إسلام ويب

أدب الحوارللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الشيخ أن الخلاف أمر طبيعي بين الناس، وبيَّن مسالك الناس في حل الخلاف، وبين أهداف الحوار والمناظرات. كما أن الدرس يحتوي على ذكر قواعد الحوار، وصفات المحاور الجيد.

    1.   

    الكلام لا يكفي في صناعة الحياة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذا الدرس الأربعون من سلسلة الدروس العلمية العامة، التي أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وهو ينعقد في ليلة الإثنين السابع من ربيع الثاني لعام (1412هـ).

    أحبتي الكرام: عنوان هذه الحلقة: (أدب الحوار) وبين يدي أدب الحوار ثمة أوراق متبقية من درس المجلس السابق، يسألني عنها بعض الإخوة، فقد رأوا أنني تركت في آخر الموضوع أشياء أحبوا أن يعرفوها ويطلعوا عليها، وكل ما أود أن أضيفه في الموضوع الكبير السابق -صناعة الحياة- هو أن الإعلام شرقيه وغربيه في كل بلاد الدنيا يسعى إلى تشويه صورة الدعاة إلى الله تعالى بكافة الوسائل والأسباب.

    وفي مقابل ذلك فإن الدعاة إلى الله تعالى لم يقوموا بجهد يذكر في تعديل هذه الصورة التي رسمها الإعلام، إن مجرد كلامنا -أيها الأحبة- عن الدعاة إلى الله تعالى، أو عن شباب الصحوة لا يكفي، لأننا سنجد من ألد أعداء الأمة ومن ألد أعداء الإسلام، وسنجد من اللصوص الشطار من يتكلمون عن أنفسهم، أو يتكلمون عمن يحبون وعمن يوالون؛ حديثاً ربما يكون أفصح عبارة وأقوى إشارة، من حديثنا نحن عن العلماء، أو عن الدعاة إلى الله تعالى، أو عن شباب الصحوة.

    إذاً: فمجرد الكلام عن الشباب والدعوة والصحوة لا يكفي، وإن كان هذا مطلوباً، كما أن مجرد انكفائنا على التاريخ، والحديث عن بطولات المسلمين السابقين، وعن عدلهم وعن إنصافهم هو -أيضاً- لا يكفي، وإن كان لا بد منه، فإن الذي ليس له تاريخ ليس له مستقبل، والذي ليس له ماضي ليس له حاضر:

    مثل القوم نسوا تاريخهم     كلقيط عيَّ في الناس انتساباً

    فالأمة تحتاج إلى أن ترجع دائماً إلى تاريخها، وتستلهم منه الدروس والعبر؛ لكن لا يجوز أبداً أن يكون كل ما نملكه هو الحديث عن التاريخ، والإسراف والمبالغة في ذلك هي من عوامل الاتكاء والاتكال والبعد عن الفاعلية في الواقع، وكما قال أحد الشعراء منتقداً كثرة الحديث عن السابقين، على أننا نخالف أفعالهم وأحوالهم صباح مساء:

    وغاية الخشونة أن تندبوا

    قم يا صلاح الدين قم

    حتى اشتكى

    مرقده من حوله العفونة

    كم مرة في العام توقظونه

    كم مرة على جدار الحبن تجلدونه

    أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة

    دعو صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه

    لأنه لو قام حقاً بينكم فسوف تقتلونه

    إذاً: لا يجوز أن يكون كل ارتباطنا بديننا، وكل عملنا لصناعة الحياة، هو أن نتكلم عن التاريخ ونقلب أوراق الماضي، بل لابد من إثبات عملي -بقدر المستطاع- على أن الدعاة إلى الله تعالى هم الجهة التي تفلح في إنقاذ الأمة مما هي فيه، وتصدق في وعدها مع الله عز وجل، وإذا كان أعداء الإسلام قد منوا الناس الأماني، فلما استطاعوا أن يفعلوا ما فعلوا عجزوا عن ذلك؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى يجب أن يثبتوا للأمة -حتى وهم لا يملكون شيئاً- أن الواحد منهم يقتطع من قوته ومن قوت زوجه وأولاده ليطعم الجائع، ويكسو العاري، ويسد حاجة المحتاج.

    أين مؤسساتنا الخيرية؟

    وهنا نسأل أنفسنا: أين محاضن الأطفال المسلمين والأيتام؟!

    أين دور العجزة والفقراء؟!

    أين المدارس الخيرية؟!

    أين المستشفيات؟!

    أين المؤسسات الخيرية؟!

    أين المؤسسات الاقتصادية؟!

    أين الخدمات المجانية -أو شبه المجانية- التي يمكن أن تقدم للمسلمين، والتي تنقذهم من براثن الجهل والمرض والفقر، ذلك الثالوث الخطير الذي يفتك بالمسلمين؟

    قد يقول قائل: المسلمون لا يملكون شيئاً، أو يقول: الدعاة إلى الله تعالى في أكثر بقاع الأرض هم أفقر الناس!

    فأقول: هذا صحيح من جانب، لكن لا يجوز أبداً أن نعتبر هذا كافياً في تعليل ما يجرى، فإننا نجد أن هذا نوعٌ من الهروب من المسئولية، وكم من الدعاة إلى الله تعالى لم يفكروا أصلاً في هذا الموضوع! ولو أن الإنسان اعتبر هذا أحد الاهتمامات التي يجب أن يهتم بها، وينبغي أن يفكر فيها، فإنه لا بد أن يتفتق ذهنه عن وسائل ناجحة، وكما يقال: الحاجة أم الاختراع، ومع الصبر والوقت والتفكير والمحاولة يمكن أن يفعل الدعاة الكثير والكثير مما ينفع في هذا، بشرط أن تصبح إقامة الجسور مع الأمة هماً يسيطر على قلوب الدعاة إلى الله تعالى.

    وما زال الكثير من أثرياء الأمة وتجارها وأغنيائها ووجهائها لديهم ثقة بالدعاة إلى الله عز وجل، وإمكانية أن يتعاونوا معهم، بحيث تنتقل رءوس الأموال التي توجد في بلد من بلاد المسلمين؛ لينتفع بها المسلمون في كل مكان عن طريق الدعاة الصادقين، وليس عن طريق الصليب الأحمر الدولي -مثلاً- أو عن طريق المؤسسات التنصيرية التي ربما وزعت على المسلمين أموال المسلمين وابتزتهم بها، ودعتهم بها إلى النصرانية!!

    إذاً: يجب أن يكون الدعاة إلى الله تعالى والمخلصون هم الجسر الذي تعبر عليه أموال المسلمين وإمكانياتهم إلى إخوانهم المحتاجين في كل مكان من الأرض.

    فالداعية لا يحتاج كثيراً إلى أن ينفق من جيبه، بل يكفي أن يكون لديه الاستعداد لأن يكون وسيطاً، وإذا علم تجار المسلمين -وهم كثير، وفيهم خير كثير، وفيهم ثقة بالدعاة إلى الله تعالى- أن دعاة موثوقين صادقين يمكن أن يقوموا بمثل هذه المهمات؛ فإنهم لن يترددوا أبداً في إعانتهم ومساعدتهم.

    وأيضاً: لا بد -أيها الأحبة- أن نقنع أنفسنا بأهمية الموضوع من جهة أخرى، ثم أن نقنع أنفسنا بإمكانية أن نفعل شيئاً، فالإنسان اليائس لا يمكن أن ينتج، والذي يقول: ليس في يدي حيلة، هذا محكوم عليه أنه كالميت لا يمكن أن يقدم لأمته شيئاً؛ لكن إذا كان لديه همة عالية، فالهمم العالية تزيل الجبال.

    صناعة الحياة في المنزل

    أيها الأحبة: لقد وجه إليّ الإخوة كثيراً من الأسئلة في المجلس السابق، ورأيت -أيضاً- أن أعرج عليها في موضوع صناعة الحياة، فأحد الأحبة أعجبتني صياغة سؤاله، فهو يقول: في صناعة الحياة قمت بصناعة البيت بمشيئة الله تعالى، وهو جعل درس للنساء لحفظ القرآن على قسمين:

    1- النساء الكبيرات، وأول شيء يحفظنه هو آية الكرسي مع تفسيرها.

    2- الأخوات وزوجات إخوتي، والمقرر هو حفظ بعض سورة (ق)، ثم درس في السيرة، فما رأيكم في ذلك؟

    فأقول: هذا الجهد وإن كان في نظر بعض الناس جهد المقل، إلا أنه مساهمة فعالة في صناعة الحياة، وحين نقول: صناعة الحياة أو صياغتها فإننا نطلب من كل إنسان أن يشارك في ذلك ولو بأقل جهد.

    وليس بالضرورة أن يكون كل واحد منا صانعاً للحياة على مستوى العالم، بل من الممكن أن تبدأ صناعة الحياة على مستوى البيت، أو الفصل الذي تدرس فيه، أو الحي الذي تسكن فيه، أو المسجد الذي تصلي فيه.

    المدرس يصنع الحياة كثيراً

    وكذلك هذا الأخ يقول: لاحظت في معظم تلك المحاضرة عدم المرور على المربين والمدرسين وما يهمهم من صناعة الحياة، فأرجو منك أن تتعرض لهذا الموضوع.

    وأقول: إن المدرس يصنع الحياة كثيراً، وليس غريباً أن الطبيب تتلمذ على يد المدرس، والمهندس تتلمذ على يد المدرس، والداعية والخبير وكل أصناف المختصين تلقوا من المدرس، ولهذا لا غرابة أن يتكلم أحد الشعراء -وهو الشاعر محمود غنيم- راثياً لحال المدرس، ومعبراً عن واقعه ومشاعره، فيقول:

    حنانيك إني قد بليت بصبيةٍ      أروح وأغدو كل يوم عليهمُ

    صغار نربيهم بملء عقولهم      ونبنيهم لكننا نتهدمُ

    فمن كان يرثي قلبه لمعذب      فأجدر شخص بالرثاء المعلمُ

    على كتفيه يبلغ المجد غيره      فما هو إلا للتسلق سُلَّمُ

    فالمدرس هو الجندي المجهول، وهو المناضل الكبير، والمدرس متى ما كان مخلصاً فهو وريث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -فهم يعلمون الحكمة ويعلمون الناس ويأمرون بها، والمدرس يستحق أكثر من مرور عابر- كما اقترح الأخ في محاضرة فهو يستحق حديثاً خاصاً، وسيكون ذلك -إن شاء الله- في أحد الدروس بعنوان: رسالة إلى مدرس.

    زعماء الغرب يساوون وزنهم ذهباً في الكويت

    أما فيما يتعلق بصناعة الحياة؛ فقد وقفت في هذا الأسبوع على قصاصة في إحدى صحفنا المحلية، وهي جريدة الرياض، وقد تستغربون ما علاقة هذا الموضوع بصناعة الحياة، وسوف أقرأ عليكم الخبر أولاً، ثم لابد أن سوف يظهر لكم ما علاقته بصناعة الحياة.

    والخبر قد نشرته جريدة الرياض وليس بين يدي رقم العدد، وإن كنت أقرأ من مصورة الجريدة، يقول العنوان: زعماء الغرب يساوون وزنهم ذهباً في الكويت، فبعد عبد الله جورج وشناشيل بوش الأكثر رواجاً، وتاتشر نجمة سوق الصاغة، يقول الخبر: لا يزال القادة الغربيون يساوون وزنهم ذهباً في الكويت بعد سبعة أشهر من انتصار قوات التحالف الدولي لتحريرها من الاحتلال العراقي.

    ففي سوق الصاغة بوسط العاصمة أطلق هؤلاء أسماء بوش وبيكر وتاتشر على نماذجهم المفضلة من العقود والأساور دليلاً على الشعبية في بلد ليس فيه استطلاعات رأي، وفي حين غاب الرئيس ميتران عن الواجهات فإن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تاتشر هي النجمة، ويسعى التجار بذلك إلى رد الجميل للتي يعتبرونها أكثر القادة الغربيين صلابة، ويشرح أحدهم: فيقول: لقد وقفت إلى جانبنا فور الغزو العراقي.

