مع اليهود، إن من المؤكد قطعاً عند من يعقل عن الله عز وجل أننا سوف نخوض مع اليهود معركة فاصلة حاسمة، يقول فيها الحجر والشجر: {يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله} وهذه المعركة ليست بالبعيدة أبداً، إنها معركة قريبة حدد النبي صلى الله عليه وسلم زمانها ومكانها، فقال: {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود} فهذا بالنسبة للزمان.

    أما بالنسبة للمكان فقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث نهيك بن صريم {على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه} والغريب في الأمر أنه حتى النصارى عندهم عقيدة في كتبهم التي يعتبرونها مقدسة أن هناك معركة مع المسلمين، في هذا الموقع بالذات ويسمونها معركة هرمجدون، ويعتقدون أن وجود اليهود بهذا الموقع بالذات هو بشارة بنـزول المسيح الذي يقود النصارى -كما يزعمون هم- إلى معركة فاصلة مع المسلمين، وهذا موجود في كتبهم، وهو من أسرار دعم الإمريكان لـإسرائيل كما ذكر ذلك عدد من المؤلفين. والمهم أن لنا مع أعدائنا من اليهود وغيرهم معارك كثيرة فاصلة لا بد أن نتفطن لها وأن نعد العدة لها.

    جمع الكلمة

    الأمر الرابع الذي لابد أن تعد له الأمة هو: موضوع جمع الكلمة، فإن تمزيق الأمة لا يمكن أن يستفيد منه سوى عدوها، وحين نقول الأمة نقصد: الأمة المجتمعة على كلمة لا إله إلا الله بغض النظر عن اسم البلد التي تعيش فيه، أو شكل أو لون الإنسان أو أي شيء آخر من الصفات البشرية، فالأمة تجتمع على الإيمان لا على الحدود أو العوامل البشرية الأخرى، إن لسان حالنا يقول: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض، فالعدو أحياناً يمزق الأمة حتى يعبث بكل جزءٍ منها دون أن يلتفت إليه الآخرون.

    لما أراد الغرب -مثلاً- أن يعبث بـتركيا ماذا صنع؟

    أول ما صنع أنه هدم الخلافة، وبذلك عزل الأمة الإسلامية عن تركيا، ففعل بـتركيا ما أراد أن يفعله من العلمنة والتغريب والتخريب والفساد كما تعلمون، وهكذا بقية الدول لما انفصلت وانفصل بعضها عن بعض، أصبح ينفرد بكل دولةٍ منها فيفعل بها ما يشاء، هذا إذا كانت المسألة مجرد عزلة، فما بالك إذا تحولت القضية إلى عداوة مستحكمة بين شعوب المسلمين وأصبح المسلم يبغض أخاه المسلم ويحب الكافر يهودياً أو نصرانياً أو بعثياًُ أو غير ذلك، إن هذا لهو البلاء المبين!

    لقد استصرخنا إخواننا الفلسطينيون زماناً طويلاً، ثم استصرخنا الأفغان، ثم استصرخنا إخواننا المسلمين في الفلبين إلى غير ذلك، وربما كنا مشغولين عن صرخات إخواننا بهمومنا الشخصية، كان كل امرئٍ منا مشغولاً بهمومه الخاصة عن إجابة صرخات إخوانه المسلمين، وهانحن -أيها الإخوة- اليوم ندفع الثمن، إن من يخذل إخوانه المسلمين في كل مكان لا بد أن يدفع الثمن عاجلاً غير آجل.

    فلنعلم -أيها الأحبة- أن رابطة الإيمان التي توحد هذا الجسم الإسلامي الكبير يجب أن تظل هي الرابطة الأولى، بل الرابطة الأولى والأخيرة بين المسلمين، وألا نسمح لأي سبب من الأسباب أن تمزق هذه الرابطة، ليس صحيحاً أن تأتي إلى شعبٍ من الشعوب فتقول الشعب الفلاني فيه كذا، وفيه كذا، وتعمم وتأتي بعيوب، لقد سمعت بأذني من هذا الكلام ما يؤذي، فتجد إنساناً -مثلاً- يقول لك: الشعب الفلاني فيه كذا وفي الخارج تجد كثيراً يتحدثون عنا، بأن فينا كذا وفينا كذا، وهناك نحن نتحدث عن آخرين، فنقول عن الشعب الفلسطيني أن فيه كذا وكذا، أو عن الشعب الأفغاني أن فيه كذا وكذا، والمؤسف أن هذا الأمر يتعدى النطاق الفردي أحياناً إلى نطاقٍ أوسع، فربما وجدت مدخلاً لهذا الكلام في بعض أجهزة إعلامنا من صحافة أو إذاعة أو تلفزة أو غيرها، فأصبحت بوعي أو بغير وعي تعمق هذه الهوة وتصور بعض الشعوب الإسلامية تصويراً غير صحيح.

