إسلام ويب

التثبت والتبين في النقلللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن الثبت والتبين في النقل، ثم ذكر منهج أهل القرآن والسنة النبوية في التثبت موضحاً أنواع التثبت، ثم عرض عرضاً مفصلاً لوسائل التثبت، وختم بالحديث عن واقع الناس في التثبت موضحاً إلى ضعف الناس في هذا الموضوع، وعارضاً لمظاهر هذا الضعف.

    1.   

    أهمية التثبت والتبيُّن في النقل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    ففي مستهل هذا الدرس، أرجو لنفسي ولإخواني أن نكون ممن قبل الله تعالى منهم أعمالهم الصالحة، فكان قبولها سبباً في زيادة أعمال أخرى، من صيام الست من شوال، والمحافظة على الوتر، أو ما تيسر من قيام الليل، فإن من علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها.

    أما موضوع هذه الليلة فهو عن: (التثبت والتبين في النقل) وسأتحدث عن هذا الموضوع في عدة نقاط:

    الأولى منها: عن أهمية الموضوع، والموضوع لا شك في غاية الأهمية، لأنه ما من إنسان إلا وأكثر ما يشتغل منه لسانه، فقد يكون الإنسان أحياناً طريح الفراش، راقداً على سريره سنين طوالاً لا يتحرك منه شيء، لكن لسانه لا يفتر إما بذكر الله تعالى، وإما بغير ذلك؛ ولهذا كانت آداب اللسان من أهم الآداب التي يجب أن يعتني بها الإنسان -كما سبقت الإشارة لذلك في مطلع درس الصمت والمنطق.. ومن آداب اللسان قضيةُ وجوب التثبت والتبين فيما يقوله الإنسان أو فيما ينقله عن الناس.

    فإننا نجد في واقع الناس اليوم تساهلاً في ذلك وتفريطاً كبيراً، فإن أغلب الناس يتساهلون في نقل ما يسمعون من الأحكام الشرعية والأقوال الفقهية، والأخبار والأحداث وغيرها، سواء أكانت أموراً متعلقة بالتأريخ، والأزمنة الماضية، أم أموراً متعلقة بالواقع الحاضر، وسواء أكانت مما يتعلق بالأحكام -والحلال والحرام- أم كانت مما يتعلق بالأشخاص: من علماء، أو عامة، أو زعماء، أو مشاهير، أو غيرهم.

    تجد الناس يفيضون في هذه الأحاديث دون أن يردعهم رادع أو يزجرهم زاجر، وكلما كان الإنسان أكثر جهلاً، كان أجرأ على الكلام والخبط والهجوم على مثل هذه الأمور، وللإسلام في ذلك منهج واضح صريح، لابد من بيانه، وهذه هي النقطة الثانية.

    1.   

    بيان منهج القرآن الكريم في التثبت

    قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)

    يقول الله عز وجل: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وقوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] أي لا تقل ما ليس لك به علم، لا ترم أحداً بما ليس لك به علم، وفَسَّرَهُ بعض السلف بقول الزور، وشهادة الزور. وفسره آخرون بالفرية، وكل هذه لا تعدو أن تكون أمثلةً لقفو الإنسان ما ليس له به علم، فإن الإنسان إذا قفا ما ليس له به علم، قال ما لا يعلم وأفتى بما لا يعلم، وقال الزور وشهد الزور، وافترى، وظلم، وكذب، وكل هذا مما ليس له به علم.

    ولهذا قال قتادة: [[لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا تقل رأيت ولم تر، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله]] رواه ابن جرير، وابن المنذر، وكذلك روى ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس رضي الله عنه أنه قال: [[يقال للأذن يوم القيامة: هل سمعتِ؟ ويقال للعين يوم القيامة هل رأيتِ؟ ويقال للفؤاد يوم القيامة مثل ذلك...!]].

    إذاً: الله سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نقفو ما ليس لنا به علم، ويبين أن السمع مسئول عنه، يُسأل السمع فيقال للأذن: هل سمعتِ؟ ويسأل الإنسان نفسه هل سمعت؟ والبصر مسئول ومسئول عنه أيضاً يقال: هل رأيت؟ ويقال للإنسان هل رأيت؟ ويقال للعين: هل رأيتِ؟، وكذلك الفؤاد وهو القلب فهو مسئول ومسئول عنه كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] ولهذا ذكر الله عز وجل في مواضع من القرآن الكريم أن الأعضاء تسأل يوم القيامة وتنطق، حتى اللسان، الإنسان الآن ينطق بلسانه، فيوم القيامة يُسأل، فيقال: أما قلت كذا، وكذا؟ فينكر، فيختم الله تعالى على فمه، ويأمر اللسان -هذه اللحمة- أن تتكلم بنفسها، ليس كلام الإنسان الذي يخرج من حلقه، واللسان وسيلة فيه، وإنما ينطق اللسان ذاته فَيُقِرُ، فتشهد عليهم ألسنتهم، يقر اللسان بما قاله الإنسان وبما نطق به، وتقر العين بما فعلت، وتقر الأذن بما فعلت، وتقر الأيدي والأرجل، كل هذه الأشياء تشهد على الإنسان كما ورد في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحك فقالوا: يا رسول الله ممَّ ضحكت؟ قال: {ضحكت من مجادلة العبد ربه يقول يوم القيامة: يا رب إني لا أقبل علي شهيداً إلا من نفسي، أي لا يقبل حتى الملائكة، فيأمر الله عز وجل فيختم على فيه، ويأمر جوارحه فتنطق بما فعل من شر} فتتكلم اليد، والرجل، واللسان، والأذن، والعين، وغيرها من الجوارح قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

    وكذلك يقول الله عز وجل في موضع آخر من كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] ويأمرنا الله عز وجل بالتبين إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] هكذا قرأها الجمهور (فتبينوا) وقرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فتثبتوا [الحجرات:6] والتثبت والتبين هما بمعنى واحد، وهذا أمر من الله عز وجل للإنسان أن يتبين. أي يطلب البيان ويتثبت أي لا يتكلم إلا بأمر ثابت واضح لا إشكال فيه، وخاصة إن كان الذي جاء بالخبر فاسقاً، إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] ثم علل ذلك بقوله: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً [الحجرات:6] أي لئلا تصيبوا قوماً بجهالة، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] فربما إنسان بلغه عن أخ مسلم خبر فقال به، وأصبح يتكلم في المجالس يقول: فلان فعل كذا، وفعل كذا، وفعل كذا.

    بعد فترة تبين لهذا المتحدث أن ما كان يقوله عن فلان غير صحيح فهنا هو نفسه أصبح من النادمين، لأنه عرف أنه وقع في عرض أخيه المسلم، واستطال في عرضه بغير حق، وهو أمر لا يمكن تداركه، ولذلك يقول القائل:

    يموت الفتى من عثرة بلسانه     وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل

    فعثرته بالقول تودي برأسه     وعثرته بالرجل تبرا على مهل

    فعثرة القدم، قد يعثر الإنسان فيسقط فتبرأ، أي تشفى بعد شهر أو شهرين، لكن عثرة اللسان قد تكون السبب في حَزِّ رأسه، وجرح اللسان لا يمكن تداركه، لأن الكلام إذا خرج من اللسان لا يمكن إرجاعه!

    ولذلك قال الأولون كما نقل عن عمر رضي الله عنه وغيره، قالوا: [[من كتم سره كان الخيار بيده]] يعني إذا لم تتعجل في الكلام، مثلاً: بلغك عن فلان من الناس أنه قال: كذا وكذا، فأنت صدقت هذا الكلام، لكن قلت: لا داعي أن أتكلم الآن.. أصبر.. أعتبر هذا سراً وأكتمه.

    بعد ذلك بإمكانك في أي وقت تشاء أن تقوله، ولو سكتَّ شهراً، أو شهرين تستطيع بعد ذلك أن تقول فلان قال: كذا. لكن لو بلغك عن فلان قولٌ، ثم تسرعت في إفاضته، ونشره والحديث عنه؛ فإنه لا يمكن بعد ذلك إرجاعه، [[من كتم سره كان الخيار بيده]] فإذا خرجت الكلمة من الفم لا يمكن إرجاعها، فهي مثل الرصاصة، الإنسان إذا وجه إلى إنسان بندقية، ثم حرك زنادها فانطلقت منها رصاصة صوب شخص معين، قد يندم الإنسان على ذلك، ولكن لا يمكن إرجاعها لأنها وصلت إلى مستقرها وأصابت المقتل الذي وجهت إليه، وكانت سبباً في هلاك هذا الشخص، وفي هلاك مطلقها أيضاً دنيا وآخرة، هلاكه دنيا بالقصاص منه، وهلاكه أخرى بأنه يلقى الله عز وجل بدم أخيه.

    فاعتبر أن الكلمة التي تخرج من فمك مثل الرصاصة، التي إن أمسكها الإنسان استطاع أن يطلقها في الوقت المناسب، وإن أطلقها بدون تبصر ولا تثبت ولا تبين، فإنه لا يمكن أن ترجع بحال من الأحوال، فالله عز وجل يقول: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ [الحجرات:6].

    وقد ذكر أهل السير والتفسير والحديث كما رواه الطبراني، والإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وغيرهم ويقول السيوطي في الدر المنثور: بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه {أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعرض عليَّ الإسلام فأسلمت، ثم عرض عليَّ الزكاة، فقلت: يا رسول الله، أذهب إلى قومي، فأدعوهم إلى الله عز وجل فمن آمن منهم أخذت زكاته، ويأتيني رسولك في إبان كذا وكذا} ضرب له موعداً محدداً {تبعث إلي فيه رجلاً يأخذ مني الزكاة. فجاء الحارث رضي الله عنه إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم جمع منهم الزكاة في الإبّان الذي حدده لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسوا ينتظرون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم، فتأخر عن إبّانه. فقال الحارث بن ضرار الخزاعي لقومه: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد واعدني وقت كذا، وكذا، وليس من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف في الوعد، وخاف الحارث أن يكون أصابه سخطة من الله تعالى، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم} خشي أن يكون الله سخط عليه فأنـزل فيه قرآناً، أو سخط عليه الرسول صلى الله عليه وسلم {فجمع الزكاة، وخرج بقومه، فلما خرج لقي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معهم السلاح، فلما غشيهم قال: ما الذي جاء بكم؟! قالوا: جئنا إليك. قال: وما ذاك؟! قالوا: رددت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردت قتله، وَمَنَعْتَ الزكاة، قال: ما فعلت! ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بعث إليه الوليد بن عقبة مصدقاً } أي يأخذ الصدقة، وهو ابن عقبة بن أبي معيط، فـالوليد بن عقبة جاء للحارث بن ضرار الخزاعي وقومه {فلما أقبل كان بينه وبينهم شيء في الجاهلية، أو كأنه هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنه قد أراد قتلي، ومنع الزكاة فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجيش، وأمرهم بالتثبت من أمر الحارث وقومه، ثم نـزل قول الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]} وهذا الحديث في قصة الوليد بن عقبة، وأنه ادعى أن الحارث بن ضرار الخزاعي أراد قتله، ومنع الزكاة، هذا الحديث، قال فيه السيوطي: بسند جيد كما في الدر المنثور، وجاء له شواهد كثيرة جداً، عن جماعة من الصحابة والتابعين، منها عن علقمة بن ناجية الخزاعي، ومنها عن جابر، ومنها عن أم سلمة، ومنها عن ابن عباس رضي الله عنه، ومنها عن جماعة من التابعين منهم مجاهد، وعكرمة، وقتادة وغيرهم حتى قال الإمام الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب قال: لا خلاف بين أهل التأويل فيما أعلم أن هذه الآية نـزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين ذهب لأخذ صدقات الحارث بن ضرار الخزاعي وقومه.

    وإن كان بعض المعاصرين حاول أن ينكر هذه القصة، كما فعل الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقاته على كتاب العواصم من القواصم، لكن هذه القصة أشهر من أن ترد أو تنكر. صحيح أن فيها رمي الوليد بن عقبة بأنه فاسق، كما قال الله عز وجل: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] لكن لا يمنع أن يكون حدث منه فسق، ثم تاب منه هذا على وجه، مع أن المشهور عن الوليد بن عقبة -رحمه الله- وغفر الله لنا وله أنه كان عنده تجاوزات وأخطاء كثيرة، ذكرها أهل السيرة وأثبتوها، حتى قال الإمام ابن عبد البر قال: [[ إنها أشياء ثابتة مؤكدة مقطوع بها عند أهل العلم بالأخبار لا شك فيها، منها أنه كان أميراً على أهل الكوفة، فجاء يصلى بهم يوماً، وكان قد سكر -شرب الخمر فسكر- فتقدم وصلى بهم أربع ركعات، ثم التفت وقال: أزيدكم...!

    فقالوا له: ما زلنا معك منذ الليلة في زيادة!!

    وقد هجاه الحطيئة بذلك:

    شهد الحطيئة حين يلقى ربه     أن الوليد أحق بالغدر

    صلى بهم وقال: أزيدكم ثاملاً ولا يدري ]] -إلى غير ذلك من الأخبار والقصص التي نرجو الله أن يعفو عنا وعنه، ولا يمنع أن يكون الرجل قد تاب منها، لكنها اشتهرت عنه، وتداولها أهل العلم بالأخبار، ومن المعلوم أن الصحابي قد يحدث منه زلة ثم يتوب منها، ومن الأمور التي لابد من الإشارة إليها أنه لم ينقل الوليد بن عقبة -رحمه الله ورضي الله عنه-، عن الرسول صلى الله عليه وسلم خبراً واحداً يتوقف قبوله عليه، كما نقل الإمام ابن عبد البر.

    فهذه أمور وقعت من الوليد، ولا يمنع أن يكون تاب الله عليه منها وأقلع عنها، أو يكون له حسنات تقابلها؛ فإن الوليد بن عقبة من الأجواد، الكرماء، السادة المشهورين، الفصحاء، وله فضائل وأخلاق حميدة، ذكرها مترجموه أيضاً، فقد يكون في العبد حسنات يكفر الله تعالى بها عنه من سيئاته وذنوبه، إن لم يكن تاب منها وأقلع عنها.

    هذا هو سبب نـزول الآية أن الله عز وجل أمر المؤمنين إن جاءهم رجل فاسق بخبر أن يتبينوا ويتثبتوا خشية أن يصيبوا قوما بجهالة فيقتلوهم، أو يسبُّوهم، أو يقعوا فيهم، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين.

    1.   

    منهج السنة النبوية في التثبت والتبين

    التحذير من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم

    وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر من القول عليه بغير علم، والكذب عليه صلى الله عليه وسلم، ذلك في أحاديث كثيرة جداً ثابتة، منها أحاديث في الصحيحين كما في حديث علي بن أبي طالب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تكذبوا علي؛ فإنه من يكذب علي يلج النار} ومثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار} ومثله حديث المغيرة بن شعبة، والزبير، وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حذَّر من الكذب عليه، والقول عليه بغير علم، وتوعد الكاذبين بالنار.

    وهذا الحديث هو من الأحاديث المتواترة، فقد روي عن أكثر من ستين أو ثمانين صحابياً، وهو من المتواتر اللفظي أيضاً فنجزم ونقطع ونحلف بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث جزماً لا تردد فيه بألفاظه وحروفه، قال: {من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار}؛ لأن هذا اللفظ بعينه ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بحروفه وألفاظه، عن طريق جماعة كثيرة من الصحابة، فهو من المتواتر وهذا دليل على عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحذير من الكذب عليه، فكان يقول ذلك في مجالس كثيرة جداً، حتى تناقله عنه أصحابه رضي الله تعالى عنهم.

    التأني وترك العجلة

    وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأناة والتأني، وحذر من العجلة، حتى قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه أبو يعلى عن أنس بن مالك -وسنده حسن- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{التأني من الله، والعجلة من الشيطان} والتأني يكون في كل شيء، ومن ذلك التأني في القول، فإذا سمعت قولاً عن الله، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن أحد من الناس فتأنَّ في أخذ هذا القول وقبوله، ولا تتسرع في تصديقه ونشره، وإشاعته -خاصة إن كان هذا القول من الأقوال التي يستغربها الإنسان، أو لا يصدقها لأول وهلة، كما سيأتي في أمثلة لذلك.

    عدالة حملة العلم

    كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر صفة العلماء في حديث، وإن كان في الحديث اختلاف؛ صححه جماعة من أهل العلم، كالإمام أحمد، والعراقي، وغيرهم، وله طرق عديدة عن معاذ وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله} فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن العلماء الذين يحملون العلم، وينقلونه كابراً عن كابر، وخلفاً عن سلف -أنهم عدول، والعدالة تعنى أنهم قوم أهل صدق، وديانة، وتورع، وتثبت، وأناة وعدم تعجل، فهذه صفة العالم الذي يؤخذ عنه العلم، وهذه صفة الذي يريد أن يكون عالماً أن يكون عدلاً متثبتاً غير متعجل ولا متسرع.

    خطر الفتوى بغير علم

    وكذلك بين الرسول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وغيرهما ما يقع في آخر الزمان { أن الله تعالى لا يقبض العلم، ينتزعه انتزاعا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا } وهذا من عدم التثبت، أنهم جهال ويترأسون، ثم يسألون، فلا يقولون: الله أعلم، أو لا ندرى، أو نراجع، أو ننظر، بل يفتون بغير علم فيضلون بالقول على الله تعالى وعلى رسول الله بغير علم، ويضلون غيرهم ممن يتبعهم في هذا الأمر.. لماذا؟

    لأنهم أصحاب أسماء مشهورة معروفة، ولأنهم رءوس، ولأن الأمر قد انتهى، إليهم خلت الساحة، ولم يبق إلا هذه الرموز الحائلة الزائلة، كما قال الأول:

    خلتِ الديار فَسُدْتَ غير مُسَوَّد     ومن البلاء تفردي بالسؤددِ

    وهذا يقوله الأولون تواضعا لله عز وجل، وإلا فكانوا سادة حقيقيين، وكانوا علماء وفقهاء، ومع ذلك كان أحدهم يقول:

    خلت الديار فُسُدْتَ غيرَ مُسَوَّدِ     ومن البلاء تفردي بالسؤدد

    أما في هذا الزمن، فإنه يحق لكثير من أمثالنا وممن يشار إليهم وممن يتكلمون أن يتمثلوا بهذا البيت:

    خلت الديار فسدت غير مسود     ومن البلاء تفردي بالسؤدد

    فالرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أنه في آخر الزمان يوجد رءوس من جهال، يتكلمون ويفتون بغير علم، فيضلون ويُضلون، ولا شك أن هذا نوع من التحذير من الفتيا بغير علم، ومن القول على الله تعالى بغير علم، ومن اتباع هذه الأقوال والآراء والفتاوى التي لا دليل عليها.

