اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خواطر في النصر والهزيمة للشيخ : سلمان العودة


خواطر في النصر والهزيمة - (للشيخ : سلمان العودة)
لا يكتب الله عز وجل شيئاً للأمة الإسلامية إلا وكان وراءه الخير، حتى وإن توهمه الناس شراً، ومن ذلك الحروب والأزمات التي تمر بها، فإن الجهاد الإسلامي كان مصدر خير عظيم للأمم التي تعرضت له رغم ما حل ببعض أفرادها من القتل والأسر، لكنه كان سبباً في دخول أجيال وأجيال في دين الله الذي أرتضاه وللنصر الذي وعده الله لعباده عوامل منها: تحديد المبدأ وجمع الكلمة والإعداد المادي والتعبئة الشعبية وشرط النصر نصرة الله ونصرة دينه وإقامة شعائره، وإذا كتب الله النصر يُسّر أسبابه وسخر له جنوده الذين لا يعلمهم إلا هو، سبحانه وتعالى.
الحرب ليست شراً محضاً
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أما بعــد:أيها الإخوة الأحبة الأكارم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وشكر الله لكم مسعاكم وحرصكم على الحضور والاستماع، وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يكتبه لنا جميعاً أجراً ومثوبة يوم أن نلقاه، وألا يتفرق هذا الجمع إلا بذنبٍ مغفور وسعي مشكور وعملٍ مبرور، وأن يكتب لنا النجاة في الدارين من كل ما يسخطه جل وعلا.أيها الأحبة: الحرب شبح مخيف يزلزل القلوب ويخيف الأسماع، فما إن يسمع أحدٌ كلمة (الحرب) حتى يرتقي ويرتمي في مخيلته صورة الآلاف من القتلى من الكبار والصغار، وصورة الدماء التي تسيل، وصورة النيران التي ترتفع وتتوقد، ولذلك ارتبطت الحرب في أذهان البشر -أو غالبهم- بالتدمير والإفناء، وأصبح الناس إذا أرادوا أن يتكلموا عن فردٍ أو طائفة بالذم والنقيصة، وصفوا هذا الفرد أو هذه الفئة أو هذه الأمة بأنها أمة تلجأ إلى العنف وتنادي بالحرب.وهذا المفهوم -أيها الإخوة- هو في الواقع مفهوم جاهلي لكلمة (الحرب) بل هو في الواقع مفهوم على الورق، أما على الواقع فما من أمةٍ من الأمم سواء كانت كافرة أم مسلمة، إلا وحين تقلب صفحات تاريخها، تجد أنها خاضت حروباً كبيرة، ودخلت معارك طاحنة، وقاتلت أمماً عديدة خرجت مرة منتصرة ومرة منهزمة، وفي هذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به فإن الحرب ليست شراً بكل حال.
 الشر يهيمن على البشرية كلها
إننا نعلم -أيها الإخوة- أن الشر اليوم يهيمن على البشرية كلها، حيث تتحكم فيها الحضارة الغربية، وأعني بالحضارة الغربية بمفهومها الاصطلاحي بشقيها الشرقي والغربي، الشيوعي والرأسمالي، وأن كنا نعلم أن الشيوعية قد انحسرت وتقلصت، لكن لازالت تتشبث ببقايا خيوطٍ لها هنا وهناك، وإن واقع العالم الإسلامي الموجود اليوم وما فيه من تناقض وتناحر وفتن، هو إفرازٌ لذلك الخلاف الموجود أصلاً بين الشرق والغرب، ولا شك أن هذا العالم لا تكاد ترتفع فيه راية تنادي بالإسلام إلا وجدت العداء المستحكم من الشرق والغرب من الشيوعية، والرأسمالية، ومن هذا المنطلق فإن الحرب التي قد نخافها ونخشاها في كثيرٍ من الأحيان قد تحمل بشارات كثيرة للمسلمين بأن أعداءهم هم الذين سوف يتقاتلون، ولذلك فإن كثيراً من المسلمين يدعون ويقولون: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.إننا نرجو ونؤمل أن يكون كل أمرٍ يكتبه الله تعالى ويقدره للمسلمين خيراً لهم في عاجل أمرهم وآجله، وأن يكون شراً لأعدائهم كما كان يتفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تقص عليه رؤيا، فكان يقول: {خيرٌ لنا وشرٌ لأعدائنا} فهكذا نحن نقول في اليقظة والمنام، وفي كل أمرٍ يثيره الله عز وجل: خيرٌ لنا وشرٌ لأعدائنا.