    إن تمزيق الأمة الإسلامية لا يستفيد منه إلا العدو:

    كم يستغيث بنا المستضعفون وهم           قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

    ماذا التقاطع في الإسلام بينكم      وأنتم يا عباد الله إخوان

    لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ      إن كان في القلب إسلام وإيمان

    1- الاختلاف في وجهات النظر لا يضر:

    أيها الإخوة: الاختلاف في الرأي لا يضر، والاختلاف في وجهات النظر لا يضر، والاجتهاد وارد، ولا يعني اختلاف وجهات النظر تفريق الكلمة، أنا أتعجب أن اليهود -مثلاً- يخوضون معركة مع المسلمين، معركة ضارية ويستعدون لها استعداد الرجال فعلاً:-

    هم حاربونا برأيٍ واحدٍ عددٌ      قُلٌ ولكن مضاءٌ ثابت النسق

    دأباً وعزماً وإعداداً وتضحية      وبادروا غزونا في مكر مستبق

    يحدوهم أملٌ يمضي به عملٌ      ونحن واسوأتاه في ظلة الحمق

    حارت قواعدنا زاغت عقائدنا      أما الرءوس فرأيٌ غير متفق

    البعض يحسب أن الحرب جعجعة      والبعض في غفلة والبعض في نفق

    قالوا الشعوب وهل نال الشعوب سوى      قولٍ جزاف وإصلاح على الورق

    أقول: اليهود يحاربوننا الآن وهم أحزاب شتى وشيع واتجاهات متناقضة مختلفة، ويحصل بينهم في مجالسهم وبرلماناتهم صراع وجدل وقيل وقال، وأحياناً سب وشتم، ولكن مع ذلك سياستهم في حربنا موحدة، فلا ضرهم هذا الاختلاف الموجود بينهم في توحيد كلمتهم ضدنا، ولا كان هذا التوحيد لكلمتهم مدعاة إلى أن يحسموا أمورهم الداخلية لصالح طرفٍ من الأطراف.

    فالمشكلة أننا نحن المسلمين لا نعرف أنصاف الحلول، إما نريد اتفاقاً (100%) على كل شيء، وإما أننا لا نلتقي أبداً، إما صفر أو (100%) لا يا أخي! قد نختلف في أمور كثيرة وفي وجهات النظر ويكون لكل واحد منا رأي، وقد أجد عليك في نفسي موقفاً معيناً، أو تجد عليَّ في نفسك موقفاً معيناً، لكن هذا كله لا يمنع أن نوحد كلمتنا وصفنا باتجاه عدونا، وأن ندرك أن أخوة الإيمان أكبر وأعمق وأوسع من كل خلاف يجري بين المؤمنين.

    1.   

    من يستحق النصر؟

    الوقفة أو الخاطرة الرابعة والأخيرة هي عبارة عن سؤال: من يستحق النصر؟

    يقول الله عز وجل: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:40-41] ما قرأت هذه الآية إلا وقفت فيها وقفات أتعجب وأتملى وأقيس هذه الآية على واقعنا.

    نصرة الله إنما تكون لمن ينصر دينه

    أولاً: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40] الله غنيٌ عنا، وإنما المقصود بنصر الله أن ننصر دين الله عز وجل بمعنى أن نقدم الدين على أهوائنا الذاتية، وعلى أمزجتنا الشخصية، وعلى مصالحنا الخاصة أو العامة، على فرض أن مصالحنا الخاصة أو العامة كان الدين يقتضي خلافها مع أن الواقع الحق أن الدين هو كله مصلحة والمصلحة كلها في الدين.

    فمثلاً الذي يأكل الربا أو يبني اقتصاده على الربا، قد يتصور أن نصر الدين في هذا الجانب ضرر عليه، ولكن الواقع الصحيح أن الربا مصلحة وهمية، بل هو ضررٌ في العاجل والآجل في الفرد والمجتمع، وسبب في محق البركات والخيرات، وأذان بحربٍ من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    فالمؤمن حينئذٍ لا يجد خياراً أبداً أن ينصر الله تعالى بالتخلي عن المال الحرام، مهما كانت النتائج، ومهما توقع أنه يضره في أموره المادية؛ لأن معنى هذا أن تنصر الله عز وجل حتى تستحق نصر الله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40].

    إذاً: حين ننصر دين الله في جميع مجالات حياتنا ونجعل الكلمة الأخيرة هي للدين، وللشريعة في أمورنا السياسية والاقتصادية، والإعلامية والتعليمية، والتربوية والاجتماعية، والخاصة والعامة فإننا نستحق نصر الله عز وجل لا محالة.