    قصة حاطب

    وفي المجال العملي نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على التثبت، انظر إلى قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وهي في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    لما كتب حاطب بن أبي بلتعة الكتاب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فنـزل الوحي يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

    فبعث علي بن أبي طالب، والزبير في أربعة نفر، وأخبرهم بأنهم سيجدون المرأة في مكان كذا وكذا، ويجدون معها كتاباً من حاطب فذهبوا إلى المرأة وأمسكوا بها، قالت: ما معي كتاب، فقال علي رضي الله عنه: والله ما كَذَبْنا ولا كُذبْنا، سمعنا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ينطق عن الهوى، ومعك كتاب! لكن لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، أو لنكشفن الثياب -إما أن تعطينا الرسالة، وإما أن نبحث عن الرسالة في كل مكان من جسدك، حتى لو اضطررنا إلى أن نعريك لنجد هذا الكتاب الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم- فلما رأت الجد قالت: تَنَحَّوا (أي ابعدوا) فأخرجته من جدائلها (من شعرها) كانت قد جدلت عليه شعرها، وسلمتهم الكتاب.

    وإذا فيه: من (حاطب بن أبي بلتعة: إلى قريش، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار إليكم) فلما جاءوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: { يا رسول الله! دعني أضرب عنقه فقد نافق، فلم يوافق الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا العرض، ودعا بـحاطب بن أبي بلتعة } -وهنا يأتي التثبت، الآن الخطأ وقع، وهو خطأ عظيم، بل هو في الأصل كبيرة من الكبائر، فموالاة الكفار بهذه الصورة وكشف سر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عظيم حتى نـزل فيه قرآن، ومع ذلك لم يسارع الرسول عليه الصلاة والسلام لإلقاء الخطبة على الصحابة عن حاطب: هذا المنافق الذي فيه وفيه وفيه وصار يكشف سرنا، ويفضحنا، ويوالى أعداءنا، وهو بيننا! لا! بل ربى أصحابه، قال: أين حاطب؟ هاتوه، بيننا وبينه أمتار، لا داعي أن نتكلم وهو غائب، تعال يا حاطب! ما حملك على ذلك؟ وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لأسباب منها:

    أولاً: يمكن أن يكون الكتاب لم يكتبه حاطب بن أبي بلتعة وإنما كتبه شخص آخر وألصقه بـحاطب بن أبي بلتعة، فإحضار الشخص وسؤاله يزيل هذا اللبس.

    حاطب بن أبي بلتعة اعترف وأقر بالكتاب...!

    ولكن تأتي نقطة أخرى: وهي يجب أن نعرف ما هي الدوافع، هل يكون حاطب بن أبي بلتعة فعلاً منافق يوالي الكفار؟ هل هناك أمر آخر دفعه إلى ذلك؟ {قال: ما حملك على ذلك؟ قال: والله يا رسول الله! إني ما كفرت بعد إيماني، ولا ارتددت، وإني أحب الله ورسوله، لكن ما من أصحابك من أحد إلا وله في مكة من يدفع الله به عن أهله وماله، أما أنا فليس لي أحد يدفع الله عني به، قال: فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وعلمت أن الله -تعالى- ناصر رسوله ومعلٍ كلمته} لأنه كان لصيقاً بالقوم وليس منهم -لم يكن من قريش- فخشي أن يعتدوا على أمه وعلى ماله الذي في مكة.. يقول أردت بها أن يدفع الله بها عن مالي وعن أهلي بهذا الكتاب، وفي الوقت الذي غلب على ظني أن هذا الكتاب لن يغير في الأمر شيئاً، فقدر الله نافذ، والله ناصر رسوله، ومعز دينه، ومعلٍ كلمته، فلن يضر هذا الكتاب في الوقت الذي أظن أنه ينفعني.

    هذا خطأ كبير، لكن بعدما عرف السبب هان الأمر، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {صدق، صدق، لا تقولوا إلا خيراً} ثم نـزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1] إلى آخر الآيات.

    فلو أن واحداً من الناس اليوم حصل منه خطأ يشبه هذا الخطأ، لأفاض الناس في الكلام فيه والوقيعة، والذم، والشتم، والسب، وربما يكون أحدهم من جيرانه ومع ذلك لم يقرع عليه الباب ويدخل ويحادثه ويقول: يا أخي: الإنسان يخطئ، وكل بني آدم خطاء، ولا يغلبنك الشيطان -ومثل هذا الكلام الطيب اللين.. لا! إنما يسارعون في الوقيعة، والشتم، والسب!!

    وكأن الناس والعياذ بالله أحيانا يفرحون بخطأ الإنسان حتى يقعوا فيه، فهذا نموذج من التثبت والتبين الذي ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه.

    حادثة الإفك

    مثال آخر: حادثة الإفك: لما قال أصحاب الإفك في عائشة رضي الله عنها ما قالوا، وفاض ذلك في الناس، ربى الله تعالى المؤمنين من خلال هذه الحادثة على آداب وأخلاق عظيمة لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:12] ولذلك قال أبو أيوب رضي الله عنه لما سألته زوجته أم أيوب، قالت: يا أبا أيوب! أسمعت ما قيل؟ قال: نعم، يا أم أيوب! وذلك الكذب، ثم قال لها: يا أم أيوب! أرأيت لو كنتِ مكان عائشة، أكنت تفعلين؟! يعني لو كنتِ مكان عائشة هل يمكن أن ترتكبي الفاحشة؟ قالت: لا، قال: لو كان أبو أيوب مكان صفوان أكان يفعل؟! قالت: لا! قال: فـصفوان خير مني، وعائشة خير منكِ..!

    إذاً نحن نظن بأنفسنا خيراً! ومثلما ما أنني لا أظن بنفسي ولا بزوجي أن يقع منا مثل ذلك، كذلك لا أظن برجل من المسلمين أن يقع منه ذلك؛ ما دامت المسألة إشاعة أو شبهة أو كلاماً قيل ليس عليه من دليل.

    فربى الله المؤمنين على التثبت، وعاتب أولئك الذين أفاضوا بالحديث دون أن يتثبتوا منه، وكان منهج الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك غاية الاعتدال.

    فإن المتهمة الآن والمرمية هي زوجته أم المؤمنين عائشة.

    وقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء عظيم، حتى قام على المنبر، وقال: {من يُعذِرني من قوم يقولون في أهلي؟ والله ما أعلم إلا خيرا!} ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يتجنب عائشة، ويقول: {كيف تيكم؟} ولا يخاطبها، فكأنه توقف في الأمر، لأنه يعلم أنه لابد أن يبين الله تعالى في الأمر بياناً كافياً شافياً، حتى نـزل القرآن في براءتها رضي الله عنها.

    قصة ماعز

    ومن الأمثلة العملية أيضا في التثبت والتبين، قصة ماعز بن مالك الأسلمي، وهي في الصحيحين أيضا.

    لما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووقف أمامه وقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني. فلم يقبل الرسول عليه الصلاة والسلام منه أول مرة، حتى اعترف على نفسه أربعة اعترافات بأنه قد زنى، ثم بعد ذلك ما قبل منه، حتى يتثبت: هل الرجل الآن في حالة سكر؟ تعالوا يا خبراء استنكهوا الرجل -شموه- هل هو سكران؟ قالوا: ما به سكر.

    دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، وقبيلته، فقال: هل في عقله شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! ليس في عقله شيء. حتى تَثَبَّتَ وتبين أن الرجل فعلاً قد وقع في الزنى، فأقام عليه صلى الله عليه وسلم الحد.

    وكل هذه الأمثلة والقصص وغيرها تربي الصحابة رضي الله عنهم على ضرورة التثبت وعدم التسرع في الأقوال، أو في الأعمال أو في المواقف التي يتخذونها من بعضهم، من إخوانهم المؤمنين.

    1.   

    أنواع التثبت

    التثبت له أنواع كثيرة:

    التثبت في القول على الله

    منها: التثبت في القول على الله تعالى، وهذا من أخطر الأمور فإنه إذا كان كذب الشخص على إنسان مثله فيه من الخطورة ما فيه، حتى إنه من الكبائر العظام التي لا تغفر إلا بالتوبة، فما بالك بالكذب على الله تعالى؟ وذلك كفر بالله تعالى، ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]. فجعل القول على الله بغير علم قريناً للشرك بالله تعالى، لأن الذي يقول على الله جعل نفسه مشرعاً مع الله، فإذا كان الإنسان يقول مثلاً: إن الله تعالى حرم هذا، وأباح هذا، واستحب هذا، وكره هذا. أليست هذه تشريعات وأحكاماً؟ بلى. فهو مثل الذين يضعون قوانين من عند أنفسهم، وينسبونها إلى الله عز وجل، ولهذا قال الله عز وجل عن اليهود والنصارى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] وذلك لأنهم أطاعوهم في الحرام والحلال، فأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، وهذه عبادتهم كما جاء في الترمذي من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عنقه صليب يلمع من الذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك، ثم وضع له وسادة فسمع الرسول عليه الصلاة والسلام يتلو هذه الآية، فقال: يا رسول الله! إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتطيعونهم؟! قال: بلى. قال: ويحلون ما حرم الله فتطيعونهم؟! قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم} الحديث في المسند، والترمذي وغيره بألفاظ مختلفة، وهذا أحدها، وسنده لا بأس به إن شاء الله.

    إذاً: القول على الله تعالى بغير علم بتحليل الحرام، أو بتحريم الحلال هو من أخطر الأمور، وهو من الكذب على الله- تعالى- إذا كان الإنسان غير متثبت؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116].

    فاعتبر أن كون الإنسان يقول: هذا حلال، وهذا حرام بغير علم نوعاً من الكذب على الله وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116] وقال في موضع آخر: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171].

    إذاًً: من أخطر أنواع التثبت التثبت في القول على الله تبارك وتعالى، فلا تقل: إن الله تعالى قال: كذا، ولم يقل.

    قد ينتشر عند الناس قول منسوب إلى رب العزة جل وعلا، وهو غير صحيح، مثلاً: كثير من العامة أحيانا يجلسون إلى إنسان مريض فيقول: يا أخي يا فلان لم لا تتعالج؟ الله عز وجل يقول: (وجعلنا لكل شيء سببا) فإذا قلت له: هذه الآية في أي موضع؟ لم يحر جواباً، ولم يدر، والواقع أن هذه ليست قرآناً، ولا قالها الله عز وجل فيما علمنا من كلامه تعالى في الكتاب، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما شاع عند بعض العامة أنها من كلام الله تعالى وليست كذلك!

    ومن الطرائف أني أذكر -حين كنت صغيراً- أن أحد العامة جاء بهذه الكلمة وقال إن الله عز وجل يقول: وجعلنا لكل شيء سببا فقلت له: إن هذا ما قاله الله وليس في القرآن، فالتفت إليَّ، وقال: بلهجته: كل شيء تغير، الدين تغير، يقول: أنتم بدأتم تنكرون أشياء ثابتة!! هذا معنى كلامه، لماذا؟ لأنه اعتاد على ذلك وظنه صحيحاً، فهذا من القول على الله تعالى والكذب عليه.

    وكذلك من الكذب على الله تعالى أن بعض الناس يروون الأحاديث القدسية التي فيها قال الله -تعالى- وليست صحيحة، وقد يكون الحديث القدسي طويلاً جداً، ولا يصح منه حرف واحد، والغريب أن الكذب في الأحاديث القدسية ربما يكون أكثر من الكذب في الأحاديث النبوية، أي أن نسبة الأحاديث القدسية الموضوعة إلى الأحاديث الصحيحة قليلة، فكثير من الأحاديث القدسية ضعيف، أو موضوع، وفيها الصحيح، لكنَّ كثيراً من الناس لا يتثبتون ولا يميزون بين هذا وذاك، مع أنه يكثر في الأحاديث القدسية الضعيف، بل ويكثر فيها الموضوع؛ فعلى الإنسان أن يتثبت ويرجع إلى كتب أهل العلم مثل كتاب ابن بلبان، أو كتاب الأحاديث القدسية، الذي نشره مجمع البحوث، ويتأكد من رواية الحديث، أهو صحيح أم غير صحيح؟

    ومن القول على الله والكذب على الله، الكذب في الأحكام؛ بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، والتسرع في ذلك من غير حجة ولا تثبت.

    التثبت في النقل على الرسول صلى الله عليه وسلم

    فالنوع الثاني: هو ضرورة التثبت في النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سبق التحذير من الكذب عليه فإنه من كذب عليه فإنه متوعد بنار جهنم، وأنه يتبوأ له من نار جهنم مقعداً، ولذلك كان السلف يتثبتون في الرواية والنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر رضي الله عنه له مواقف خالدة في ذلك.

    أذكر منها موقفاً واحداً فقط على سبيل التمثيل، وهو ما رواه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً، ولم يأذن له، وكان مشغولاً ببعض أمره، ثم لما فرغ قال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس أبي موسى؟ قالوا: بلى، قال: ائذنوا له، فوجدوه قد ذهب فدعوه، قال: ألم تستأذن؟ قال: بلى! ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فإن أذن له وإلا فليرجع} واستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت.

    فقال له عمر: فلتأتيني بالبينة على ما قلت الآن -انتهينا من قضية الاستئذان لكن بقينا في الكلام الذي نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فإن أذن له وإلا فليرجع} تأتيني بالبينة وإلا لأفعلن بك، ولأفعلن -يهدده- فذهب أبو موسى رضي الله عنه فزعاً مذعوراً إلى ملأ من الأنصار، فقال: نشدتكم الله، هل سمع أحد منكم الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول كذا، وكذا. قالوا: كلنا سمعناه. فقال: إن عمر طلب مني البينة. فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا، قم يا أبا سعيد فقام معه أبو سعيد الخدري، وقال لـعمر: أنا أشهد أني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فإن أذن له وإلا فليرجع} فقال عمر: [[خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ]] ورجع يوبخ نفسه رضي الله عنه: [[خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق في الأسواق]] يعاتب نفسه، يقول: ألهاني عنه البيع والشراء، وعمر رضي الله عنه ما كان يشتغل بالبيع والشراء عن مجالسة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن هذا من باب التوبيخ للنفس.

    ثم جاء أبي بن كعب وقال: [[ يا ابن الخطاب: لا تكونن عذاباً على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ]] لماذا تفعل هذا بـعبد الله بن قيس، أبي موسى؟ فقال: [[إنني لم أتهمه، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد]].

    وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: [[كنت إذا حدثني أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلفته، فإن حلف لي صدقته، وقد حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: {ما من عبد يذنب ذنباً ثم يقوم فيتوضأ فيصلى ركعتين ثم يستغفر إلا غفر له}]] والحديث رواه أحمد، وأصحاب السنن، وسنده صحيح.

    وعلي رضي الله عنه كان إذا حدثه أحد من الصحابة يقول له: احلف بالله! فهو لا يتهم أي أحد من الصحابة، لكن من باب التثبت، والآن الواحد منا لو قال لإنسان خبراً، ثم أراد هذا الإنسان أن يتثبت من الخبر من مصدر آخر. قال: -فلان هداه الله- أقول له ولا يصدقني! ليس هناك مانع، ليس المعنى أنه كذبك، لكن ربما تكون وهمت! ربما تكون نقلت عن إنسان ليس بثقة! الاحتمالات كثيرة، ولذلك من حقه أن يتثبت، وأن يتأكد من الأمر، ولا يعتمد على مجرد خبر واحد في أمور قد تكون مهمة.

    والأخبار في ذلك كثيرة، ذكر الإمام مسلم طرفاً منها في مقدمة الصحيح، أذكر منها قصة بشير بن كعب العدوي رضي الله عنه تابعي، كان في مجلس ابن عباس رضي الله عنه فكان يقول بشير: حدثنا فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وكذا حدثنا فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وكذا.. يسرد أحاديث كثيرة، وابن عباس يسمع، ويقول: ارجع إلى أحاديث كذا، ارجع إلى أحاديث كذا، أي أن ابن عباس ينتقي أحاديث قليلة ويترك الباقي، فبعد قليل قال بشير بن كعب العدوي: يا ابن عباس هل كل حديثي صدقته إلا هذه الأحاديث؟! أم كل حديثي رددته إلا هذه الأحاديث؟ فبشير بن كعب العدوي كأنه ما ارتاح لهذا المسلك من ابن عباس رضي الله عنه، كأنه ما أعجبه. فقال ابن عباس رضي الله عنه: [[إنا كنا زماناً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، ورفعنا إليه رءوسنا- كأنه يقول: إننا نعظم حديث الرسول عليه الصلاة والسلام- فلما ركب الناس الصعب والذلول، وصاروا يتساهلون في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نأخذ من الناس إلا ما نعلم]] أصبحنا وإن سمعنا أحداً يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا نقبل كل ما نسمع.. لا نقبل إلا الكلام الثابت الذي نعرفه من طريق الثقات الأثبات العدول.

    ولذلك قال ابن سيرين أيضا -كما روى مسلم وغيره- قال: [[إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم]] الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، [[ولما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم]] ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل: فلان ثقة، وفلان ضعيف، وفلان متروك، وفلان كذاب، وفلان كذا؛ وفلان كذا، نشأ من أجل معرفة الرواة الثقات فيؤخذ حديثهم، ومعرفة الرواة الضعفاء فيطرح حديثهم، حتى كان شعبة يقول كما ذكر الخطيب البغدادي في الكفاية وغيره: اجلس بنا نغتب ساعة، فيجلسون فيقولون: فلان ضعيف، وفلان متروك، وفلان كذاب، وفلان وضاع، وفلان ثقة.

    ومرة كان ابن أبي حاتم يروى بعدما صنف كتاب الجرح والتعديل، يروى فلان فيه، وفلان فيه، فجاء رجل وقال: يا ابن أبي حاتم ماذا تصنع؟ يا ابن أبي حاتم لعلك تتكلم في رجال قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائتي سنة فبكى ابن أبي حاتم رضي الله عنه بكاءً شديداً، والواقع أنه ليس المقصود الكلام في هؤلاء الرجال، قد يكون رجلاً من أهل الجنة لكنه ضعيف الرواية، كما قال الإمام مالك: [[أدركت بـالمدينة سبعين يستسقى بهم المطر من السماء لا آخذ عن واحد منهم حديثا واحداً ]] فهم: ناس صالحون إذا أردنا أن نستسقي نقدمهم يدعون الله تعالى، كما قدم عمر، العباس ليدعو في الاستسقاء، لكن لا يؤخذ منهم الحديث، لأنهم ليسوا من أهل الحديث.

