اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التثبت والتبين في النقل للشيخ : سلمان العودة


التثبت والتبين في النقل - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الشيخ عن الثبت والتبين في النقل، ثم ذكر منهج أهل القرآن والسنة النبوية في التثبت موضحاً أنواع التثبت، ثم عرض عرضاً مفصلاً لوسائل التثبت، وختم بالحديث عن واقع الناس في التثبت موضحاً إلى ضعف الناس في هذا الموضوع، وعارضاً لمظاهر هذا الضعف.
أهمية التثبت والتبيُّن في النقل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.أما بعــد:ففي مستهل هذا الدرس، أرجو لنفسي ولإخواني أن نكون ممن قبل الله تعالى منهم أعمالهم الصالحة، فكان قبولها سبباً في زيادة أعمال أخرى، من صيام الست من شوال، والمحافظة على الوتر، أو ما تيسر من قيام الليل، فإن من علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها.أما موضوع هذه الليلة فهو عن: (التثبت والتبين في النقل) وسأتحدث عن هذا الموضوع في عدة نقاط: الأولى منها: عن أهمية الموضوع، والموضوع لا شك في غاية الأهمية، لأنه ما من إنسان إلا وأكثر ما يشتغل منه لسانه، فقد يكون الإنسان أحياناً طريح الفراش، راقداً على سريره سنين طوالاً لا يتحرك منه شيء، لكن لسانه لا يفتر إما بذكر الله تعالى، وإما بغير ذلك؛ ولهذا كانت آداب اللسان من أهم الآداب التي يجب أن يعتني بها الإنسان -كما سبقت الإشارة لذلك في مطلع درس الصمت والمنطق.. ومن آداب اللسان قضيةُ وجوب التثبت والتبين فيما يقوله الإنسان أو فيما ينقله عن الناس. فإننا نجد في واقع الناس اليوم تساهلاً في ذلك وتفريطاً كبيراً، فإن أغلب الناس يتساهلون في نقل ما يسمعون من الأحكام الشرعية والأقوال الفقهية، والأخبار والأحداث وغيرها، سواء أكانت أموراً متعلقة بالتأريخ، والأزمنة الماضية، أم أموراً متعلقة بالواقع الحاضر، وسواء أكانت مما يتعلق بالأحكام -والحلال والحرام- أم كانت مما يتعلق بالأشخاص: من علماء، أو عامة، أو زعماء، أو مشاهير، أو غيرهم.تجد الناس يفيضون في هذه الأحاديث دون أن يردعهم رادع أو يزجرهم زاجر، وكلما كان الإنسان أكثر جهلاً، كان أجرأ على الكلام والخبط والهجوم على مثل هذه الأمور، وللإسلام في ذلك منهج واضح صريح، لابد من بيانه، وهذه هي النقطة الثانية.
 

بيان منهج القرآن الكريم في التثبت

 قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
يقول الله عز وجل: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وقوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] أي لا تقل ما ليس لك به علم، لا ترم أحداً بما ليس لك به علم، وفَسَّرَهُ بعض السلف بقول الزور، وشهادة الزور. وفسره آخرون بالفرية، وكل هذه لا تعدو أن تكون أمثلةً لقفو الإنسان ما ليس له به علم، فإن الإنسان إذا قفا ما ليس له به علم، قال ما لا يعلم وأفتى بما لا يعلم، وقال الزور وشهد الزور، وافترى، وظلم، وكذب، وكل هذا مما ليس له به علم. ولهذا قال قتادة: [[لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا تقل رأيت ولم تر، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله]] رواه ابن جرير، وابن المنذر، وكذلك روى ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس رضي الله عنه أنه قال: [[يقال للأذن يوم القيامة: هل سمعتِ؟ ويقال للعين يوم القيامة هل رأيتِ؟ ويقال للفؤاد يوم القيامة مثل ذلك...!]].إذاً: الله سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نقفو ما ليس لنا به علم، ويبين أن السمع مسئول عنه، يُسأل السمع فيقال للأذن: هل سمعتِ؟ ويسأل الإنسان نفسه هل سمعت؟ والبصر مسئول ومسئول عنه أيضاً يقال: هل رأيت؟ ويقال للإنسان هل رأيت؟ ويقال للعين: هل رأيتِ؟