اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أدب الحوار للشيخ : سلمان العودة


أدب الحوار - (للشيخ : سلمان العودة)
ذكر الشيخ أن الخلاف أمر طبيعي بين الناس، وبيَّن مسالك الناس في حل الخلاف، وبين أهداف الحوار والمناظرات. كما أن الدرس يحتوي على ذكر قواعد الحوار، وصفات المحاور الجيد.
الكلام لا يكفي في صناعة الحياة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.أما بعــد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا الدرس الأربعون من سلسلة الدروس العلمية العامة، التي أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وهو ينعقد في ليلة الإثنين السابع من ربيع الثاني لعام (1412هـ).أحبتي الكرام: عنوان هذه الحلقة: (أدب الحوار) وبين يدي أدب الحوار ثمة أوراق متبقية من درس المجلس السابق، يسألني عنها بعض الإخوة، فقد رأوا أنني تركت في آخر الموضوع أشياء أحبوا أن يعرفوها ويطلعوا عليها، وكل ما أود أن أضيفه في الموضوع الكبير السابق -صناعة الحياة- هو أن الإعلام شرقيه وغربيه في كل بلاد الدنيا يسعى إلى تشويه صورة الدعاة إلى الله تعالى بكافة الوسائل والأسباب.وفي مقابل ذلك فإن الدعاة إلى الله تعالى لم يقوموا بجهد يذكر في تعديل هذه الصورة التي رسمها الإعلام، إن مجرد كلامنا -أيها الأحبة- عن الدعاة إلى الله تعالى، أو عن شباب الصحوة لا يكفي، لأننا سنجد من ألد أعداء الأمة ومن ألد أعداء الإسلام، وسنجد من اللصوص الشطار من يتكلمون عن أنفسهم، أو يتكلمون عمن يحبون وعمن يوالون؛ حديثاً ربما يكون أفصح عبارة وأقوى إشارة، من حديثنا نحن عن العلماء، أو عن الدعاة إلى الله تعالى، أو عن شباب الصحوة.إذاً: فمجرد الكلام عن الشباب والدعوة والصحوة لا يكفي، وإن كان هذا مطلوباً، كما أن مجرد انكفائنا على التاريخ، والحديث عن بطولات المسلمين السابقين، وعن عدلهم وعن إنصافهم هو -أيضاً- لا يكفي، وإن كان لا بد منه، فإن الذي ليس له تاريخ ليس له مستقبل، والذي ليس له ماضي ليس له حاضر:مثل القوم نسوا تاريخهم كلقيط عيَّ في الناس انتساباً فالأمة تحتاج إلى أن ترجع دائماً إلى تاريخها، وتستلهم منه الدروس والعبر؛ لكن لا يجوز أبداً أن يكون كل ما نملكه هو الحديث عن التاريخ، والإسراف والمبالغة في ذلك هي من عوامل الاتكاء والاتكال والبعد عن الفاعلية في الواقع، وكما قال أحد الشعراء منتقداً كثرة الحديث عن السابقين، على أننا نخالف أفعالهم وأحوالهم صباح مساء:وغاية الخشونة أن تندبوا قم يا صلاح الدين قمحتى اشتكى مرقده من حوله العفونةكم مرة في العام توقظونهكم مرة على جدار الحبن تجلدونهأيطلب الأحياء من أمواتهم معونةدعو صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونهلأنه لو قام حقاً بينكم فسوف تقتلونه إذاً: لا يجوز أن يكون كل ارتباطنا بديننا، وكل عملنا لصناعة الحياة، هو أن نتكلم عن التاريخ ونقلب أوراق الماضي، بل لابد من إثبات عملي -بقدر المستطاع- على أن الدعاة إلى الله تعالى هم الجهة التي تفلح في إنقاذ الأمة مما هي فيه، وتصدق في وعدها مع الله عز وجل، وإذا كان أعداء الإسلام قد منوا الناس الأماني، فلما استطاعوا أن يفعلوا ما فعلوا عجزوا عن ذلك؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى يجب أن يثبتوا للأمة -حتى وهم لا يملكون شيئاً- أن الواحد منهم يقتطع من قوته ومن قوت زوجه وأولاده ليطعم الجائع، ويكسو العاري، ويسد حاجة المحتاج.