    وكذلك قال أبو الزناد: [[أدركت بـالمدينة مائة من الصالحين لا يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليسوا من أهله ]] ليسوا كذابين، وإنما فيهم غفلة -غفلة الصالحين- وفيهم سذاجة، فيأخذون عن كل من هب ودب، فلا يؤخذ عنهم الحديث، فمن هنا نشأ علم الجرح والتعديل.

    وكذلك نشأ علم التصحيح والتضعيف، ومعرفة ما صح مما لم يصح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وشن العلماء حملة ضارية على رواية الأحاديث الموضوعة، وصنفوا في ذلك مصنفات كثيرة جداً، ليس هذا مجالها، بل سأخصص -إن شاء الله- درساً خاصاً عن الأحاديث الموضوعة، وعن الوضع في الحديث النبوي وأسبابه وما أشبه ذلك، ولكن المقصود أن العلماء كانوا يحذرون من ذلك، حتى إن ابن أبي حاتم يقول: سألت أبي عن رجل -سأل والده عن رجل- وهذا الرجل اسمه أبو مسروح شهاب، فقال أبو حاتم لولده: هذا ابن أبي مسروح لا أعرفه، ولكن يجب أن يتوب من حديث موضوع رواه عن الثوري، فبين أن رواية حديث موضوع إثم عظيم يجب التوبة منه، وصرح بذلك الذهبي وغيره من أهل العلم؛ أن رواية الأحاديث الموضوعة إثم عظيم يجب على من وقع فيه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى منه؛ لأنه نوع من الفرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: لا يجوز رواية الحديث الموضوع إلا لبيان أنه موضوع، أما ما يتساهل به الناس من نقل الأحاديث الموضوعة في أبواب الترغيب، والترهيب، والوعظ وغير ذلك، فإن هذا من الإثم العظيم، وصاحبه خصمه يوم القيامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبشر بالوعيد الشديد الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في مقدمة صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فإنه أحد الكاذبين} أي يظن أو يغلب على ظنه، أو يعلم من باب أولى أن هذا الحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحد الكاذبين، الكاذب الأول هو المفتري المختلق، والكاذب الثاني هو الراوي الناقل الذي نقل هذا الكلام وهو يعلم أو يظن أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التثبت في نقل أقوال أهل العلم

    النوع الثالث من التثبت: التثبت في نقل أقوال أهل العلم؛ فإن أهل العلم إنما هم معربون عن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهادهم، فالعالم عندما يقول: يحرم كذا، أو يجوز كذا، لا يأتي بشيء من جيبه، أو من كيسه! إنما يبين للناس حكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يعلم، ولذلك يجب التثبت في نقل أقوال أهل العلم، فلا ينقل الإنسان رأياً أو قولاً أو فتيا أو حكماً إلا بعدما يتثبت منه، ويعرفه معرفة صحيحة دقيقة مضبوطة، فبعض الناس يقول قال: فلان وهو لا يعرف فلاناً هذا! ربما سمع رجلا يتكلم وظنه فلاناً، لكن لم يره ولم يعرفه ولو رآه لم يعرف شكله وهيئته، وبعض الناس قد ينقل بالواسطة فيقع الخطأ، والخلط، والظلم، والجور، والكذب على أهل العلم، وفي ذلك أخطاء كثيرة جداً سوف أشير إليها -إن شاء الله- فيما يأتي من الوقت.

    القسم الرابع من أقسام التثبت: التثبت في نقل أقوال الناس

    أولاً: أقوال الناس لا يحرص الإنسان على نقلها إلا للحاجة، أما إذا كان على سبيل الإفساد فهو محرم، ولذلك جاء في الصحيحين من حديث حذيفة أنه كان في مجلس، فأقبل رجل، فقال بعض أصحابه: [[هذا الرجل الذي أقبل هذا ينقل الحديث إلى السلطان]] يعني أنه جاسوس يجلس معنا، وإذا سمع كلاماً نقله إلى السلطان، فلما جلس قال حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا يدخل الجنة قتات} وفي لفظ {لا يدخل الجنة نمام } فإن النمام هو الذي ينقل كلام الناس على سبيل الإفساد، فينقل كلام هذا لهذا، وكلام هذا لهذا، ويوغر الصدور ويفتري على الناس، أو ينقل كلامهم الصحيح، ولكن بغرض الإفساد.

    وكذلك ينبغي للإنسان ألا يتسرع بنقل كل ما يسمع، ولذلك في مقدمة صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع} كفى بالمرء إثماً أي من عظمة الإثم وشدته أن يحدث بكل ما سمع، فإذا سمع كلاماً ذهب يتكلم به، قبل أن يعرف أهو صحيح أم غير صحيح، أحق أم باطل، أثابت أم غير ثابت، أنافع أم ضار، فهذا الإنسان جعل نفسه بوقاً فهو مثل الببغاء، يسمع كلاماً فيردده من دون تبصر ولا تثبت! وهؤلاء في الواقع من أخس الناس وأردئهم وأحطهم منـزلة عند الله وعند خلقة، الذين جعلوا من أنفسهم مجرد مترجمين لأقوال الناس، إذا سمعوا قولاً نقلوه بغض النظر عن تمييزه، عن كونه حقاً أم باطلاً، صواباً أم خطأً، صدقاً أم كذباً، نافعاً أم ضاراً، المهم أنهم يملئون المجالس بالقيل والقال.

    وفي مسلم أيضا عن عمر وابن مسعود أنهما قالا: [[بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع]] يعتبر هذا كذباً، لأن ناقل الكذب شريكٌ فيه، والناقل لا شك يحمل جزءاً من المسئولية، فـعمر وابن مسعود اعتبرا من ينقل الكلام ويردد كل ما يسمع شريكاً وكاذباً.

    ومن الطرائف التي تروى، وتنقل في هذا الباب، وهي عجيبة: أن رجلاً من الوشاة الذين ينقلون الكلام وشى بـعبد الله بن همام السلولي إلى زياد، قال له: إن عبد الله بن همام السلولي يتكلم فيك، ويغتابك ويهجوك في المجالس. فدعا زيادٌ عبد الله بن همام السلولي، وأخفى الرجل الواشي في مكان من المجلس، وقال لـعبد الله بن همام السلولي: بلغني أنك هجوتني، فقال: عبد الله بن همام السلولي: ما فعلت أيها الأمير، ولست لذلك بأهل، أي: لست بأهل أن تهجى؛ فأنت رجل فاضل، ما هجوتك، ولست كذلك بأهل لأن تغتاب وتهجى، وتسب ليس فيك أمورٌ ظاهرة تسب فيها.

    فأخرج الأمير الواشي الذي نقل الخبر، وقال له: أخبرني هذا -وجهاً لوجه- وهذا أمر جيد، فإذا تناقل اثنان كلاما فهاتهم في المجلس، وقل: يا فلان! فلان يقول عنك: (كذا، وكذا) أهذا صحيح أم لا؟ وكما قال المثل: إذا تخاصم اللصان ظهر المسروق، إذا التقوا وأحرجوا، بان الكاذب من الصادق، فإما أن يقول هذا والله أنا أخطأت وكذبت، وإن شاء الله أعتبر هذا درساً لي وتوبة، وإما أن يصر ويقول أنا فعلاً سمعته ويعترف بذلك الآخر.

    فلما أظهر هذا الرجل، وقال: إن هذا الرجل أخبرني، نظر عبد الله بن همام السلولي في الواشي ساعة ثم أطرق رأسه، وقال له:

    وأنت امرؤٌ إما ائتمنتك خالياً     فخنت وإما قلت قولاً بلا علم

    لاحظوا الخيار: وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا فخنت، إما أن الأمر بيني وبينك أمانة سر فخنتها، وإما قلت قولاً بلا علم أي كذبت عليَّ.

    فأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا     فخنت وإما قلت قولاً بلا علم

    فأنت من الأمر الذي كان بيننا     بمنـزلة الخيانة والإثم

    فأعجب زياد بمنطق عبد الله بن همام السلولي، وأدناه وقربه وجعله من خاصته، وطرد هذا الواشي وأبعده.

    وكذلك ما يتعلق بالتثبت من أقوال الناس، يدخل في ذلك التثبت من أحوالهم، فأنت مثلاً: قد تحتاج لمعرفة حال شخص من كونه غنياً، أم فقيراً، صالحاً، أم طالحاً، حليماً، أم غضوباً، وغير ذلك، فتحتاج أن تتثبت من الأمر، ولا تقبل فيه أي كلام، افترض أن رجلاً خطب منك يريد أن يتزوج، تأتي وتسأل أي إنسان فيقول لك: والله يا أخي! فلان هذا فيه، وفيه، وفيه، وقد يكون خصماً له، وقد يكون يبغضه في ذات الله فكرهه، وقال فيه ما قال فلابد من التثبت من أحوال الناس.

    ومع الأسف -أيها الإخوة- أن السلف رضي الله عنهم كان منهجهم التثبت في كل شيء، حتى إن الخطيب البغدادي -وهذه من الطرائف- وغير الخطيب أيضاً فكل العلماء كانوا ينقلون الروايات، والطرائف، والنكت ينقلونها بالأسانيد، وهي عبارة عن نكت ما يقصد منها إلا أن يضحك الناس...!

    اقرأ مثلاً كتاب تأريخ بغداد، أو كتاب التطفيل للخطيب البغدادي، أو غيره تجده ينقل النكت والطرائف: قصص أشعب، وقصص فلان، وقصص علان، ينقلونها بالأسانيد: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حدثنا فلان أن أشعب مثلا دعاه رجل فقال: لا آتي إليك، فأنا أعلم أنك تجمع خلقاً كثيراً، أي إذا دعوت إلى مأدبة تجمع خلقا كثيراً وأشعب لا يريد الكثرة في المجالس، يريد على الانفراد ليكون أعظم للفائدة! فقال: أنا أعرف أنك رجل جموع أي إذا عزمت تجمع كثيراً، قال: أبداً لا أدعو غيرك، قال: فلما جلس المجلس، إذا بصبي يدخل في هذا المجلس، فقال أشعب لصاحب البيت: يا أبا فلان! هلمَّ إلىَّ، فجاء وجلس إلى جواره قال: ما عندك يا أبا العلاء؟ قال: ما هو الشرط الذي بيننا؟ قال: ألَّا أدعوَ أحداً، قال: فما هذا الصبي الذي دخل؟ قال: هذا ولدي رحمك الله، وفيه عشر خصال لا توجد في صبي:

    أولها: أنه ما أكل مع ضيف قط -هذه الخصلة الأولى: أنه ما أكل مع ضيف قط- قال له: كفى، كفى رحمك الله التسع الباقية لك...! هذا الشاهد أنه يروى طرائف من هذا النوع، لا يقصد منها إلا إضحاك الناس، يرويها بالأسانيد: هذا ضعيف، وهذا صدوق! والناس اليوم قد يعتمدون على أمور عظيمة، قد يتكلم الواحد منهم بمثل ما ذكرنا في عالم من العلماء، أو داعية من الدعاة، أو مصلح من المصلحين، أو مجاهد أو شخص له بلاؤه في الإسلام وصدقه، وسابقته، فيروى عن الضعفاء، والمجاهيل، والكذابين، والمتروكين، بل قد يقول كلاماً بلا إسناد: فلان فيه كذا وكذا، هل رأيته؟ لا..! -هل سمعته؟- لا! -التقيت به؟- لا. من أين هذا الكلام؟!

    هذا مفارقة عظيمة بين ما كان عليه السلف من التورع، والتثبت في نقل الكلام حتى في أمور قد تكون أحياناً لا قيمة لها، وبين ما عليه واقع الناس اليوم من قبول كلام أي قائل بدون تبصر ولا تثبت.

    1.   

    وسائل التثبت

    أنتقل إلى نقطة خامسة وهي وسائل التثبت:

    للتثبت وسائل، أذكر منها ما يلي (أذكر ثلاث وسائل فقط):

    الوسيلة الأولى: الوقوف على الأمر بنفسك

    أي إذا أخبرت بأمر، أو قيل لك قول، حاول أن تذهب إلى الأمر بنفسك لتقف على حقيقته -فإذا أُخبرتَ أنه وقع في مكان كذا، وكذا حادثة، اذهب إليها لتعاينها بعينك، أو أُخبرتَ أن فلاناً يقول كذا وكذا، اذهب إليه، وقل: يا فلان سمعت كذا، وكذا، أهذا صحيح أم لا؟ المهم أن تقف على الأمر بنفسك، وهذا هو أعظم الوسائل، وأولى ما يجب أن يسلكه الإنسان إذا كان ممكناً، أن لا تجعل بينك وبين أمر من الأمور واسطة، وهذا يعطي الناس ثقة بك، فأنت إذا قلت: حدث كذا، وكذا وسألك الناس: هل رأيت؟ قلت: نعم! رأيت بعيني، أو قالوا: سمعت؟ قلت: نعم، سمعت بأذني... فتتعود أن تكون إنساناً متثبتاً تقف على حقائق الأمور بنفسك، ولا تعتمد فيها على الناس -ولو كانوا ثقات-، إذا أمكن أن تقف عليها بنفسك، فهذه هي الوسيلة الأولى، وسيلة الوقوف على الشيء بنفسك، سواء كان حادثة، أم حديثاً، أم خبراً، أم رأياً، أم غير ذلك.

    الوسيلة الثانية: الاعتماد على الرواة الثقات

    وذلك لأن الإنسان قد لا يتمكن أن يتثبت من كل شيء بنفسه، قد يسمع عن أخبار بعيدة، وعلماء بعيدين، وعن أحداث في مناطق نائية وفي بلاد نائية لا يتمكن من الوقوف عليها بنفسه، وهنا ينتقل إلى الخطوة الثانية، وهي أن يعتمد على الرواة الثقات، الأوفياء، الأملياء، كما قال الأولون: [[إن كان صاحبك ملياً فخذ عنه]] إن كان ملياً فخذ عنه، أما إن كان إنسان مثل الريشة في مهب الريح فهذا الإنسان دعه وما جاء به.

    فالوسيلة الثانية: هي الأخذ عن الثقات: اجعل رجال أسانيدك ثقات مأمونين، معروفين بالصدق والعدالة.

    وهنا تأتي مشكلة. ما معنى الثقات؟ بعض الناس لو وجد إنساناً صالحاً، مصلياً، متعبداً، ملتحياً، ملتزماً بالسنة، قال: هذا رجل صالح ظاهره العدالة.

    لا! لا إذا كانت أموراً مهمة فلا تعتمد على مجرد ذلك، ولذلك قبل قليل ذكرت لكم كيف أن السلف كانوا يتقون الرواية عن بعض الصالحين، وذلك لعدم ثقتهم، لا لأنه صالح، لكنه ليس بثقة، مثلا: ذكر ابن عيينة أن شيخاً صالحاً كان بـالكوفة يقول: كان عنده أربعة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بها، قال: فزادت مع الوقت، زادت هذه الأحاديث حتى صارت أربعين، خمسين، ستين، وقال: فجاءه رجل قال: من أين لك هذه الأحاديث التي زادت؟ قال: هذا من رزق الله!!

    رجل مسكين يلقن أحاديث تدخل عليه، فيقبلها ويرويها، وهو صالح لكنه مغفل.

    والناس -الصالحون وغير الصالحين:- ثلاثة أصناف:

    الصنف الأول: الكذابون: وهذا قد يكون فيه تعبد من جهة، لكنه متسرع في الكلام، وربما يكون عنده معصية أو كبيرة الكذب، لأنه معروف أن العبد قد يجتمع فيه نفاق وإيمان، قد يكون زاهداً في الدنيا، لكنه يكذب، قد يقع هذا، وقد يكون إنسان طالباً للعلم، ولكنه قد يكذب أيضا، وهذا -مع الأسف- موجود، وإن كان -بحمد الله- قليلاً، لكن الناس منهم الكذابون الذين يختلقون الكلام، والذي يكذب، ويختلق الكلام، وهذا كما قال الشاعر:

    لي حيلة فيمن ينم      وليس في الكذاب حيلة

    من كان يخلق ما يقول      فحيلتي فيه قليلة

    الصنف الثاني: مغفلون: وهؤلاء المغفلون لا يختلقون الكلام ويكْذِبُونه، لكنهم أصابتهم غفلة، فصاروا يروون عن كل من دب ودرج، يُلَقَّنُون الأحاديث فيصدقونها، وإذا رأوا إنساناً، قالوا: حدثنا ثقة، وهو ليس بثقة!! وقد يخدعهم كثير من الناس، وقد رأيت كثيراً من القصص، والأخبار يتداولها الوعاظ، وتشيع عند الناس ويقول بعضهم: حدثني ثقة، وإذا تثبتت وجدت أن هذا المتحدث كذاب كبير..!

    وقد وقفت بنفسي على حالات من هذا القبيل، اغتر بها بعض الدعاة والصالحين، من بعض الإخوة وصدقوها، لأن الذي تحدث بها شخص ظاهره التدين، وهو ملتحٍ، ومن الصالحين في الظاهر، لكنه يختلق الأحداث، ويروي الأباطيل والأكاذيب والموضوعات والأشياء التي فيها تهويل، وبعض الأشياء التي رواها عجز عقلي عن تصديقها؛ لأنها أشياء لا يدل عليها شرع، ولا عقل، وما ذكرت في التأريخ أنها حدثت، وهو يرويها وقع كذا، ووقع كذا، ووقع كذا، يقول: وقع أمس ووقع اليوم، فمن شدة كذب هذه الأشياء تأبَّي عقلي على تصديقها، وتبين بعد فترة أن هذا الرجل يختلق الكلام ويفتريه، ويُغرَّ به بعض الصالحين الذين ينخدعون بمظهره ومن تاب، تاب الله عليه.

    لكن المقصود أن من الناس كذابون، ومن الناس مغفلون يصدقون الكذابين، فإذا رأوا إنساناً ظاهره الصلاح قبلوا عنه كل ما قال، دون أن يتثبتوا أو يمسوه، أو يعرفوا إن كان هذا الرجل فعلاً يضبط النقل والقول، أم هو إنسان ليس كذلك.