    وأقول مثلما قال شيخ الإسلام رحمه الله حين قال: إنكم منصورون قالوا: قل: إن شاء الله. قال: أقول إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً لأن وعد الله آتٍ لا محالة: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40].

    العزة لله

    ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] وهنا لفتة مهمة جداً وهي أن القوة عند الله تعالى، والعزو لله: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [يونس:65] فالله تعالى له القوة والعزة، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، ولذلك قال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].

    1- ولله جنود السماوات والأرض:

    فتذكر أن الله تعالى له جنود السماوات والأرض: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] فلا تقس الأمر بعدد جنودك أو بأسلحتك أو بإمكانياتك، فإنها متواضعة أبداً، إذا كنت قد نصرت الله تعالى، فتذكر أن الله تعالى عنده جنود، فالسماوات السبع كلها ملئا بالملائكة، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيها ملكٌ واضع جبهته لله عز وجل ساجد أو راكع أو قائم، يسبحون الله تعالى الليل والنهار لا يفترون، فالله تعالى إذا رضي عن عبده أو عباده أو عن أمته فهو يبعث هؤلاء الملائكة بالنصر المبين، قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12].

    ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون قتيل الملائكة ببنانه، لأن الملائكة تضرب بنانه، فالملائكة جنود الله عز وجل وهم جنودٌ لا يرون، كما قال في الآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9] والجنود الذين لا يرون لا سبيل إلى مقاتلتهم وحربهم أبداً، فالملائكة من جند الله عز وجل، ومن جند الله تعالى الرعب، كما قال:سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال:12]ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: {نصرت بالرعب يقذف في قلوب أعدائي} حتى إنه في بعض الروايات: {مسيرة شهر} فإذا أصيب العدو بالرعب فإنه لا نصر له بحالٍ من الأحوال.

    ومن جند الله عز وجل الريح: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً [الأحزاب:9] سلطها الله على الأحزاب المتحزبة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأكفأت قدورهم وزلزلتهم وهدمت خيامهم فكانت لا تقيم لهم بناء، حتى قال بعضهم لبعض: إنه لا يمكن أن يكون لكم المقام فهلموا واذهبوا وارتحلوا فإنا مرتحلون، فالريح يسلطها الله على أعدائه.

    ومن جند الله الزلزلة، كما قال جبريل عليه السلام لما انتهت معركة الأحزاب، جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم -والحديث في الصحيحين- قال: {وقد وضعت السلاح؟ فإن الملائكة لم تضع السلاح، اذهب إلى بني قريظة فإني ذاهبٌ إليهم فمزلزلٌ بهم} فزلزل قلوبهم بالخوف والفزع والهلع فأصبحوا مهزومين قبل أن يخوضوا المعركة، ثم الزلزلة الحقيقية بالأرض فإن الله سبحانه وتعالى قد يسلط الزلزلة على عدونا فيزلزل الأرض من تحت أقدامهم، أو يأذن للأرض فتخسف بهم فتفتح فاها فتبتلع أعداءها.

    كل هذا يمكن أن يكون، وهذا ليس كلام عجائز وليس ألاعيباً، بل هذا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كل هذه الوسائل يجريها الله تعالى لجنده المخلصين الصادقين بعد ما يستفرغون وسعهم في الأسباب المادية وتجنيدها والإعداد والتعبئة ثم تقصر بهم وسائلهم المادية، فإن الله تعالى يسخر لهم كل هذه القوى والأسباب التي ليست بأيديهم.

    ومن جنود الله تعالى الطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح ونجى به نوحاً ومن معه من المؤمنين، ومنها الفيضانات، والبراكين، والحجارة من سجيل التي تنـزل من السماء على عدونا، ومنها ومنها... قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] فهذه كلها مجرد أمثلة أما عدد جنود الله فهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، فما بالك إذا كان الله تعالى معنا وسخر لنا هذه القوى أو واحدة منها، كيف نتصور أن نهزم؟!

    صفة المنصورين

    ثم قال في صفة من ينصرهم الله ومن يسخر لهم هذه الإمكانيات؟

    هل هم المزايدون أو المتاجرون بالكلمة؟

    لا. إنهم: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] فلم يقل الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بل قال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].

    فهناك أمم وشعوب تقاتل وقد ترفع راية الإسلام، ومع ذلك لا تنصر، فيتساءل الناس: لماذا؟

    نقول: لأن الله تعالى لم يقل في من يستحقون النصر: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة؛ بل قال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] وما الذي يدريك -يا أخي- أن هؤلاء أو أولئك لو مكنوا في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فمعرفة الغيب عند الله تعالى.