 زعماء الغرب يساوون وزنهم ذهباً في الكويت
أما فيما يتعلق بصناعة الحياة؛ فقد وقفت في هذا الأسبوع على قصاصة في إحدى صحفنا المحلية، وهي جريدة الرياض، وقد تستغربون ما علاقة هذا الموضوع بصناعة الحياة، وسوف أقرأ عليكم الخبر أولاً، ثم لابد أن سوف يظهر لكم ما علاقته بصناعة الحياة.والخبر قد نشرته جريدة الرياض وليس بين يدي رقم العدد، وإن كنت أقرأ من مصورة الجريدة، يقول العنوان: زعماء الغرب يساوون وزنهم ذهباً في الكويت، فبعد عبد الله جورج وشناشيل بوش الأكثر رواجاً، وتاتشر نجمة سوق الصاغة، يقول الخبر: لا يزال القادة الغربيون يساوون وزنهم ذهباً في الكويت بعد سبعة أشهر من انتصار قوات التحالف الدولي لتحريرها من الاحتلال العراقي. ففي سوق الصاغة بوسط العاصمة أطلق هؤلاء أسماء بوش وبيكر وتاتشر على نماذجهم المفضلة من العقود والأساور دليلاً على الشعبية في بلد ليس فيه استطلاعات رأي، وفي حين غاب الرئيس ميتران عن الواجهات فإن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تاتشر هي النجمة، ويسعى التجار بذلك إلى رد الجميل للتي يعتبرونها أكثر القادة الغربيين صلابة، ويشرح أحدهم: فيقول: لقد وقفت إلى جانبنا فور الغزو العراقي. ورسم تاتشر مزين بخطوط منحنية تتقاطع فوق خلفية من الذهب المفرغ، ويزين رسم الرئيس الأمريكي جورج بوش طوق زواج ضخم من الذهب الخالص، مثقل بالسنشيل يتصدر سائر الواجهات، ويوضح أحد الصاغة أن ثمن العقد ألفان وخمسمائة دينار، أي نحو ثمانية آلاف وخمسمائة دولار.بينما تساوي أحزمة ثقيلة مخصصة لمهور العرائس نحو ثلاثة أضعاف هذا السعر، والبدو -خصوصاً- يطلبون نموذج بوش لأ المفضل لديهم، وعلى باب المحل ملصق كبير للرئيس الأمريكي مبتسماً، أما جون ميجر خليفة المرأة الحديدية، وكذلك المتحدثة باسم البيت الأبيض، ووزير الخارجية الأمريكي لقد كرموا بجواهر أكثر تواضعاً إلى جانب نماذج أسكود -صواريخ أطلقها العراقيون خلال الحرب- وعاصفة الصحراء.وقال صائغ: إن الموضة بدأت بعد تحرير البلاد، والنماذج ستستمر على الأرجح عاماً أو عامين، وداخل المحل تتفحص نسبة من المحجبات المجوهرات، وهن يرقبن الرسوم بعين خبيرة ويجربنها برشاقة، ويباع الذهب في الكويت حالياً، إلى أن يقول: ولا يقتصر هذا التمجيد للقادة الغربيين -وعلى الأخص الرئيس الأمريكي- على سوق الذهب وحده؛ بل هي ظاهرة واسعة الانتشار عمت المجتمع منذ اللحظات الأولى لتحرير الكويت!!بل إن أحد المواطنين الكويتيين لم يتردد في تسمية المولود بعبد الله جورج بوش! وقالت أم الطفل عبد الله جورج بوش وذكر اسم أمه تعليقاً على هذا الاسم لمولودها: سمينا الطفل على اسم الرئيس الأمريكي كبادرة عرفان لتحرير بلادنا.ولقد ضحكتم ولا بد أنكم بكيتم في نفس الوقت: وشر البلية ما يضحك، وكم يؤسفنا ويحزننا أن نقول: إن أعداءنا الكبار عرفوا كيف يصنعون الحياة! عرفوا كيف يصنعونها لأديانهم، ولمذاهبهم، ولمعتقداتهم، ولمصالح بلادهم، فأصبح المسلمون مدينين في أعماق قلوبهم لهؤلاء الكبار؛ وما رسم صورهم أو إطلاق أسمائهم على محلات أو شوارع أو أشخاص؛ إلا تعبير عن هزيمة قلبية داخلية، بحيث أصبحت النماذج المفضلة في نفوس المسلمين، أو طائفة من المسلمين، هي تلك الرموز الوثنية التي لم تكن عملت ما عملت من أجل سواد عيوننا؛ إنما كانت تعتبر هذا جزءاً من صناعة الحياة.لقد صنعوا الحياة حيناً باسم الولايات المتحدة الأمريكية وصنعوها حيناً آخر باسم هيئة الأمم المتحدة، وصنعوها حيناً ثالثاً باسم النظام الدولي الجديد، وهو الستار الجديد المعلن الذي يخفي مطامع الغرب في بلاد الدنيا وخاصة في بلاد المسلمين، وقد صنعوا الحياة حيناً باسم الدفاع عن مصالح الشعوب المستضعفة، وصنعوها أحياناً كثيرة باسم الديمقراطية التي تخفي وراءها دكتاتورية تتدجج بالحديد والنار، لإجبار العالم كله على الخضوع والتسليم والانقياد لمصالح الغرب، وصنعوا الحياة مرة سادسة؛ باسم حماية مصالح اليهود في العالم، وفي الشرق العربي والإسلامي بصفة خاصة.فهذا نموذج من صناعة الحياة، وصحيح أن الصانع كافر، وصحيح أنه متعصب لدينه وملته، وهو يتردد على الكنيسة كلما ألمت به أزمة؛ ولكنه يصنع الحياة، واستطاع أن يغرر بالكثيرين باسم الديمقراطية وباسم النظام الدولي الجديد، وباسم مصالح الشعوب، وباسم تحرير الإنسانية، وباسم نـزع السلاح؛ وبكافة الأسماء، فهم قد صنعوا نموذجاً لحياتهم، ومع ذلك -ومع أن هذا يؤذي الكثير من النفوس- إلا أننا نملك نصاً نبوياً يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه}. فإذا كان هؤلاء الغربيون الذين ذكر الخبر -في جريدة الرياض السعودية- أسماءهم، قد أصبح لهم من الثقل ما لهم، وأصبحت الصحف تزين بذكر أخبارهم أو صورهم، وأصبح تمجيدهم كما عبرت الجريدة هماً للكثيرين، فإننا نعلم أن هذا نهاية المجد الذي يطلبون ويؤملون، وأنه حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه، والذي أسقط الشيوعية بالأمس سيسقط الرأسمالية اليوم أو غداً أو بعد غد.فأين المسلمون! الذين يمكن أن يقوموا بعمارة الدنيا وخلافتها، بديلاً عن الشرق أو الغرب؟