    ورسم تاتشر مزين بخطوط منحنية تتقاطع فوق خلفية من الذهب المفرغ، ويزين رسم الرئيس الأمريكي جورج بوش طوق زواج ضخم من الذهب الخالص، مثقل بالسنشيل يتصدر سائر الواجهات، ويوضح أحد الصاغة أن ثمن العقد ألفان وخمسمائة دينار، أي نحو ثمانية آلاف وخمسمائة دولار.

    بينما تساوي أحزمة ثقيلة مخصصة لمهور العرائس نحو ثلاثة أضعاف هذا السعر، والبدو -خصوصاً- يطلبون نموذج بوش لأ المفضل لديهم، وعلى باب المحل ملصق كبير للرئيس الأمريكي مبتسماً، أما جون ميجر خليفة المرأة الحديدية، وكذلك المتحدثة باسم البيت الأبيض، ووزير الخارجية الأمريكي لقد كرموا بجواهر أكثر تواضعاً إلى جانب نماذج أسكود -صواريخ أطلقها العراقيون خلال الحرب- وعاصفة الصحراء.

    وقال صائغ: إن الموضة بدأت بعد تحرير البلاد، والنماذج ستستمر على الأرجح عاماً أو عامين، وداخل المحل تتفحص نسبة من المحجبات المجوهرات، وهن يرقبن الرسوم بعين خبيرة ويجربنها برشاقة، ويباع الذهب في الكويت حالياً، إلى أن يقول: ولا يقتصر هذا التمجيد للقادة الغربيين -وعلى الأخص الرئيس الأمريكي- على سوق الذهب وحده؛ بل هي ظاهرة واسعة الانتشار عمت المجتمع منذ اللحظات الأولى لتحرير الكويت!!

    بل إن أحد المواطنين الكويتيين لم يتردد في تسمية المولود بعبد الله جورج بوش! وقالت أم الطفل عبد الله جورج بوش وذكر اسم أمه تعليقاً على هذا الاسم لمولودها: سمينا الطفل على اسم الرئيس الأمريكي كبادرة عرفان لتحرير بلادنا.

    ولقد ضحكتم ولا بد أنكم بكيتم في نفس الوقت: وشر البلية ما يضحك، وكم يؤسفنا ويحزننا أن نقول: إن أعداءنا الكبار عرفوا كيف يصنعون الحياة! عرفوا كيف يصنعونها لأديانهم، ولمذاهبهم، ولمعتقداتهم، ولمصالح بلادهم، فأصبح المسلمون مدينين في أعماق قلوبهم لهؤلاء الكبار؛ وما رسم صورهم أو إطلاق أسمائهم على محلات أو شوارع أو أشخاص؛ إلا تعبير عن هزيمة قلبية داخلية، بحيث أصبحت النماذج المفضلة في نفوس المسلمين، أو طائفة من المسلمين، هي تلك الرموز الوثنية التي لم تكن عملت ما عملت من أجل سواد عيوننا؛ إنما كانت تعتبر هذا جزءاً من صناعة الحياة.

    لقد صنعوا الحياة حيناً باسم الولايات المتحدة الأمريكية وصنعوها حيناً آخر باسم هيئة الأمم المتحدة، وصنعوها حيناً ثالثاً باسم النظام الدولي الجديد، وهو الستار الجديد المعلن الذي يخفي مطامع الغرب في بلاد الدنيا وخاصة في بلاد المسلمين، وقد صنعوا الحياة حيناً باسم الدفاع عن مصالح الشعوب المستضعفة، وصنعوها أحياناً كثيرة باسم الديمقراطية التي تخفي وراءها دكتاتورية تتدجج بالحديد والنار، لإجبار العالم كله على الخضوع والتسليم والانقياد لمصالح الغرب، وصنعوا الحياة مرة سادسة؛ باسم حماية مصالح اليهود في العالم، وفي الشرق العربي والإسلامي بصفة خاصة.

    فهذا نموذج من صناعة الحياة، وصحيح أن الصانع كافر، وصحيح أنه متعصب لدينه وملته، وهو يتردد على الكنيسة كلما ألمت به أزمة؛ ولكنه يصنع الحياة، واستطاع أن يغرر بالكثيرين باسم الديمقراطية وباسم النظام الدولي الجديد، وباسم مصالح الشعوب، وباسم تحرير الإنسانية، وباسم نـزع السلاح؛ وبكافة الأسماء، فهم قد صنعوا نموذجاً لحياتهم، ومع ذلك -ومع أن هذا يؤذي الكثير من النفوس- إلا أننا نملك نصاً نبوياً يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه}.

    فإذا كان هؤلاء الغربيون الذين ذكر الخبر -في جريدة الرياض السعودية- أسماءهم، قد أصبح لهم من الثقل ما لهم، وأصبحت الصحف تزين بذكر أخبارهم أو صورهم، وأصبح تمجيدهم كما عبرت الجريدة هماً للكثيرين، فإننا نعلم أن هذا نهاية المجد الذي يطلبون ويؤملون، وأنه حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه، والذي أسقط الشيوعية بالأمس سيسقط الرأسمالية اليوم أو غداً أو بعد غد.

    فأين المسلمون! الذين يمكن أن يقوموا بعمارة الدنيا وخلافتها، بديلاً عن الشرق أو الغرب؟

    1.   

    بيان من العلماء حول ما جرى في أفغانستان

    وبعد هذا وذاك فإنني أيضاً أستسميحكم في اقتطاع جزء من الوقت على أهمية موضوع هذه الليلة في قراءة هذا البيان الصادر من جماعة من العلماء والدعاة في هذا البلد، حول ما جرى وما يجري في أفغانستان.

    يقول هذا البيان الذي وقعه جماعة من العلماء على رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز:

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعــد:

    فغير خاف على أحد ما يجري في أفغانستان من الخلاف، وما ترتب على ذلك من تفاقم الأمر في صفوف الأمة من الدعاة، والخطباء، وطلبة العلم، وعموم الشباب وسائر الناس، من جراء الخوض في هذه المسألة دون تثبت ولا علم ولا بصيرة، نصرة لطرف على طرف، أو هجوماً على طرف، أو دفاعاً عن طرف من أطراف النـزاع، وإننا نناشد جميع المسلمين وخاصة الشباب الغيور على قضايا الأمة؛ بالكف عن الخوض في هذه المسألة بأي صورة، تأييداً أو تنديداً لما ينجم عن ذلك من تفرق كلمة أهل الخير في كل مكان، وتشتت آرائهم واختلاف قلوبهم، وربما أدى ذلك إلى التشاحن والتطاحن والتباغض! وأوصل بعضهم إلى الولاء والبراء! والحب والبغض، والاشتغال بتصنيف الناس على حسب مواقفهم من هذه القضية! وإن أخشى ما يخشاه العقلاء أن تكون ثمة أصابع خفية تهدف إلى زعزعة وحدة الأمة لصالح أعداء الإسلام من الشرق والغرب!

    فأفضل وسيلة لتفويت الفرصة على العدو هي ترك الخوض في هذه المسألة نهائياً، والإعراض عنها بالكلية، والاشتغال بما هو أجدى وأهم؛ من طلب العلم، والدعوة إليه، والإقبال على العبادة، وتهذيب السلوك، وتصفية القلوب من لوثات الحقد والحسد والبغضاء التي يبذرها الشيطان في نفوس الناس، علماً أن ثمة جهوداً طيبة من جهات عديدة تتدخل بهدف الإصلاح بين الأطراف المتنازعة، وقد قطعت في هذا المجال شوطاً كبيراً، ولعل ترك الخوض في هذه المسألة مما يساعد هذه اللجان على أداء مهمتها، وستعلن نتيجة ذلك قريباً إن شاء الله.

    كما أن على الجميع السعي لنشر العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين في سائر الأقطار، بالأسلوب الحكيم المناسب البعيد عن التنفير، وبكافة الوسائل المتاحة، كالدعوة، والتعليم، وطباعة الكتب، ونشر الأشرطة المفيدة، وغير ذلك، وإننا إذ نعتبر هذه مسئولية الجميع؛ فإنها منوطة بصفة خاصة بمن أعطاهم الله تعالى مزيداً من العلم والبصيرة في الدعوة أو الجاه أو المال.

    فنأمل من إخواننا المسلمين مراعاة ذلك والسعي لتنفيذه بقدر الإمكان، كما نناشد إخواننا المجاهدين الأفغان وقادتهم خاصة السعي لجمع كلمة المجاهدين ولم صفوفهم تحت راية عقيدة أهل السنة والجماعة، والحرص على حقن الدماء ووحدة الصف، امتثالاً لقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103] وقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

    نسأل الله للجميع التوفيق لصالح القول والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ولا أرى حرجاً أن أقرأ عليكم أسماء المشايخ الموقعين؛ لأن هذا مما يزيد من توثيق هذا البيان:

    سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، العبد الفقير المتحدث إليكم، الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الشيخ محمد بن سعيد القحطاني، الشيخ سعيد بن زعير، الشيخ عائض القرني، الشيخ ناصر العمر، الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي، الشيخ سعيد بن عبد الله الحميد، الشيخ عبد الوهاب بن الناصر الطريري، الشيخ عوض بن محمد القرني، الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيكان، الشيخ عبد الله بن حمود التويجري، الشيخ سعود بن عبد الله آل فنيسان، الشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل، الشيخ سلطان بن عبد المحسن الخميس، الشيخ أحمد بن صالح السناني.

    1.   

    الخلاف بين الناس ومسالك علاجه

    أما بعد:

    فالآن مع: أدب الحوار.

    أيها الأحبة: الموضوع كبير وخطير، ولعلي جُرت عليه بعض الجور حينما اقتطعت كثيراً منه لهذه المقدمات التي رأيت أنه لا بد منها، وأن التعليق في مناسبتها أرجح وأولى.

    إن الخلاف بين الناس أمر طبعي وذلك لأسباب كثيرة؛ فقد يكون الخلاف في أمور الدين والشرع بسبب أن جزءاً كبيراً من النصوص الشرعية دلالته ظنية وليس قطعي الدلالة على المقصود، وقد يكون الخلاف بسبب اختلاف العقول والأفهام وتباين المدارك، وقد يكون الخلاف بسبب العلم، فهذا عالم، وهذا أعلم، وهذا أقل، قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] وقد ينسى العالم نصاً من النصوص فيقول بغير ما يدل عليه، وقد يكون من أسباب الخلاف -أحياناً- الهوى والتعصب لقول أو مذهب أو رأي أو شيخ.

    وحينما يختلف الناس سواء كانت اختلافات كلية أو اختلافات جزئية، يسلكون في معالجة هذا الخلاف مسالك شتى.

    الحرب كمسلك لحل الخلاف

    المسلك الأول: الحرب، فالحرب أحياناً وسيلة لحل الخلاف، وإنهاء الخصومات، وإثبات الحجة، والواقع أن الحرب لا تصلح أن تكون هي الحل الأول في ذلك؛ إذ أننا نجد أن كثيراً من المبادئ والنظريات التي قامت على القوة، وعلى الحديد والنار، سرعان ما تهاوت وسقطت! وهذه الشيوعية اليوم هي خير شاهد، فقد دعمت بالحديد والنار، وكانت أجهزة (k.b.g) -المخابرات السوفيتية- تلاحق المنشقين، والمعارضين والمحاربين بكافة الوسائل، وتجند مئات الألوف من العملاء؛ فضلاً عن الكثافة العديدة في القوات العسكرية لـالاتحاد السوفيتي التي تعتبر أكثر من ثلاثة أضعاف القوات في الولايات المتحدة الأمريكية.