    ومنهم صنف ثالث: وهم المتعجلون: والمتعجلون هؤلاء ليسوا كذابين، ولكنهم قد يروون الأمور على غير ما هي، فمثلاً قد يسمع كلاماً ونظراً لأنه متعجل فهم بعض الكلام، أو سمع أوله ولم يسمعه كله، فصار ينقله! أو رأى شيئاً فظنه على غير ما هو عليه، مثلاً: إنسان رأى في الشارع اجتماعاً، ورأى سيارات المرور والشرط، فجاء وقال: إنه حدث في مكان كذا وكذا حادث تصادم، ولما ذهبت وجدت أنه ليس هناك حادث تصادم لماذا؟ ليس هذا الإنسان اختلق! لكن هو رأى الزحام، والتجمع، والسيارات، فظن أنه حادث سيارة، وكان في الواقع أن هذا لسبب آخر وليس صداماً، فهو تعجل في خطف الأشياء، فهو من الخطافين الذين يروون بعض الأشياء وينقلونها دون أن يتثبتوا منها، ومثل هؤلاء يجب عدم التعجل في الأخذ عنهم.

    أذكر أنني شخصيا وقفت، وبلوت أشياء من هذا القبيل، خذوا على سبيل الأمثلة: قال لي إنسان مثلاً أنه في إذاعة كذا، وكذا أذيع ونقل قصة مؤداها كذا وكذا، وفي الواقع أن هذه القصة من الغريب جداً أن تذاع في تلك الإذاعة مهما كان هذا الأمر فيها غرابة، فأنا أعلم أن الذي حدثني ليس بكذاب، لكني عرفت أنه سمع إذاعة أخرى، فظنها الإذاعة التي يقول، وكان الخطأ منه في معرفة أي الإذاعات التي سمع منها هذا الكلام الخطير الذي نقله.

    مثل آخر: شخص قال لك: إنه سمع في إذاعة ما مثلاً إنه هناك أناس يقرءون القرآن على الموسيقي! هذا أمر عظيم أن يقع في المسلمين؛ لأن الكفار لا يفعلونه فضلاً عن المسلمين، وإن كان وقع في إحدى الإذاعات مرة فهو من الأخطاء التي نادراً ما تقع، لكن هذا الإنسان يقول أنا سمعت! فتبين أن هذا الإنسان تتداخل عنده الموجات، فيسمع إذاعتين في وقت واحد، ويقع عنده اللبس بسبب ذلك.

    فلا تظن أنه إذا كان الذي أمامك رجل ثقة، وصدوق، معناه أن كل ما يحدثك به صحيح، لا! حاول أن تتثبت، وتتأكد، وتتحرى، وخاصة إذا كان الأمر الذي يحدثك به فيه شيء من الغرابة، والنكارة والمخالفة للمألوف والمعتاد، فحينئذ يجب أن تتحرى، وتتثبت أكثرَ، وأكثرَ.

    الأمر الثالث: أنا قلت لكم ثلاث نقاط في الوسائل:

    النقطة الأولي -التي ذكرت- هي الوقوف بنفسك على الشيء.

    النقطة الثانية: ألا تأخذ إلا من الثقات الأثبات المتثبتين.

    النقطة الثالثة: هي التوقف. لم يتبين لك الأمر، توقف حتى يستبين لك، وإن كان شراً، فعليك أن تقول: هذا بهتان عظيم، وتنكره ما دام يتعلق بأخيك المسلم الذي تظن به الخير، حتى يثبت لك خلاف ذلك.

    1.   

    واقع الناس في موضوع التثبت

    وواقع الناس في هذا الموضوع وفي غيره واقع محزن، كما قال الإمام أحمد: [[إنك في زمان قَلَّ أن ترى فيه شيئاًَ معتدلاً]].

    سوء التربية

    الناس يعانون اليوم من سوء التربية، فإن أكثر الخلق اليوم لم يوفقوا فيمن يربيهم التربية الصحيحة على الكتاب والسنة، فالرسول عليه الصلاة والسلام ربى أصحابَه وأصحابُه ربوا التابعين، والتابعون كان كل واحد منهم يربي من حوله... أما الناس اليوم فإن كثيراً منهم قد يهتدي ويستقيم ويصلح، لكن لم يوفق بمن يربيه تربية صحيحة، ويجعله وقافاً عند حدود الله.. ويكون ظاهر الإنسان الاستقامة والصلاح، والمحافظة على الصلوات، لكن مع ذلك تجد عنده من الأخلاق الرديئة والأفعال السيئة المذمومة، والخصال المنكرة الشيء الكثير، فهم قد بلوا بسوء التربية، ولم يوفقوا بمن يأخذ بأيديهم إلى المسلك الصحيح.

    الفراغ

    الثانية: أن الناس يعانون من الفراغ، أو كثير منهم يعانون من الفراغ، ليس عندهم ما يشتغلون به، لا من الأمور الدنيوية من صنعة اليد أو غير ذلك، ولا من الأمور الشرعية من التعلم والتعليم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخاصةً الصالحين فربما يكون الفراغ عندهم أكثر من غيرهم، لأنهم ليسوا مقبلين على الدنيا، ولا منهمكين فيها، وأمور الخير اليوم قلت، فمن يريد أن يتعلم قد لا يجد المجالات التي تملأ فراغه، ومن يريد أن يدعو وينكر قد لا يجد الوسائل الممكنة دائماً، فيكون عنده شيء من الفراغ -والفراغ ولا شك- قاتل، وهو مدعاة إلى الانشغال بالكلام، نملأ الفراغ بالكلام في فلان وعلان، وقيل وقال، نعبئ بهذا الكلام الفراغ، ونعتقد أننا على شيء، لأننا نعتبر أن هذا غيبةٌ في الله! وكلام في بيان الحلال، والحرام، والحق، والباطل و...إلخ.

    الإعلام

    الأمر الثالث الذي به بلي الناس: الإعلام؛ فإن كثيراً من الناس أصبح الإعلام هو الذي يشكل حياتهم، فهم يسمعون، ويشاهدون أشياء كثيرة تؤثر فيهم أبلغ التأثير، ولا شك أن الإعلام العالمي تسيطر عليه اليهود في مراكز الإعلام في أوروبا، وأمريكا، وغيرها. ووكالات الإعلام التي تنشر الأخبار، والأقوال، والتقارير وغيرها هي في غالبها وكالات إعلام يهودية، وحسبك باليهود في نشر الخبث، والشر، والفساد، والكذب، فيتلقى الناس أخبارهم عن الإعلام...!

    ومع الأسف فإن المسلمين قد يتلقون أخبار إخوانهم المسلمين بواسطة الإعلام الغربي، فقد ينقل المسلمون أخبار الجهاد الأفغاني مثلاً، أو أخبار الجهاد في فلسطين، أو الفلبين، أو أخبار العلماء المجاهدين في أي بلد، بواسطة الغرب الذي يشوه الحقائق، ويقلب الحق باطلاً، وإذا رأى إنساناً صالحاً من أهل السنة والجماعة، وصفه بأنه أصولي، أو متطرف، أو متشدد، أو ما أشبه ذلك.

    ولذلك أصبحت هذه المصطلحات نفسها تشيع في إعلام المسلمين، فتجدهم يقولون: مثلا، الأصوليون في أي بلد إسلامي: الأصوليون في مصر، الأصوليون في فلسطين، الأصوليون في أفغانستان! من هم الأصوليون؟ الأصوليون هم أهل السنة والجماعة.

    طبعاً يعتبرون هذا عبارة ذم يسمونهم بالمتطرفين مثلاً، أو يسمونهم بالمتشددين، ويقابلونهم بالمعتدلين، والمعتدلون هم الذين لديهم استعداد لموافقة الغرب على ما يريد، والقبول بالحلول الاستسلامية -مثلاً- إلى غير ذلك، فأصبح الإعلام يؤثر في واقع الناس، ويتقبلون ما يأتيهم من الإعلام على أنه حق.

    وقد قرأت -على سبيل المثال- وهذه نكته لكن انظروا كيف يشوه الإعلام في صحيفة عربية تصدر في الغرب، في فرنسا، كتبوا عن المسلمين في الجزائر وجهادهم، وسبوهم، وذموهم، وقالوا: إنهم استغلاليون، حتى إنه بلغ من استغلالهم أنهم (يعنون أن المسلمين في الجزائر) (أو دعاة المنهج الصحيح) عرفوا أن هناك منخفضاً جوياً، وأن هناك احتمالاً لهطول أمطار، فأعلنوا أنهم سوف يستسقون قبل ذلك بيوم، فأقيمت صلاة الاستسقاء في المساجد ودعا الناس، فبعد ذلك بيوم هطلت الأمطار، فاستغلوا هذا الكلام من الأعداء، قد يقرؤه إنسان فيصدقه ويظنه صحيحاً، والواقع أنه ليس كذلك، إنما هؤلاء قوم إن شاء الله -صالحون استسقوا فسقوا، لكن قلب الإعلاميون الخبثاء من أعداء الإسلام الحقائق، وزوَّروها، ولبسوها لبوساً غير صحيحه، وخدعوا بها بعض المسلمين وبعض الصالحين، ولذلك وقع الناس في أشياء كثيرة من ذلك.

    1.   

    مشكلات يعاني منها الناس

    وقد أشرت إلى أن الناس في هذا العصر يعانون من ثلاث مشكلات:

    أولاها: مشكلة الفراغ القاتل بالنسبة لكثير من الناس، حيث يجدون فراغاً في أعمارهم، وأوقاتهم يزجونه في الكلام في أمور لا طائل تحتها ولا جدوى من ورائها.

    الثانية: هي قضية غياب التربية؛ حيث قلَّ المربون والموجهون والناصحون، وصار كثيرٌ من الناس يعتمدون على أنفسهم في هذه الأمور، ولا يتلقون التربية الصحيحة التي تحجزهم عما حرم الله وتوجههم نحو الأفضل.

    النقطة الثالثة: هي هيمنة أجهزة الزور على عقول الناس وحياتهم، حيث تملي عليهم ما يقولون، وما يفعلون، وما يتصورون، وتؤثر فيهم تأثيراً بليغاً، وهذا لا يعني بالضرورة أبداً أن كل الناس متسرعون، متعجلون، كلا! فإن هذه الأمة لا تخلو من صنف من الناس يلتزمون سبيل المحجة، ويكونون قدوة حسنة لغيرهم، وما زال في هذه الأمة -بحمد الله- كثير من العلماء، وطلبة العلم، بل ومن العامة أيضاً -ممن يكون منهجهم التثبت، فإذا سمعوا قولاً استغربوه ونفرت منه عقولهم، فإنهم لا يتقبلونه حتى يتثبتوا منه: إما بسؤال صاحبه المختص به، أو بسؤال الثقات، فإن لم يستطيعوا هذا ولا ذاك، توقفوا عن هذا الأمر ولم يفيضوا فيه.

    وهؤلاء بحمد الله موجودون، فليس الحديث حديثاً عن العامة كلهم، عن جميع الأمة، وإنما هو حديث عن بعض السلبيات التي توجد عند طبقات معينة من الناس.

    1.   

    معايب الناس في موضوع التثبت

    الإختلاق والكذب

    وهذه من أخطر ما يكون أن بعض الناس إذا وجدوا في من يكرهونه -إما لمنافسة، أو لرياسة، أو لدنيا- عيوباً نشروها، وأفاضوا في الحديث عنها، وإذا وجدوا حسناتٍ ستروها وأخفوها، فإن لم يجدوا اختلقوا وكذبوا، ونشروا هذه الأكاذيب التي افتعلوها، فصار شأنهم كما قال الأول:

    إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا      شراً أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا

    فهم بين ثلاث: إن علموا خيراً أخفوه -ستروه-، لا يعجبهم أن يُتحدث عن شخص يكرهونه بخير أبداً، وكأن هذا الذي يكرهونه تحول في نظرهم إلى شيطان رجيم، والعياذ بالله! وإن علموا شراً أذاعوا، ونشروا، وإن لم يعلموا شراً كذبوا واختلقوا، ونشروا هذا الإفك الذي اختلقوه.

    و لا شك أن هذا يقع بالنسبة للعامة، لكنه يكون أخطر ما يكون إذا تعلق بالعلماء، وطلاب العلم والدعاة فإننا نجد كثيرا من الناس -مع الأسف الشديد- من المسلمين من يتناولون الزعامات الدينية من العلماء والدعاة والأئمة، بألسنة حداد، وقد تأملت الكلام الذي يقال في العلماء وطلاب العلم والدعاة، فوجدته يتراوح بين أمور خمسة غالباً:-

    فمنهم من يتهم العلماء بالمداهنة، فيقول: إن العلماء يجالسون السلاطين والأمراء، ويحضرون إليهم، فلا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتهمهم بالمداهنة، والسكوت عن الحق والرضا بالباطل، ولسنا نقول: إن الأمة بريئة من هذا الصنف، بل إنه منذ العصور الأولى كان يوجد من يجامل ويداهن، ولذلك كان من السلف من يكره الدخول على السلاطين، وحضور مجالسهم، لما فيها من منكر لا يستطيع له رداً.

    لكن لاشك أن علماء كثيرين في هذا العصر، من علماء أهل السنة والجماعة، من لهم قدم صدق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب على علية القوم، والقول بالحق والصدع به، لكن:

    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم      بهن فلول من قراع الكتائب

    فالعيب عند هؤلاء أن علماءنا لا يتكلمون بما يفعلون، فالواحد منهم إذا نصح، وأمر، ونهى، لم يقم أمام الناس، يقول: أنا قلت وفعلت، وفعلت؛ لأنه إنما فعل ما فعل لله تعالى، ولهذا كان أحرص على كتمان عمله، وعدم إظهاره، مِن إظهاره، ورأى أن المصلحة في الكتمان، لأنه أدعى للقبول، وليست القضية قضية تشهير، فإذا احتج بعضهم، وقال: لماذا العلماء يبقون فيما هم فيه؟ فإننا نقول: إنهم رأوا المصلحة فيما يفعلون، وهذا اجتهاد سبقهم فيه جماعات كثيرة من السلف.

    فإننا نجد من علماء السلف من رأى أن الدخول مع السلاطين والمشاركة لهم والجلوس إليهم وتولي أعمالهم، أن فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، ومن هذا الصنف خلق كثير من السلف في عهد بني أمية وبني العباس وغيرهم، ومثل هذا الصنف لا شك مضطرٌ إلى السكوت عن بعض الأشياء وتأجيل أمور أخرى وتقديم الأهم فالأهم؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن ينكر المنكرات كلها دفعة واحدة، ولكن لا بد من التدرج ومراعاة واقع الحال وتقديم الأهم على المهم.

    النقطة الثانية التي قد يتهمونهم فيها: قضية المال؛ فإن من الناس من يقع في أعراض العلماء، ويدعي أنهم يجمعون المال من حله ومن حرامه، والذي نعلمه من علمائنا خاصة علماء هذه الجزيرة، ولست أقول هذا تعصباً لهم، كلا! فإننا نعتبر أن كل سائر على السنة في شرق الأرض أو غربها هو من علمائنا الذين ندين بحبهم ونشهد الله على ذلك ونتعبد به، أياً كان لونه، وأياً كانت بلده، وأياً كانت لغته، لا يعنينا ذلك في شيء، لكن أتحدث عما أعلم، أما ما لا أعلم فلا أقول عنه شيئاً، فالذي نعلمه من علماء هذه الجزيرة أن فيهم طائفة صالحة من العلماء جعلوا الدنيا تحت أقدامهم، فإذا أتيت إلى أحدهم وجدته يسكن في بيت متواضع أو عادي، فإذا نظرت لم تجد هذا الرجل مشتغلاً بمال، لا بمؤسسات، لا شركات، ولا مساهمات، ولا غير ذلك، بل إنني أعلم من كبار العلماء المشاهير من يحتاج أحياناً إلى أن يستدين خلال الشهر حتى يأتي الراتب، وهو عالمٌ مرموق، لو أراد الدنيا لانقادت له، ولكنه أعرض عنها، ورضي بما عند الله عز وجل، في حين نجد غيرهم من جميع الأصناف، أصناف الناس، من ولغوا في الدنيا، وركضوا إليها، وركنوا إليها، فلا نكاد نجد من يتحدث عنهم، إنما الألسن سريعة إلى أعراض العلماء، وهذا لا شك لا يبشر بخير.

    المأخذ الثالث الذي تجد من يأخذه عليهم: مأخذٌ يتعلق بالسلوك، فإن من الناس من يحاول أن يلصق بالعلماء معايب ومآخذ في سلوكهم، ومسيرتهم العملية، وتعبدهم وغير ذلك، وهؤلاء العلماء أيضاً مهما يكن فيهم، فهم خير الناس، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7] إلى قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8] مع قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    فعُلم أن العلماء خير البرية، فإن كان فيهم نقص، فالنقص في غيرهم أعظم، وأعم، وأطم؛ مع أننا نجد أيضاً أن كثيراً من العلماء مسلكهم حميد، وأن ما يشاع عنهم إنما هو بسبب عدم التثبت وعدم التحري.

    وأذكر قصة طريفة في ذلك: أحد الناس يتبجح في مجلس، ويقول للحاضرين: هؤلاء العلماء، والدعاة الذين تحسنون الظن بهم، وتوقرونهم، وتجلونهم متناقضون، قالوا له: ما آية ذلك؟ ما آية تناقضهم؟ قال فلان: -وسمى رجلا- الذي وقف ضد الاختلاط في الجامعات، وحاربه وجاهد في سبيل ذلك -بنته تدرس في جامعة مختلطة، فقال له: بعض الحضور كذبت؛ لأنه عقيم لا يولد له، هذا الذي تدعي أن ابنته تدرس في الجامعة عقيم لا يولد له ولد...!

    فكثيراً ما يزن بعض أهل العلم، والدعاة بمعايب في سلوكهم أو أخلاقهم، وهم منها براء، إنما يفعل ذلك من لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون.