فالحرب ليست شراً محضاً، وكما يقول أحمد شوقي:والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم والشر إن تلقه بالخـير ضقـت به ذرعاً وإن تلقـه بالشـر ينحسـم إن الظلم اللاحق بالمسلمين اليوم ظلمٌ فادح، في ابتزاز أراضيهم، ونـزف دمائهم، ونهب خيراتهم، وتسليط الأعداء عليهم، وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية ومن العيش الكريم، ونحن نجد أن الغرب ينظر إلى الدم النصراني على أنه دم مقدس، في مقابل أنه لا يرى أن للمسلمين حرمة، ولذلك نجد أنهم يغضبون إذا استخدمت روسيا السلاح في الجمهوريات السوفيتية النصرانية؛ كـجمهوريات البلطيق لكنهم لا يرفعون رأساً إذا كانت الضربة بإخواننا المسلمين، فما بال الإنسانية تتحرك للنصرانية ولا تتحرك للمسلم؟! أيها الأحبة: إذاً الوقفة الأولى باختصار ليست الحرب شراً محضاً، وقد تكون الحرب إن كتبها الله تعالى خيراً للمسلمين، ونحن لا نتمناها ولا نطلبها لكننا نقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن أبي أوفى:{أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم مجري السحاب منـزل الكتاب هازم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم}. فيا أخي الحبيب: ادع بما دعا به نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم: {اللهم مجري السحاب منـزل الكتاب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم، اللهم وانصرنا عليهم} وادع ربك على كل عدو للإسلام ظاهر أو مستتر، معلن أو مخفي، فالأعداء كثر ومنهم عـدوٌ كاشر عن عـدائه ومنهم عدوٌ في ثياب الأصادق ومنهم قريب أعظم الخطب قربه له فيكم فعل العدو المفـارق لا أقول كما كان يقول بعض الغرب: اللهم اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيلٌ بهم، نحن نقول: كلا. بل اللهم اكفنا شر أصدقائنا وشر أعدائنا، فإننا بدون عون الله تعالى وتأييده ونصره لا نستطيع أن نصنع شيئاً أبداً.
المدافعة سنة الحياة
الوقفة الثانية: هي أن الله جعل نظام الحياة والبشرية في هذه الدنيا يقوم على أساس المدافعة كما قال الله عز وجل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة:251] وقال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] ولهذا فالحياة البشرية من يوم أن خلق الله أبونا آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا تخلوا أبداً من عداوات هنا وهناك، وخصومات متنوعة مختلفة، وحروبٍ تقوم هنا وحروبٍ تقوم هناك، وأحلافٍ تقوم هنا وأحلاف تنفض هناك.إذاً: فنظام الحياة البشرية جعله الله قائماً على مبدأ المدافعة -أو ما يسمونه بمبدأ الصراع- الصراع بين الخير والشر بل وحتى الصراع بين قوى الشر بعضها مع بعض، وهذا الصراع بين قوى الشر بعضها مع بعض لا شك أنه في مصلحة الإسلام، صراع الكافرين مع الكافرين، صراع النصارى مع اليهود -مثلاً- صراع الشيوعيين مع اليهود والنصارى، فصراع الأمم الكافرة بعضها مع بعض هو لا شك خيرٌ للإسلام، ولا يمكن أن تخلو الحياة البشرية من مثل هذه السنة بحالٍ من الأحوال.إن فكرة أن ينفرد شعبٌ من الشعوب أو أمة من الأمم فقط بالسيطرة والهيمنة على مقدرات الكون والدنيا وخيرات الشعوب؛ وعلى الأمم كلها، وأن تصبح الكلمة الأخيرة ويصبح القرار الأخير بيدها هذا تصورٌ بعيدٌ عن معرفة سنن الله تعالى في الكون، ولذلك تجد إلى وقتٍ قريب أن الصراع كان قائماً بين الشرق والغرب، بين الرأسمالية في الغرب وبين الشيوعية في الشرق، فبعدما حصل التخلخل والانهيار في النظام الشيوعي هل تتصور أن الغرب تفرد بحكم البشرية، وآل الأمر إليه وانتهت السنة الإلهية في دفع الأمم بعضها ببعض؟ لا أبداً، لا تتصور هذا بحالٍ من الأحوال، فدفع الله الناس بعضهم ببعض قائمٌ باقٍ إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
 القيام بالأسباب وعدم انتظار المفاجآت
إن الأمة الإسلامية لا يجوز لها أن تخضع أو أن تتوقع أنها خاضعة لنظام الطفرات والمفاجآت وأن تعلق أملها دائماً بانتظار المصادفات، بل ينبغي أن تعرف السنن التي وضعها الله تعالى في هذا الكون، وأن تسعى إلى الطريقة الصحيحة وعبر تدرج إلى أن تتلافى النقص الموجود في حياتها، فلا بد من فعل الأسباب وهذا لا شك يتطلب منا وقتاً. وخلاصة الوقفة الثانية: أننا نؤمل أن كل ما يجريه الله تعالى في هذا الكون يكون سبباً في بروز قوى جديدة في الكون، ودول جديدة تتنافس على مركز الصدارة ليستفيد المسلمون من هذا التنافس لمصلحتهم بدلاً من أن يكون زبوناً واحداً فيتحكم فيهم كما يشاء.