    ومع ذلك كله، ومع البطش والإرهاب سقطت الشيوعية خلال أقل من ثمانين عاماً، على حين أن الوجه الآخر للحضارة المادية المنحرفة، وهو وجه الرأسمالية، ما زال حتى الآن يصارع الموج، وما زال حياً باقياً، وربما أقول قوياً ممكناً في الأرض، وليس ذلك لأنه مؤمن بالله عز وجل، ولكن لأنه سلك الأسلوب الذي يمكن التعبير عنه بأنه أسلوب ديمقراطي، على الأقل في بعض أساليبه وطرائقه ومعاملاته لشعوبه، فكان أبقى وأرسخ من النمط الشيوعي الشرقي المتعسف.

    ولذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256] نعم قد شن المسلمون حروباً، لكن هذه الحروب لم تكن بهدف إكراه أحد على الدخول في الإسلام، بل كانت بهدف إزالة الطواغيت التي تحول بين الناس وبين الدخول في الدين وتضغط عليهم وتكرههم على ترك الدين والدينونة بالكفر وبما يريد الطواغيت.

    ولم يحفظ التاريخ أن المسلمين أكرهوا شخصاً واحداً على الدخول في الإسلام، بل كان المسلمون إذا هاجموا أهل قرية أو حصن أو بلد خيروهم بين ثلاثة أمور: إما الإسلام؛ فإذا أسلموا قبلوا منهم وكفوا عنهم، فإن لم يسلموا طلبوا منهم الجزية، وأن يدينوا لحكم المسلمين، فإذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون كفَّ المسلمون عنهم، وأقروهم على ما كانوا عليه، فإن أبوا؛ استعانوا بالله تعالى وقاتلوهم.

    فعلى كل حال الطريقة الأولى لحل الخلافات هي طريقة الحرب.

    طريقة الحوار

    الطريقة الثانية هي: طريقة الحوار، وهو أسلوب حديثنا اليوم، ولا أريد بحديثي عن الحوار أن أجحف بحق الجهاد في سبيل الله تعالى، فللجهاد أحاديثه، وللجهاد مجالاته، وقد سبق أن تحدثت في درس بعنوان: حي على الجهاد، وتكلمت فيه عن موضوع الجهاد في سبيل الله، وإنما حديثي اليوم عن وجه آخر، سواء كان الحوار مع كافر بهدف دعوته إلى الإسلام، أو كان مع مسلم.

    والحوار أحياناً -أيها الأحبة- كما يقال: أقوى من الكلاشنكوف، وأقوى من القنابل، والصواريخ، والدبابات والمدفعيات؛ لأنه يعتمد على القناعات الداخلية، وعلى القناعات الذاتية، وربما أفلح الحوار فيما لم تفلح فيها الحروب الطاحنة! وأنا أذكر لكم حادثتين تاريخيتين قديمتين:

    وكلا الحادثتين تتعلق بطائفة الخوارج، الخوارج من المعروف في تاريخ الإسلام أنهم من أكثر الناس ضراوة في الحروب، وشجاعة وبسالة، حتى إن الناس كانوا يرهبون منهم، حتى النساء اللاتي التحقن بـالخوارج كنَّ يبدين من ضروب البسالة والشجاعة في الحروب ما تندهش منه العقول! حتى إن الحجاج هرب من بعض النساء، فسخر منه الساخرون وقالوا له:

    هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى      بل كان قلبك في جناحي طائرِ

    وهرب منها بعض القواد فعيروه بذلك.

    فـالخوارج كانوا شجعاناً، بسلاء، أقوياء، على ما كانوا عليه من الباطل والضلال المبين! فلننظر كيف فعل فيهم الحوار.

    كما ذكر الباقلاني والسكوني والشاطبي وغيرهم أن علي بن أبي طالب بعث ابن عباس إلى الخوارج، المسمين بـالحرورية، فذهب إليهم ابن عباس رضي الله عنه وعليه حلية جميلة، فلما أقبل قالوا له: يا ابن عباس! ما الذي جاء بك؟

    وما هذه الثياب عليك؟

    فقال: أما الثياب التي علي فما تنقمون مني، فوالله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة ليس أحد أحسن منه، ثم تلا عليهم قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32].

    فقالوا: وما الذي جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم أنتم يا معشر الخوارج واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجئتكم من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني علي بن أبي طالب- وعليهم نـزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فأنا رسول بينكم وبينهم، ووسيط بينكم وبينهم.

    فقال بعضهم: لا تحاوروا ابن عباس ولا تخاصموه! فإن الله تعالى يقول عن قريش: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] -خافوا من الهزيمة- فقالوا: اتركوا مجادلته لأنه جَدِل خَصِم، وقال بعضهم: لا بل نكلمه ولننظر ماذا يقول؟

    قال ابن عباس رضي الله عنه: فكلمني منهم اثنان أو ثلاثة، فقال لهم: ماذا تنقمون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟

    قالوا: ننقم عليه ثلاثة أمور، قال: هاتوا؟

    قالوا: الأول أن علي بن أبي طالب حكم الرجال في كتاب الله -يعني بعث حكماً منه وحكماً من معاوية رضي الله عنه، وقصة التحكيم معروفة- والله تعالى يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57].

    قال: هذه واحدة فما هي الثانية؟

    قالوا:الثانية أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل ولم يَسْبِ -قاتلهم وما سبى نسائهم- فلئن كانوا مسلمين فقتالهم حرام، ولئن كانوا كفاراً فلماذا لم يَسْبِ؟

    قال: وهذه أخرى، فما هي الثالثة؟ قالوا: الثالثة أنه نـزع نفسه من إمرة المؤمنين لما كتب الكتاب، فلم يكتب أمير المؤمنين وكتب علي بن أبي طالب! قال: أو قد فرغتم؟ قالوا: نعم.

    قال: أما الأولى، وهي قولكم حكم الرجال في كتاب الله تعالى، فإن الله تعالى يقول في محكم التنـزيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95] فذكر الله تعالى حكم ذوي عدل فيما قتله الإنسان من الصيد، سألتكم بالله تعالى، ألتحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أعظم أم التحكيم في ما قتله الإنسان من الصيد؟

    قالوا: لا، بل التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم.

    قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35] ناشدتكم الله تعالى ألتحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أهم أو التحكيم في بضع امرأة؟

    قالوا: لا التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم، قال: انتهت الأولى؟

    قالوا: نعم، فالثانية.

    قال: أما الثانية: فهي قولكم قاتل ولم يَسْبِ -لم يأخذ نساء من قاتلهم- فهل تسبون أمكم عائشة رضي الله عنها -لأنها كانت في الطرف الآخر- وتستحلون منها ما يستحل الرجال من النساء؟!

    إن قلتم ذلك كفرتم! وإن قلتم ليست بأمنا أيضاً كفرتم، لأنها أم المؤمنين!! فاستحوا من ذلك وخجلوا، قالوا: فالثالثة...

    قال: أما قولكم خلع نفسه من إمرة المؤمنين، وإذا لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عقد كتاب الصلح مع أبي سفيان وسهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال: اكتب، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ولا منعناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فمحى النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة، وكتب هو أو علي هذه مسألة يطول الكلام فيها من محمد بن عبد الله، فرجع منهم عن مذهب الخوارج ألفان، وبقيت بقيتهم فقتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    فانظر كيف أثر الحوار الهادئ القوي العميق في مثل هذه الرءوس اليابسة الناشفة، حتى رجع منهم في مجلس واحد لم يستغرق ربع ساعة ألفان إلى مذهب أهل السنة والجماعة.

    المثال الآخر: وهو أيضاً يتعلق بهذه الطائفة العنيدة -طائفة الخوارج- أنهم حيث بقيت منهم في الموصل بقية؛ فكتب إليهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخليفة الأموي العادل ينكر عليهم خروجهم، ويقول لهم: أنتم قليل أذلة!! فردوا عليه وقالوا: أما قولك: إنا قليل وأذلة، فإن الله تعالى يقول لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26] فردوا عليه بذلك، فوجه إليهم عمر بن عبد العزيز فقيهاً اسمه عون بن عبد الله، وهو أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.

    فقال لهم عون بن عبد الله: أنتم كنتم تطلبون حاكماً في مثل عدالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما جاءكم هذا الحاكم كنتم أنتم أول من نفر عنه وحاربه! قالوا: صدقت، ولكنه لم يتبرأ من الذين من قبله ولم يلعنهم -لم يلعن علي بن أبي طالب ولا معاوية ولا بني أمية- فنحن نحاربه لأنه لم يتبرأ من صنيع هؤلاء ولم يلعنهم! وهذا مذهب الخوارج.

    قال لهم: أنتم كم مرة تلعنون هامان في اليوم؟

    قالوا: ما لعناه قط، قال: أيسعكم أن تتركوا لعن وزير فرعون الطاغية، والمنفذ لأوامره، والذي بنى صرحه بأمره، ولا يسع هؤلاء أن يتركوا لعن أهل قبلتهم، إن كانوا أخطأوا في شيء أو عملوا بغير الحق؟

    فسكتوا ورجع منهم طائفة كبيرة، فسر بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وقال لهذا الرجل: لماذا لم تحتج عليهم بعدم لعن فرعون، لماذا قلت لهم لم تلعنواهامان، ولم تقل: لم تلعنوا فرعون؟

    قال: لو قلت لهم: لماذا لا تلعنون فرعون، ربما قالوا: إننا نلعنه، أما هامان فقل من يلعنه في ألسنة الناس، فلذلك اخترته! فسكت هؤلاء، ثم خرجوا في ولاية يزيد بن عبد الملك فقاتلهم.

    والمهم يقول السكوني في عيون المناظرات: فكانت حجة عمر أبلغ من قتالهم بالسيف.

    وهكذا يتبين لك أن الحجة القوية، والحوار الهادئ الرزين من صاحب عقل وفهم وعلم في كثير من الأحيان يفعل ما لا تفعله السيوف، وما لا يفعله الكلاشينكوف.

    1.   

    أهداف الحوار والمناظرة

    فالحوار مهم -أيها الأحبة- من جانبين:

    الدعوة إلى الإسلام واتباع السنة

    الأول: من جانب دعوة الناس إلى الإسلام وإلى السنة، فتعقد حوارات مع كفار لتقنعهم بأن دين الله حق لا شك فيه، أو مع مبتدعين منحرفين عن السنة لتدعوهم إلى السنة وتأمرهم بالتزامها، والقرآن الكريم حافل بنماذج من مثل هذه الحوارات التي جرت بين أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، حتى إن قوم نوح قالوا لنوح: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود:32] فأكثر جدالهم حتى تبرموا من كثرة جداله لهم، والجدال نوع من الحوار على أي حال.

    أيها الأحبة: إننا بحاجة إلى أن نحاور أصحاب المذاهب، والنظريات، والأديان الأخرى بهدف دعوتهم إلى الله تعالى، فالحوار وسيلة من وسائل الدعوة، ولا يجوز أبداً أن تعتقدوا -كما يعتقد الكثيرون- أن العالم اليوم يعيش حالة إفلاس من النظريات، والعقائد، والمبادئ، والمثل!! بل العالم اليوم يعيش حالة تخمة في كثرة النظريات، والمبادئ، والعقائد، والمثل، والفلسفات، وصحيح أنها باطلة، ولكن هذا الركام الهائل من الباطل مدجج بأقوى أسلحة الدعوة والدعاية، ومدجج بالدعاة الذين تدربوا وتعلموا كيف يدافعون عن الباطل، حتى يصبح في نظر الناس حقاً!

    أما أهل الحق فبئس ما عودوا أقرانهم! فإذا اجتمع من أهل الحق خمسة وتناقشوا في مسألة خرجوا فيها بتسعة آراء، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ثم لا يحسن هؤلاء أن يناقش بعضهم بعضاً، ولا أن يحاور بعضهم بعضاً، إلا من خلال فوهات المدافع والبنادق، أو إذا لم يملكوها فمن خلال الأفواه التي تطلق من الكلمات الحارة الجارحة ما هو أشد فتكاً من الرصاص ومن القذائف!