بيان من العلماء حول ما جرى في أفغانستان
وبعد هذا وذاك فإنني أيضاً أستسميحكم في اقتطاع جزء من الوقت على أهمية موضوع هذه الليلة في قراءة هذا البيان الصادر من جماعة من العلماء والدعاة في هذا البلد، حول ما جرى وما يجري في أفغانستان.يقول هذا البيان الذي وقعه جماعة من العلماء على رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز:بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعــد: فغير خاف على أحد ما يجري في أفغانستان من الخلاف، وما ترتب على ذلك من تفاقم الأمر في صفوف الأمة من الدعاة، والخطباء، وطلبة العلم، وعموم الشباب وسائر الناس، من جراء الخوض في هذه المسألة دون تثبت ولا علم ولا بصيرة، نصرة لطرف على طرف، أو هجوماً على طرف، أو دفاعاً عن طرف من أطراف النـزاع، وإننا نناشد جميع المسلمين وخاصة الشباب الغيور على قضايا الأمة؛ بالكف عن الخوض في هذه المسألة بأي صورة، تأييداً أو تنديداً لما ينجم عن ذلك من تفرق كلمة أهل الخير في كل مكان، وتشتت آرائهم واختلاف قلوبهم، وربما أدى ذلك إلى التشاحن والتطاحن والتباغض! وأوصل بعضهم إلى الولاء والبراء! والحب والبغض، والاشتغال بتصنيف الناس على حسب مواقفهم من هذه القضية! وإن أخشى ما يخشاه العقلاء أن تكون ثمة أصابع خفية تهدف إلى زعزعة وحدة الأمة لصالح أعداء الإسلام من الشرق والغرب!فأفضل وسيلة لتفويت الفرصة على العدو هي ترك الخوض في هذه المسألة نهائياً، والإعراض عنها بالكلية، والاشتغال بما هو أجدى وأهم؛ من طلب العلم، والدعوة إليه، والإقبال على العبادة، وتهذيب السلوك، وتصفية القلوب من لوثات الحقد والحسد والبغضاء التي يبذرها الشيطان في نفوس الناس، علماً أن ثمة جهوداً طيبة من جهات عديدة تتدخل بهدف الإصلاح بين الأطراف المتنازعة، وقد قطعت في هذا المجال شوطاً كبيراً، ولعل ترك الخوض في هذه المسألة مما يساعد هذه اللجان على أداء مهمتها، وستعلن نتيجة ذلك قريباً إن شاء الله.كما أن على الجميع السعي لنشر العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين في سائر الأقطار، بالأسلوب الحكيم المناسب البعيد عن التنفير، وبكافة الوسائل المتاحة، كالدعوة، والتعليم، وطباعة الكتب، ونشر الأشرطة المفيدة، وغير ذلك، وإننا إذ نعتبر هذه مسئولية الجميع؛ فإنها منوطة بصفة خاصة بمن أعطاهم الله تعالى مزيداً من العلم والبصيرة في الدعوة أو الجاه أو المال.فنأمل من إخواننا المسلمين مراعاة ذلك والسعي لتنفيذه بقدر الإمكان، كما نناشد إخواننا المجاهدين الأفغان وقادتهم خاصة السعي لجمع كلمة المجاهدين ولم صفوفهم تحت راية عقيدة أهل السنة والجماعة، والحرص على حقن الدماء ووحدة الصف، امتثالاً لقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103] وقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].نسأل الله للجميع التوفيق لصالح القول والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.ولا أرى حرجاً أن أقرأ عليكم أسماء المشايخ الموقعين؛ لأن هذا مما يزيد من توثيق هذا البيان: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، العبد الفقير المتحدث إليكم، الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الشيخ محمد بن سعيد القحطاني، الشيخ سعيد بن زعير، الشيخ عائض القرني، الشيخ ناصر العمر، الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي، الشيخ سعيد بن عبد الله الحميد، الشيخ عبد الوهاب بن الناصر الطريري، الشيخ عوض بن محمد القرني، الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيكان، الشيخ عبد الله بن حمود التويجري، الشيخ سعود بن عبد الله آل فنيسان، الشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل، الشيخ سلطان بن عبد المحسن الخميس، الشيخ أحمد بن صالح السناني.
 زعماء الغرب يساوون وزنهم ذهباً في الكويت
أما فيما يتعلق بصناعة الحياة؛ فقد وقفت في هذا الأسبوع على قصاصة في إحدى صحفنا المحلية، وهي جريدة الرياض، وقد تستغربون ما علاقة هذا الموضوع بصناعة الحياة، وسوف أقرأ عليكم الخبر أولاً، ثم لابد أن سوف يظهر لكم ما علاقته بصناعة الحياة.والخبر قد نشرته جريدة الرياض وليس بين يدي رقم العدد، وإن كنت أقرأ من مصورة الجريدة، يقول العنوان: زعماء الغرب يساوون وزنهم ذهباً في الكويت، فبعد عبد الله جورج وشناشيل بوش الأكثر رواجاً، وتاتشر نجمة سوق الصاغة، يقول الخبر: لا يزال القادة الغربيون يساوون وزنهم ذهباً في الكويت بعد سبعة أشهر من انتصار قوات التحالف الدولي لتحريرها من الاحتلال العراقي. ففي سوق الصاغة بوسط العاصمة أطلق هؤلاء أسماء بوش وبيكر وتاتشر على نماذجهم المفضلة من العقود والأساور دليلاً على الشعبية في بلد ليس فيه استطلاعات رأي، وفي حين غاب الرئيس ميتران عن الواجهات فإن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تاتشر هي النجمة، ويسعى التجار بذلك إلى رد الجميل للتي يعتبرونها أكثر القادة الغربيين صلابة، ويشرح أحدهم: فيقول: لقد وقفت إلى جانبنا فور الغزو العراقي. ورسم تاتشر مزين بخطوط منحنية تتقاطع فوق خلفية من الذهب المفرغ، ويزين رسم الرئيس الأمريكي جورج بوش طوق زواج ضخم من الذهب الخالص، مثقل بالسنشيل يتصدر سائر الواجهات، ويوضح أحد الصاغة أن ثمن العقد ألفان وخمسمائة دينار، أي نحو ثمانية آلاف وخمسمائة دولار.