، وكذلك الفؤاد وهو القلب فهو مسئول ومسئول عنه كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] ولهذا ذكر الله عز وجل في مواضع من القرآن الكريم أن الأعضاء تسأل يوم القيامة وتنطق، حتى اللسان، الإنسان الآن ينطق بلسانه، فيوم القيامة يُسأل، فيقال: أما قلت كذا، وكذا؟ فينكر، فيختم الله تعالى على فمه، ويأمر اللسان -هذه اللحمة- أن تتكلم بنفسها، ليس كلام الإنسان الذي يخرج من حلقه، واللسان وسيلة فيه، وإنما ينطق اللسان ذاته فَيُقِرُ، فتشهد عليهم ألسنتهم، يقر اللسان بما قاله الإنسان وبما نطق به، وتقر العين بما فعلت، وتقر الأذن بما فعلت، وتقر الأيدي والأرجل، كل هذه الأشياء تشهد على الإنسان كما ورد في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحك فقالوا: يا رسول الله ممَّ ضحكت؟ قال: {ضحكت من مجادلة العبد ربه يقول يوم القيامة: يا رب إني لا أقبل علي شهيداً إلا من نفسي، أي لا يقبل حتى الملائكة، فيأمر الله عز وجل فيختم على فيه، ويأمر جوارحه فتنطق بما فعل من شر} فتتكلم اليد، والرجل، واللسان، والأذن، والعين، وغيرها من الجوارح قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36]. وكذلك يقول الله عز وجل في موضع آخر من كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] ويأمرنا الله عز وجل بالتبين إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] هكذا قرأها الجمهور (فتبينوا) وقرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فتثبتوا [الحجرات:6] والتثبت والتبين هما بمعنى واحد، وهذا أمر من الله عز وجل للإنسان أن يتبين. أي يطلب البيان ويتثبت أي لا يتكلم إلا بأمر ثابت واضح لا إشكال فيه، وخاصة إن كان الذي جاء بالخبر فاسقاً، إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] ثم علل ذلك بقوله: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً [الحجرات:6] أي لئلا تصيبوا قوماً بجهالة، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] فربما إنسان بلغه عن أخ مسلم خبر فقال به، وأصبح يتكلم في المجالس يقول: فلان فعل كذا، وفعل كذا، وفعل كذا. بعد فترة تبين لهذا المتحدث أن ما كان يقوله عن فلان غير صحيح فهنا هو نفسه أصبح من النادمين، لأنه عرف أنه وقع في عرض أخيه المسلم، واستطال في عرضه بغير حق، وهو أمر لا يمكن تداركه، ولذلك يقول القائل:يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل فعثرته بالقول تودي برأسه وعثرته بالرجل تبرا على مهل فعثرة القدم، قد يعثر الإنسان فيسقط فتبرأ، أي تشفى بعد شهر أو شهرين، لكن عثرة اللسان قد تكون السبب في حَزِّ رأسه، وجرح اللسان لا يمكن تداركه، لأن الكلام إذا خرج من اللسان لا يمكن إرجاعه! ولذلك قال الأولون كما نقل عن عمر رضي الله عنه وغيره، قالوا: [[من كتم سره كان الخيار بيده]] يعني إذا لم تتعجل في الكلام، مثلاً: بلغك عن فلان من الناس أنه قال: كذا وكذا، فأنت صدقت هذا الكلام، لكن قلت: لا داعي أن أتكلم الآن.. أصبر.. أعتبر هذا سراً وأكتمه. بعد ذلك بإمكانك في أي وقت تشاء أن تقوله، ولو سكتَّ شهراً، أو شهرين تستطيع بعد ذلك أن تقول فلان قال: كذا. لكن لو بلغك عن فلان قولٌ، ثم تسرعت في إفاضته، ونشره والحديث عنه؛ فإنه لا يمكن بعد ذلك إرجاعه، [[من كتم سره كان الخيار بيده]] فإذا خرجت الكلمة من الفم لا يمكن إرجاعها، فهي مثل الرصاصة، الإنسان إذا وجه إلى إنسان بندقية، ثم حرك زنادها فانطلقت منها رصاصة صوب شخص معين، قد يندم الإنسان على ذلك، ولكن لا يمكن إرجاعها لأنها وصلت إلى مستقرها وأصابت المقتل الذي وجهت إليه، وكانت سبباً في هلاك هذا الشخص، وفي هلاك مطلقها أيضاً دنيا وآخرة، هلاكه دنيا بالقصاص منه، وهلاكه أخرى بأنه يلقى الله عز وجل بدم أخيه.