عوامل النصر
وقفة ثالثة: لم تدخل الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل معركة واحدة وقوتها أكبر من قوة عدوها أبداً، اللهم فيما ذكر في معركة حنين ولعلها من المعارك النادرة التي دخلها المسلمون وكانت قوتهم أكبر من قوة عدوهم، ولعله من العجيب أن ينهزم المسلمون في أول تلك المعركة، كما قال الله عز وجل: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] فانهزم المسلمون في أول الأمر في حنين لأنهم اعتمدوا على قوتهم ورأوا أنهم لن يغلبوا، فلم تغن عنهم هذه القوة شيئاً مصداقاً لقول الله عز وجل: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19].فلم يدخل المسلمون معركة من المعارك بقوتهم الذاتية ولم تكن أسلحتهم أقوى وأفتك من أسلحة عدوهم، وعددهم أكثر من عدد عدوهم، بل إن الله عز وجل يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] أي: أن المهم ألا تقصروا أنتم في جمع القوة التي تستطيعون، وبعد ذلك دعوا الأمر لله عز وجل فإنه يصل قوتكم بحوله وقوته فينصركم على عدوكم، ولكن لا بد من إعداد ما تستطيعون، أما ما لا تستطيعون فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.ولما دخلت الأمة معتمدةً على قوتها في أي معركة؛ فإنها كانت تنهزم وتخرج من المعركة خاسرة ذليلة، كل أمة دخلت المعركة -وخاصةً الأمة الإسلامية- معتمدةً على عددها وعدتها فهي أمة منهزمة. إنما المسلم كالفلاح الذي يضع الحب في الأرض ثم يرفع يده إلى السماء وينتظر أن ينـزل الله تعالى المطر: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:63-67]. إذاً أنت تفعل السبب ثم ترفع يدك إلى الله عز وجل؛ لأنك تعلم أن السبب وحده قد يجني عليك، وكما قيل: إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده كم من إنسان فعل سبباً يحسب أنه في صالحه، فكان هذا السبب هو أعظم وسيلة إلى فشله! كم من أمة افتعلت حرباً تظن أنها سوف تكسبها فخرجت من هذه الحرب منكسة الرءوس مهزومة ولم تقم لها بعدها قائمة! فلا يجوز أن تعتمد الأمة على قوتها أو قدرتها فقط، والمطلوب من الأمة على كل حال أمور:
 جمع الكلمة
الأمر الرابع الذي لابد أن تعد له الأمة هو: موضوع جمع الكلمة، فإن تمزيق الأمة لا يمكن أن يستفيد منه سوى عدوها، وحين نقول الأمة نقصد: الأمة المجتمعة على كلمة لا إله إلا الله بغض النظر عن اسم البلد التي تعيش فيه، أو شكل أو لون الإنسان أو أي شيء آخر من الصفات البشرية، فالأمة تجتمع على الإيمان لا على الحدود أو العوامل البشرية الأخرى، إن لسان حالنا يقول: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض، فالعدو أحياناً يمزق الأمة حتى يعبث بكل جزءٍ منها دون أن يلتفت إليه الآخرون. لما أراد الغرب -مثلاً- أن يعبث بـتركيا ماذا صنع؟ أول ما صنع أنه هدم الخلافة، وبذلك عزل الأمة الإسلامية عن تركيا، ففعل بـتركيا ما أراد أن يفعله من العلمنة والتغريب والتخريب والفساد كما تعلمون، وهكذا بقية الدول لما انفصلت وانفصل بعضها عن بعض، أصبح ينفرد بكل دولةٍ منها فيفعل بها ما يشاء، هذا إذا كانت المسألة مجرد عزلة، فما بالك إذا تحولت القضية إلى عداوة مستحكمة بين شعوب المسلمين وأصبح المسلم يبغض أخاه المسلم ويحب الكافر يهودياً أو نصرانياً أو بعثياًُ أو غير ذلك، إن هذا لهو البلاء المبين! لقد استصرخنا إخواننا الفلسطينيون زماناً طويلاً، ثم استصرخنا الأفغان، ثم استصرخنا إخواننا المسلمين في الفلبين إلى غير ذلك، وربما كنا مشغولين عن صرخات إخواننا بهمومنا الشخصية، كان كل امرئٍ منا مشغولاً بهمومه الخاصة عن إجابة صرخات إخوانه المسلمين، وهانحن -أيها الإخوة- اليوم ندفع الثمن، إن من يخذل إخوانه المسلمين في كل مكان لا بد أن يدفع الثمن عاجلاً غير آجل.