    الوصول إلى اليقين الصحيح في مسائل الخلاف

    الهدف الأول هو دعوة الكفار إلى الإسلام، أو دعوة الضالين من المبتدعة إلى السنة.

    أما الهدف الثاني: فهو الوصول إلى اليقين الصحيح أو الحق في مسألة اجتهادية اختلفت فيها وجهات النظر مما ليس فيه نص ولا إجماع، أي: مسألة اجتهادية اختلفت فيها أقوال العلماء أو أقوال المجتهدين وأقوال المتحدثين، فتكلم اثنان في محاورة ومناظرة للوصول إلى الحق، والمسألة ليس فيها نص صريح، وليس فيها إجماع لا يجوز تعديه، ولكنها من المسائل الاجتهادية، وليس من الضروري أيها الأخ الكريم! أن تعتقد أن نتيجة الحوار لا بد أن تكون إقناع الطرف الآخر بأن ما عندك حق وما عنده باطل، فليس هذا بلازم، وقد تقنع الإنسان بذلك، وأقل شيء تكسبه من طريقة الحوار إذا التزمت بالشروط الموضوعية للحوار؛ وأقل شيء تكسبه أن يعلم خصمك أن لديك حجة قوية، وأنك محاور جيد، وأن يأخذ انطباعاً بأنك إنسان موضوعي متعقل بعيد عن التشنج والهيجان والانفعال.

    وكثير من الناس يظنون أن الآخرين لا يملكون الحق، وليس عندهم شيء، وأنهم مجرد مقلدين، فإذا حاوروهم علموا أن لديهم حججاً قوية، فأقل ما تكسبه هو أن تجعل أمام مناظرك علامة استفهام! وأقل شيء تكسبه أنه صار عنده تردد في مذهبه، ففتر حماسه لدينه، وقد تلتقي بنصراني -مثلاً- داعية إلى النصرانية فتناقشه، فمحتمل أنه يسلم -وهو خير كثير، وهو أرقى وأعلى ما تتمناه- لكن هناك احتمال ألا يسلم! فهل تعتبر أنك قد خسرت؟

    لا، إذا لم يُسلم فربما صار عنده تفكير في الإسلام يدعوه إلى أن يبحث ويسلم ولو بعد حين، وإذا لم يفكر بذلك فعلى الأقل صار عنده شكوك في دينه، وإذا لم يحصل هذا فعلى أقل تقدير فتر شيء من الحماس الذي كان يحمله لدينه.

    ونحن نجد أن المسلمين الذين يكثرون من الاحتكاك بأهل الكتاب، أو بالمنحرفين عن الإسلام، ويسمعون منهم الكثير؛ وإن لم يتركوا دينهم إلا أن حماسهم يقل ويفتر لدينهم من كثرة ما سمعوا من الأعداء حتى وهم على الحق، فما بالك بأهل الباطل إذا سمعوا نقد باطلهم! لا بد أن يفتر حماسهم له، أو يشكوا فيه أو يتراجعوا عنه.

    1.   

    ألفاظ الحوار ومواضعها

    والحوار والجدال والمناظرة كلها ألفاظ متقاربة لمعنى واحد، وإن كان أكثر ما جاء لفظ الجدال في القرآن الكريم على الجدال المذموم كما في قوله تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر:5] ولكن جاء لفظ الجدال في القرآن أيضاً في مواضع محمودة، وهي -فيما أعلم- أربعة مواضع، الموضع الأول منها قوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] فهذا جدال بالتي هي أحسن، وهو لدعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام.

    الموضع الثاني: قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] الموضع الثالث: قول الله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود:74] فإبراهيم عليه السلام يجادل الملائكة! فماذا قال لهم؟

    سألهم: بعثتم إليهم لإهلاكهم؟

    قالوا: نعم، قال: أفيهم مائة مسلم؟

    قالوا: لا، قال: أفيهم خمسون مسلماً؟

    قالوا: لا، قال: عشرة مسلمين؟

    قالوا: لا، قال: خمسة مسلمين؟

    قالوا: لا، قال: فقوم ليس فيهم هؤلاء جديرون بالإهلاك، فهذا كما ذكر بعض المفسرين الجدل الذي حصل من إبراهيم عليه السلام.

    الموضع الرابع: قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1].

    الاهتمام بفن الحوار

    أيها الأخ الكريم: إن من الضروري أن يتلقى المسلم -وخاصة الداعية إلى الله- أسس الحوار وأصوله في عالم يموج اليوم بالنظريات الكافرة، والاتجاهات المنحرفة، ولقد أصبح الحوار فناً يدرس! وأحياناً يسمونه فن الجدل، وأحياناً يسمونه فن المناظرة، إضافة إلى فن آخر له علاقة بالموضوع وهو ما يسمى بفن العلاقات العامة الذي تقام فيه دورات لكثير من الموظفين والمتخصصين في العلاقات، والدعاة، وسواهم، والعلاقات العامة تعني حسن الاتصال بالآخرين، لإقناعهم برأي أو ترويج سلعة من السلع، أو تصحيح فكرة، أو التمهيد لقضية من القضايا من خلال الاتصال بالناس، فهو فن يدرس ولا بد للداعية أن يتعلمه نظرياً وعملياً.

    1.   

    قواعد الحوار

    إن للحوار قواعد كثيرة؛ لم يسعفني فكري منها إلا بثلاث قواعد أذكرها على عجل.

    تحديد مجال الحوار

    القاعدة الأولى: أن يكون الحوار حول مسألة محددة؛ فإن كثيراً من الحوارات تكون جدلاً عقيماً سائباً ليس له نقطة محددة ينتهي إليها، فينبغي أن يكون الحوار -أو الجدال بالتي هي أحسن- حول نقطة معينة بحيث يتم التركيز عليها، والحديث يدور عنها لا يتعداها حتى ينتهي منها.

    عدم مناقشة الفرع قبل الاتفاق على الأصل

    القاعدة الثانية: عدم مناقشة الفرع قبل الاتفاق على الأصل، إذ أن مناقشة الفرع مع أن الأصل غير متفق عليه تعتبر نوعاً من الجدل العقيم إلا في حالات معينة، وأضرب لذلك مثلاً على حالات يمكن فيها مناقشة الفرع دون مناقشة الأصل.

    مثلاً: لو جاءك كافر لا يؤمن بيوم الحساب، ولا يؤمن بدين الإسلام، وبدأ يناقشك في قضية حجاب المرأة المسلمة، ولماذا تتحجب المرأة؟!

    أو يناقشك في قضية تعدد الزوجات، ولماذا أباح الإسلام تعدد الزوجات.

    فهو الآن كافر لا يؤمن بالإسلام، فهل تناقشه في مسألة تعدد الزوجات؟

    أو في مسألة الحجاب؟

    أو في مسألة الجهاد؟

    وهذه النقاط الثلاثة -الجهاد، تعدد الزوجات، الحجاب- هي أكثر ما يثيره الغربيون عن الإسلام، ويضايقون به المسلمين والدعاة والطلاب هناك.

    إذاً كيف تحاوره؟

    بإمكانك هنا أن تحاوره بإحدى طريقتين:

    الطريقة الأولى: أن تحيله إلى الأصل، فتقول له: إن الجهاد وتعدد الزوجات والحجاب جزء من دين الإسلام، وبدلاً من أن نناقش هذه النقاط ينبغي أن نرجع للأصل وهو الإسلام فنتجادل فيه، فأجادلك في الإسلام، فإذا اقتنعت بالإسلام فحينئذٍ من باب الأولى أن تقتنع بهذه الأمور، ولا حاجة أن تجادلني فيها، وإذا لم تقتنع بالإسلام فنقاشي معك في هذه الجزئية يعتبر نوعاً من العبث الذي لا طائل تحته، فهذه طريقة.

    الطريقة الثانية: أنك يمكن أن تناقشه بالحجج المنطقية في نفس الجزئيات التي يجادل حولها، فمثلاً إذا تكلم عن تعدد الزوجات، وجادلك فيها -حتى ولو كان لا يؤمن بالإسلام، فربما يؤمن بالإسلام من خلال قناعته بهذه النقطة- فتقول له مثلاً: من الثابت علمياً أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال، وفي أمريكا نفسها أحياناً تصل نسبة النساء إلى الرجال 119:100 وأحياناً 160: 100، فستون امرأة زيادة فمن تكون؟!

    فإذا لم نأذن لهؤلاء الرجال بتعدد الزوجات فإن هؤلاء النساء يبقين ضائعات بلا أزواج، أو اضطررن إلى ممارسة البغاء والرذيلة! فتعدد الزوجات ضرورة لا بد منه، لأن نسبة الإناث في أكثر المجتمعات أكثر من نسبة الرجال.

    ونفترض أنه لم يقتنع فعليك أن تثبت له حالات وأوضاع يكون تعدد الزوجات فيها أمراً سائغاً، وهذا قد تكلم عنه الأستاذ محمد قطب في كتابه: شبهات حول الإسلام بما لا حاجة إلى أن نطيل فيه الآن.

    لكن من الطريف أن رجلاً كان يناقش مجموعة من النساء عن تعدد الزوجات، وطبعاً رفضن الاقتناع -وهن غير مسلمات- وأصررن على هذه القضية، فقال هذا الرجل للنساء لما ملَّ من طول النقاش: إن المسئول عن تعدد الزوجات النساء وليس الرجال، فدهشت النساء، وقلن لماذا؟

    قال: لأنه لو أن كل امرأة رفضت أن تكون امرأة ثانية ما وجد تعدد الزوجات، -وطبعاً هذا من باب الإلزام بالحجة- وإنما المرأة وافقت أن تكون زوجة ثانية، أو ثالثة، أو رابعة، فوجد تعدد الزوجات.

    ونحن المسلمون مقتنعون بأن قضية تعدد الزوجات شريعة إلهية في محكم القرآن الكريم، ولا حاجة أن نقنع أنفسنا أو غيرنا بهذا، لكن كيف تقنع الآخرين! فهذا إشارة إلى الموضوع.

    الاتفاق على أصلٍ يرجع الحوار إليه

    القاعدة الثالثة: من قواعد الحوار هي: الاتفاق على أصل يرجع الحوار إليه إذا وجد اختلاف، واحتدم النقاش، فتتفق مع أي إنسان تناقشه بأن ترجعا عند الاختلاف إلى القرآن الكريم، وإلى صحيح السنة مثلاً، وإلى القواعد الثابتة المستقرة، أو إلى ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم -المهم أن تتفق معه على نقاط تكون مرجعاً عند الاختلاف-.

    وأذكر بهذه المناسبة قصة، وقد حدثني بها جماعة من العلماء منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومنهم الشيخ عبد الله بن قعود ونقلها لي ثقة ثبت عن الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله؛ فهي حادثة ثابتة بأسانيد جياد صحيحة إن شاء الله؛ وهو أن جماعة من الشيعة كتبوا إلى مفتي الديار في السابق: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن يعقد معهم مجلساً للحوار، فهمَّ الشيخ محمد بن إبراهيم ألا يرد عليهم وأن يهمل هذا الطلب، فأشار عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي بأن هذا الأمر ما دام أنه جاء منهم فينبغي ألا يهمل، لأنهم قد يعتبرون عدم إجابتنا على طلبهم نوعاً من النكول عن المناظرة أو ضعف الحجة، فالأولى أن نكتب لهم بالموافقة على المناظرة شريطة أن يكون هناك أصل نرجع إليه، وأن يكون هذا الأصل هو القرآن الكريم وصحيح البخاري، صحيح مسلم، فكتب لهم الشيخ رحمه الله بهذا المضمون، من أنه لا مانع من إجراء الحوار والمناقشة معكم شريطة أن نرجع عند الاختلاف إلى القرآن الكريم وصحيح البخاري وصحيح مسلم فلم يردوا عليه، ولم يجيبوه إلى ما سأل.