    ولذلك فإن معرفة الشعب أو الأمة أو الجيش أو الجند الجدير بالنصر هذا إلى الله عز وجل، ولا أحد -والله- يستطيع أن يحكم بأن المجاهدين في مكان كذا أو المقاتل أو الجيش الفلاني يستحق النصر لأنه كذا، وهذا كله ادعاء ورجم بالغيب، والرسول عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله ومؤيد بالوحي من السماء ما كان يفتري على الله تعالى ولا يتألى ولا يقدم بين يدي الله عز وجل ويقول للصحابة: أنتم المنصورون، إنما كان يأمل ويرجو النصر من الله عز وجل فإذا رأى البشائر قال: {ابشروا، هذا جبريل يقود فرسه على ثنايا النقع في سبيل الله عز وجل}.

    إذاً تحديد الأمة التي تستحق النصر أمرٌ لا يعرفه إلا الله تعالى، فقد علقه الله تعالى بأمر غيبي: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] وكم من أمة ترفع راية الحرب في سبيل الله، لكن إذا نُصرت نكست وتخلت وغيرت مبادئها.

    إذاً ربما لا يصبر الناس على النصر فيمنعه الله تعالى عنهم لحكمةٍ يعلمها، إنما ينصر الله تعالى الذين إن مكنوا في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور.

    إن هؤلاء القوم يعتبرون أن التمكين في الأرض وكون الأمر لهم ليس غايةً يسعون إليها، إنما هو وسيلة لإقامة الصلاة بالناس وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالمين، فهؤلاء هم الذين يستحقون نصر الله تعالى وعونه وتأييده.

    أيها الإخوة: يجب أن تمتلئ قلوبنا ثقة بالله عز وجل واطمئناناً إلى قضاء الله تعالى وقدره، فوالله الذي لا إله غيره لا يقضي الله تعالى قضاءً للمسلمين إلا كان خيراً لهم، إن المسلمين منصورون مهما كانت قوة عدوهم.

    1.   

    الأسئـــلة

    كلام الشيخ سفر عن أحداث حرب العراق

    السؤال: هناك كما يقول الإخوة أكثر من ثلاثمائة سؤال عن موضوع الشيخ سفر حفظه الله وما هو واجب الشباب أو واجب المؤمنين تجاه هذا الموضوع؟

    الجواب: أقول -أيها الإخوة-: إن فضيلة الشيخ الدكتور/ سفر بن عبد الرحمن الحوالي لعله من أجدر الناس في هذا الزمان بالكلمة التي كان يقولها الإمام أحمد عن الشافعي رضي الله عنه، فالشيخ حفظه الله كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن فهل ترى عن هذين من عوض أو لهما من خلل، وجهد هذا الشيخ وبلاؤه غير مجهولٍ للخاص والعام، وكل ما أريد أن أشير إليه في هذه القضية أمور:

    أولاً: أنني أرى أن الشباب في جميع الظروف يجب أن يحتفظوا بهدوئهم وأعصابهم وأن يبتعدوا عن أي تصرفٍ أو أسلوبٍ يرون أنه غير مناسب، فإن جميع تصرفات الشاب المتدين محسوبة لا أقول عليه هو، بل على المتدينين جميعاً، فأنت يا أخي الشاب -بارك الله فيك- لا تمثل نفسك إنما تمثل أمة بأكملها، أو فئة كثيرة من الشباب المهتدين، فعليك أن تكون تصرفاتك تصرفات منضبطة مفيدة نافعة تضمن تحقيق المصلحة دون أن يترتب عليها أي مفسدة أو أي سبب إلى سوء التفسير من الآخرين، والحمد لله الأبواب ممكنة ومفتوحة فالذي يرى أن له دوراً يمكن أن يؤديه فيجب أن يقوم به، ولا أعتقد أن أحداً يعجز -مثلاً- عن أن يخاطب ولاة الأمر بهذا الأمر من خلال القنوات والوسائل الممكنة المتاحة وهي كثيرة جداً، وهذا الأمر هو قضيتنا جميعاً، فهذه مسألة.

    المسألة الثانية: أن العلماء الذي يقومون بتوعية الناس وإرشادهم؛ في الواقع أنهم يتعبون ليقدموا للناس التوجيه السليم وكم سهروا الليالي وكم تعبوا، وكم حرم الواحد منهم الجلوس مع أهله، ومع أولاده وأطفاله ومع أعماله الخاصة في سبيل تحقيق المصلحة العامة للأمة، فهم يحرقون أنفسهم ليضيئوا للآخرين.