    المأخذ الرابع الذي يوجد من يعيبهم به: هو في قضية الفتوى، والكلام في موضوع الفتوى يطول، فإن الناس بسبب جهلهم يستغربون بعض المسالك من العلماء، فمنهم من يتعجب من اختلاف العلماء في الفتوى، لماذا يفتي هذا بشيء، ويفتي آخر بغيره؟ وهذا أمر طبيعي سبق أن بينته في مناسبات عدة، لا داعي لذكر السبب في ذلك، وهو أمر غير مستغرب، أن تختلف اجتهادات العلماء في المسألة الواحدة، ويفتي كل واحد منهم بما ظهر له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومنهم من يدعي أنهم يفتون بحسب الواقع، بمعنى أنهم يخضعون للواقع، وهذا من الخطأ أيضا، فإن الفتيا لا شك هي فتيا بحسب الحال التي يسأل عنها، وقد يكون الشي حلالاً في حال، حراماًً في حال أخرى، بل قد تقتضي المصلحة منع شيء في بلد ولو كان موجوداً في بلد آخر، وعلى هذا تنـزل فتاوى كثير من العلماء الذين يمنعون بعض الأمور مراعاة للضرر الناجم عنها في بعض البلاد، ولو كانت موجودة ومباحة في بلد أخرى، أو يمنعونها في حال ولو أذنوا بها في حال أخرى؛ فإن الفتوى تتغير لا شك بحسب حال السائل، ونوعية سؤاله، والظروف المحيطة به؛ لأن الفتوى إنما هي تنـزيل حكم الله ورسوله على واقع الناس أفراداً وجماعات.

    ومنهم من يتهم بعض العلماء بأنهم يفتون بحسب أهواء السلاطين، وهذا أيضاً إن وجد في بعض البلاد، فوجدت من تتجارى بهم الأهواء، ويسارعون في هوى سادتهم، إلا أننا نجد كثيراً من علماء أهل السنة والجماعة في سائر الأقطار والأمصار يصدعون بكلمة الحق، ولو أغضبت أنوفاً كثيرة، وقد يدفعون ثمنها من حرياتهم، وأموالهم، وأرزاقهم، ووظائفهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل.

    النقطة الخامسة: التي كثيراً ما دندنوا حولها، فهي الكلام عن مذهب وطريقة العالم: بمعني أنه إذا كان هناك عالم مصلح مجدد، جمع الناس على الكتاب والسنة، وغيّر ما يوجد في واقعهم من البدع والخرافات والانحرافات، فإنك تجد خصومه وأعداءه ينشرون عنه قالة السوء، فيتهمونه بأنه مبتدع، وأنه منحرف، وأنه يدعو إلى مذهب جديد إلى غير ذلك من الأقاويل..!

    ولعلكم تعرفون جميعاً الكلام الذي قيل عن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، كم من فرية نسبت إليه!! وقد وقفت بعيني على كتاب كتبه أحد علماء ذلك العصر الذي جاء بعد الشيخ وهو مشهور معروف، ومع الأسف أنه يعد من العلماء، ويشار إليه بالبنان في ذلك الوقت، وقد قال كلاماً لا يمكن أن يقبله عقل أي عاقل، وإنما اختلقته أهواء الذين يبحثون عن رغبة هذا العالم، ورضاه، ثم صدقه هو وسَوَّدَ به صفحات كتابه، وهو كلام مما لا يمكن أن يتصور أنه صحيح بحال من الأحوال، حتى إنه قال -بلغت به الوقاحة- وهذا قرأته كما قلت لكم بنفسي -أن يقول: إن محمد بن عبد الوهاب في حقيقته يدعي النبوة، لكنه لم يتجرأ على أن يدعيها، فبدأ يتدرج.

    وهذا من الإفك، والبهتان العظيم، ولا شك أن الله سائله عن مثل هذه الكلمة العظيمة، الوقحة...!

    وفي الكتاب نفسه يقول: إن محمد بن عبد الوهاب كان يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى إنه كان عنده مؤذن أعمى يقول: وكان هذا المؤذن الأعمى حسن الصوت، وسوف تعرفون لماذا أثنى علي هذا المؤذن بأنه حسن الصوت، وأظنه قال: إنه رجل صالح أيضا، حتى تتم حبكة هذه الأكذوبة، فيقول: كان هذا الأعمى إذا انتهى من الأذان، قال (اللهم صل وسلم على سيدنا محمد) فنهاه محمد بن عبد الوهاب، كما يدعي هذا الكذاب فلم ينتبه، فلما نـزل من المنارة في أحد الأيام نـزل له، وأخذ السكين وذبحه كما تذبح الشاة، من يتصور هذا؟ كذب فوق مستوى التصديق!!

    بعض الكذب يمكن أن يصدق، لكن هناك كذباً يبلغ من شدة كذبه أن العقول لا تقبله، وهذا من رحمة الله أن بعض الناس لا يحسن الكذب، فإذا كذب افتضح كذبه، وقال: إنهم غضبوا على امرأة فحلقوا شعرها!! فهذا من الكلام الذي اختلقته عقولهم..!

    أن هؤلاء القوم قصدوا بإشاعة مثل هذه الأكاذيب تحذير الناس من قبول الحق، وتسميم عقولهم عن هذه الدعوة المباركة حتى لا يقبلوها أو يفكروا في النظر فيها، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] فهاهي الدعوة الإسلامية التي صدع بها هذا المجدد تشرق أنوارها في شرق البلاد وغربها، على الرغم ما أشيع حولها من قالة السوء.

    حتى إنني قرأت كتاباًلأحد علماء إيران قبل نحو أربعين عاماً، أو أقل من ذلك، وهو يتكلم عن هذه الدعوة، ويدافع عنها، وهو في الأصل شيعي، لكنه قرأ فيما يبدو بعض كتب الأئمة واقتنع بها، حتى إنه يقول لقومه وأصحابه إنكم ما زلتم تضحكون على الناس في الوقت الذي بانت فيه الحقيقة، وقرأ الناس الكتب، واطلعوا على الأمور، وعرفوا الأشياء على حقيقتها، فما عادوا يقبلون منكم شيئاً.

    هذه بعض المسالك، والطرق التي يسلكها كثير من الناس في الوقيعة بالعلماء، وقد ذهب ضحية مثل هذا الأسلوب.. (لا أقول ذهب ضحيته) ولكن أقول: تعرض له علماء كثير عبر التاريخ مثل الأئمة الأربعة.

    والإمام مالك، جُرِّد وجلد أكثر من سبعين جلدة في المدينة، بسبب وشاية وصلت إلى حاكم المدينة في زمن المنصور.

    والإمام أحمد تعرفون ما تعرض له، فضلاً عن أنه اتهم بتهم كاذبة منها: أنه يؤوي أعداء الخليفة، وأنه يتآمر علي الخليفة، وقد ثبت أن هذا كله كذب، حيث فتشوا داره فلم يجدوا فيها ما نسب إليه، ومثله الشافعي رحمه الله، وأبو حنيفة، وغيرهم.

    ولعل من طرائف ما يذكر في هذا الباب مما تعرض له العلماء.. ما تعرض له الإمام ابن حزم حيث عاداه كثير من أهل عصره، ووشوا به، وشنعوا فيه، حتى إن حاكم أشبيلية جمع كتبه وأحرقها! أوقد فيها النيران من شدة عداوته لـابن حزم، فما كان من الإمام ابن حزم رحمه الله إلا أن أنشأ يقول في قصيدة له معروفة متحدياً لهم:

    فإن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي      تَضَمَّنَهُ القرطاسُ بل هو في صدري

    يسير معي حيث استقلت ركائبي      وينـزل إن أنـزل ويدفن في قبري

    دعوني من إحراق رق وكَاغدٍ      وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

    وإلا فعودوا للكتاتيب بدأة     فكم دون ما تبغون لله من سِتْرِ

    دعوني من إحراق رقٍ وكاغدٍ (يعني نوعاً من الحبر): أي أرجعوا تعلموا في الصغر كالأطفال في الكتاتيب!

    كذاك النصارى يحرقون إذا علت     أَكُفُّهم القرآنَ في مدن الثغر

    ولا شك أن ابن حزم رحمه الله كان سليط اللسان، ولذلك شبههم بـالنصارى الذين يحرقون القرآن، وهذا التشبيه فيه مبالغة. والغريب أننا لا نـزال نجد بسبب عدم التثبت هذه الوقيعة في هذا الإمام الجليل ابن حزم، ولسنا نقول: إن ابن حزم معصوم، لا..! فابن حزم وغيره من أهل العلم لهم أخطاء، خاصة في مجال الاعتقاد، فالإمام ابن حزم في موضوع الأسماء والصفات والإيمان وغيرها -له سقطات وغلطات وهفوات كبيرة نسأل الله تعالى أن يعامله بلطفه، ويعفو عنا وعنه. لكنه من الأئمة الكبار أيضاً، وله ذكر حسن بين العلماء، وله جهود كبيرة في نشر السنة والرد على أهل البدعة، والرد على اليهود والنصارى وغيرهم، وقد قرأت في أحد الكتب لبعض الدعاة الصالحين كلاماً شديداً جداً في ابن حزم، حتى إنه قال وهو يتكلم عن الغناء -لأن ابن حزم أخطأ في إباحة الغناء- تكلم هذا الرجل الصالح في ابن حزم، وقال ما معناه: [[ إن ابن حزم قد تحالف مع المجوس، واليهود، والنصارى في إسقاط دولة الإسلام في الأندلس، وأنه كان من أهم الأسباب في سقوط الإسلام في الأندلس ]] وهذا باطل بلا شك، فبين سقوط الإسلام في الأندلس، وبين وفاة ابن حزم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، أي سنين وقروناً طويلة بين وفاة ابن حزم، وبين سقوط الإسلام في الأندلس، وليس لـابن حزم علاقة من قريب ولا من بعيد بسقوط دولة الإسلام في تلك البلاد، بل هو من الرجال المجاهدين الأبطال، الأقوياء. وهذا لا شك أنه خطأ إن قبل من إنسان عادي، أو عامي، أو جاهل فإنه لا يقبل من العلماء، والدعاة، والصالحين الذين كلمتهم لها وقعها وأهميتها وقيمتها فالأولى والأحرى والأجدر هو التثبت وعدم التسرع في الوقوع في أعراض العلماء.

    كذلك من الأشياء والقصص الغريبة والعجيبة التي تعرض لها العلماء كما هو مشهور ما تعرض له شيخ الإسلام المشهور المسمى بشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي صاحب كتاب الفاروق، ومنازل السائرين، وغيرها، وهو من أئمة أهل السنة والجماعة، وإن كان كغيره من الناس له أخطاء وزلات، وهفوات، لكن أعداءه شنعوا عليه، لأنه يثبت أسماء الله تعالى، وصفاته، ووشوا به إلى الحاكم حتى قالوا: إنه يعبد الأصنام، والعياذ بالله! وتسللوا إليه خفية، ووضعوا في محرابه صنماً من ذهب بدون أن يعلم، وقالوا للأمير: إن أبو إسماعيل الهروي هذا يعبد الأصنام والعياذ بالله فغضب الحاكم وقال: هذا كذب، قالوا له: أذهب وتحر وتثبت -قالوا له: نحن نطلب التثبت، والتبين- لا تتعجل في قبول كلامنا حتى ترسل من يقف بعينه على الحقيقة، فأرسل من وقفوا، وفتشوا، فوجدوا في محرابه صنما فأحضروه، وقد غضب عليه الأمير، فلما حضر في مجلسه، تبرأ من ذلك، وكذَّب الخبر، وقال: إنه لا علم له به، ومازال يتكلم حتى عرف الأمير صدقه، واكتشف كذب هؤلاء، وأنهم وضعوا له هذه المؤامرة، فبرأ ساحته من ذلك.

    ومثل ما تعرض له شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من الدسائس والأكاذيب، حتى إنهم جاءوا إلى الحاكم المملوكي، وأظنه قلاوون في مصر، وقالوا له: إن ابن تيمية يتآمر ضدك، ويسعى إلى -مثل ما يقولون عنه بلغة العصر- قلب نظام الحكم، وإنه يريد الخلافة، فلما أحضروه، قال له: بلغني أنك تريد كذا وكذا، فَهَزَّ ابن تيمية رأسه مستهزئاً، وقال: أنا أريد ملكك؟! والله إن ملكك وملك التتر لا يساوي عندي فلساً واحداً حتى أسعى في تحصيله، فعرف الحاكم أن هذا كذب.

    ومن الغرائب أن خصوم ابن تيمية رحمه الله تعرضوا له أكثر من ثلاث مرات بالوقيعة، والوشاية والدس والأكاذيب، حتى إنهم في إحدى المرات، وفي آخر المرات أثاروا فتاوى أفتى بها ابن تيمية قبل سبع عشرة سنة، بتحريم شد الرحل لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الفتوى موجودة لم يبتدع فيها ابن تيمية شيئاً جديداً، بل نقل كلاماً لعلماء سابقين، فنبشوها من جديد، ووشوا بها إلى السلطان من بعد ما قاله بسبع عشرة سنة، وبسببها سجن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومثل ذلك كثيرٌ في العلماء، فينبغي أن يحرص الإنسان على التثبت في الأقوال خاصة إذا كانت تتعلق بالعلماء، ولا يتقبل مثل تلك الأكاذيب والوشايات والدسائس التي يختلقها الناس وينسبونها إليهم.

    التسرع في الفتيا

    النقطة الثانية في واقع الناس في موضوع التثبت: هي قضية التسرع في الفتيا: أي عدم التثبت من الحلال والحرام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة: {من أفتي بفتيا من غير ثَبْت، فإنما إثمه على من أفتاه} والحديث رواه ابن ماجة والحاكم، وسنده حسن، وله شاهد، وهو يدل على أن الإنسان إذا أفتى بغير علم، فإن الإثم على المفتي الذي ضلل وخدع السائل والمستفتي وأفتاه بغير ما يعلم، ولذلك نجد التثبت عند السلف الصالحين في موضوع الخبر والفتيا والنقل.

    حتى قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: لقد أدركت عشرين ومائة من الأنصار في هذا المسجد -يعني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما منهم من رجل يحدث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يفتي في مسألة إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الفتيا فيها، فكانوا يتدافعون الفتيا حتى تعود إلى الأول، ما منهم أحد يسرع إلى الفتيا، أو يتعجل فيها، أو يهجم عليها بدون علم ولا بصيرة.

    وكانوا يكثرون من قول: لا أدري، حتى قال الإمام مالك: إذا ترك العالم (لا أدري) أصيبت مقاتله، أي: أنه تعرض للضرر العظيم، وربما وقع في ورطة لا مخرج له منها، كما أن مسلمـاً رحمة الله عليه في مقدمة صحيحه من طريق عقيل صاحب بُهَيَّة، أن يحيى بن سعيد كان جالساً عند القاسم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين فقال يحيى بن سعيد لـالقاسم بن عبيد الله: إنه لعظيم بك يا قاسم أن يسألك الناس عن أمر فلا يجدون عندك منه فرجاً ولا مخرجا! قال: وما ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدى أبي بكر وعمر، لأن جده من الأب عمر بن الخطاب، وجده لأمه أبو بكر الصديق، فلا ينبغي أن تُسأل عن مسألة فلا يكون عندك فيها علم، فقال القاسم بن عبيد الله -وهذا يدل على فقهه-: [[أعظم من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله أن أفتي بغير علم أو أن أحدث عن غير ثقة]].

    فإذا الناس يقولون: ليس عندي علم، هذا سهل، لكن أن أُفتي بغير علم، أو أُحَدِّثْ عن رجل غير ثقة -هذا أعظم عند الله، وعند من عقل عن الله عز وجل، فسكت يحيى بن سعيد فما أجابه، لأن هذا الكلام كلامٌ مُسْكِت.

    ونحن نجد في موضوع التسرع في الفتيا، نجد أن كثيراً من الناس اليوم يقعون في عدم التثبت في ذلك، فمنهم من ينشرون الآراء الباطلة عن العلماء، وينقلون الفتيا دون أن يتثبتوا فيها، أو يتحروا وبسبب ذلك تجد كثيراً من الآراء الغريبة انتشرت عند الناس.

    فقد سألتني امرأة قالت: إنني اليوم -وكان اليوم يوم الخميس- انتهيت من صيام أيام الست من شوال، وأريد أن أصوم غداً لسبب، نسيت لماذا تريد أن تصومه؟! لكن سمعت أن صوم الإنسان يوماً بعد ما ينتهي من الست أنه من الشرك.

    أقول: ليست المسألة أنه حرام الآن، ولا أنه مكروه، المسألة أنه من الشرك! سمعت أن صيام يوم حتى الست أو بعد الجمعة أنه شرك بالله عز وجل..!

    ولا شك أن هذا بسبب تسرع بعض العامة في نقل الفتيا دون أن يتثبتوا أو يتبصروا فيها. وكثير من الناس -وهذا من أمثلة الفتوى التي ينقلونها بغير علم، أو فتوى عامي يعتقدون أنه يعرف فيقول بها وهو مستعجل-يرون أن زوج الأخت محرمٌ لها، لأنها تحرم عليه وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء:23] ويسمونه محرماً مؤقتاً، يرون أنه يجوز أن يسافر بها، ويذهب ويجيء ويخلو بها، لأنه لا يجوز له أن ينكحها، فيعتبرون هذه محرمية مؤقتة ما دامت أختها معه، ولا شك أن هذا باطل بإجماع أهل العلم، وإن كانت حراماً عليه، إلا أنه ليس محرماً لها، إنما هو بسبب التعجل في نقل أقوال وآراء العلماء، أو التعجل في الفتيا.

    ومثله: أن كثيراً من العامة يشيع وينتشر عندهم أن فتح التمائم المعلقة -التي يعلقها بعض الناس في صدورهم، أو صدور أطفالهم- حرام! وهذا الشائع عند النساء، لأن بعض الذين يكتبون هذه التمائم لا يريدون أن يعرف الناس ماذا في وسطها، إما أن يكونوا كتبوا في وسطها خطوطاً، وطلاسم، وأشياء لا معنى لها، أو أن بعضهم -كما وقفنا- يكتبون أسماء عبرانية، وأشياء غريبة، وكلمات غامضة، وألغازاً، وبعضهم قد يكتب شيئاً من القرآن، لكن لا يريد أن يطلع عليه الناس، لأنه إذا عرف الناس أنه كتب قرآناً، قالوا: نحن نكتب قرآناً، ليس هناك داعٍ أن نذهب إلى فلان، فيريد أن يتوهم الناس أنه يكتب أشياء لا يعرفونها هم، حتى تستمر الحاجة إلى ذلك، فأشاعوا عند الناس أن فتح التمائم حرام.

    وتلقى الناس هذه الفتوى بالقبول من غير تثبت فصار بعضهم يعتقد أنه إذا فتح الإنسان هذا الحرز، أو هذه التميمة سوف يصيبه شيء، أو يتعرض لمصيبة، أو لإثم عظيم على الأقل.