    فلا بد من شيء يُرجع إليه.

    1.   

    صفات المحاور الجيد

    صفات المحاور الجيد هي، باختصار:

    الإلقاء الجيد

    الصفة الأولى: جودة الإلقاء وحسن العرض وسلاسة العبارة، وقد كان من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري عن عائشة قالت: {لم يكن يسرد الحديث كسردكم، ولكن كان يقول كلاماً لو شاء العادُّ أن يحصيه لأحصاه} فيكون المحاور هادئاً سلسلاً جيد الإلقاء، ومما يذكر أن أمير الشعراء أحمد شوقي على جلالة قدره في الشعر كان ضعيفاً في الإلقاء، فكان يدع غيره ليلقي عنه القصائد، لأنه إذا ألقى القصيدة ضاع ثلاثة أرباع جمالها لعدم جودته في الإلقاء!

    صحة الفكرة المعطاة

    الصفة الثانية: حسن التصور لدى المتحدث، بحيث لا تكون الأفكار عنده مشوشة أو متداخلة أو متضاربة، وبعض الناس لضعف تصوره ربما يطرح فكرة أثناء النقاش، وبعدما ينتصف في شرحها يتبين أنها لا تصلح ولا تخدم الغرض، فينتبه في منتصف الطريق بعد ما يكون قد تورط في ذلك.

    الترتيب الجيد للأفكار

    الصفة الثالثة: القدرة على ترتيب الأفكار، وعدم تداخل الأفكار أو اضطرابها أو تشويشها.

    قوة العلم للمحاور

    الصفة الرابعة: العلم، فإن بعض المتحاورين قد يخذل الحق بضعف علمه، فهو يحاور إنساناً والحق معه، ولكنه لم يدعم هذا الحق بالعلم القوي، فوضع نفسه في غير موضعها، ولذلك ليس لكل إنسان أن يحاور، إنما يحاور إنسان عنده علم، وعنده قوة، وعنده القدرة، فربما أن إنساناً حاور بهدف نصر الحق فخذل الحق لضعف علمه وضعف بصيرته، وربما يحاور إنسان بجهل فيقتنع بالباطل الذي مع خصمه، وربما احتج بحجج باطلة، كما سمعت في بعض المناظرات والمحاورات التي تعقد من أن الإنسان قد يحتج بحجج باطلة لضعف علمه.

    قوة الفهم

    الصفة الخامسة: الفهم مع العلم، فلا بد من قوة العقل، ليدرك المتحدث حجج الخصم ويستطيع أن يفهمها، ويعرف نقاط الضعف فيها ونقاط القوة، ويقبل ما فيها من الحق، ويرد ما فيها من الباطل.

    الإخلاص وطلب الحق

    الصفة السادسة: الإخلاص والتجرد في طلب الحق وتوصيله إلى الآخرين؛ بحيث لا يكون همه الانتصار، إنما همه الإخلاص، والتجرد في طلب الحق وفي إيصال الحق للآخرين.

    التواضع

    الصفة السابعة: التواضع أثناء المناقشة، أو بعد الانتصار على خصمه، وهذه الصفات قد يمر بعضها أثناء ذكر آداب الحوار.

    1.   

    أحوال الحوار عند المسلمين اليوم

    إن الحوار -ولا تؤاخذوني إذا قسوت- القائم بيننا نحن المسلمين، بين المسلمين والمسلمين، والحوار بين أهل السنة وأهل السنة تجد أنه في هذا الجزء من العالم المبتلى بالأمراض والعلل، والمبتلى بالمصائب التي أثقلت كاهله، يعتمد على أمور تضحك منها الثكلى، ويسخر منها الأعداء:

    الصراخ ورفع الصوت

    الصفة الأولى من صفات الحوار في عالمنا الإسلامي بين المسلمين والمسلمين، بل بين أهل السنة وأهل السنة هو: رفع الصوت والصراخ، فكأن الإنسان في غابة الذئاب، ومن لم يكن ذئباً أكلته الذئاب! كأنه في غابة تتهارش فيها الذئاب، فيرى أن انتصاره بالحوار هو بالمبالغة في رفع الصوت على خصمه، والله تعالى يقول: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19].

    أخذ زمام الحديث بالقوة

    والصفة الثانية الموجودة عندنا هي: أخذ زمام الحديث بالقوة، لئلا تدع للخصم فرصة يتحدث فيها فيهدم بنائك الهش، أو يحطم حججك الزجاجية، أو يثير البلبلة في نفوس الناس، وكأننا نأخذ بمبدأ الجدل بالكلمة التي قالها دانيل كارنيجي في كتابه: كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء قال: إذا خِفْت أن ينفض الناس من حولك، ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك وتتركهم، فهاك الوصفة: لا تعط أحداً فرصة للحديث، تكلم بدون انقطاع، وإذا خطرت لك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يتم حديثه فهو ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك في الاستماع إلى حديثه السخيف! اقتحم عليه الحديث، واعترض عليه في منتصف كلامه، واطرح ما لديك!

    التهويل وتحميل الكلام مالا يحتمل

    والصفة الثالثة: من صفات الحوار عندنا: التهويل وتحميل الكلام أشياء لا تخطر إلا في نفوس مرضى القلوب والنفوس، فلماذا يهول بعض الناس أقوال الآخرين؟

    لئلا يتجرأ أحد على القول بمثل ما قالوا! أو نصرة ما ذهبوا إليه! فيحاول المحاور أحياناً أن يحيط القول المردود بهالة رهيبة، فيقول: هذا القول كفر، وهذا فسق، وهذا بدعة، وهذا خرق للإجماع، وهذا مصادمة للنصوص الشرعية، وهذا اتهام للعلماء، وهذا قول باطل لم يسبق إليه.. ولم ولم! ويظل يهول ويطول ويضخم العبارات، بحيث أن الذي يسمع هذا يشعر أنه قول خطير يجب أن تكون بعيداً عنه، ولا تتورط في قبوله أو الاقتناع بحجة ذلك المتكلم!

    وقد لا يكون القول كذلك، ولا ننكر أن من الأقوال ما يكون كفراً، ومن الأقوال ما يكون فسقاً، ومن الأقوال ما يكون بدعة، ومنها ما يكون مصادمة للنص، ومنها ما يكون قولاً حادثاً لم يسبق إليه صاحبه، لكن هذه الأشياء كلها لا بد حين يقولها الإنسان أن يثبتها بالدليل الواضح، أما مجرد إطلاق دعاوى فارغة في الهواء فهذا لا يسمن ولا يغني من جوع.

    وصف المخالف بما لا يليق

    والصفة الرابعة من أوصاف الحوار عندنا هي: وصف الطرف الآخر بما لا يليق، فبعد أن وصفت القول بأنه قول حادث ومبتدع، وأنه كفر وفسوق وضلال وعصيان! تنتقل بعد ذلك -بارك الله فيك- إلى المتكلم نفسه بهذا القول، فتصفه بما لا يليق من الأوصاف؛ تأديباً له وردعاً لأمثاله! فتقول: هذا جاهل وسخيف وحقير ومتسرع وأضعف الإيمان بأن تصفه بأنه ليس أهلاً لهذا الشيء أو ذاك، ولا يكفي هذا أيضاً، بل لا بد من كشف نية هذا الإنسان: فساد نيته، وسوء طويته، وخبث مقصده، فهذا مغرض سيئ الطوية، رديء القصد، عدو الإسلام، عدو للسنة وأهلها، محارب لها، له أهداف بعيدة.

    وأيضاً أضعف الإيمان أن تصفه بأنه عميل للشرق أو للغرب، أو لقوة خارجية أو داخلية، ونحن لا ننكر أيضاً أن من الناس من يكون سيئ النية في الحوار، وخبيث المقصد، ومنهم من هو عدو للإسلام، ومنهم من هو عدو للسنة، بل ومنهم من هو عميل للشرق أو للغرب، أو لقوى بعيدة أو قريبة، لكنك حين تطلق هذه الأشياء لا بد أن تكون بالدليل الواضح، ولا يجوز أن تصادر عقولنا، وتطلب منا أن نقتنع بشيء لم تسق عليه أي دليل.

    كما إنه ليس هذا من الحوار، فالحوار ليس حول شخص إلا إن كان موضوع الحوار -أو نقطة الحوار- أصلاً في الكلام عن فلان، فهذا باب ثانٍ.

    الإحتجاج بـ( ولو )

    فلا يكفي هذا أيضاً؛ بل إذا أعيت الحجة ولم يجد الإنسان سبيلاً؛ فيمكن الاستنجاد بكلمة (ولو) فلو هذه تحل المشكلات وتصنع المعجزات في نظر بعض الناس، فهي دواء لكل داء إلا الموت، فإذا أعيت الإنسان الحجة بدأ يقطع، فقال: (ولو) ولو هذه تنهي كل ما قاله الخصم، وإذا لزم الأمر أيضاً فلا بأس من لطمه على الوجه، أو لكمة في الصدر! أو كما يقول أخونا الشيخ عائض القرني: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويكسر بعضنا رأس بعض فيما اختلفنا فيه! والواقع أن هذا تعبير مازح عن واقع لا شك فيه في أوضاع المسلمين.

    والكلام السابق كله مزاح، فلا تأت غداً وتضرب به واحداً، وتقول: هذه نصيحة سمعتها في المحاضرة، بل الكلام السابق كله تصوير ساخر لأحوال الحوار بين المسلمين والمسلمين، وبين أهل السنة وأهل السنة، بل بين طلاب العلم وطلاب العلم أحياناً!

    1.   

    آداب الحوار

    أما آداب الحوار الصحيح؛ فسأذكر منها عشرة آداب، واعذروني إذا أسرعت ولم ألتزم بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرته عن عائشة قبل قليل: {أنه يتكلم بكلام فصل لو شاء العاد أن يعده لأحصاه} فمن طبيعتنا العجلة، ونسأل الله تعالى أن يعفو ويسامح.

    حسن المقصد

    الأدب الأول: حسن المقصد، وليس المقصد في الحوار العلو في الأرض ولا الفساد ولا الانتصار للنفس، ولكن المقصود -كما سبق- الوصول إلى الحق، أو الدعوة إلى الله عز وجل، فيعلم الله تعالى من قلب المحاور أنه لا يهدف إلا إلى ذلك، فلا يهدف إلى الانتصار، ولا إلى أن يتحدث في المجالس أنه أفحم خصمه بالحجة، فيحتمل أن يكون الخطأ عندك والصواب عند غيرك، فالله تعالى لم يحابك ويختصك دون بقية خلقه بالعلم والفهم والإدراك والعقل:

    جاء شقيقٌ عارضاً رمحه      إن بني عمك فيهم رماح

    فإذا كان عندك حق فعند غيرك حق، وقد يكون عندك حق كثير وعنده حق قليل، وقد يكون العكس، فيكون الإنسان طالباً للحق حسن النية، وليس هدف المحاور وهو يسمع كلام خصمه أنه متى يسكت حتى يرد عليه، بل عليه أن يكون هدفه الحقيقة والوصول إليها، ولهذا كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن الله تعالى أجرى الحق على لسانه، وهذه هي أخلاق أتباع الأنبياء: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن الله تعالى أجرى الحق على لسانه، وبعد ذلك أنصرف.

    وأقول: سلَّمتُ ووافقت ولا داعي للحوار والمناقشة، وما قلته هو الصحيح وأنا أُسلِّمُ لك وأبصم على ما ذكرت. وهذا هو الإخلاص، وهذا هو التجرد، وليست القضية أكثر من هذا.