    ولذلك أقول: من حق العالم على الأمة ألا يطلب العالم شيئاً لنفسه، بل أن تكون الأمة التي تستفيد منه وتنتفع من علمه، هي التي تطلب لا أقول له بل أقول لنفسها، ما يكون به نجاتها وما يكون به خيرها من علم العلماء وإرشادهم وتوجيههم وإصلاحهم ودعوتهم إلى الله عز وجل؛ وتصحيحهم لعقائد الناس؛ وربطهم على قلوب الناس في أزمة من الأزمات وفي أوقات الشدائد، وهذه من الأمور التي تحتاج إليها الأمة وأشد ما تحتاج إليه في مثل هذه الظروف، فينبغي أن يكون لكل امرئ منا دور واضح يؤديه بعيداً عن أي طريقة أو أسلوب يرى أن فيه مأخذاً أو أن عليه مغمزاً.

    المسئولية الفردية

    السؤال: ذكرت في معرض حديثك عن الإعلام ودوره في بث روح الجهاد في الأمة، كيف يكون ذلك، ونحن نجد أن كثيراً من أجهزة الإعلام تبث الموسيقى عوضاً عن الأشياء التافهة التي أشرت إلى شيئاً منها، لماذا لا يتغير هذا كله أو يُغير من يقوم عليه ليكون أهلاً لبث روح الإسلام وبث ما ينفع المسلمين بتوجيه وتعاون بين العلماء وبين ولاة الأمر؟

    الجواب: المسئولية لا شك أنها علينا جميعاً -أيها الإخوة- كل امرئٍ منا عليه الدور، ولنفترض -مثلاً- أن هذا الأمل أو الرجاء الذي طلبه الأخ لم يتحقق، ولم يسمع إليه، هل معنى ذلك أن نجلس نحن مكتوفي الأيدي ننتظر أمراً من السماء في تصحيح وضعٍ عجزنا عن تصحيحه؟

    لا. ينبغي أن يقوم كل واحد منا بدوره بقدر ما يستطيع في إصلاح ما يمكن إصلاحه.

    ولعلي أضرب لكم مثلاً أيضاً بالمقارنة: كثير من الطيبين يقومون بعمل يسير وينتظرون من جراء هذا العمل نتائج خطيرة وكبيرة جداً، وعلى العكس من ذلك اليهود والنصارى أو حتى المنافقين أو المنحرفين يقومون أحياناً بأعمال كبيرة جداً ويقنعون بالنتائج اليسيرة.

    أنت -مثلاً- نفترض أنك كتبت برقية في أمر من الأمور أو رسالة أو نصيحة لأحد أو اتصلت هاتفياً، أو حتى قمت بزيارة لإنسان فتريد أن يكون أثر هذه البرقية أو هذه الرسالة أو المهاتفة أو الزيارة، تغييراً كلياً لأمرٍ أنت لا تقتنع به وترى أنه معارض للإسلام، وهذه الإرادة نحن معك نتمنى هذا، لكن ليس بالضرورة أن يحصل هذا، أولاً اسأل نفسك كم خسرت؟

    الورقة التي كتبت فيها كم تعادل؟

    لا تعادل قرشاً واحدً، وكذلك الحبر والمبلغ الذي بعثت به الخطاب أو البرقية ربما تعطيه أحد أطفالك حتى يسكت عن البكاء.

    إذاً ما عملت شيئاً، والوقت الذي بذلته في كتابة الرسالة أو الاتصال أو الزيارة يمكن أن تبذل ضعفه أو أضعافه في جلسة غير مفيدة مع أحد الأصدقاء، إذاً أنت قمت بجهد وأنت مشكورٌ عليه، لكن لماذا تنتظر من هذا الجهد المتواضع الذي قمت به أنه سوف يغير الدنيا كلها.

    وعلى العكس من ذلك: فقد أقرأ في تاريخ اليهود في أمريكا أعاجيب، أحياناً يكتبون عرائض يوزعونها على الناس ويوقعها مئات من كبار الشخصيات، وأحياناً يرفعون مئات الألوف من البرقيات في موضوع من الموضوعات إلى رئيس الدولة أو لأعضاء الكونجرس أو لغيرهم؛ في تأييد إسرائيل، أو في طلب تأييد الموقف اليهودي أو في طلب إعانة أو احتجاج أو أي شيء، ويفعلون ما يسمى باللوبي الذي هو الضغط، جماعات الضغط اليهودية يفعلون أشياء كثيرة جداً، ومع ذلك يقنعون ببعض النتائج.

    لماذا أصبح عند المسلم -مع أن المفروض أن يكون قوياً بإيمانه واثقاً صبوراً- ضعف وقلة في جلده، قصير النفس يريد نتائج سريعة مقابل أعمال بسيطة.