فاعتبر أن الكلمة التي تخرج من فمك مثل الرصاصة، التي إن أمسكها الإنسان استطاع أن يطلقها في الوقت المناسب، وإن أطلقها بدون تبصر ولا تثبت ولا تبين، فإنه لا يمكن أن ترجع بحال من الأحوال، فالله عز وجل يقول: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ [الحجرات:6]. وقد ذكر أهل السير والتفسير والحديث كما رواه الطبراني، والإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وغيرهم ويقول السيوطي في الدر المنثور: بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه {أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعرض عليَّ الإسلام فأسلمت، ثم عرض عليَّ الزكاة، فقلت: يا رسول الله، أذهب إلى قومي، فأدعوهم إلى الله عز وجل فمن آمن منهم أخذت زكاته، ويأتيني رسولك في إبان كذا وكذا} ضرب له موعداً محدداً {تبعث إلي فيه رجلاً يأخذ مني الزكاة. فجاء الحارث رضي الله عنه إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم جمع منهم الزكاة في الإبّان الذي حدده لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسوا ينتظرون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم، فتأخر عن إبّانه. فقال الحارث بن ضرار الخزاعي لقومه: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد واعدني وقت كذا، وكذا، وليس من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف في الوعد، وخاف الحارث أن يكون أصابه سخطة من الله تعالى، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم} خشي أن يكون الله سخط عليه فأنـزل فيه قرآناً، أو سخط عليه الرسول صلى الله عليه وسلم {فجمع الزكاة، وخرج بقومه، فلما خرج لقي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معهم السلاح، فلما غشيهم قال: ما الذي جاء بكم؟! قالوا: جئنا إليك. قال: وما ذاك؟! قالوا: رددت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردت قتله، وَمَنَعْتَ الزكاة، قال: ما فعلت! ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بعث إليه الوليد بن عقبة مصدقاً } أي يأخذ الصدقة، وهو ابن عقبة بن أبي معيط، فـالوليد بن عقبة جاء للحارث بن ضرار الخزاعي وقومه {فلما أقبل كان بينه وبينهم شيء في الجاهلية، أو كأنه هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنه قد أراد قتلي، ومنع الزكاة فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجيش، وأمرهم بالتثبت من أمر الحارث وقومه، ثم نـزل قول الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]} وهذا الحديث في قصة الوليد بن عقبة، وأنه ادعى أن الحارث بن ضرار الخزاعي أراد قتله، ومنع الزكاة، هذا الحديث، قال فيه السيوطي: بسند جيد كما في الدر المنثور، وجاء له شواهد كثيرة جداً، عن جماعة من الصحابة والتابعين، منها عن علقمة بن ناجية الخزاعي، ومنها عن جابر، ومنها عن أم سلمة، ومنها عن ابن عباس رضي الله عنه، ومنها عن جماعة من التابعين منهم مجاهد، وعكرمة، وقتادة وغيرهم حتى قال الإمام الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب قال: لا خلاف بين أهل التأويل فيما أعلم أن هذه الآية نـزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين ذهب لأخذ صدقات الحارث بن ضرار الخزاعي وقومه.وإن كان بعض المعاصرين حاول أن ينكر هذه القصة، كما فعل الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقاته على كتاب العواصم من القواصم، لكن هذه القصة أشهر من أن ترد أو تنكر. صحيح أن فيها رمي الوليد بن عقبة بأنه فاسق، كما قال الله عز وجل: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] لكن لا يمنع أن يكون حدث منه فسق، ثم تاب منه هذا على وجه، مع أن المشهور عن الوليد بن عقبة -رحمه الله- وغفر الله لنا وله أنه كان عنده تجاوزات وأخطاء كثيرة، ذكرها أهل السيرة وأثبتوها، حتى قال الإمام ابن عبد البر قال: [[ إنها أشياء ثابتة مؤكدة مقطوع بها عند أهل العلم بالأخبار لا شك فيها، منها أنه كان أميراً على أهل الكوفة، فجاء يصلى بهم يوماً، وكان قد سكر -شرب الخمر فسكر- فتقدم وصلى بهم أربع ركعات، ثم التفت وقال: أزيدكم...!