بينما تساوي أحزمة ثقيلة مخصصة لمهور العرائس نحو ثلاثة أضعاف هذا السعر، والبدو -خصوصاً- يطلبون نموذج بوش لأ المفضل لديهم، وعلى باب المحل ملصق كبير للرئيس الأمريكي مبتسماً، أما جون ميجر خليفة المرأة الحديدية، وكذلك المتحدثة باسم البيت الأبيض، ووزير الخارجية الأمريكي لقد كرموا بجواهر أكثر تواضعاً إلى جانب نماذج أسكود -صواريخ أطلقها العراقيون خلال الحرب- وعاصفة الصحراء.وقال صائغ: إن الموضة بدأت بعد تحرير البلاد، والنماذج ستستمر على الأرجح عاماً أو عامين، وداخل المحل تتفحص نسبة من المحجبات المجوهرات، وهن يرقبن الرسوم بعين خبيرة ويجربنها برشاقة، ويباع الذهب في الكويت حالياً، إلى أن يقول: ولا يقتصر هذا التمجيد للقادة الغربيين -وعلى الأخص الرئيس الأمريكي- على سوق الذهب وحده؛ بل هي ظاهرة واسعة الانتشار عمت المجتمع منذ اللحظات الأولى لتحرير الكويت!!بل إن أحد المواطنين الكويتيين لم يتردد في تسمية المولود بعبد الله جورج بوش! وقالت أم الطفل عبد الله جورج بوش وذكر اسم أمه تعليقاً على هذا الاسم لمولودها: سمينا الطفل على اسم الرئيس الأمريكي كبادرة عرفان لتحرير بلادنا.ولقد ضحكتم ولا بد أنكم بكيتم في نفس الوقت: وشر البلية ما يضحك، وكم يؤسفنا ويحزننا أن نقول: إن أعداءنا الكبار عرفوا كيف يصنعون الحياة! عرفوا كيف يصنعونها لأديانهم، ولمذاهبهم، ولمعتقداتهم، ولمصالح بلادهم، فأصبح المسلمون مدينين في أعماق قلوبهم لهؤلاء الكبار؛ وما رسم صورهم أو إطلاق أسمائهم على محلات أو شوارع أو أشخاص؛ إلا تعبير عن هزيمة قلبية داخلية، بحيث أصبحت النماذج المفضلة في نفوس المسلمين، أو طائفة من المسلمين، هي تلك الرموز الوثنية التي لم تكن عملت ما عملت من أجل سواد عيوننا؛ إنما كانت تعتبر هذا جزءاً من صناعة الحياة.لقد صنعوا الحياة حيناً باسم الولايات المتحدة الأمريكية وصنعوها حيناً آخر باسم هيئة الأمم المتحدة، وصنعوها حيناً ثالثاً باسم النظام الدولي الجديد، وهو الستار الجديد المعلن الذي يخفي مطامع الغرب في بلاد الدنيا وخاصة في بلاد المسلمين، وقد صنعوا الحياة حيناً باسم الدفاع عن مصالح الشعوب المستضعفة، وصنعوها أحياناً كثيرة باسم الديمقراطية التي تخفي وراءها دكتاتورية تتدجج بالحديد والنار، لإجبار العالم كله على الخضوع والتسليم والانقياد لمصالح الغرب، وصنعوا الحياة مرة سادسة؛ باسم حماية مصالح اليهود في العالم، وفي الشرق العربي والإسلامي بصفة خاصة.فهذا نموذج من صناعة الحياة، وصحيح أن الصانع كافر، وصحيح أنه متعصب لدينه وملته، وهو يتردد على الكنيسة كلما ألمت به أزمة؛ ولكنه يصنع الحياة، واستطاع أن يغرر بالكثيرين باسم الديمقراطية وباسم النظام الدولي الجديد، وباسم مصالح الشعوب، وباسم تحرير الإنسانية، وباسم نـزع السلاح؛ وبكافة الأسماء، فهم قد صنعوا نموذجاً لحياتهم، ومع ذلك -ومع أن هذا يؤذي الكثير من النفوس- إلا أننا نملك نصاً نبوياً يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه}. فإذا كان هؤلاء الغربيون الذين ذكر الخبر -في جريدة الرياض السعودية- أسماءهم، قد أصبح لهم من الثقل ما لهم، وأصبحت الصحف تزين بذكر أخبارهم أو صورهم، وأصبح تمجيدهم كما عبرت الجريدة هماً للكثيرين، فإننا نعلم أن هذا نهاية المجد الذي يطلبون ويؤملون، وأنه حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه، والذي أسقط الشيوعية بالأمس سيسقط الرأسمالية اليوم أو غداً أو بعد غد.فأين المسلمون! الذين يمكن أن يقوموا بعمارة الدنيا وخلافتها، بديلاً عن الشرق أو الغرب؟
الخلاف بين الناس ومسالك علاجه
أما بعد: فالآن مع: أدب الحوار. أيها الأحبة: الموضوع كبير وخطير، ولعلي جُرت عليه بعض الجور حينما اقتطعت كثيراً منه لهذه المقدمات التي رأيت أنه لا بد منها، وأن التعليق في مناسبتها أرجح وأولى. إن الخلاف بين الناس أمر طبعي وذلك لأسباب كثيرة؛ فقد يكون الخلاف في أمور الدين والشرع بسبب أن جزءاً كبيراً من النصوص الشرعية دلالته ظنية وليس قطعي الدلالة على المقصود، وقد يكون الخلاف بسبب اختلاف العقول والأفهام وتباين المدارك، وقد يكون الخلاف بسبب العلم، فهذا عالم، وهذا أعلم، وهذا أقل، قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] وقد ينسى العالم نصاً من النصوص فيقول بغير ما يدل عليه، وقد يكون من أسباب الخلاف -أحياناً- الهوى والتعصب لقول أو مذهب أو رأي أو شيخ.وحينما يختلف الناس سواء كانت اختلافات كلية أو اختلافات جزئية، يسلكون في معالجة هذا الخلاف مسالك شتى.