    رواية الأحاديث الضعيفة و الموضوعة

    النقطة الثالثة: في واقع الناس التي يخطئون فيها موضوع رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وهذا يشيع عند الخاص والعام، فلكل صنف منهم نوع، أما بالنسبة للخاصة مثل الوعاظ والمذكرين والدعاة، فهناك نوع من الأحاديث الموضوعة ينتشر عندهم، وسأذكر الموضوع فقط بغض النظر عن الضعيف، فمثلاً عند الخاصة كما ذكرت من الدعاة، وطلاب العلم بالنسبة لهؤلاء ينتشر عندهم أحاديث تناسب موضوعاتهم.

    فمثلاً إذا تكلم الواحد منهم عن الغناء ساق الحديث الذي يقول: (الغناء رقية الزنا) والواقع أن هذا ليس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام الفضيل بن عياض رحمه الله، والغناء المعروف حرام لا شك، لكن فرقٌ بين تحريم الغناء، وبين أن نحتاج إلى حديث موضوع لنعزز به حكماً شرعياً! فالأحكام الشرعية ثابتة في الكتاب والسنة، ولا تحتاج إلى تعزيزها بأحاديث ضعيفة، فضلاً عن أحاديث موضوعة.

    كذلك إذا تكلم واحد منهم عن عزل النساء وإبعادهن عن الرجال، استشهد بحديث: (باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء)! وهذا أيضاً ليس بحديث فهو غير ثابت، كما ذكر ذلك العجلوني في كشف الخفا، (ونقله عن جماعة من أهل العلم) أنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال من الأحوال وليس له سندُ.

    كذلك إذا أراد أحدهم أن يتكلم عن فضل صلاة الليل وأثرها علي العابد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار) وهذا حديث أيضا موضوع، ولوضعه قصة طريفة ستأتي في مناسبتها، وقد رواه ابن ماجة وغيره، وهو حديث موضوع، ولا يصح، ولا يجوز الاستدلال به، وعندنا في فضل قيام الليل آيات، وأحاديث تغني عن حديث موضوع.

    كذلك من الدعاة من يستشهدون بحديث، أو يزعمون أنه حديث، وهو ليس بحديث (من قال: أنا عالم فهو جاهل)! وقد ذكر ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية أن هذا من كلام يحيى بن أبي كثير، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى صحيح على كل حال.

    أما بالنسبة للعامة فحدث ولاحرج عن روايتهم الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، وسأذكر طائفة من الأحاديث، وأود أن أنبه إلى أن بعض العامة يذكرونها على أنها ليست حديثاً إنما هي حكمة أو مثل، وهذا لا إشكال فيه، ولا بأس به، لكن إذا ذُكِر على أنه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهنا الخطأ والخطأ العظيم.

    فبعض العامة يقولون: بارك الله فيمن زار وخفف! إذا قالوها على أنها كلمة جارية على الألسنة فلا حرج ولا بأس، فقد يأتيه ضيف ثقيل، ويطيل المقام عنده، ويجلس أربعة أيام بلياليها، فيقول له: بارك الله فيمن زار وخفف! لا بأس بذلك، ما دامت كلمة تقال، أو مثلاً يقال، ولكن أن ينسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا شك أنه غير صحيح، كما ذكر ذلك العجلوني وغيره أنه ليس بحديث.

    أيضاً مما نسمعه على ألسنة العامة أن بعضهم يقول: ريق المؤمن شفاء، وبعضهم يقول: لعاب المؤمن شفاء، ولكن عند عامتنا في نجد يقولون: ريق المؤمن شفاء، وهذا أيضاً ليس بحديث، فإن قالوها على أنها كلمة فهذه لا أقول: إنها تصح، بل فيها تفصيل.

    ريق المؤمن يعني قراءته للقرآن ونفثه فهذا صحيح؛ فالرقية مشروعة، أما إن قصدوا الريق بذاته فذلك ليس بصحيح، ليس شفاء إلا مع القرآن، أما بذاته فليس شفاء إلا مع شيء من الذكر والقرآن والدعاء أو ما أشبه ذلك.

    ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبل إصبعه، ويضعه في الأرض، وهو يقول: {تربة أرضنا في ريقة بعضنا يشفى بها سقيمنا بإذن ربنا} فيما أذكر من الحديث.

    إذاً الريق ليس شفاء بذاته إلا إذا كان معه شئ من القرآن والذكر، أما أن ينسبوا هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ريق المؤمن شفاء.

    فهذا باطل لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك السخاوي في المقاصد الحسنة.

    ومن الموضوعات التي تشيع على ألسنة العوام، يقولون: الناس بالناس والكل بالله! بمعنى أن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض والجميع محتاجون لله جل وعلا، وقد ذكر الغزي أنه ليس بحديث، ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام الناس.

    قل مثل ذلك في المشهور: حب الوطن من الإيمان وهذا باطل موضوع، كما ذكر جماعة من أهل العلم منهم السخاوي، والصاغاني، وغيرهما أنه حديث موضوع، والأحاديث الموضوعة على ألسنة العامة كثيرة، فإن صرحوا برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يجوز، وينبغي الإنكار عليهم.

    والأغرب والأدهى من ذلك، والأمَر أن بعض العامة لا يكتفون بنسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ينسبونها لرب العالمين، قال لي أحد الشباب: إن أبى يقول: قال الله، ثم يأتي بحديث، فإن قلت له: هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بهذا من عنده، كله من عند الله! فينسب الحديث إلى الله عز وجل.

    فهذا لا يجوز، بل إذا قلت: (قال الله) فلا تقل إلا آية محكمة، أو حديثاً قدسياً ثبت بسند صحيح، وإلا فما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ينسب إليه؛ لأنه من عنده صلى الله عليه وسلم والله تعالى أقره عليه، أو قد يكون ألهمه إياه، والمهم أنه لا ينسبه إلى الله تعالى قولاً.

    ومن الأشياء التي تزعج وتحزن كثيراً: أن أكثر ما ينتشر من الأوراق والنشرات المتداولة عند الناس، هي من الأحاديث الموضوعة، ويا سبحان الله! لو كتب الإنسان حديثاً من صحيح البخاري في ورقة ونشره فقد يوزعه إلى عشرة، أو عشرين، ثم يتوقف، لكنه إذا كتب حديثاً موضوعاً يوزع بالألوف، وتجده في مدارس الأولاد، ومدارس البنات، وفي الطائرة، وفي السوق، وفي المسجد، وفي الجامعة، وفي كل مكان!

    حكمة لله جل وعلا! والسبب في ذلك، أن الأحاديث الموضوعة -والله تعالى أعلم- يكون فيها من التهاويل والمبالغات والخزعبلات ما يتناسب مع عقول السذج والبله، فيسرعون في نشرها، أما الحديث الصحيح، ففيه من الرزانة والوقار ما يجعل عين هذا العامي قد تقرؤه، ولا تتحرك له؛ فلذلك لا يسارعون في نشره.

    وقد أعطاني شابٌ في الجامعة حديثاً مكتوباً في صفحة عن خالد بن الوليد أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله! كيف أكون أعلم الناس؟ قال: اعبد الله تكن أعلم الناس، فقال كيف أكون أورع الناس؟.... وهكذا كيف أكون اتقى الناس؟... صفحة كاملة حوالي خمسة وثلاثين أو ثلاثين سؤالاً، يقول الأعرابي: مثلاً كيف أكون أغنى الناس؟ أعلم الناس؟ أتقى الناس؟ أعبد الناس؟ أورع الناس؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يجيب بذلك، وكلها أشياء لغتها ركيكة، ومعانيها باهتة، وواضح جداً أنها لا يمكن أن تصدر عن مشكاة النبوة، فبمجرد ما رأيته، قلت له: هذا حديث موضوع، والغريب أن الحديث مكتوب فيه (رواه الإمام أحمد بن حنبل) فرجعت للمسند، رجعت إلى فهارس المسند: فهرس بسيوني، حمدي السلفي - فلم أجد لهذا الحديث أثراً، ثم رجعت إلى مسند خالد بن الوليد في مسند الإمام أحمد، وهو قليل، فلم أجد هذا الحديث، وبحثت عنه في عدد من الكتب، فلم أجد هذا الحديث، وقد يكون موجوداً في كتب الموضوعات، لكن الحديث مما يُجزم ويُقْطع بأنه باطلٌ ومكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أفادني الأخ بأنه يُوَزَّعُ بكميات كبيرة.

    وقبله بأسبوع أعطاني أحد الشباب نشرةً حوالي خمس ورقات من الحجم الكبير فيها حديث وجزل.. والذي وضع هذه الأحاديث -لا كثر الله من أمثاله- قد وضع حديثاً مختلقاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مجلس، فدخل عليه الشيطان إبليس، وقال له: إن الله تعالى أمرني أن آتيك وأصدقك في الحديث، وتوعدني إن لم أفعل فإنه سوف يهلكني ويحرقني وكذا، وكذا، فالآن أنا بين يديك سلني أجبك، فبدأ الرسول -على حسب ما يزعم واضع الحديث- يسأله عن سبب إغوائه الناس، وطريقته مع الشباب، ومع الكبار، ومع التجار والملوك والأمراء والسوقة والنساء ومع ومع... والشيطان في هذا الاستجواب يجيب ويبين، حتى أن الأمر تطور، وأصبح الشيطان يبين أجور الأعمال! فهذا الواضع -مثل ما قلت لكم قبل قليل- كذاب ولا يحسن الكذب...!

    فبدأ يقول: إنه من فعل كذا له من الأجر كذا، ماذا يدريك عن الأجور؟! إنَّ الأجور عند الله عز وجل، فإبليس شيطان رجيم لا يعرف الأجور، ولا يدري ما مقدار الأعمال الصالحة وثوابها عند الله جل وعلا...!

    إنه حديث موضوع مكذوب مختلق، وقد أفادني أنه يوزع، وينشر في عدد من البلاد التي يحتاج أهلها إلى التوعية والتنوير، وشئ من ذلك كثيرٌ جدا.

    ولعلكم تذكرون أيضاً النشرة التي وزعت وفيها عقوبات النساء: المرأة التي معلقة بثديها، والأخرى معلقة بشعر رأسها، والثالثة معلقه بعرقوبها، ورابعة، وخامسة، وعاشرة، وهو حديث إذا قرأته تشمئز منه، وتشعر بأنه باطل، وأنه موضوع، وأن فصاحة الرسول عليه الصلاة والسلام، وبلاغته لا يمكن أن يصدر منها مثل هذا الكلام الركيك، ومع ذلك هو مكتوب، ويوزع بكميات كبيرة.

    فينبغي التثبت من مثل ذلك، وخاصة في موضوع هذه النشرات التي تنشر، وتقال، وعدم المشاركة، أو المساهمة في نشر شيء منها إلا بعد التحري، ومعرفة إن كان صحيحاً أم مكذوباً.

    التساهل في النقل والتوسع فيه

    نقطة أخرى في موضوع واقع الناس: موضوع التساهل في النقل والتوسع فيه، وفيما يروى كما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، يقول: إن عيسى عليه السلام مرَّ ومعه قومه، فقال لمن حوله: لو مررتم برجل نائم وقد كشفت الريح بعض ثوبه، وبانت عورته، ماذا كنتم تصنعون؟ قالوا: كنا نرده عليه -نغطيه- قال: بل كنتم تكشفون ما بقي، يقول عيسي: بل كنتم تكشفون ما بقي!!

    إن فئة من الناس إذا علموا بعيب لم يستروه، بل زادوه من عندهم عيوباً، ونشروه وأشاعوه بين الناس، ويحرصون على ذكر السيئات وستر الحسنات، وهذا خلاف الواجب للمسلم كما قال محمد بن سيرين رحمه الله: [[إنه ظلم لأخيك أن تذكره بأقبح ما تعلم، وتنسى أحسنه]].

    وقد ذم الأقدمون من الشعراء وغيرهم مثل هذه النوعية من الناس، يقول أحدهم:

    ما بال قوم لئام ليس عندهمو      دينٌ وليس لهم عهد إذا اؤتُمنوا

    إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا      منا وما سمعوا من صالح دفنوا

    إذا سمعوا الريبة والشك نشروه وفرحوا به، وإذا سمعوا الأمر الصالح دفنوه وستروه عن الناس.

    صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به      وإن ذكرت بشر عندهم أَذِنُوا

    (صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرتَ به) أي ليس لهم آذان فلا يسمعون، (وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا) أي: سمعوا وأنصتوا.

    وهذا يدل على عيب الإنسان نفسه؛ أي إذا وجدت الإنسان لا يقع إلا على الأخطاء، فاعلم أن ذلك لعيب في نفسه؛ فإن الإنسان الناقص هو الذي يبحث عن نقائص الآخرين، ويذمهم بما فيهم وبما ليس فيهم.

    أما الإنسان الذي هو أقرب إلى الكمال، فإنه يذكر محاسن الناس، ويعرض عن مساوئهم، فلا يذكرها إلا بقدر الحاجة، ولذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يذكر عنده أحدٌ بسوء، ولا يُتكَلم في عرض أحد وهو حاضر عليه الصلاة والسلام، ولا يحب أن يذكر عنده أحد بسوء، ولا أن يُنهش عنده عرض، ولا أن يُذَم عنده مسلم، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم!!

    وبعض الناس إذا سمعوا نقلاً، أو قولاً، أو قيل لهم في شئ، ردوا بأبشع ما يقال، فإذا قيل: إن فلاناً يقول فيك كذا، وكذا، وكذا، فإن هذا الإنسان الذي قيل فيه ما قيل، يرد كما يقال: يرد الصاع صاعين، وهذا ليس هو الأدب الواجب.

    يُرْوَى أن أم الدرداء رضي الله عنها جاءها رجل، وقال: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا، وكذا فذكر فيها كلاماً باطلاً فقالت له أم الدرداء رضي الله عنها: [[إن نُؤْبَن بما ليس فينا، فطالما مُدحنا بما ليس فينا]] أي كما أن هذا سبني وذكر أشياء ليست موجودة عندي، كذلك هناك ناس مدحوني، وقالوا فيّ أشياء ليست موجودة عندي، فهذه بهذه، هذه تقاوم هذه، ولم تسمح لنفسها أن تعلق على الموقف بشيء آخر.

    وهناك رجل آخر قيل له: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا، وكذا، فقال: [[ألهاني عن الرد عليه ما أعلمه من نفسي]] ألهاني عن الجواب على هذا الإنسان ما أعلمه من نفسي، فلديَّ عيوب هو لا يعلمها، ولا قالها حتى الآن، فمعرفتي بعيوبي ألهتني عن الرد على الآخرين.

    ومن طريف ما يروى في هذا الباب ما ذكره ابن حبان في نـزهة الفضلاء، يقول: إن الشعبي -الإمام المعروف- كان في مكان، وإلى جواره قوم بينه وبينهم جدار ساتر، فلم يعلموا بوجوده، فكانوا يقعون في عرضه، ويتكلمون فيه، فانتظر لعلهم أن يسكتوا، ولكن القوم أفاضوا واستمروا! فطلع عليهم الشعبي برأسه وقال لهم:

    هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامرٍ      لِعَزَّةَ من أعراضنا ما استحلتِ

    ففوجئوا بذلك، وأسفوا، وندموا، واستحلوه، وعاهدوه على ألا يعودوا لذلك، فسامحهم في ذلك.

    إذاً: خلاصة ما سبق:

    أن الإنسان يجب أن يحرص على أن يكون متثبتاً في الأخبار، ولا يتعجل في قبولها، وإن وجدت بعض أمائر الصدق، حتى يجد لذلك حجة قويةً، وإن كانت الأخبار تتفاوت، فهناك أشياء بسيطة لا يترتب على تصديقها ضرر كبير، لكن هناك أشياء كبيرة وعظيمة تتطلب قدراً من التثبت والتحري.

    وإنني أذكر لكم قصة قصيرة أو صغيرة وقعت لي يكتشف الإنسان منها عبرة:

    في أحد الأيام واعدني شابٌ لا أعرفه، لكنه اتصل بي، وأصر على أن يلتقي بي لأن عنده مشكلة -كما يقول- وأخبرني باسمه، وكان اسمه -مثلاً- اسمه عبد الرحمن، واسم العائلة التي هو منها يبدأ بحرف معين لنفترض حرف الشين، وهو يأتي من بلد آخر، فلنفترض أنه يأتي من الرياض، ووعدته وقتاً معلوماً، ففي الوقت نفسه، جاء إنسان بالاسم نفسه، وعائلته أولها هو أول اسم العائلة الثانية شين أيضاً، وهو من البلد نفسها، ولم يكن هناك أية صلة، ولا لقاءٌ سابق، وأخلف الأول الموعد، فلو فرض أنه كتب ورقة مثلاً، وقال: أتيت ولم أجدك، وكتب مثلاً عبد الرحمن، ثم كتب الشين من الرياض، لما كان هناك أدنى احتمال أن الأمر سيكون عندي أن الرجل الذي ضربت معه الموعد جاء ولم يجدني، والواقع أن هناك شخصاً آخر.

    فهذا يجعل الإنسان دائما يدرك أنه قد يوجد بعض القرائن توهم الإنسان بشيء، لو جمعها ظن الأمر هكذا، القضية هكذا، رأيت فلاناً -خرج فلان، دخل فلان، وقف فلان، وفلان قال، تفسر هذا الأمر تفسيراً بحسب ما في ذهنك، لكن لو أعطيت نفسك فرصة أن تتثبت فلا تتعجل في الأمر حتى ينجلي الأمر تماماً ويبرح، لوجدت في كثير من الأحيان قد يتوقع الإنسان الأمور علي غير ما هي عليه، قد تأتي الأمور في حقيقتها على غير ما توقعها الإنسان، ولذلك لا يندم أبداً الإنسان الذي يتثبت من أموره.

    1.   

    الأسئلة

    إذا جاء الحديث عن طريق صحابي واحدٍ

    السؤال: ذكرت قصة عمر مع أبي موسى، فما جوابك على من استدل بهذه القصة على رد بعض الأحاديث التي لم يروها إلا صحابي واحد، من الأحاديث مثل حديث: {إنما الأعمال بالنيات

    الجواب: الجواب على هذا يطول، لكن أجيب جواباً واحداً فقط، أن عمر رضي الله عنه لم يرد حديث أبي موسى، لأنه لم يروه غير أبي موسى، فقد قبل عمر أحاديث كثيرة لم يروها إلا واحد، وإنما السبب في طلب عمر التثبت في حديث أبي موسى بالذات أنه يتعلق بأدب من الآداب التي استغرب عمر أن تخفى عليه.