    يا أخي! لابد من الصبر وسعة البال وطول الانتظار وابذل وابذل وابذل... وستجد النتيجة، وما أُشبِه تصرف وموقف بعض الناس الذين ييئسون بسرعة إلا بـالكسعي الذي كان يصنع القسي -السهام- ثم يرمي بالليل -وقد صنع قوساً ممتازة- ثم رمى بها ولم يدر أنه قد أصاب ثم رمى مرة أخرى ورمى مرة ثالثة فغضب وكسر القوس، فلما أصبح الصباح نظر فوجد أن السهام الثلاثة التي أطلقها كلها قد أصابت الهدف ولكنه لم يعلم، فندم ندماً شديداً على تكسير القوس وأصبح مضرب المثل، يقول أحدهم:

    ندمت ندامة الكسعي لما      غدت مني مطلقة نوارُ

    فيضرب به المثل في كثرة الندم، فهكذا بعض الطيبين يقومون بأعمال دون أن يدركوا آثارها ونتائجها ولذلك يقطعونها وأحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل.

    دور أجهزة الإعلام المفترض وقت الحروب

    السؤال: هذا يتحدث عن أجهزة الإعلام أيضاً وما فيها من تحذير المواطنين، والوصية بالإجراءات التي يتبعونها عند حدوث أي حربٍ كيماوية وهذا لا بأس به، لكن ماذا عن ربط عباد الله بالله سبحانه وتقوية عقيدتهم وتوكلهم على الله عز وجل وربط حياتهم وموتهم بتلك الأسباب؟

    الجواب: لا شك أن هذا من الأشياء التي يطول عجبنا منها، ونسأل الله عز وجل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، تعرف فيه ما ينفعها مما يضرها، وتستفيد فيه مما وهبها الله عز وجل فيما يصلحها، وتحسن في تربية أبنائها وبناتها على المنهج الصحيح، بحيث تكون كل إمكانيات الأمة ووسائلها عبارة عن أجهزة مجندة في خدمة هذا الدين وتربية الناس عليه.

    القتال في سبيل الله

    السؤال: يثير ويشير الأخ إلى قضية القتال من أجل ماذا يكون، هل من أجل الأرض والوطن أم ماذا؟

    الجواب: لا شك أن القتال هو في سبيل الله عز وجل، فالقتال الذي يحبه الله ويثيب أهله هو أن يقاتل الإنسان في سبيل الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى في الصحيحين: {حين سُئل عن الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟

    قال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} ودفاع الإنسان عن نفسه أو عرضه أو أرضه أو ماله إذا كان دفاعاً شرعياً من أجل أن يظل الإسلام هو المهيمن، والشريعة هي المحكمة، ويظل الإسلام هو القائم، وراية الإسلام هي المرفوعة، فهو جهادٌ في سبيل الله.

    دعوة العلماء والدعاة

    السؤال: عن دور العلماء والدعاة في مثل هذه البلاد، في ضبط البلاد وحفظها؟

    الجواب: أقول: إن العلماء والدعاة لهم -دائماً- هدف واحد، وهم دائماً يدعون الأمة إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يتكلمون في وضح النهار ويعلنونها واضحة صريحة لا غبار عليها ولا لبس وراءها، نحن ندعو الناس إلى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن دعونا إلى غير هذا فيجب ألا يسمع لنا وألا يستجاب لنا، ونكون قد ظلمنا أنفسنا وغيرنا، والدعوة إنما تكون إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الله تعالى يقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] فإن الأمن الحقيقي للأمة هو بأن تكون في مسلكٍ واحد وطريقٍ واحد.

    وما زال الأمن عن الأمة إلا يوم أن تشتت، فأصبح فيها العلماني والشيوعي والحداثي والباطني، وسائر الأسماء واللافتات التي اقتطعت جزءاً من أبناء هذه الأمة وتفرقت الأمة شيعاً وأحزاباً، وأصبح كلٌ ينادي إلى مذهبه ودينه، ويعمل سراً وجهاراً وليلاً ونهاراً إلى ما هو عليه، أما يوم أن كانت الأمة متوحدة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد حقق الله تعالى لها ما وعد به من الأمل، فالعلماء يدعون الناس إلى تحقيق الأمن الذي يكون بأن يؤمنوا بالله تعالى إيماناً حقاً وألا يلبسوا إيمانهم بالظلم.