 طريقة الحوار
الطريقة الثانية هي: طريقة الحوار، وهو أسلوب حديثنا اليوم، ولا أريد بحديثي عن الحوار أن أجحف بحق الجهاد في سبيل الله تعالى، فللجهاد أحاديثه، وللجهاد مجالاته، وقد سبق أن تحدثت في درس بعنوان: حي على الجهاد، وتكلمت فيه عن موضوع الجهاد في سبيل الله، وإنما حديثي اليوم عن وجه آخر، سواء كان الحوار مع كافر بهدف دعوته إلى الإسلام، أو كان مع مسلم.والحوار أحياناً -أيها الأحبة- كما يقال: أقوى من الكلاشنكوف، وأقوى من القنابل، والصواريخ، والدبابات والمدفعيات؛ لأنه يعتمد على القناعات الداخلية، وعلى القناعات الذاتية، وربما أفلح الحوار فيما لم تفلح فيها الحروب الطاحنة! وأنا أذكر لكم حادثتين تاريخيتين قديمتين:وكلا الحادثتين تتعلق بطائفة الخوارج، الخوارج من المعروف في تاريخ الإسلام أنهم من أكثر الناس ضراوة في الحروب، وشجاعة وبسالة، حتى إن الناس كانوا يرهبون منهم، حتى النساء اللاتي التحقن بـالخوارج كنَّ يبدين من ضروب البسالة والشجاعة في الحروب ما تندهش منه العقول! حتى إن الحجاج هرب من بعض النساء، فسخر منه الساخرون وقالوا له:هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائرِ وهرب منها بعض القواد فعيروه بذلك. فـالخوارج كانوا شجعاناً، بسلاء، أقوياء، على ما كانوا عليه من الباطل والضلال المبين! فلننظر كيف فعل فيهم الحوار.كما ذكر الباقلاني والسكوني والشاطبي وغيرهم أن علي بن أبي طالب بعث ابن عباس إلى الخوارج، المسمين بـالحرورية، فذهب إليهم ابن عباس رضي الله عنه وعليه حلية جميلة، فلما أقبل قالوا له: يا ابن عباس! ما الذي جاء بك؟ وما هذه الثياب عليك؟ فقال: أما الثياب التي علي فما تنقمون مني، فوالله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة ليس أحد أحسن منه، ثم تلا عليهم قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32].فقالوا: وما الذي جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم أنتم يا معشر الخوارج واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجئتكم من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني علي بن أبي طالب- وعليهم نـزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فأنا رسول بينكم وبينهم، ووسيط بينكم وبينهم.فقال بعضهم: لا تحاوروا ابن عباس ولا تخاصموه! فإن الله تعالى يقول عن قريش: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] -خافوا من الهزيمة- فقالوا: اتركوا مجادلته لأنه جَدِل خَصِم، وقال بعضهم: لا بل نكلمه ولننظر ماذا يقول؟قال ابن عباس رضي الله عنه: فكلمني منهم اثنان أو ثلاثة، فقال لهم: ماذا تنقمون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثة أمور، قال: هاتوا؟ قالوا: الأول أن علي بن أبي طالب حكم الرجال في كتاب الله -يعني بعث حكماً منه وحكماً من معاوية رضي الله عنه، وقصة التحكيم معروفة- والله تعالى يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57]. قال: هذه واحدة فما هي الثانية؟ قالوا:الثانية أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل ولم يَسْبِ -قاتلهم وما سبى نسائهم- فلئن كانوا مسلمين فقتالهم حرام، ولئن كانوا كفاراً فلماذا لم يَسْبِ؟قال: وهذه أخرى، فما هي الثالثة؟ قالوا: الثالثة أنه نـزع نفسه من إمرة المؤمنين لما كتب الكتاب، فلم يكتب أمير المؤمنين وكتب علي بن أبي طالب! قال: أو قد فرغتم؟ قالوا: نعم.قال: أما الأولى، وهي قولكم حكم الرجال في كتاب الله تعالى، فإن الله تعالى يقول في محكم التنـزيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95] فذكر الله تعالى حكم ذوي عدل فيما قتله الإنسان من الصيد، سألتكم بالله تعالى، ألتحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أعظم أم التحكيم في ما قتله الإنسان من الصيد؟ قالوا: لا، بل التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم.قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35] ناشدتكم الله تعالى ألتحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أهم أو التحكيم في بضع امرأة؟ قالوا: لا التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم، قال: انتهت الأولى؟ قالوا: نعم، فالثانية.قال: أما الثانية: فهي قولكم قاتل ولم يَسْبِ -لم يأخذ نساء من قاتلهم- فهل تسبون أمكم عائشة رضي الله عنها -لأنها كانت في الطرف الآخر- وتستحلون منها ما يستحل الرجال من النساء؟! إن قلتم ذلك كفرتم! وإن قلتم ليست بأمنا أيضاً كفرتم، لأنها أم المؤمنين!! فاستحوا من ذلك وخجلوا، قالوا: فالثالثة...