فلنعلم -أيها الأحبة- أن رابطة الإيمان التي توحد هذا الجسم الإسلامي الكبير يجب أن تظل هي الرابطة الأولى، بل الرابطة الأولى والأخيرة بين المسلمين، وألا نسمح لأي سبب من الأسباب أن تمزق هذه الرابطة، ليس صحيحاً أن تأتي إلى شعبٍ من الشعوب فتقول الشعب الفلاني فيه كذا، وفيه كذا، وتعمم وتأتي بعيوب، لقد سمعت بأذني من هذا الكلام ما يؤذي، فتجد إنساناً -مثلاً- يقول لك: الشعب الفلاني فيه كذا وفي الخارج تجد كثيراً يتحدثون عنا، بأن فينا كذا وفينا كذا، وهناك نحن نتحدث عن آخرين، فنقول عن الشعب الفلسطيني أن فيه كذا وكذا، أو عن الشعب الأفغاني أن فيه كذا وكذا، والمؤسف أن هذا الأمر يتعدى النطاق الفردي أحياناً إلى نطاقٍ أوسع، فربما وجدت مدخلاً لهذا الكلام في بعض أجهزة إعلامنا من صحافة أو إذاعة أو تلفزة أو غيرها، فأصبحت بوعي أو بغير وعي تعمق هذه الهوة وتصور بعض الشعوب الإسلامية تصويراً غير صحيح.إن تمزيق الأمة الإسلامية لا يستفيد منه إلا العدو:كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمان 1- الاختلاف في وجهات النظر لا يضر:أيها الإخوة: الاختلاف في الرأي لا يضر، والاختلاف في وجهات النظر لا يضر، والاجتهاد وارد، ولا يعني اختلاف وجهات النظر تفريق الكلمة، أنا أتعجب أن اليهود -مثلاً- يخوضون معركة مع المسلمين، معركة ضارية ويستعدون لها استعداد الرجال فعلاً:-هم حاربونا برأيٍ واحدٍ عددٌ قُلٌ ولكن مضاءٌ ثابت النسق دأباً وعزماً وإعداداً وتضحية وبادروا غزونا في مكر مستبق يحدوهم أملٌ يمضي به عملٌ ونحن واسوأتاه في ظلة الحمق حارت قواعدنا زاغت عقائدنا أما الرءوس فرأيٌ غير متفق البعض يحسب أن الحرب جعجعة والبعض في غفلة والبعض في نفق قالوا الشعوب وهل نال الشعوب سوى قولٍ جزاف وإصلاح على الورق أقول: اليهود يحاربوننا الآن وهم أحزاب شتى وشيع واتجاهات متناقضة مختلفة، ويحصل بينهم في مجالسهم وبرلماناتهم صراع وجدل وقيل وقال، وأحياناً سب وشتم، ولكن مع ذلك سياستهم في حربنا موحدة، فلا ضرهم هذا الاختلاف الموجود بينهم في توحيد كلمتهم ضدنا، ولا كان هذا التوحيد لكلمتهم مدعاة إلى أن يحسموا أمورهم الداخلية لصالح طرفٍ من الأطراف. فالمشكلة أننا نحن المسلمين لا نعرف أنصاف الحلول، إما نريد اتفاقاً (100%) على كل شيء، وإما أننا لا نلتقي أبداً، إما صفر أو (100%) لا يا أخي! قد نختلف في أمور كثيرة وفي وجهات النظر ويكون لكل واحد منا رأي، وقد أجد عليك في نفسي موقفاً معيناً، أو تجد عليَّ في نفسك موقفاً معيناً، لكن هذا كله لا يمنع أن نوحد كلمتنا وصفنا باتجاه عدونا، وأن ندرك أن أخوة الإيمان أكبر وأعمق وأوسع من كل خلاف يجري بين المؤمنين.
من يستحق النصر؟
الوقفة أو الخاطرة الرابعة والأخيرة هي عبارة عن سؤال: من يستحق النصر؟يقول الله عز وجل: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:40-41] ما قرأت هذه الآية إلا وقفت فيها وقفات أتعجب وأتملى وأقيس هذه الآية على واقعنا.