    فهذا الملحظ مهم جداً، فمثلاً عمر كان كثير الجلوس مع الرسول عليه الصلاة والسلام كان الرسول عليه الصلاة والسلام يكثر أن يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، دخلت أنا وأبو بكر وعمر، جلست أنا وأبو بكر وعمر، فكان عمر كثير الاستئذان على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما كان يجلس عنده فَيُستأذن عليه، فاستغرب عمر! كيف خفي عليه أدب يتعلق بالاستئذان؟ وهو الأمر الذي يكثر أن يقع وأنا حاضر وخفي عليَّ؟ استغرب خفاءه عليه، ولهذا قال فيما بعد: [[خفي عليَّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم!]].

    ولهذا فالأشياء الشائعة، المنتشرة المشهورة، إذا لم ترو إلا من طريق واحد؛ فإن هذا من الأدلة على عدم ضبطه، مثلاً: لو فرض أنه وقعت حادثة في يوم الجمعة في المسجد الجامع، والحضور يعدون بالألوف، ثم ما روى هذه القصة إلا واحد، لو روى لنا واحد أنه في يوم الجمعة، وأمام الناس مثلاً، قام إنسان، وقال: كذا، وكذا، وكذا، ثم سألنا فلم نجد إلا شخصاً واحداً رواها، فدلَّ على أن هذا الرجل إما أنه كاذب، أو التبس عليه الأمر، لأنه يبعد أن تحدث قصة على مرأى ومسمع من ألوف، ولا يرويها إلا واحد، فـعمر رضي الله عنه استغرب أن قضية تتعلق بأدب الاستئذان تخفى عليه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نقل كلام العلماء على سبيل الوقيعة

    السؤال: هذا يسأل عن القتاتين، والنمامين، وما ينقلونه عن الدعاة والخطباء، والذين يزيدون في الكلام، ويفسرونه على ما يهوون؟

    الجواب: لا شك أن الله عز وجل أدب المؤمنين بالآداب الكاملة، ومنها أنه نهى المؤمنين عن أن يتجسس بعضهم على بعض، فقال: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12] وقال النبي صلى الله عليه وسلم -كما سبق-: {لا يدخل الجنة قتات} ،{ولا يدخل الجنة نمام} فإن نقل الإنسان كلام أخيه المسلم -خاصة إن كان عالماً، أو داعية، أو طالب علم، على سبيل الوقيعة والإفساد بين المؤمنين، أو الإساءة إليهم، أو إيذائهم- أمر محرم.. وصاحبه يبوء بالإثم العظيم، ولا يجوز له ذلك بحال من الأحوال.

    ولعلي ذكرت لكم القصة التي تقابل ذلك، وهو ما وقع لـرجاء بن حيوة، حين كان في مجلس الخليفة فجاء رجل، وقال: إن فلاناً يتكلم فيك يا أمير المؤمنين، فقال رجاء بن حيوة: والله إنه لكاذب، لم يتكلم فيك، ولم يقل فيك شيئاً. فقام الخليفة على هذا الجاسوس النمام القتات، وجلده سبعين جلدة، أو مائة جلدة، فلما خرجوا من المجلس لقي هذا الجاسوس يوماً من الأيام رجاء بن حيوة، وقال له: يا رجاء بن حيوة، بك يستسقى المطر من السماء! وسبعون سوطاً في ظهري! أي أنني جلدت سبعين جلدة، وأنت تعرف أني صادق، فقد سمعت الكلام وأنا سمعته ومع ذلك كذبتني، وجعلت الخليفة يجلدني، بك يستسقى المطر من السماء، وسبعون سوطا في ظهري!! فقال: لسبعون سوطاً في ظهرك أهون من أن تلقى الله تعالى بدم امرئ مسلم..!!

    فالقتات: النمام: الذي ينقل كلام المؤمنين، خصومه يوم القيامة، هم أفضل الناس، خصمك داعية، أو عالم، أو مجاهد، أو آمر بالمعروف، أو ناهٍ عن المنكر، أو مصلح، أو شيخ، فويلٌ لمن كان خصومه هم أفضل الناس.

    صيام يوم الجمعة منفرداً

    السؤال: رجل صام يوم الجمعة منفرداً، بقصد أن يتم به صيام ست من شوال، فهل في ذلك كراهية؟

    الجواب: الأولى بالإنسان ألا يفرد يوم الجمعة بصوم، بل يصوم قبلها أو بعدها، فالذي يريد أن يتم صيام ست من شوال يصوم يوم الخميس والجمعة، وإن صام الجمعة يستحب له أن يصوم معه يوم السبت.

    وجوب قيام المأمومين إلى الركعة الثانية إذا جلس الإمام بعد الأولى

    السؤال: إمام مسجد يصلي بالناس، وبعض الجماعة لا يرون الإمام، وعندما صلى من صلاة التراويح ركعة واحدة جلس والجماعة الذين لا يرونه قاموا، والإمام جالس، فسبح الناس فقام الإمام، هل الذين قاموا قبل الإمام يعتبر فعلهم مسابقة للإمام؟

    الجواب: لا ليس مسابقةً للإمام، بل حقهم أن يقوموا؛ لأنه ما دام قد جلس سهواً بعد ركعة واحدة فالمأمومون لا يتابعونه على ذلك، بل يجب أن يقوموا.

    أحاديث الصحيحين

    السؤال: يقول هل كل ما في البخاري ومسلم صحيح؟ أو في بعضها الأحاديث الضعيفة؟

    الجواب: مجمل أحاديث الصحيحين تلقتها الأمة بالقبول، وهي أحاديث صحيحة؛ لأن البخاري ومسلم- رحمهما الله- اشترطا ألا يُخرِجا في صحيحيهما إلا ما صح، فما في البخاري ومسلم صحيح عندهما وعند من يوافقهما من أهل العلم، ولا يكاد يوجد في البخاري ومسلم حديثٌ ضعيف، وإن كان من أهل العلم من قد يكون ضعف أحاديث في البخاري أو في مسلم، لكن الراجح في معظم هذه الأحاديث هو مع البخاري ومسلم في تصحيح هذه الأحاديث.

    التمائم

    السؤال: يقول: ذكرت التمائم، فما حكمها؟

    الجواب: للسلف في موضوع التمائم قولان، قولٌ بالتحريم، لحديث: {إن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شركٌ} وقول آخر بالجواز إذا كانت من القرآن وبلغة العرب بشروط معروفة، وقد نقل عن بعض الصحابة إنهم كانوا يعلقون على صبيانهم... والأظهر -والله تعالى أعلم- القول بالتحريم، لأن تعليق التمائم فيه ذريعة إلى الشرك، وفيه سبب إلى إهانة كتاب الله تعالى والقرآن الكريم، وفيه سبب للتوكل عليها والاعتماد عليها، والغفلة عن الله، والغفلة عن التوكل عليه.

    قول (لا أدري)

    السؤال: هل الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سأله سائل قال: لا أدري؟ وكم مرة قال: لا أدري؟

    الجواب: ورد هذا في حديث أن رجلاً سأل الرسول صلى الله عليه وسلم: ما شر البقاع؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأله فقال: {أسواقها}.

    نسبة البدع إلى الحنابلة

    السؤال: هل نسب المشركون والمنحرفون إلى الإمام أحمد بن حنبل شيئاً من البدع والخرافات؟

    الجواب: نعم، نسب كثير من الضالين، والمنحرفين، إلى الإمام أحمد من الأقوال الضالة ما هو منها براء، ومن أشهر ما ينسب إلى الإمام أحمد، وإلى الحنابلة بشكل عام: أنهم مشبهه، فقد زعم الضالون أن الحنابلة يشبهون الله تعالى بخلقه، وذلك لأن الحنابلة، والسلف يثبتون أسماء الله تعالى، وصفاته، فيقولون: إن الله عز وجل قد قال في كتابه أن له وجهاً: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27] وله يدان بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] فإننا نثبت بأن لله وجهاً ويدين تليقان بجلاله، من غير تشبيه، ولا تمثيل بخلقه، فأخذ ذلك المبتدعة، وأدعوا أن الحنابلة وغيرهم من أهل الحديث، ومن المثبتة عموماً، أنهم مُشبِّههٌ، يشبهون الله تعالى بخلقه، وهذا لا شك من الباطل.

    الفتوى

    السؤال: هل من أفتى شخصاً وفتواه صحيحة، لكنه لم يستدل من القرآن والحديث، فهل فتواه صحيحة؟

    الجواب: ينبغي لمن سأل شخصاً أن يسأله عن دليله فيما أفتى؛ لأن الحجة بقول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن لا ينبغي له أن ينقل هذه الفتوى إلى أحد، إلا إن كان أهلاً لنقل الفتوى، فما كل أحد ينقل الفتوى حتى يكون فاهماً لمعناها، عارفاً بها، عالماً بشروطها.

    وبعض العوام يسمعون العالم يقول: لا ينبغي، فيقولون: فلان يقول حرام! وهناك فرق بين "لا ينبغي" وبين "حرام" لا ينبغي: كلمة عامة قد تدل على أنه يكره هذا الأمر، أو من باب الورع، أو يرى تحريمه، لكن لم يصرح بالتحريم، فيقولون: (فلان يقول: لا ينبغي) يفهمون أنه يقول: (لا يجوز، وأنه حرام)...!

    ليس كل أحد يحق له أن ينقل الفتوى، حتى يكون أهلاً للنقل، ويكون متثبتاً منها.

    علاقة المغرضين بالعلمانية

    السؤال: من خلال هذه المسالك التي يحترفها المغرضون للنيل من ورثة الأنبياء، تتمخض أسئلة أو جزها بالآتي:

    ما هوية أولئك المغرضين؟ وهل ثمة علاقة بين العلمانية وهذا النيل، وخاصة عقب استفحال العلمنة واستشراء النيل من علماء الأمة في وقتنا؟

    الجواب: النيل من العلماء هو همُّ مشترك لطبقة كبيرة من الناس

    الطبقة الأولى منهم: طبقة أصحاب الأهواء، الذين قد يتبعون رجلاً آخر، فينالون من الأول، ويقعون في عرضه؛ لأنه لا يوافقهم على بعض اجتهاداتهم وآرائهم.

    الطبقة الثانية: أعداء الإسلام، الذين يريدون أن يفصلوا المجتمعات الإسلامية عن قياداتها العلمية الشرعية، حتى تتبعهم، ولذلك تجدون أجهزة الإعلام في كثير من بلاد الإسلام تشوه صورة العالم، كم من صحيفة تصدر في بلد إسلامي تصور العلماء؛ أصحاب اللحى والعمائم كما يقولون، على أنهم (كما ذكرت قبل قليل) يفتون (بفرخهٍ) مثل ما يقول بعضهم! وأنهم يمسحون أعتاب السلاطين، وأنهم من أصحاب ذيل بغلة السلطان، يعنون (قصة) وذلك أنه يقال: إن أحد العلماء يقول: لو رأيت بغلة السلطان مقطوع ذيلها، فلا تقل: بغلة السلطان مقطوع ذيُلها؛ لأن هذا من التنقص للسلطان، بل قل: بغلة السلطان تامة الخلق، ولها ذيلٌ يضرب إلى الأرض! فهذا من إكرام السلطان! يقصدون بهذا المثال الناس الذين يداهنون في الحق، فكثير من أجهزة الإعلام: صحافة في بلاد إسلامية وإذاعة، وتلفزة، (وإن كان كثير من هذه الصحف لا تصل إلينا، وبعضها قد لا نقرؤها، لكن تؤثر في عقول كثير من الناس، وتشوه صورة العلماء.

    حتى في تأريخ العلماء السابقين طالما شوهوهم. مثلاً: عندي صحيفة مصرية في منتهى الخطورة، عندي منها أكثر من عدد، تكلمت على ابن تيمية، ونالت منه نيلاً شديداً، حتى إنها قالت بالخط العريض ابن تيمية مجدد فكر الخوارج في القرن السابع، وشتمت ابن تيمية بشكل غريب جداً، واتهمته بشتى التهم، ورددت الكلام الذي يقوله أعداؤه فيه من ذلك القرن.

    وفي العدد الذي بعده، المجلة نفسها تعرضت للشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخط العريض: مجدد فكر الخوارج في القرن الثاني عشر، ورددوا الكلام، والأكاذيب التي ذكرتها لكم قبل قليل.

    وفي العدد نفسه ورد كلام عن الشيخ الألباني حفظه الله، واتهموه بتهم هو منها براء، وسبوه، ونالوا منه بشكل غريب، فهؤلاء طبعاً صوفية، لكن هناك طبقات كثيرة.

    إذاً هناك الصوفية، وهناك العلمانيون، وهناك أصحاب الأهواء الأخرى، وهناك الهمج الرعاع اتباع كل ناعق.

    من أجمع الناس عليه

    السؤال: عبارة تنسب تارة لـعبد الله بن المبارك، وأخرى لـابن تيمية -رحمهما الله- لست أدري هل تقبل على إطلاقها؟ أم أنها تحتاج إلى شيء من التفصيل؟

    نصها: إذا رأيتم رجلاً اتفق الناس عليه من حيث القبول فهو منافق لا ريب.

    الجواب: هذه الكلمة لم أقف عليها بهذه الحروف، لكن الكلمة لها معنى في جانب صحيح، وهو أن الإنسان المؤمن لا بد أن يبغضه المنافقون، والزنادقة، والكفار، والملاحدة.. لا بد من ذلك ولا حيلة في دفع عداوتهم، حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لهم أعداء وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً [الأنعام:112] فلو فرض ووجد إنسان أطبق الناس عليه، يعني مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم ومنافقهم، وصالحهم وبرهم وفاجرهم، فلا شك أن هذا الإنسان منافق.

    غيبة الفاسق، وما يجوز في بلد ولا يجوز في بلد آخر

    السؤال: يقول: ذكرت أن بعض المسائل قد تجوز في بلد ولا تجوز في بلد آخر، مراعاة لحال الناس، نريد مثالاً لذلك؟ ويقول نريد اسم الرجل الذي تكلم في الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث إنه لا غيبة لفاسق؟

    الجواب: نريد من الأخ، ما دمنا في باب التثبت، نريد أن يخرج لنا حديث لا غيبة لفاسق، لا يصح في هذا الباب حديث لا غيبة لفاسق، لا غيبة لمجهول، أترعوون عن ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس، في هذا الباب جميع الأحاديث والآثار الواردة فيه ضعيفة، أما الفاسق فإن غيبته فيها تفصيل: فإن كانت هناك مصلحة من ذكر فسقه، لتحذير الناس منه، أو أنه مجاهر بفسقه، مظهر له بين الناس لا يبالي، فلا غيبة له، وإلا فلا ينبغي أن يغتاب.

    وبالنسبة للرجل الذي تكلم في الإمام محمد بن عبد الوهاب: هو زيني دحلان، والواقع أني نسيت اسم الكتاب، وهو كتيب صغير طبع أكثر من طبعة في عدد من البلاد.

    أما النقطة الأولى: التي يقول فيها مراعاة حال الناس في الفتيا، فلعلي أجيبكم بفتيا، أو بقضية واقعة، وربما سمعت من بعض الشباب استغراباً لها، فإن سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بل واللجنة الدائمة، أفتوا بتحريم قيادة المرأة للسيارة في هذه البلاد، ولا شك أن تحريم قيادة المرأة للسيارة في هذه البلاد، لأن فيها مفاسد ظاهرة، تستدعي التحريم، وإغلاق هذا الباب في وجه الذين يريدون أن يصطادوا في الماء العكر، من خلال إثارة مثل هذا الموضوع، لأن موضوع قيادتها للسيارة لو فتح لترتب عليه مفاسد عظيمة لا يقدر قدرها إلا الله، وللإنسان أن يتصور مجموعة مفاسد تترتب على إمكانية أن تكون الفتاة منفردة بسيارتها، أو تسافر فيها، وتذهب، وتجيء.

    فقَدَّرَ العالم مفاسد، قدر في ذهنه مفاسد شرعية، ليست المسألة مصلحة شخصية، والشرع -كما قال العلماء- جاء بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا كان الأمر يجر إلى مصالح كبيرة فهو مطلوب، وإذا كان الأمر يجر إلى مفاسد فهو ممنوع، فإذا قدَّر العالم أنه يترتب على هذه القيادة من المفاسد كيت، وكيت، فإنه يفتى بالتحريم.. هذا مثال.

    كيفية الرد إذا أخبرك أحد الناس بحادثة غير صحيحة

    السؤال: هل من الأدب إذا جاءتك حادثة ليست بذاك أن تقول لصاحبها: ليست صحيحة؟ أم الأخذ بها بعدم الاقتناع؟

    الجواب: إذا لم تكن الحادثة مهمة، ولا يترتب عليها حكم شرعي، فلا يلزم أن تواجه صاحبها بما يكره فتقول له: هذا كذب، لكن لا بأس أن تشعره بالتثبت، أو تقول (والله هذا الأمر غريب) (رأيت كذا، أو سمعت كذا، أو أعرف كذا، بحيث تضع عنده إشارة إلى أنه ينبغي أن يتثبت في مثل هذه الأخبار.

    الرجوع عن الفتوى

    السؤال: يقول: أرجو توضيح الآتي:

    التثبت في نقل كلام العلماء؟

    القدح في العالم عندما يفتي بفتوى، فيتبين له الحق، فيرجع عن فتواه، فيكون فيه الكلام والقدح؟

    الجواب: بالعكس! العالم إذا رجع عن فتواه، هذا دليل على كمال علمه وورعه، لأنه لا يجرؤ على الرجوع عن فتواه إلا إنسان عنده دين، وورع، وعلم، فالعلم يتجدد، وليس هناك أحد من العلماء حوى العلم كله، بل ما من أحد إلا ويكون فاته شيء من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتبين له بعد ذلك، فمن استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فرجع إليها، وأخذ بها، فهذا دليل على عقله وعلمه ودينه وورعه، وليس مما يذم أو يعاب فيه.

    قوله صلى الله عليه وسلم: {ما المسئول عنها بأعلم من السائل}، هو مثل قول: (لا أدري)

    السؤال: ألا يكون قوله: صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الساعة: {ما المسئول عنها بأعلم من السائل} بمعنى قوله: لا أعلم؟

    الجواب: بلى، هو كذلك.

    نصيحة حول القراءة

    السؤال: في أثناء حديثك تكلمت عن الفراغ، وأنا ولله الحمد أريد أن أقرأ، لكن عندما أبدأ في كتاب معين، أستمر مدة، ثم أشعر بالكسل، وأترك القراءة، فما هي الطريقة الصحيحة لتلافي هذه المشكلة؟

    الجواب: هذه لا بد فيها من عدة أمور:

    أولاً: لا بد أن تختار الكتاب المناسب، لأن بعض الناس قد يختار كتاباً لا يناسب مستواه، فإذا بدأ لم يستفد منه، وصعبت عليه القراءة.