قال: أما قولكم خلع نفسه من إمرة المؤمنين، وإذا لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عقد كتاب الصلح مع أبي سفيان وسهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال: اكتب، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ولا منعناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فمحى النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة، وكتب هو أو علي هذه مسألة يطول الكلام فيها من محمد بن عبد الله، فرجع منهم عن مذهب الخوارج ألفان، وبقيت بقيتهم فقتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.فانظر كيف أثر الحوار الهادئ القوي العميق في مثل هذه الرءوس اليابسة الناشفة، حتى رجع منهم في مجلس واحد لم يستغرق ربع ساعة ألفان إلى مذهب أهل السنة والجماعة.المثال الآخر: وهو أيضاً يتعلق بهذه الطائفة العنيدة -طائفة الخوارج- أنهم حيث بقيت منهم في الموصل بقية؛ فكتب إليهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخليفة الأموي العادل ينكر عليهم خروجهم، ويقول لهم: أنتم قليل أذلة!! فردوا عليه وقالوا: أما قولك: إنا قليل وأذلة، فإن الله تعالى يقول لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26] فردوا عليه بذلك، فوجه إليهم عمر بن عبد العزيز فقيهاً اسمه عون بن عبد الله، وهو أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.فقال لهم عون بن عبد الله: أنتم كنتم تطلبون حاكماً في مثل عدالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما جاءكم هذا الحاكم كنتم أنتم أول من نفر عنه وحاربه! قالوا: صدقت، ولكنه لم يتبرأ من الذين من قبله ولم يلعنهم -لم يلعن علي بن أبي طالب ولا معاوية ولا بني أمية- فنحن نحاربه لأنه لم يتبرأ من صنيع هؤلاء ولم يلعنهم! وهذا مذهب الخوارج.قال لهم: أنتم كم مرة تلعنون هامان في اليوم؟ قالوا: ما لعناه قط، قال: أيسعكم أن تتركوا لعن وزير فرعون الطاغية، والمنفذ لأوامره، والذي بنى صرحه بأمره، ولا يسع هؤلاء أن يتركوا لعن أهل قبلتهم، إن كانوا أخطأوا في شيء أو عملوا بغير الحق؟ فسكتوا ورجع منهم طائفة كبيرة، فسر بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وقال لهذا الرجل: لماذا لم تحتج عليهم بعدم لعن فرعون، لماذا قلت لهم لم تلعنواهامان، ولم تقل: لم تلعنوا فرعون؟ قال: لو قلت لهم: لماذا لا تلعنون فرعون، ربما قالوا: إننا نلعنه، أما هامان فقل من يلعنه في ألسنة الناس، فلذلك اخترته! فسكت هؤلاء، ثم خرجوا في ولاية يزيد بن عبد الملك فقاتلهم.والمهم يقول السكوني في عيون المناظرات: فكانت حجة عمر أبلغ من قتالهم بالسيف. وهكذا يتبين لك أن الحجة القوية، والحوار الهادئ الرزين من صاحب عقل وفهم وعلم في كثير من الأحيان يفعل ما لا تفعله السيوف، وما لا يفعله الكلاشينكوف.
أهداف الحوار والمناظرة
فالحوار مهم -أيها الأحبة- من جانبين:
 الوصول إلى اليقين الصحيح في مسائل الخلاف
الهدف الأول هو دعوة الكفار إلى الإسلام، أو دعوة الضالين من المبتدعة إلى السنة.أما الهدف الثاني: فهو الوصول إلى اليقين الصحيح أو الحق في مسألة اجتهادية اختلفت فيها وجهات النظر مما ليس فيه نص ولا إجماع، أي: مسألة اجتهادية اختلفت فيها أقوال العلماء أو أقوال المجتهدين وأقوال المتحدثين، فتكلم اثنان في محاورة ومناظرة للوصول إلى الحق، والمسألة ليس فيها نص صريح، وليس فيها إجماع لا يجوز تعديه، ولكنها من المسائل الاجتهادية، وليس من الضروري أيها الأخ الكريم! أن تعتقد أن نتيجة الحوار لا بد أن تكون إقناع الطرف الآخر بأن ما عندك حق وما عنده باطل، فليس هذا بلازم، وقد تقنع الإنسان بذلك، وأقل شيء تكسبه من طريقة الحوار إذا التزمت بالشروط الموضوعية للحوار؛ وأقل شيء تكسبه أن يعلم خصمك أن لديك حجة قوية، وأنك محاور جيد، وأن يأخذ انطباعاً بأنك إنسان موضوعي متعقل بعيد عن التشنج والهيجان والانفعال.وكثير من الناس يظنون أن الآخرين لا يملكون الحق، وليس عندهم شيء، وأنهم مجرد مقلدين، فإذا حاوروهم علموا أن لديهم حججاً قوية، فأقل ما تكسبه هو أن تجعل أمام مناظرك علامة استفهام! وأقل شيء تكسبه أنه صار عنده تردد في مذهبه، ففتر حماسه لدينه، وقد تلتقي بنصراني -مثلاً- داعية إلى النصرانية فتناقشه، فمحتمل أنه يسلم -وهو خير كثير، وهو أرقى وأعلى ما تتمناه- لكن هناك احتمال ألا يسلم! فهل تعتبر أنك قد خسرت؟ لا، إذا لم يُسلم فربما صار عنده تفكير في الإسلام يدعوه إلى أن يبحث ويسلم ولو بعد حين، وإذا لم يفكر بذلك فعلى الأقل صار عنده شكوك في دينه، وإذا لم يحصل هذا فعلى أقل تقدير فتر شيء من الحماس الذي كان يحمله لدينه.ونحن نجد أن المسلمين الذين يكثرون من الاحتكاك بأهل الكتاب، أو بالمنحرفين عن الإسلام، ويسمعون منهم الكثير؛ وإن لم يتركوا دينهم إلا أن حماسهم يقل ويفتر لدينهم من كثرة ما سمعوا من الأعداء حتى وهم على الحق، فما بالك بأهل الباطل إذا سمعوا نقد باطلهم! لا بد أن يفتر حماسهم له، أو يشكوا فيه أو يتراجعوا عنه.