    التواضع بالقول والفعل

    الخلق الثاني:التواضع بالقول والفعل، وتجنب ما يدل على الغرور والعجب والكبرياء، فبعض الناس إذا حاور شخصاً أو حادثه تجد أنه أعرض ونأى بجانبه وازور، فلا يلتفت إلى خصمه ولا ينظر إليه، بل هو قد أعطاه جنبه إشارةً إلى سخرية أو عدم اكتراثه به، وربما بان على قسمات وجه الإنسان، أو حركة حاجبيه أو عينيه أو شفتيه أو وجهه ما يدل على السخرية والاستكبار، والاستهتار بقول الطرف الآخر، بل ربما يزم شفتيه، أو لوى عنقه، أو ما أشبه ذلك، أو أشار بطرف عينه إشارات تعبر عن السخرية والازدراء.

    ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الصحيح من حديث ابن مسعود-: {الكبر بطر الحق، وغمط الناس} فهذا كله من الكبر، فمن التواضع أن تقبل الحق ممن جاء به، حتى ولو كان أعدى أعدائك وأعدى أعداء مذهبك.

    وأنت عليك أن تقبل الحق إذا جاء به، وتعتبر ذلك ضالتك المنشودة، فأنت باحث عن الحقيقة أنى وجدتها فأنت أحق بها.

    ومن التواضع أيضاً ترك الألفاظ الدالة على الأستاذية والتعالم والكبرياء، والشعور بالنفس وازدراء ما عند الآخرين، وبعض الناس إذا تكلم أو حاور تجده كثيراً ما يقول: أنا، عندي، قلت، أرى، والذي يخطر ببالي، تجربتي تثبت كذا! وقد ذكر الإمام ابن القيم وغيره من أهل العلم أن إبليس هو الذي قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ [الأعراف:12] فأنا هذه المتعاظمة الرادة للحق هي من إبليس، وقارون هو الذي قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] فالذي يقول عندي وهو ليس أهلاً لذلك فهو شبيه بـقارون، وهكذا فرعون وسائر المستكبرين الذين تعاظموا أنفسكم وردوا الحق.

    حسن الإصغاء

    الأدب الثالث من آداب الحوار: حسن الاستماع والإصغاء:

    أيها الحبيب: فن الإصغاء إلى الآخرين قلَّ من يجيده، وأكثرنا نجيد الحديث أكثر مما نجيد الاستماع، والله تعالى جعل لك لساناً واحداً وجعل لك أذنين، حتى يكون ما تسمعه أكثر مما تتكلم فيه، فلا بد أن تسمع جيداً، ولا بد أن تستوعب جيداً ما يقوله الآخرون.. وبين قوسين أذكر نكتة ذكرناها في دروس بلوغ المرام أكثر من مرة، لكن لا مانع أن نُطرف بها الحضور، وهي عن علي بن أبي طالب، فهو يحث تلميذه على الاستماع إليه والإنصات إليه، فيقول له كلمة فيها غرابة لغوية: [[ألصق روانفك بالجبوب، وخذ المزبر بأباخسك، واجعل جحمتيك إلى أثعباني حتى لا أنبس بنبسة إلا أودعتها بحماطة جنجنانك]] فهذه كلمة غريبة سألوا عنها الفيروز أبادي وهو بالروم قالوا: ماذا قصد علي رضي الله عنه بكلمته تلك؟

    قال: يقصد رضي الله عنه أنه يقول: ألزق عضرتك بالصلة، وخذ المسطر بشناترك، واجعل حندرتيك إلى قيهلي، حتى لا أنغي نغية إلا أودعتها في لمظة رباطك.

    والمعنى انتبه إلي، واجعل عيونك في فمي، وأنصت إليَّ، فلا أتكلم بكلمة إلا فهمتها ووعيتها بقلبك.

    من لي بإنسان إذا أغضبته      وجهلت كان الحلم رد جوابه

    وإذا صبوت إلى المدام شربت من      أخلاقه فسكرت من آدابه

    وتراه يصغي للحديث بسمعه      وبقلبه ولعله أدرى به

    ويقول أحد الشعراء:

    إن بعض القول فن      فاجعل الإصغاء فنا

    فضع أذنك للمحدث، وحملقة عينيك بوجهه، وتأملك لما قال يمكن أن يكون دليلاً على قوتك وقدرتك على الحوار، وإذا وجدت ملاحظات فيمكن أن تسجلها في ورقة لتتحدث بها بعدما ينتهي من حديثه.

    وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فربما تحدث معه بعض المشركين بكلام لا يستحق أن يسمع، فأصغى النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يده حتى إذا انتهى هذا الرجل وفرغ ما عنده، قال له صلى الله عليه وسلم: {أو قد فرغت يا أبا الوليد؟

    -كما في سيرة ابن إسحاق وغيره- قال:نعم، فقل: فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من القرآن} فعليك أن تصغي، ولو كان لك ملاحظات تسجلها ثم تقولها بعد.

    أدب الإنصاف

    الأدب الرابع الإنصاف: فعليك أن تكون الحقيقة ضالتك المنشودة، فتبحث عنها في كل مكان، وفي كل منعطف، وفي كل زاوية، وفي كل ناحية، وفي كل عقل، تبحث عن الحقيقة، وجرب نفسك ولا تبال بالناس رضوا أم سخطوا.

    فكن باحثاً عن الحقيقة، وليعلم ربك من قلبك أنه ليس في قلبك إلا محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب الحق الذي يحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلتستخلص الحق من خصمك، ولو من بين ركام الباطل الكثير الذي ربما جاء به، وربما أجرى الله تعالى كلمة الحق على لسان الفاسق، أو على لسان الكافر أحياناً، ويمكن أن تستفيد من المحاور حينما يكون فاسقاً أو كافراً، عيباً موجوداً عندك، أو موجوداً عند المسلمين، أو تستفيد منه مصلحة دنيوية للمسلمين، أو تستفيد منه أسلوباً من أساليب الدعوة إلى الله تعالى ربما فطن له وغفلت عنه!

    ويقول الشيخ عبد الرزاق عفيفي حفظه الله كلمة حكيمة جميلة: إن الذين -يعبر عن رد الحق عند كثيرين من المحاورين- لديهم ذكاء حاد لا يقبلون الصواب إلا إذا كان من عند أنفسهم، وذلك أن الله تعالى أعطاهم قدرات وطاقات عالية وفقوا بسببها إلى كثير من الحق الذي أخطأ فيه الناس، ولذلك لديهم من الثقة بآرائهم وعدم الثقة بآراء الآخرين ما يصعب معه على الناس إقناعهم بغير الآراء التي يرونها هم.

    إن الاعتراف بالحق وإعلانه أيضاً لا ينقص من قيمة الإنسان؛ فكونك تقول ولو في مناظرة، أو محاورة، أو محاضرة: أنا أخطأت في كذا، هذا لا يعيبك، بل بالعكس هذا يرفع منـزلتك عند الناس، ويدل على شجاعتك وقوتك، وثقتك بنفسك.

    البدء بمواضع الاتفاق والإجتماع

    الأدب الخامس: البدء بمواضع الاتفاق والإجماع، والبدء بالمسلمات والبدهيات، فمن المصلحة ألا تهجم على قضية مختلف عليها، بل ابدأ بموضوع متفق عليه: بقاعدة كلية، بمسلمة أو بدهية، وتدرج منها إلى ما يشبهها أو ما يقاربها، ثم إلى مواضع الخلاف، ومما يذكر عن سقراط وهو أحد حكماء اليونان أنه كان يبدأ الآخرين بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لا يملك الخصم إلا أن يجيب عليها: بنعم، فكلما ما سأله قال: نعم، ويظل ينقله إلى الجواب تلو الجواب، حتى يرى المناظر أنه أصبح يقر بفكرة كان يرفضها من قبل.

    وأضرب لك مثالاً على قضية الانتقال من الكليات إلى الجزئيات، ومن المسلمات إلى غير المسلمات: مثلاً يخاصمك إنسان في قضية أساليب الدعوة إلى الله تعالى، وهل هذه الأساليب أساليب توقيفية -أي: أنه لا بد أن يكون هناك نص على أسلوب الدعوة- أم أنها أساليب اجتهادية متجددة يمكن الأخذ بأي أسلوب ولو لم يكن منصوصاً عليه إذا لم يكن هذا الأسلوب حراماً.

    ومثاله الأناشيد: فقد يقول قائل: الأناشيد أسلوب من أساليب الدعوة، ويقول آخر: لا، أساليب الدعوة توقيفية، والأناشيد لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فلا يجوز استخدام الأناشيد كأسلوب من أساليب الدعوة، وهذا يختلف فيه بعض العلماء وبعض الدعاة في هذا العصر، ويتحاورون فيه وفي رأيي أنه يمكن أن تبدأ بهذا السؤال في نقاش حول موضوع الأناشيد -موضوع جزئي شكلي ليس هناك مانع لكن للإيضاح فقط- تبدأ بهذا السؤال: لو أن إنساناً أنشد نشيداً ليس في معصية، ولا في باطل محرم، وليس فيه دف ولا مزمار ولا غيره، وهذا الكلام أنشده على سبيل الترويح عن النفس، أو قطع عناء الطريق في سفر؛ فهل يحرم هذا أو لا يحرم؟

    فسيقول لك الطرف الآخر: لا يحرم هذا، ثم تنتقل وتسأله سؤالاً آخر: هل يوجد شيء في الشريعة يكون مباحاً غير حرام بشرط عدم إصلاح النية فيه؟

    فإذا صلحت النية كان هذا الشيء حراماً؟

    سيقول لك: لا.

    إذاً: أنت ناقشته في موضوع الأناشيد، فبدأت معه بنشيد ليس فيه إثم ولا كلام باطل ولا دف ولا غيره، وهل يجوز أم لا يجوز للمؤانسة أو للترويح عن النفس؟

    قال: نعم يجوز، ثم تنتقل إلى سؤال آخر: هل يوجد في الشرع شيء يمكن أن يكون مباحاً بشرط عدم إصلاح النية، فإذا صلحت النية كان حراماً؟

    سيقول لك: لا، لأن صلاح النية إذا لم يجعل الحرام حلالاً فمن باب الأولى أنه لا يجعل الحلال حراماً.

    إذاً: فمن أين لك أن قراءة بعض الأناشيد بنية صالحة بهدف إشغال الناس عن الغناء المحرم، أو رفع معنوياتهم، أو تلقينهم الحكم والمعاني الرفيعة أن هذا العلم يكون حراماً؟

    وقد يقول بعض الناس: إن هذه عبادة، والعبادة توقيفية، فيقول: من أين لك أن هذا داخل في باب العبادة التي هي القربى؟!

    فالعبادة أنواع: فقد تطلق العبادة على العبادات التوقيفية التي هي القرب: كالصلاة والحج فصفة الصلاة أو صفة الحج أو إحداث صلاة جديدة؛ هذا لا يجوز، لأن الصلاة توقيفية وقربة محضة إلى الله تعالى، لكن هناك أعمال أخرى يمكن أن يكون الإنسان مأجوراً عليها ولا يطلق عليها أنها قربة محضة إلى الله تعالى، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {وفي بضع أحدكم صدقة} وليس معنى ذلك أن جماع الإنسان لزوجته يكون عبادة بذاته، لكن يؤجر عليه الإنسان، وليس قربة محضة إلى الله عز وجل.

    وبالمناسبة لا بد من ضوابط الأناشيد بطبيعة الحال؛ مثل عدم الإكثار منه، ومثل كونه ليس فيه معانٍ سيئة، وألا يكون مصحوباً بآلات محرمة مثلاً، إلى غير ذلك.

    ترك التعصب لغير الحق

    الأدب السادس: هو ترك التعصب لغير الحق، فلو حاورت إنساناً فتناول معهداً تعمل فيه، أو مقالة كتبتها، أو كتاباً ألفته، أو محاضرة ألقيتها، أو تناول جهة تحسب أنت عليها بالانتقاص والسب وتتبع الأخطاء، فإياك أن تتعصب لهذا الشيء الذي تنتمي إليه، وتنتسب إليه، أو ترتبط به، وتبادر بالرد، أو أن تقوم بتقديم كشف بالإيجابيات والحسنات في مقابل الكشف الذي قدمه هو بالأخطاء والسلبيات.