    ثانياً: يحسن أن تبدأ بالكتب التي تعين على القراءة، مثل كتب القصص، والتأريخ، والأخبار، والسير، والتراجم، والمغازي، والسيرة النبوية، ونحوها من الكتب التي تعين على القراءة، ويكون فيها نفع وفائدة.

    الأمر الثالث: أن يبدأ الإنسان بالكتب الصغيرة، مثل الرسائل والكتب المختصرة.

    الأمر الرابع: أن على الإنسان أن يربي نفسه، أنه إذا بدأ في كتاب لا يتركه حتى ينهيه، يعود نفسه على ذلك، فالخير عادة، وقد استفدت من هذا كثيراً، فإذا بدأت بقراءة كتاب، قد أجد بعدما اقرأ منه مائة صفحة أن الكتاب ليس بالدرجة المطلوبة، لكني أحببت أن أعود نفسي وأدربها على أنه إذا بدأت في كتاب، ولو كان أقل مما أريد أكمله حتى آخره.

    فالنفس بحاجة إلى تربية وتهذيب، فالأولى بالإنسان أن يربي نفسه، قبل أن يحتاج من الناس إلى أن يربوه، فوطِّن أنفسك وعوِّدها أنك إذا بدأت في كتاب لا بد أن تكمله مهما تكن الأسباب.

    الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال

    السؤال: وردت عدة أسئلة عن الاستدلال بالأحاديث الضعيفة التي ليس ضعفها شديداً في فضائل الأعمال؟

    الجواب: ذهب جماعة كثيرة من أهل العلم والحديث إلى أنه يجوز الاستئناس بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، بمجموعة شروط، لم تجتمع عند عالم بعينه فيما أعلم، ولكن من خلال قراءتي، تبين لي أن الشروط أربعة:

    الشرط الأول: ألا يكون الضعف شديداً.

    الشرط الثاني: أن يكون للحديث أصل يشهد له؛ بمعنى ألا يكون الحديث جاء بقضية جديدة، فلو جاءنا حديث يقول مثلاً: تصلي سبع ركعات بعد صلاة الظهر، وتركع في الركعة الأولى ركوعين، وتسجد أربع سجودات، فهذا ولو كان ضعفه غير شديد لا يقبل، لأنه ليس هناك أصل يشهد له، فهذه صلاة صفتها مختلفة لا تقبل بحديث ضعيف، فلا بد أن يكون له أصل يشهد له.

    الشرط الثالث: ألا يعتقد عند العمل به أنه ثابت، بل يعمله على سبيل التحري، والاحتياط، من باب الخير العام.

    وهناك شرط رابع أشار إليه بعض أهل العلم -وذلك مما يستفاد ويقتبس- وهو أن لا يحافظ على هذا العمل محافظته على السنن، هذا بالنسبة للحديث الضعيف، لكن في روايته إذا رواه لا بد أن يبين أنه ضعيف، إلا إن كان ضعفه منجبراً من طريق آخر.

    الجمع بين نية النافلة ونية القضاء في صوم يوم واحد

    السؤال: هل يجوز الجمع بين صيام ست من شوال، وقضاء ما أفطر من رمضان بنية واحدة؟

    الجواب: بعني أن يصوم يوماً واحداً مثل يوم السبت، ينويه من الست، وينويه قضاءً، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال.

    تجديد الوضوء لكل الصلاة

    السؤال: هل تجديد الوضوء لمن بقي على وضوئه تلاعب بالسنة؟ أم هو من السنة؟

    الجواب: من السنة أن يتوضأ الإنسان لكل صلاة، وكانت هذه عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، يتوضأ لكل صلاة، ولذلك في الفتح: صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه، قال: عمداً صنعته يا عمر.

    الفتوى بالواسطة

    السؤال: ما هو الطريق الصحيح في أخذ الفتوى من الناس، نقلاً عن العلماء؟ هل تنقل مباشرة؟ أم تترك مباشرة؟ أم هناك تفصيل في القضية؟

    الجواب: أولاً -الحمد لله- الفتوى اليوم متيسرة، وهناك كتب مصنفة في الفتاوى، فسماحة الشيخ عبد العزيز قد صدر مجلدان من فتاويه، والبقية في الطريق، فضيلة الشيخ ابن جبرين صدرت له فتاوى، والشيخ محمد بن عثيمين صدر له عدد من دروس الحرم والفتاوى وغيرها، وهي موثقة بحمد الله، ومقروءة على فضيلة الشيخ، ومشايخ آخرون فتاويهم مكتوبة، والشيخ عبد الله بن حميد -رحمه الله- يُشتَغَل فيما علمت بإعداد فتاويه للطباعة وإصدارها، فيعتمد الإنسان أولاً على هذه الكتب.

    ثانياً: هناك الأشرطة المسجلة للعلماء السابقين وغيرهم، بأصواتهم وهي موثقة.

    ثالثاً: الهاتف، يستطيع أن يتصل الإنسان بمن شاء ويتثبت منه، وحينئذٍ لا داعي أن تأخذ فتوى بالواسطة، قال فلان، قال فلان، كم مرة سألني بعض الناس يقولون: سمعنا عن الشيخ فلان فتوى بكذا، وأنا قرأت، أو سمعت من الشيخ مباشرة خلاف ما ذكروا.

    صحة حديث إذا فسد أهل الشام

    السؤال: ما مدى صحة حديث {إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم

    الجواب: ورد هذا الحديث بسند صحيح من طرق عديدة.

    ما صحة حديث خير الأسماء ما حمد وعبد

    السؤال: ما صحة حديث خير الأسماء ما حُمِّد وعُـبِّد؟

    الجواب: هذا حديث موضوع، لكن الحديث الصحيح {خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن} وقد سبق ذكر ذلك في محاضرة الأسماء والألقاب والكنى.

    قصة ثعلبة

    السؤال: قصة توبة ثعلبة ومنعه للزكاة؟

    الجواب: هذه إسنادها ضعيف، رواها البيهقي في دلائل النبوة، والطبري، وغيرهما، وسندها ضعيف.

    درجة حديث { تكبيرة الإحرام خير من الدنيا وما فيها }^

    السؤال: تكبيرة الإحرام خير من الدنيا وما فيها؟

    الجواب: أيضاً ليس هناك حديث بهذا اللفظ، وهذا من الأحاديث المشهورة على ألسنة طلبة العلم يمكن أن يضاف، لكن ورد حديث {تكبيرة الإحرام خيرٌ من حمر النعم}وهذا ذكره السيوطي في الجامع الكبير، ونسبه فيما أذكر وإن كنت قديم العهد لـابن عساكر، وعلى قاعدته فهو حديث ضعيف.

    تناقض الفتاوى

    السؤال: نرى كثيراً من فتاوى العلماء يناقض بعضها بعضاً، فهذا يحكم بالجواز، وآخر يحرم، كيف نوفق بين هذا الفتاوى؟

    الجواب: أنت؛ إما طالب علم فانظر في الدليل، والذي يترجح دليله عندك فخذ به، واترك ما عداه، وإما إن كنت عامياً مقلداً، فنقول: انظر إلى هذين العالمين، أيهما أعلم في نظرك وأتقى وأورع، فخذ بفتواه واترك ما عداه.

    موقفنا من الحملة على العلماء

    السؤال: يقول: توجد حملة مسعورة على العلماء، والعجيب أن من أمثال هؤلاء في سلك التعليم والتربية، فما موقف زملائهم منهم؟ ولماذا لا يعريهم العلماء؟ من أجل كشفهم للعامة، لأن كثيراً منهم صاروا يترسمون خطاهم عن طيب قلب؟

    الجواب: هذا يوجد، ومثل هؤلاء ينبغي نصحهم، وإرشادهم ومحادثتهم، فإن أصروا فإنه ينبغي إزالة شرهم، بحيث أن المدرس إذا دخل على الطلاب، وتكلم في العلماء والشيوخ، يدخل بعده مدرس آخر، فيتكلم بنقيض ما ذكر، ويحرص على تحسين الصورة، وبشكل عام فالله تعالى أعلم أن الأمة مقبلة على وضع وحال لا يستطيع الإنسان فيه أن يمنع من يتكلم أن يتكلم، بالحق أو بالباطل، لكن نحن بحاجة إلى أن يظهر أهل الحق ما عندهم، ويدافعوا عن أئمتهم، وعلمائهم.

    والمصيبة أحياناً أنك قد تجد من بعض صغار الطلبة من قد ينال من العلماء، ويفت في عضدهم، وهذه مصيبة كبيرة، لأنها تؤثر في العالم، وتجعله لا يستطيع أن يأمر ولا ينهى.

    ولو أن قومي أنطقتني رماحهم      نطقت ولكن الرماح أجرت

    قصة ماشطة بنت فرعون

    السؤال: يقول هل قصة ماشطة بنت فرعون صحيحة؟ حيث ذكرت في كتاب تحفة العروس، وهل ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء وجد ريحاً طيبة؟

    الجواب: هذا القصة وردت في ابن ماجة، والحاكم عن ابن عباس، ولها عدَّة أسانيد، ووردت عن طريق جماعة من الصحابة، وإن كانت كل طرقها ضعيفة.

    إقبال الدنيا على طالب العلم

    السؤال: ماذا يفعل طالب العلم إذا أقبلت عليه الدنيا؟

    الجواب: يضعها تحت قدميه، يستخدمها ولا يخدمها، فتكون الدنيا كالفراش الذي يقعد عليه، والسيارة التي يركبها، يستخدمها ولا يخدمها.

    تعليق على كثرة الإشاعات على رجال الحسبة

    السؤال: هل من تعليق على كثرة الإشاعات عن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟

    الجواب: هذا طريق الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والإنسان الذي يتصدى لمثل هذا الأمر العظيم الجليل، ويقوم بالنيابة عن الأمة كلها، من مقاومة المنكرات والأمر بالمعروف، وإصلاح الناس وإرشادهم، ينبغي أن يتوقع مثل ذلك، يقول الله عز وجل: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] والواجب علينا معاشر المسلمين كباراً، وصغاراً، حكاماً، ومحكومين، حتى فساق الناس واجب عليهم أن يعملوا على حماية ظهور الدعاة، والعلماء، والمصلحين، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر؛ لأنهم في الواقع يدافعون عنا عذاب الله جل وعلا، فإن من المقرر في سنن الله تعالى أن الأمة إذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصابها الله تعالى بعقاب من عنده، وما دام يوجد في الأمة قوم يهدون بالحق وبه يعدلون، فإن هذه الأمة محفوظة، وهذا المعنى ثابت متواتر، ولعلها تتاح أكثر لبسطه فإنه ما دام يوجد ولو طائفة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقارع الظلم، والفساد في الأرض، فإن الله تعالى يدفع عن الأمة عذاب الاستئصال، والفناء، والهلاك العام فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116] وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:181].

    ولهذا، إذا كان في آخر الزمان، وقبض الله تعالى أرواح المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بعد ذلك بيسير تقوم الساعة، لأنه لم يبق في الأرض إنسان لله تعالى فيه حاجة.

    فهم يقومون بالنيابة عنا، بهذه الفروض المقدسة، وحقهم علينا أقل ما يجب لهم، هو حماية ظهورهم من أن ينالها الناس، والتثبت فيما يشاع عنهم.

    فكثيراً ما نجلس في بعض المجالس فيقول بعض الحضور: فلان فعل كذا، وفلان متسرع، وفلان متعجل، ويذكرون إشاعات، وأقاويل إنما نشرها وأشاعها قوم مغرضون، فإذا بحثت في الموضوع، وتـثبتت وتحريت، وجدت الأمر على خلاف ما قيل، ووجدت أن الحقيقة ليست كما ذكروا، وأن هؤلاء الناس لم يصدر منهم الأمر الذي نسب إليهم.

    نحن لا نقول أنهم ملائكة لا يخطئون، كل الناس يخطئون، ليس هناك أحد لا يخطئ، إلا الإنسان الذي لا يعمل، والذي لا يعمل تركه للعمل بذاته هو عين الخطأ.

    إذاً ليس هناك أحد في الدنيا لا يخطئ لا كبير ولا صغير، لكن المصيبة أن بعض الناس بسبب انفصالهم عن هذا الأمر، وعدم حماسهم له، أصبحوا يفرحون بالوقيعة في مثل هؤلاء الصالحين، ويشيعون مثل هذه الأقوال، وينشرونها في المجالس، ويتكلمون عنها، وهذا ليس بصحيح، بل واجب عليكم أيها الإخوة أن تتثبتوا فيما سمعتم.

    وأنا أقول يا إخواني: جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجهاز الرسمي الذي وكلته الدولة لمقاومة المنكرات، له جهات تمثله، فإذا سمع الواحد منكم أن فلاناً فعل كذا وكذا وكذا، أو أن الهيئة فعلت كذا وكذا وكذا، أنا لا أقول: إنه عليه أن يقول: هذا كذب، ولكن أقل ما يجب عليه أن يذهب إلى الجهاز، وإلى الإخوة العاملين، ويقول: سمعت كذا، وسمعت كذا، وسمعت كذا، وهذا إذا صح أمر لا يليق منكم، فأود أن أعرف الحقيقة، وسوف يذكرون له الأمر الذي حدث بالضبط ويزيلون ما في نفسه. حتى يكون كل إنسان على بينة من الأمر، أما أن نتحول أحياناً إلى أبواق نردد كلاما قاله أحد الفساق، فهذا ليس بصحيح يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] لا بد من التثبت، والتحري في مثل هذه الأمور.

    تجنب الفهم الخاطئ

    السؤال: كيف السبيل إلى تجنب الفهم الخاطئ لكلام العلماء؟

    الجواب: السبيل هو التثبت، وإن كان لا يخلو الناس من إنسان يفهم الكلام خطأً، وينقله خطأً.

    العمل عند تعارض الفتاوى

    السؤال: شيخان، فاضلان، كريمان، تقيان، أدين الله تعالى بحبهما؟ أفتى أحدهما بتحريم أمر، والآخر أجازه، بأيهما آخذ؟

    الجواب: تأخذ -كما ذكرت- إن كنت طالب علم فانظر في الدليل، وإن كنت عامياً فقلد من تثق بدينه، وترى أنه أقوى من الآخر في ذلك، فإذا تساويا عندك، فأعمل بالاحتياط، فإذا أحدهما أباح والآخر حرم، أترك هذا الأمر.

    موقفنا من خطأ العالم

    السؤال: ما دوري إذا سمعت كلاماً عن أحد من أهل العلم قد زل بالتسرع، وكلامه صحيح لم يعرف عنه كذب في كلامه؟

    الجواب: ما من أحد إلا ويقع وتقع له زلة، لكن ليس شأنك أن تتبع الزلات، فتبين لهذا الإنسان أن هذا العالم صوابه عظيم، وخطؤه قليل، فخطؤه قطرة في بحر صوابه وكما ورد {إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث} فإن كانت أخطاؤه قليلة فلتُتَحمَّل، ولا ينبغي أن تشاع وتنقل.

    نسبة الكذب إلى المؤمن

    السؤال: قد ذكرت في مجلس سابق عند تقسيم الناس، بأن منهم من يكذب ولو كان صالحاً، فكيف نوفق بين ذلك والحديث الذي ذكر أن المؤمن لا يكذب، وفقنا الله جميعاً وهدانا للصواب.

    الجواب: من الناس من يكذب ولو كان صالحاً، والواقع أن الصلاح نقيض الكذب، ولكن قد يَنْقُل الكذبَ ويَتَسامح في نقله، فقد يأتي إليه إنسان كذاب فيملي عليه شيئاً فيقبله لغفلته وسذاجته.

    نقل الحديث بالمعنى

    السؤال: هل نقل الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى ينافي ذلك؟

    الجواب: إذا كان ضابطاً للمعنى دقيقاً فيه، وليس الحديث من الأشياء المتعبد بألفاظها فلا حرج في ذلك، لكن ينبغي أن يقول: قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما معناه، أو في النهاية يقول: أو ما في معناه، أو نحو ذلك.

    ابن حزم

    السؤال: ألا يحق لنا أن نقيم ابن حزم مقام الغزالي في محاسبته على أخطائه، خصوصاً وأن هناك تشابهاً في بعض الأخطاء؟

    الجواب: هناك تشابه بينهما في القليل، وبينهما فروق كبيرة جداً، فـابن حزم إمام، فقيه، أصولي، عالم، متبحر، وأخطاؤه وجد من تصدى لها، فالإمام ابن تيمية رحمه الله تكلم عن مآخذ، وملاحظات على ابن حزم وغيره من العلماء، تكلموا عما هو عليه، وهناك كتاب رسالة دكتوراة، اسمه (الإمام ابن حزم وموقفه من الإلهيات) وهو أطروحة دكتوراه في جامعة أم القرى، مطبوع يباع، وتكلم فيه عن بعض المآخذ على ابن حزم.

    الميل القلبي إلى بعض العلماء دون بعض

    السؤال: يجد الإنسان في نفسه أحياناً، ميلاً إلى بعض العلماء دون بعض، أو وَجداً على بعضهم لأسباب شخصية، فهل في ذلك من شيء؟

    الجواب: لا ينبغي أن يكون في قلبك وجد على عالم، أما في ميلك إلى بعضهم دون بعض فلا حرج فيه، سواء أكان ميلاً طبيعياً، أم ميلاً لقوة علمه أم لشدة ورعه.

    تجشم الفتوى لمن هو متصدر

    السؤال: بعض الناس يكون له مكانة في أحد المجالس، وعندما يلقى عليه سؤال لا يعرفه، يحاول أن يجيب عليه بأي طريقة، لكيلا لا تذهب مكانته في المجلس، ما هو رأيكم في ذلك؟

    الجواب: الأولى أن لا يجيب، وإذا قال الإنسان: الله أعلم، أو لا أدري، أو أراجع المسألة، فهذا مما يزيد قيمته، ولكن إن عجز، ولم يَقْوَ على نفسه في ذلك، فإن له طريقة أنه يجيب بأسلوب الحكيم، فلا يجيب على السؤال المطروح، ولكن يأخذ من السؤال قضية يعرفها، ويتكلم عنها بموعظة، أو إرشاد، أو توجيه، في أمور يجزم أنها صحيحة، دون أن يجشم نفسه عناء الفتيا في هذه المسألة الخاصة بعينها.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.