    ادخار الطعام وقت الأزمات

    السؤال: ما رأيك في شراء الناس للمواد الغذائية والمياه وتخزينها، وهل هذا العمل صحيح أم خاطئ؟

    وهل هناك توجيه؟

    الجواب: أنا أريد أن أسأل أولئك الذين بالغوا في شراء المواد الغذائية والمياه حتى ربما قلت من الأسواق وارتفعت أسعارها، في حالة حصول حرب -مثلاً- هل يرضى هؤلاء أن يغلقوا عليهم بيوتهم ويجلسوا ويشربوا ويدعوا الناس ممن حولهم من إخوانهم وجيرانهم وأقاربهم يموتون جوعاً وعطشاً، أين أنتم من الإيثار الخلقي الإسلامي العظيم الذي بمقتضاه مدح الله تعالى أقواماً بقوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] بل أين أنت حتى قبل الإسلام، كان العربي في الجاهلية يقول:

    ولو إني حبيت الخلد فرداً      لما أحببت بالخلد انفرادا

    فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي      سحائب ليس تنتظم البلادا

    يدعو أن المطر الذي لا ينـزل على البلاد كلها لا ينـزل عليه، فيا أخي الكريم! يجب أن نكون مؤمنين حقاً، فالإنسان يفعل الأسباب، لكن كون الناس أصابهم سعار عجيب، فاقبلوا على المواد والبضائع والتموينات والأطعمة والأشربة والمياه وغيرها يخزنونها ويقتنونها بكميات كبيرة أمرٌ يثير العجب والدهشة، هل نحن نريد أن يكون شأننا كشأن ذلك الرجل المغفل الذي رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك ميتة كميتة أبي خارجة فتعجب الناس من حوله وظنوا أن أبا خارجة هذا مات شهيداً بين الصفين في سبيل الله عز وجل يتشحط في دمه، قالوا: رحمك الله ومن هو أبو خارجة هذا؟

    قال: أبو خارجة هذا أكل مُدين من الحنطة وشرب منوين من العسل وقعد في الشمس حتى دفئ فمات شبعان ريان دفئان، فهو يريد أن يموت كميتته!

    فهذا -يا إخوان- لا يصلح فينبغي أن ندرك أن هذه الأمور، ينبغي فيها الاعتدال فكون الإنسان يحتاط ويأخذ وسائل واحتياطات، وأسباب لا لوم عليه وإن كنت لا أرى هذا لازماً كما يتصور البعض أبداً، قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] وقال: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12] وقال: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122] لكن يفعل الإنسان الأسباب المادية إذا احتاج إليها، أما المبالغات التي إنما صدرت بسبب الرعب والفزع والهلع والقلوب الضعيفة والنفوس الرخوة والترف الذي قتلنا قتلاً -أيها الإخوة- حتى رجولتنا قتلها، فهذا لا ينبغي.

    دعوة الشباب اللاهي

    السؤال: يطلب الأخ توجيه كلمة إلى طلبة العلم وجميع الإخوان في هذه العطلة بالتوجه إلى أماكن تجمع الشباب على الشواطئ ودعوتهم إلى الله وتوجيه النصح لهم، فكثير من هؤلاء الشباب لم يحدث أن وجه إليهم نصيحة أبداً إلا ما قل، فقد ذهبت بفضل الله تعالى إلى الشاطئ ورأيت كثيراً من هؤلاء الشباب الذي يجتمعون على الغناء أو على البلوت وغيرها من الأفعال التي لا ترضي الله عز وجل، وبدأت أوجه لهم النصيحة وأهدي بعض الكتيبات والأشرطة الإسلامية ووجدت منهم إقبالاً أدهشني تماماً وهذا ما جعلني أكتب هذا التوجيه لتبلغوه إلى إخواني وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: في الواقع أن الأخ يلفت النظر إلى قضية في غاية الأهمية، فهناك طبقة في المجتمع ليست بالقليلة -أيها الإخوة- لم توجه لهم الدعوة، قد نكون نشيطين أحياناً في إقامة مثل هذه الدروس والمحاضرات لكن جمهور المحاضرات معروف أنه غالباً من الناس المتوجهين، لكن هناك طبقات كثيرة من الشباب الضائع، ومن الناس البعيدين، من الناس الموظفين من كبار السن، من الناس الذين لا يحضرون، فهل نترك هؤلاء؟

    ينبغي أن نبذل جهوداً خاصة لهم، ولا مانع أن نرتادهم في الأماكن التي يوجدون فيها بالأسلوب الحسن، خاصة من يحسن الدخول معهم والملاطفة والابتسامة الصادقة التي تعبر عن القلب النظيف النـزيه الذي يحب الخير لهم، ويهديهم ما تيسر ويجلس معهم جلسة خفيفة ربع ساعة، فيها كلمات حلوة طيبة، فإن وجد تقبلاً شكرهم وإن وجد إعراضاً دعا لهم وانصرف، وإن وجد من يستفزه أو يرده رداً سيئاً، لا يرد بالمثل بل يشكرهم ويدعو لهم وينصرف، ويتركهم إلى المرة الثانية أو يأتيهم آخر فيخجلون منه، نحتاج إلى مثل هؤلاء الشباب الذين يجندون أنفسهم في الأماكن التي يتجمع فيها الشباب ويدعوهم إلى الله عز وجل ويهدوهم ما تيسر من كتب وأشرطة، وقبل ذلك كله الكلمة الطيبة ويا حبذا أن تكون هناك جهود منظمة من قبل الجهات المختصة في هذا المجال.