    ولكن عليك أولاً أن تدع زمام الحديث بيده حتى ينتهي كما اتفقنا قبل قليل.

    ثانياً: اعترف بصوابه فيما أصاب فيه، والحق ضالة المؤمن كما سبق.

    ثالثاً: إذا انتهى فانقد الخطأ بطريقة علمية بعيدة عن العواطف.

    وما أعز وأصعب وأندر أن يتخلص الإنسان من التعصب! أي لون من ألوان التعصب؛ فإن الحزبيات قد أثرت في المسلمين تأثيراً كبيراً جداً، فمثلاً يتعصب الإنسان أحياناً لمذهب من المذاهب مالكياً، أو شافعياً، أو حنبلياً، أو حنفياً أو غير ذلك، أو يتعصب لمذهب سياسي، أو يتعصب لوطن أو بلد معين، أو يتعصب لدعوة أو جماعة من جماعات الدعوة، وهذا ما يسمى بالحزبية، بحيث يحيط الشيء بعقله، فلا يملك عقلاً متحرراً من القيود والأوهام، بل تجده في فلك معين، ولا يستطيع أن يتقبل الحق إلا في إطار محدود!

    احترام الطرف الآخر

    الأدب السابع: احترام الطرف الآخر -وهذا سؤال جاء من ضمن الأسئلة- فنحن مأمورون أن ننـزل الناس منازلهم، وألا نبخس الناس أشياءهم، فليس نجاح الحوار والمناظرة مرهوناً بإسقاط شخصية الطرف الآخر الذي تناظره، ولا إسقاطك لشخصيته يعني أنك نجحت في المناظرة، بل ربما يرتد الأمر عليك، ويكون هذا دليلاً على عجزك وإفلاسك، وأنك لا تملك الحجة فاشتغلت بالمتكلم عن الكلام.

    والناس اليوم تعي وتعرف وتعقل، ولو أنك أسندت قولاً من الأقوال الباطلة الزائفة حيناً من الزمن بالتهويش والتشويش واللجاج والترويج؛ فإن هذا القول الذي لا يسنده الحق سرعان ما ينهار ويتهاوى بمجرد غفلة الساعين به، أو انشغالهم عنه فيموت وينساه الناس.

    ولهذا كان من صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن مسعود الذي رواه الترمذي في كتاب البر والصلة، ورواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان وابن أبي شيبة والحاكم وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ليس المؤمن باللعان، ولا بالطعان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء} فليس المؤمن باللعان، ولا بالطعان في الناس وأعراضهم ونياتهم ومقاصدهم، وأحوالهم، ولا بالفاحش ولا بالبذيء.

    وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: {لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً} فهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم في صفته، وهذا كلامه في وصف المؤمن أنه لا يحب الفحش ولا التفحش.

    ومن بديع احترام رأي الآخرين ما ينقل عن الإمام مالك أنه لما ألف الموطأ ومكث أربعين سنة يؤلفه، وقرئ عليه آلاف المرات، وعرضه على سبعين من العلماء فأقروه عليه وتعب عليه أيما تعب، ومع ذلك لما بلغ الخليفة المنصور كتاب مالك أعجبه، وقال: إنا نريد أن نعممه على الأمصار ونأمرهم باتباعه، فقال له مالك: لا تفعل رحمك الله، فإن الناس سبقت منهم أقاويل وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم -يعني قد يسبق إليهم شيء ليس هو الحق فيأخذون به، ويصعب تغييرهم عنه، وهي أمور اجتهادية ليس فيها نصوص قطعية- قال: فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.

    الموضوعية في الحوار والمناقشات

    الأدب الثامن: الموضوعية، والموضوعية تعني رعاية الموضوع وعدم الخروج عنه، فمن الموضوعية مثلاً عدم إدخال الأحاديث بعضها في بعض، فبعض الناس إذا أحرجته في موضوع هرب منه إلى موضوع آخر، فهو ينتقل من موضوع إلى موضوع، وكل ما أحرج في نقطة انسحب منها إلى غيرها، ونقل الحديث نقلة بعيدة أو قريبة، ولعل هذا أعظم أدواء المناظرة التي تجعل الإنسان يخرج منها ربما بعد ساعات بلا طائل لأنه يتنقل مثل الطائر من غصن إلى غصن، فالموضوعية تقتضي ألا تخرج من نقطة إلا إذا انتهيت منها، ثم تنتقل إلى غيرها.

    وكذلك من الموضوعية عدم إدخال موضوع في آخر، فقد تتكلم مع إنسان في الحجاب -حجاب المرأة المسلمة- وضرورة تحجبها والتزامها بالستر، وبعدها عن السفور، وبعدها عن مكان اختلاط الرجال بالنساء، أو أماكن اللهو، أو أماكن الفساد، أو غير ذلك، فتجد أنه يناقشك في هذا الموضوع، وبعد قليل يقول لك: يا أخي! الناس وصلت القمر وأنت ما زلت تجادل في هذا الموضوع!! لكن ما علاقة وصول الناس بالقمر أو عدم وصولهم بقضية مطالبتنا بحجاب المرأة المسلمة مثلاً، أليس هذا إدخال لموضوع في قضية لا يتعلق بها؟

    أو تكلم إنساناً في قضية الغناء -الغناء الفاحش البذيء- الذي أصبح يصك الأسماع، ويهيج الغرائز، ويدعو إلى الرذيلة، فتتكلم مع إنسان في هذه القضية فيقول لك: يا أخي! المسلمون يقتلون في مشارق الأرض ومغاربها، وتسفك دماؤهم وتنتهك أعراضهم، وأنت ما زلت تتكلم في هذه الجزئيات!

    لكن نحن اتفقنا أن موضوع الغناء هو الذي سيناقش، فما دخل قضية قتل المسلمين؟

    وهل إذا تركنا الحديث عن الغناء، أو الحديث عن حجاب المرأة المسلمة حلَّت مشاكل المسلمين ورفع الظلم عن المظلومين؟!

    وكذلك من الموضوعية: عدم النيل من المتحدث، أو اتهامه في نيته، أو الكلام على شخصه، وبعض الناس يقول: مَنْ هذا الإنسان؟

    وما هدفه؟

    وما تاريخه؟

    ومن وراءه؟

    وما درجته من العلم؟

    وما قدره؟

    يا أخي! ما علاقتك بهذا الشخص المتكلم وليكن [س] نكرة من الناس، المهم أن أمامك دعوى وكلاماً قيل، ومطلوب منك مناقشته بالحجة والبرهان، ودع المتكلم جانباً وانظر في نوعية الكلام الذي قيل، وما قدره من الخطأ أو من الصواب:

    خذ من كلامي ولا تنظر إلى عملي      ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري

    وكذلك ليس من الموضوعية: الاشتغال بالأيمان المغلظة، والله سبحانه وتعالى قد ذم الذين يكثرون من اليمين، فقال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم:10-13] دَعِيٌّ ملصق في أهل العلم وليس منهم، فهوملصق في قوم وهو ليس منهم، ومع ذلك يكثر من الأيمان الكاذبة، أو قد لا تكون كاذبة؛ لكن اليمين ليس بحجة، وكونك تحلف بالله العظيم الذي لا إله إلا هو الغالب الطالب أن هذا هو الحق؛ هذا لا يقدم ولا يؤخر، فقد تكون أنت مقتنع أن هذا هو الحق؛ لكن قناعتك هنا ليس لأنك درسته وعرفت حججه وعرفت أدلته؛ ولكن لأنك تلقيته عن شيخ تعظمه فوقر في قلبك، أو لأنك درسته منذ صغرك فاستقر قراره في نفسك، وليس لأن لديك دليلاً على أنه هو الحق، فقد تكون أنت مقتنعاً قناعة مطلقة بأنه هو الحق فتحلف على ذلك، وأنا أعرف بأنك إذا حلفت تعتقد أنه هو الحق -إذا كان حلفك باراً- ولكن لا يلزم أن يكون هو الحق؛ فقد تكون تراه الحق وتحلف عليه، والواقع أن الحق بخلافه.

    وكذلك من الموضوعية: تجنب الكذب في الحديث؛ فأحياناً المناظر يكذب! وقد سمعت مرة اثنين يتناظران في قضية، وأحدهما شيعي، فالشيعي قام وقال: روى الإمام أحمد في مسنده أن: وذكر حديثاً موضوعاً مختلفاً، هذا الحديث لما ترجع إلى الجزء والصفحة لا تجد الحديث- لكن لأنه يعرف أن الخصم ليس عنده وقت حتى يرجع إلى المسند ويتأكد من صحة الحديث، ومن البعيد جداً أن يكون قد أحاط بـمسند الإمام أحمد حتى يعرف ما فيه مما ليس فيه، فيستغل الحديث، ويضر الخصم بحديث يختلقه، وينسبه إلى كتاب من هذه الكتب وربما ينطلي عليه، فهذا ليس من الموضوعية في شيء، وإذا لم يكتشف الخصم حال المناقشة فربما يكتشف فيما بعد، ويبين أنك كنت كاذباً فيما ادعيت.

    وأخو الكذب -هذا اسمه الكذب لكن هناك شيء اسمه أخو الكذب- هو بتر النصوص كأن تنقل نصاً طويلاً، فتنقل منه الكلام الذي يصلح لك ويدل على ما تريد وتترك الباقي! فهذا ليس من الأمانة، لكن انقل الكلام كاملاً حتى يشاركك الناس فيما استنتجته، فإما أن يقروك أو يقولوا: الكلام لا يفهم، وليس من الضروري أن يكون الكلام يفهم حرفياً، فإن كلامي وكلام فلان وعلان ليس كلام رب العالمين حتى تقول: هذا كلام حروفه وألفاظه كلها مقصودة، وله وله... بل هذا كلام بشر يخطئ ويصيب، فهذا أولاً.

    الأمر الثاني: أن هذا الكلام مع أنه كلام بشر قد يقوله الإنسان ولا يدرك كل ما وراءه، والكلام يفهم من حال المتكلم ومن سياقه ومن نصوصه الأخرى ومن سيرته، كما ذكر الإمام ابن القيم في مواضع من كتبه، من إن كلام الناس يفهم على ضوء الشخص المتكلم، وظروف المتكلم، وما يعلم عن المتكلم وأحواله، فإذا صدر كلام من شخص عرفنا أنه يحتمل أكثر من معنى، وأن الذي يليق بفلان من المعاني كيت وكيت وكيت وإن كان الكلام يحتمل غيره، لأن كلام الناس يحتمل وجوها.

    فمن الموضوعية ألا تبتر النص، وتستخرج فهماً أنت فهمته من الكلام وتقدمه للناس.

    كما أن من الموضوعية أنك إذا لم تعرف شيئاً فإنك تقول: لا أدري، وإذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله -كما يقولون- ويجب على العالم أن يعلم تلاميذه وطلابه لا أدري، حتى يلجئوا إليها إذا عجزوا.

    ومن الموضوعية: التوثيق العلمي، فإذا استدللت بكلام فلا تستدل بشائعات، أو ظنون، أو أوهام ربما استقلّت في عقلك أو عقل فلان أو علان من الناس!! بل استدل بالإحصائيات، وبالنصوص، وبالأدلة الواضحة -بكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم- وإذا وجدت أقوالاً للعلماء تنقلها بنصوصها أو ما يشبه النصوص فالمهم أنك تستدل بحقائق علمية وتوثق ما تقول، أما مجرد الظنون والأوهام والشائعات فإنها لا تصلح أدلة.