ألفاظ الحوار ومواضعها
والحوار والجدال والمناظرة كلها ألفاظ متقاربة لمعنى واحد، وإن كان أكثر ما جاء لفظ الجدال في القرآن الكريم على الجدال المذموم كما في قوله تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر:5] ولكن جاء لفظ الجدال في القرآن أيضاً في مواضع محمودة، وهي -فيما أعلم- أربعة مواضع، الموضع الأول منها قوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] فهذا جدال بالتي هي أحسن، وهو لدعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام.الموضع الثاني: قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] الموضع الثالث: قول الله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود:74] فإبراهيم عليه السلام يجادل الملائكة! فماذا قال لهم؟ سألهم: بعثتم إليهم لإهلاكهم؟ قالوا: نعم، قال: أفيهم مائة مسلم؟ قالوا: لا، قال: أفيهم خمسون مسلماً؟ قالوا: لا، قال: عشرة مسلمين؟ قالوا: لا، قال: خمسة مسلمين؟ قالوا: لا، قال: فقوم ليس فيهم هؤلاء جديرون بالإهلاك، فهذا كما ذكر بعض المفسرين الجدل الذي حصل من إبراهيم عليه السلام.الموضع الرابع: قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1].
 الاهتمام بفن الحوار
أيها الأخ الكريم: إن من الضروري أن يتلقى المسلم -وخاصة الداعية إلى الله- أسس الحوار وأصوله في عالم يموج اليوم بالنظريات الكافرة، والاتجاهات المنحرفة، ولقد أصبح الحوار فناً يدرس! وأحياناً يسمونه فن الجدل، وأحياناً يسمونه فن المناظرة، إضافة إلى فن آخر له علاقة بالموضوع وهو ما يسمى بفن العلاقات العامة الذي تقام فيه دورات لكثير من الموظفين والمتخصصين في العلاقات، والدعاة، وسواهم، والعلاقات العامة تعني حسن الاتصال بالآخرين، لإقناعهم برأي أو ترويج سلعة من السلع، أو تصحيح فكرة، أو التمهيد لقضية من القضايا من خلال الاتصال بالناس، فهو فن يدرس ولا بد للداعية أن يتعلمه نظرياً وعملياً.
قواعد الحوار
إن للحوار قواعد كثيرة؛ لم يسعفني فكري منها إلا بثلاث قواعد أذكرها على عجل.
 الاتفاق على أصلٍ يرجع الحوار إليه
القاعدة الثالثة: من قواعد الحوار هي: الاتفاق على أصل يرجع الحوار إليه إذا وجد اختلاف، واحتدم النقاش، فتتفق مع أي إنسان تناقشه بأن ترجعا عند الاختلاف إلى القرآن الكريم، وإلى صحيح السنة مثلاً، وإلى القواعد الثابتة المستقرة، أو إلى ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم -المهم أن تتفق معه على نقاط تكون مرجعاً عند الاختلاف-. وأذكر بهذه المناسبة قصة، وقد حدثني بها جماعة من العلماء منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومنهم الشيخ عبد الله بن قعود ونقلها لي ثقة ثبت عن الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله؛ فهي حادثة ثابتة بأسانيد جياد صحيحة إن شاء الله؛ وهو أن جماعة من الشيعة كتبوا إلى مفتي الديار في السابق: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن يعقد معهم مجلساً للحوار، فهمَّ الشيخ محمد بن إبراهيم ألا يرد عليهم وأن يهمل هذا الطلب، فأشار عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي بأن هذا الأمر ما دام أنه جاء منهم فينبغي ألا يهمل، لأنهم قد يعتبرون عدم إجابتنا على طلبهم نوعاً من النكول عن المناظرة أو ضعف الحجة، فالأولى أن نكتب لهم بالموافقة على المناظرة شريطة أن يكون هناك أصل نرجع إليه، وأن يكون هذا الأصل هو القرآن الكريم وصحيح البخاري، صحيح مسلم، فكتب لهم الشيخ رحمه الله بهذا المضمون، من أنه لا مانع من إجراء الحوار والمناقشة معكم شريطة أن نرجع عند الاختلاف إلى القرآن الكريم وصحيح البخاري وصحيح مسلم فلم يردوا عليه، ولم يجيبوه إلى ما سأل. فلا بد من شيء يُرجع إليه.
صفات المحاور الجيد
صفات المحاور الجيد هي، باختصار:
 التواضع
الصفة السابعة: التواضع أثناء المناقشة، أو بعد الانتصار على خصمه، وهذه الصفات قد يمر بعضها أثناء ذكر آداب الحوار.
أحوال الحوار عند المسلمين اليوم
إن الحوار -ولا تؤاخذوني إذا قسوت- القائم بيننا نحن المسلمين، بين المسلمين والمسلمين، والحوار بين أهل السنة وأهل السنة تجد أنه في هذا الجزء من العالم المبتلى بالأمراض والعلل، والمبتلى بالمصائب التي أثقلت كاهله، يعتمد على أمور تضحك منها الثكلى، ويسخر منها الأعداء:
 الإحتجاج بـ( ولو )
فلا يكفي هذا أيضاً؛ بل إذا أعيت الحجة ولم يجد الإنسان سبيلاً؛ فيمكن الاستنجاد بكلمة (ولو) فلو هذه تحل المشكلات وتصنع المعجزات في نظر بعض الناس، فهي دواء لكل داء إلا الموت، فإذا أعيت الإنسان الحجة بدأ يقطع، فقال: (ولو) ولو هذه تنهي كل ما قاله الخصم، وإذا لزم الأمر أيضاً فلا بأس من لطمه على الوجه، أو لكمة في الصدر! أو كما يقول أخونا الشيخ عائض القرني: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويكسر بعضنا رأس بعض فيما اختلفنا فيه! والواقع أن هذا تعبير مازح عن واقع لا شك فيه في أوضاع المسلمين.والكلام السابق كله مزاح، فلا تأت غداً وتضرب به واحداً، وتقول: هذه نصيحة سمعتها في المحاضرة، بل الكلام السابق كله تصوير ساخر لأحوال الحوار بين المسلمين والمسلمين، وبين أهل السنة وأهل السنة، بل بين طلاب العلم وطلاب العلم أحياناً!