    مؤتمر إسلامي في أمريكا

    السؤال: هل يمكن تلخيص ما نتج عن المؤتمر الذي حضرتموه في أمريكا؟

    الجواب: هذا المؤتمر أقامته رابطة الشباب المسلم العربي واستمر خمسة أيام وحضره ما يقارب ستة آلاف مسلم من أنحاء الولايات المتحدة، والمؤتمر كان عبارة عن ندوات ومحاضرات ودروس، وقد يسر الله بفضله أن شاركت في بعض الندوات والدروس والمحاضرات.

    تدريب النساء على السلاح

    السؤال: لم نعد نسمع كثيراً عن تطوع النساء في التدريب فهذا يدل على إيقافها أم ماذا، وما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: لا أدري بالضبط مسألة الإيقاف، لم أعلم شيئاً وأتمنى وأسأل الله عز وجل في هذا المكان الطيب ومع هذا الجمع الطيب أن يكفي المسلمين شر كل عملٍ يخطط لنسائهم وبناتهم ويراد به إخراجهن من بيوتهن ونـزع جلباب الحياء عنهن، وأن يرد كيد الذين يريدون بالأمة شراً في نحورهم، وأتمنى أن يكون ما ظنه هذا الأخ حقيقة، وإن كنت لم أسمع شيئاً عن ذلك.

    بقاء المرأة مع الزوج البائع للمخدرات

    السؤال: هذه امرأة تقول: أنا امرأة ذات عيال وزوجي مروج مخدرات فقال أحد المشايخ: حرام لا يجوز العيش معه، وقال زوجي: عليَّ ديون كثيرة فعندما أقضيها أتوب إلى الله، فهل يجوز العيش معه؟

    وللعلم أني امرأة مريضة لا أستطيع العمل وأبي مسافر ولا أجد من يكفلني والحمد لله لديَّ أطفال صغار كثيرون إلى آخر السؤال.

    الجواب: لا شك إن كنت ترجين صلاح هذا الرجل وتقومين بدور وجهد معه في إبعاده عما هو فيه وتجدين بعض التقبل والاستعداد لذلك، فإن البقاء بهذه النية وبهذه الرغبة لفترة معينة، خاصة إذا كان مقيماً للصلاة أرجو أن يكون فيه متسع لكِ، أما إن كنت قد يئست من هذا الرجل ورأيتِ أنه لا يقبل، وأنه قد تورط في هذا الأمر وابتلي بقرناء سوء يجرونه دائماً إليها فلا شك أن عليك أن تتخلصي منه، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    التبرع من الزكاة والصدقة لتزويج الأيامى

    السؤال: هذا طلب للتبرع للمشروع الخيري لمساعدة الشباب على الزواج، وعندهم ملف عن هذا المشروع ويأملون حث طلاب العلم والحضور على دفع زكاة أموالهم وصدقاتهم الجارية في صناديق المشروع الخيري الموجودة في أبواب المسجد، وفيها فتحات خاصة بالزكاة، وأخرى خاصة بالصدقات وكلها تصرف على الشباب المحتاج للزواج؟

    الجواب: وهذه أيضاً من أعظم الوسائل في تحقيق الاستعفاف للشباب، ولا شك أن غالبكم من الشباب ويحتاجون إلى هذا الأمر وفيكم من رزقه الله تعالى مالاً وأنعم عليه، فعلى من أنعم الله تعالى عليه بالمال أن يؤدي زكاته وأن يسرع إلى الصدقة، فإن الله تعالى يقول: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقصت صدقةٌ من مال} فإن تبرعك لهذا المشروع وغيره مما يزيد في مالك ويبارك في عمرك ويجعل الله تعالى لك ذخراً وفخراً في الدنيا والآخرة.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم، اللهم من أرادنا بسوءٍ فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.

    اللهم أدر دائرة السوء على الفاسقين والكافرين والظالمين، اللهم أدر دائرة السوء على أعداء الدين، اللهم إنا نستغيث بك ونسألك يا حي يا قيوم! ياذا العرش المجيد! يا ذا الجلال والإكرام! يا مالك الملك! يا قوي! يا عزيز! أن تنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان.

    اللهم أقر عيوننا بنصر الإسلام والمسلمين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!

    اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، اللهم طهر بلاد المسلمين من كل ملحدٍ وطاغوت، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد.

    والحمد لله ربك العالمين.