    عدم الإلزام بما لا يلزم

    الأدب التاسع: عدم الإلزام بما لا يلزم، أو المؤاخذة باللازم، فمثلاً؛ إنسان خالف أحد العلماء في قوله، أي أنه قال قولاً خالف فيه عالماً بعينه، فيقال لهذا الإنسان: يا أخي! أنت خالفت فلاناً العالم، وهذا يلزم منه أنك ترى أنك أعلم منه!! لا... يا أخي! لا يلزم أني أعلم منه، وقد أكون خالفته في هذه المسألة باجتهادي وأنا أعرف أنه أعلم مني في كل المسائل؛ لكن هذه المسألة لا يسعني أن أقلده فيها مثلاً، أو يقال له: أنت تخطئ فلاناً، أو تضلله!! فأنا لا أضلله، وإنما قلت بهذا القول باجتهادي، وقد يكون اجتهادي خطأً، لكنه في نظري صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري -كما قال الشافعي- خطأ يحتمل الصواب.

    وكذلك قد يأتي إنسان فيقول: فلان قال قولاً ما سبق إليه، وهذا يلزم منه أنه يحكم بأن الحق قد غاب عن الأمة طيلة القرون الماضية، وهذا في الحقيقة لا يلزم.

    أولاً: كون هذا القول لم يسبق إليه فقد أقول لك: لا، بل قد سبق إليه، وقاله فلان وفلان من الناس، وعلى فرض أنه ما سبق إليه، ولا قال به أحد قبله، فقد يكون قيل هذا القول ولكنه لم ينقل، وحتى لو فرض أنه لم يسبق إليه فهو لا يرى أن هذا من الحق الذي يجب أن تعلمه الأمة في كل زمان ومكان، بل يرى أن هذا من الأشياء الاجتهادية التي قد يقول بها إنسان، وربما تحتاجه أمة أو لا تحتاجه، فليس فرضاً أن تعلمه الأمة في كل حين، وفي كل زمن، وفي كل مكان، أو أن يقول به من قال به، وقد يرى أن المسألة ما نقل فيها قول أصلاً.

    والإلزام من المشكلات، وكونك تلزم إنساناً بمقتضى كلامه فهذا خطأ، فاللازم يصلح في كلام الله تعالى، فتقول الآية يلزم منها كذا، واللازم يعتبر دليلاً من أنواع الدلالات، وكما يقول علماء الأصول: الدلالات ثلاث؛ دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام. يعني يلزم على هذا النص كذا وكذا، وهذا في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما كلام الناس فلا تلزم فيه بشيء، ولا تقول: يلزم من كلامه كذا، ويلزم كذا، فلعله ما خطر بباله هذا اللازم، ولا فكر به في يوم من الأيام، وقد لا يوافقك على أنه لازم، ولو وافقك على أنه لازم فقد لا يقر به، فلماذا تلزم الناس بشيء لم يلتزموا به؟

    ومن بطلان اللوازم أن أبا نواس الشاعر الماجن المشهور حاول أن يستخدم هذا الإلزام بطريقة معينة، فكان أهل العراق الأحناف يقولون بجواز حل النبيذ، وأهل الحجاز يقولون بتحريمه وأنه مثل الخمر، فهذا الشاعر الماجن الخبيث يقول:

    أباح العراقي النبيذ وشربه      وقال الحرامان المدامة والسكرُ

    وقال الحجازي الشرابان واحد      فحل لنا من بين قوليهما الخمر

    سآخذ من قوليهما طرفيهما     وأشربها لا فارق الوازر الوزر

    ولا شك أن من قال بحل الخمر فهو كافر، لأن تحريمها ثابت بنص القرآن الكريم: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] لكني أردت أن أبين لك فساد الألزامات التي يختلقها بعض، ويحاول أن يحاصر بها الآخرين.

    اعتدال الصوت

    العاشر: اعتدال الصوت؛ فلا تبالغ في رفع الصوت، وليس من قوة الحجة المبالغة في رفع الصوت بالنقاش والحوار، بل كلما كان الإنسان أهدأ كان أعمق، ولهذا تجد ضجيج البحر وصخبه على الشاطئ والمياه الضحلة، حيث لا جواهر ولا درر، فإذا مشيت إلى عمق البحر ولجته وجدت الهدوء، حيث الماء العميق، ونفائس البحر وكنوزه، ولهذا يقول المثل الغربي: الماء العميق أهدأ، فلا حاجة إلى اللجوء إلى تبكيت الإنسان الذي تخاصمه، وإحراجه والسخرية به، إلا إذا تبين لك أنه سفيه أو لجوج أو عنيد، فحينئذٍ لا بأس أن تسقط عليه كلمة أو نكتة تجعله مجالاً للسخرية، أو تجعله يقف ولا يتكلم، مثلما ينقل: [[أن يهودياً قال لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما نفضتم أيديكم من تراب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قلتم منا أمير ومنكم أمير، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر بعد أن جمده الله تعالى الله لموسى حتى قلتم: اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف:138] فبهت اليهودي وسكت]] لأن كلام بني إسرائيل هنا كفر ينقض الدين، أما كلام الصحابة: منا أمير ومنكم أمير فهو مسألة اجتهادية.

    وكذلك لما ذهب حاطب للمقوقس قال له المقوقس: يا حاطب! كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟

    قال: سجال، يدال عليهم ويدالون عليه، قال: أنبي الله يغلب؟!

    فقال له حاطب: وابن الله يصلب! ألستم أيها النصارى تزعمون أن عيسى ابن الله، وأنه قد صلب! فسكت ولم يحر جواباً، لأنه ألقمه حجراً!

    وكذلك يذكر أن الإمام الباقلاني ذهب إلى ملك الروم فدخل عليه وعنده القساوسة جالسون، فسلم عليهم الباقلاني وقال: كيف الحال، وكيف الأهل، وكيف الأولاد؟

    فقال له الملك: عجيب! أنت الآن مبعوث من أمير المسلمين، وأنت أعلمهم ولا تدري أن هؤلاء لا يتزوجون، وليس لهم أولاد؟!

    فقال: سبحان الله! ترضون الأولاد لرب العالمين ولا ترضونها لأنفسكم! فبهتوا أيضاً ولم يجدوا جواباً.

    1.   

    أمثلة للحوار الهادف

    وهذه أخيراً أمثلة للحوار أذكرها باختصار.

    حوار إسحاق مع الشافعي وأحمد

    فهناك حوار بين إسحاق بن راهويه رحمه الله إمام من أئمة أهل الحديث والشافعي وأحمد، يقول إسحاق: إن الإمام أحمد كان في مكة، وقال لي لماذا لا تذهب للشافعي وتستفيد منه؟ قلت له: كيف أترك ابن عيينة والمشايخ وأذهب إلى الإمام الشافعي!!

    قال: إنه يفوت وهم لا يفوتون، قال: فذهبنا إليه وتناظرنا في كراء بيوت مكة وهل تملك أو لا تملك، وهل تكرى أو لا تكرى؟

    قال: فتكلمت مع الشافعي وتحمست ولكن الشافعي كان متساهلاً، فتكلمت بالفارسية مع رجل بجنبي، ذكر كلمة بالفارسية معناها هذا ليس له كمال، قال: فعلم الشافعي أني أسبه وإن كان لا يجيد اللغة الفارسية، فقال: هل تريد أن تناظرني؟

    قال: من أجل المناظرة جئت، قال: أرأيت قول الله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ [الحشر:8] أليس الله نسب الديار إلى أربابها أو إلى غير أربابها؟

    قال: قلت بل إلى أربابها، قال: عمر لما اشترى دار السجن بـمكة اشتراها من إنسان يملكها أو لا يملكها؟

    قال: ممن يملكها، قال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: {وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور} الدور لهم أو ليست لهم؟

    قال: لهم، قال إسحاق: فقلت: الدليل على صحة قولي أنه قال به من التابعين فلان وفلان، قال: فالتفت الشافعي إلى رجل بجنبه وقال: من هذا؟

    قال له: هذا إسحاق بن راهويه قال: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟

    قلت: هكذا يزعمون! قال: ما أحوج أن يكون غيرك في مكانك! فآمر بعرك أذنك -هذا أدب يؤدب به الطالب الصغير- أقول لك: قال الله، قال رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال: عطاء وطاوس والحسن وإبراهيم وهل لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة؟

    والقصة في طبقات الشافعية.

    ومثلها قصة أخرى طريفة بحضرة الإمام أحمد وهو أن الشافعي وإسحاق تناظرا أيضاً في جلود الميتة إذا دبغت، هل تطهر أو لا تطهر؟

    فقال الشافعي: دباغ جلود الميتة طهورها -أي: إذا دبغ جلد الميتة طهر- قال إسحاق: ما الدليل؟

    قال: الشافعي: حديث ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم: {مر بشاة يجرونها، فقال: هلا انتفعتم بجلدها} وهي ميتة، قال إسحاق: دليلي على أن جلود الميتة لا تطهر حديث عبد الله بن عكيم {أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قبل أن يموت بشهر: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب -يعني جلد- ولا عصب} وهذا يمكن أن يكون ناسخاً، لأنه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، قال الشافعي: هذا كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم وذاك سماع، والسماع مقدم، فقال له إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم، وكان ذلك حجة عليهم أمام الله تعالى، فسكت الشافعي.

    والغريب في الأمر أن أحمد بن حنبل ذهب بعد تلك المناظرة إلى حديث عبد الله بن عكيم وقال به ثم رجع عنه فيما بعد، وكذلك إسحاق رجع إلى حديث الشافعي أن جلود الميتة تطهر وقال به، وهذا دليل على تجردهم وسعيهم إلى الوصول إلى الحق.

    حوار ابن شاذان مع رجل شيعي

    من طرائف المناظرات؛ أن أبا علي بن شاذان وهو فقيه وعالم، ولكنه ضعيف في اللغة العربية -ضعيف في النحو- ناظر أحد الشيعة حول قول النبي صلى الله عليه وسلم: {نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة} فقال أبو علي بن شاذان: هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، فقال ذلك الشيعي: إن الحديث: {ما تركنا صدقة} فصدقة مفعول به منصوب، والمعنى أن ما تركناه نحن الأنبياء من الصدقات فإنه لا يورث.

    أما بقية مالنا مما لم يخصص للصدقة فإنه يورث، فقال أبو علي بن شاذان: أنا والله لا أعرف النحو، ولا أعرف اللغة، ولا أعرف المرفوع والمنصوب، والفاعل والمفعول، لكني أعرف شيئاً، هو أن هذا الحديث قاله أبو بكر رضي الله عنه واحتج به، وهو عربي فصيح، يعرف اللغة العربية، واحتج به على علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، وكلهم أقروا أبا بكر على ذلك وسكتوا ولم يطالبوا، ولم يقولوا الكلام الذي قلته أنت، فدل على أنهم وهم عرب فصحاء فهموا من الكلام مثلما فهم أبو بكر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد بهذا الحديث أن الأنبياء لا يورثون.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإكثار من المناقشة والجدل

    السؤال: هل نكثر من المناقشة والجدل؟

    الجواب: لا، الجدل كثيراً لا يأتي بخير، اللهم إلا أن يكون مجادلة بالتي هي أحسن، وبقدر الحاجة، وبهدف الوصول إلى الحق، أما كثرة الجدل فإنها ضرر على الإنسان، وربما صارت سجية وطبيعة له بالإكثار والاسترسال في الحديث، وإنما يكون الكلام أنه إذا حصل عند الإنسان مجال حوار أو مناظرة مع منحرف، أو ضال، أو جاهل، أو عدو للإسلام أو حتى مع طالب علم في مسألة علمية؛ أن يلتزم الإنسان بهذه الشروط وهذه الضوابط، وإنما تحدثت عنها لكثرة الإخلال بها لدى كثير من المسلمين، بل من أهل السنة بل من طلبة العلم، أو من ينسبون إلى طلبة العلم.

    أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.