آداب الحوار
أما آداب الحوار الصحيح؛ فسأذكر منها عشرة آداب، واعذروني إذا أسرعت ولم ألتزم بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرته عن عائشة قبل قليل: {أنه يتكلم بكلام فصل لو شاء العاد أن يعده لأحصاه} فمن طبيعتنا العجلة، ونسأل الله تعالى أن يعفو ويسامح.
 اعتدال الصوت
العاشر: اعتدال الصوت؛ فلا تبالغ في رفع الصوت، وليس من قوة الحجة المبالغة في رفع الصوت بالنقاش والحوار، بل كلما كان الإنسان أهدأ كان أعمق، ولهذا تجد ضجيج البحر وصخبه على الشاطئ والمياه الضحلة، حيث لا جواهر ولا درر، فإذا مشيت إلى عمق البحر ولجته وجدت الهدوء، حيث الماء العميق، ونفائس البحر وكنوزه، ولهذا يقول المثل الغربي: الماء العميق أهدأ، فلا حاجة إلى اللجوء إلى تبكيت الإنسان الذي تخاصمه، وإحراجه والسخرية به، إلا إذا تبين لك أنه سفيه أو لجوج أو عنيد، فحينئذٍ لا بأس أن تسقط عليه كلمة أو نكتة تجعله مجالاً للسخرية، أو تجعله يقف ولا يتكلم، مثلما ينقل: [[أن يهودياً قال لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما نفضتم أيديكم من تراب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قلتم منا أمير ومنكم أمير، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر بعد أن جمده الله تعالى الله لموسى حتى قلتم: اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف:138] فبهت اليهودي وسكت]] لأن كلام بني إسرائيل هنا كفر ينقض الدين، أما كلام الصحابة: منا أمير ومنكم أمير فهو مسألة اجتهادية.وكذلك لما ذهب حاطب للمقوقس قال له المقوقس: يا حاطب! كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟ قال: سجال، يدال عليهم ويدالون عليه، قال: أنبي الله يغلب؟! فقال له حاطب: وابن الله يصلب! ألستم أيها النصارى تزعمون أن عيسى ابن الله، وأنه قد صلب! فسكت ولم يحر جواباً، لأنه ألقمه حجراً!وكذلك يذكر أن الإمام الباقلاني ذهب إلى ملك الروم فدخل عليه وعنده القساوسة جالسون، فسلم عليهم الباقلاني وقال: كيف الحال، وكيف الأهل، وكيف الأولاد؟ فقال له الملك: عجيب! أنت الآن مبعوث من أمير المسلمين، وأنت أعلمهم ولا تدري أن هؤلاء لا يتزوجون، وليس لهم أولاد؟! فقال: سبحان الله! ترضون الأولاد لرب العالمين ولا ترضونها لأنفسكم! فبهتوا أيضاً ولم يجدوا جواباً.
أمثلة للحوار الهادف
وهذه أخيراً أمثلة للحوار أذكرها باختصار.
 حوار ابن شاذان مع رجل شيعي
من طرائف المناظرات؛ أن أبا علي بن شاذان وهو فقيه وعالم، ولكنه ضعيف في اللغة العربية -ضعيف في النحو- ناظر أحد الشيعة حول قول النبي صلى الله عليه وسلم: {نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة} فقال أبو علي بن شاذان: هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، فقال ذلك الشيعي: إن الحديث: {ما تركنا صدقة} فصدقة مفعول به منصوب، والمعنى أن ما تركناه نحن الأنبياء من الصدقات فإنه لا يورث. أما بقية مالنا مما لم يخصص للصدقة فإنه يورث، فقال أبو علي بن شاذان: أنا والله لا أعرف النحو، ولا أعرف اللغة، ولا أعرف المرفوع والمنصوب، والفاعل والمفعول، لكني أعرف شيئاً، هو أن هذا الحديث قاله أبو بكر رضي الله عنه واحتج به، وهو عربي فصيح، يعرف اللغة العربية، واحتج به على علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، وكلهم أقروا أبا بكر على ذلك وسكتوا ولم يطالبوا، ولم يقولوا الكلام الذي قلته أنت، فدل على أنهم وهم عرب فصحاء فهموا من الكلام مثلما فهم أبو بكر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد بهذا الحديث أن الأنبياء لا يورثون.
الأسئلة

 حكم الإكثار من المناقشة والجدل
السؤال: هل نكثر من المناقشة والجدل؟الجواب: لا، الجدل كثيراً لا يأتي بخير، اللهم إلا أن يكون مجادلة بالتي هي أحسن، وبقدر الحاجة، وبهدف الوصول إلى الحق، أما كثرة الجدل فإنها ضرر على الإنسان، وربما صارت سجية وطبيعة له بالإكثار والاسترسال في الحديث، وإنما يكون الكلام أنه إذا حصل عند الإنسان مجال حوار أو مناظرة مع منحرف، أو ضال، أو جاهل، أو عدو للإسلام أو حتى مع طالب علم في مسألة علمية؛ أن يلتزم الإنسان بهذه الشروط وهذه الضوابط، وإنما تحدثت عنها لكثرة الإخلال بها لدى كثير من المسلمين، بل من أهل السنة بل من طلبة العلم، أو من ينسبون إلى طلبة العلم.أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أدب الحوار للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net