 صفة المنصورين
ثم قال في صفة من ينصرهم الله ومن يسخر لهم هذه الإمكانيات؟ هل هم المزايدون أو المتاجرون بالكلمة؟ لا. إنهم: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] فلم يقل الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بل قال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].فهناك أمم وشعوب تقاتل وقد ترفع راية الإسلام، ومع ذلك لا تنصر، فيتساءل الناس: لماذا؟ نقول: لأن الله تعالى لم يقل في من يستحقون النصر: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة؛ بل قال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] وما الذي يدريك -يا أخي- أن هؤلاء أو أولئك لو مكنوا في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فمعرفة الغيب عند الله تعالى. ولذلك فإن معرفة الشعب أو الأمة أو الجيش أو الجند الجدير بالنصر هذا إلى الله عز وجل، ولا أحد -والله- يستطيع أن يحكم بأن المجاهدين في مكان كذا أو المقاتل أو الجيش الفلاني يستحق النصر لأنه كذا، وهذا كله ادعاء ورجم بالغيب، والرسول عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله ومؤيد بالوحي من السماء ما كان يفتري على الله تعالى ولا يتألى ولا يقدم بين يدي الله عز وجل ويقول للصحابة: أنتم المنصورون، إنما كان يأمل ويرجو النصر من الله عز وجل فإذا رأى البشائر قال: {ابشروا، هذا جبريل يقود فرسه على ثنايا النقع في سبيل الله عز وجل}.إذاً تحديد الأمة التي تستحق النصر أمرٌ لا يعرفه إلا الله تعالى، فقد علقه الله تعالى بأمر غيبي: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] وكم من أمة ترفع راية الحرب في سبيل الله، لكن إذا نُصرت نكست وتخلت وغيرت مبادئها. إذاً ربما لا يصبر الناس على النصر فيمنعه الله تعالى عنهم لحكمةٍ يعلمها، إنما ينصر الله تعالى الذين إن مكنوا في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور.إن هؤلاء القوم يعتبرون أن التمكين في الأرض وكون الأمر لهم ليس غايةً يسعون إليها، إنما هو وسيلة لإقامة الصلاة بالناس وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالمين، فهؤلاء هم الذين يستحقون نصر الله تعالى وعونه وتأييده.أيها الإخوة: يجب أن تمتلئ قلوبنا ثقة بالله عز وجل واطمئناناً إلى قضاء الله تعالى وقدره، فوالله الذي لا إله غيره لا يقضي الله تعالى قضاءً للمسلمين إلا كان خيراً لهم، إن المسلمين منصورون مهما كانت قوة عدوهم.
الأسئـــلة

  التبرع من الزكاة والصدقة لتزويج الأيامى
السؤال: هذا طلب للتبرع للمشروع الخيري لمساعدة الشباب على الزواج، وعندهم ملف عن هذا المشروع ويأملون حث طلاب العلم والحضور على دفع زكاة أموالهم وصدقاتهم الجارية في صناديق المشروع الخيري الموجودة في أبواب المسجد، وفيها فتحات خاصة بالزكاة، وأخرى خاصة بالصدقات وكلها تصرف على الشباب المحتاج للزواج؟ الجواب: وهذه أيضاً من أعظم الوسائل في تحقيق الاستعفاف للشباب، ولا شك أن غالبكم من الشباب ويحتاجون إلى هذا الأمر وفيكم من رزقه الله تعالى مالاً وأنعم عليه، فعلى من أنعم الله تعالى عليه بالمال أن يؤدي زكاته وأن يسرع إلى الصدقة، فإن الله تعالى يقول: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقصت صدقةٌ من مال} فإن تبرعك لهذا المشروع وغيره مما يزيد في مالك ويبارك في عمرك ويجعل الله تعالى لك ذخراً وفخراً في الدنيا والآخرة.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم، اللهم من أرادنا بسوءٍ فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين. اللهم أدر دائرة السوء على الفاسقين والكافرين والظالمين، اللهم أدر دائرة السوء على أعداء الدين، اللهم إنا نستغيث بك ونسألك يا حي يا قيوم! ياذا العرش المجيد! يا ذا الجلال والإكرام! يا مالك الملك! يا قوي! يا عزيز! أن تنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان. اللهم أقر عيوننا بنصر الإسلام والمسلمين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء! اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، اللهم طهر بلاد المسلمين من كل ملحدٍ وطاغوت، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد. والحمد لله ربك العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خواطر في النصر والهزيمة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net