فقالوا له: ما زلنا معك منذ الليلة في زيادة!! وقد هجاه الحطيئة بذلك: شهد الحطيئة حين يلقى ربه أن الوليد أحق بالغدر صلى بهم وقال: أزيدكم ثاملاً ولا يدري ]] -إلى غير ذلك من الأخبار والقصص التي نرجو الله أن يعفو عنا وعنه، ولا يمنع أن يكون الرجل قد تاب منها، لكنها اشتهرت عنه، وتداولها أهل العلم بالأخبار، ومن المعلوم أن الصحابي قد يحدث منه زلة ثم يتوب منها، ومن الأمور التي لابد من الإشارة إليها أنه لم ينقل الوليد بن عقبة -رحمه الله ورضي الله عنه-، عن الرسول صلى الله عليه وسلم خبراً واحداً يتوقف قبوله عليه، كما نقل الإمام ابن عبد البر. فهذه أمور وقعت من الوليد، ولا يمنع أن يكون تاب الله عليه منها وأقلع عنها، أو يكون له حسنات تقابلها؛ فإن الوليد بن عقبة من الأجواد، الكرماء، السادة المشهورين، الفصحاء، وله فضائل وأخلاق حميدة، ذكرها مترجموه أيضاً، فقد يكون في العبد حسنات يكفر الله تعالى بها عنه من سيئاته وذنوبه، إن لم يكن تاب منها وأقلع عنها.هذا هو سبب نـزول الآية أن الله عز وجل أمر المؤمنين إن جاءهم رجل فاسق بخبر أن يتبينوا ويتثبتوا خشية أن يصيبوا قوما بجهالة فيقتلوهم، أو يسبُّوهم، أو يقعوا فيهم، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين.
منهج السنة النبوية في التثبت والتبين

 قصة ماعز
ومن الأمثلة العملية أيضا في التثبت والتبين، قصة ماعز بن مالك الأسلمي، وهي في الصحيحين أيضا. لما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووقف أمامه وقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني. فلم يقبل الرسول عليه الصلاة والسلام منه أول مرة، حتى اعترف على نفسه أربعة اعترافات بأنه قد زنى، ثم بعد ذلك ما قبل منه، حتى يتثبت: هل الرجل الآن في حالة سكر؟ تعالوا يا خبراء استنكهوا الرجل -شموه- هل هو سكران؟ قالوا: ما به سكر. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، وقبيلته، فقال: هل في عقله شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! ليس في عقله شيء. حتى تَثَبَّتَ وتبين أن الرجل فعلاً قد وقع في الزنى، فأقام عليه صلى الله عليه وسلم الحد. وكل هذه الأمثلة والقصص وغيرها تربي الصحابة رضي الله عنهم على ضرورة التثبت وعدم التسرع في الأقوال، أو في الأعمال أو في المواقف التي يتخذونها من بعضهم، من إخوانهم المؤمنين.
أنواع التثبت
التثبت له أنواع كثيرة:
 القسم الرابع من أقسام التثبت: التثبت في نقل أقوال الناس
أولاً: أقوال الناس لا يحرص الإنسان على نقلها إلا للحاجة، أما إذا كان على سبيل الإفساد فهو محرم، ولذلك جاء في الصحيحين من حديث حذيفة أنه كان في مجلس، فأقبل رجل، فقال بعض أصحابه: [[هذا الرجل الذي أقبل هذا ينقل الحديث إلى السلطان]] يعني أنه جاسوس يجلس معنا، وإذا سمع كلاماً نقله إلى السلطان، فلما جلس قال حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا يدخل الجنة قتات} وفي لفظ {لا يدخل الجنة نمام } فإن النمام هو الذي ينقل كلام الناس على سبيل الإفساد، فينقل كلام هذا لهذا، وكلام هذا لهذا، ويوغر الصدور ويفتري على الناس، أو ينقل كلامهم الصحيح، ولكن بغرض الإفساد. وكذلك ينبغي للإنسان ألا يتسرع بنقل كل ما يسمع، ولذلك في مقدمة صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع} كفى بالمرء إثماً أي من عظمة الإثم وشدته أن يحدث بكل ما سمع، فإذا سمع كلاماً ذهب يتكلم به، قبل أن يعرف أهو صحيح أم غير صحيح، أحق أم باطل، أثابت أم غير ثابت، أنافع أم ضار، فهذا الإنسان جعل نفسه بوقاً فهو مثل الببغاء، يسمع كلاماً فيردده من دون تبصر ولا تثبت! وهؤلاء في الواقع من أخس الناس وأردئهم وأحطهم منـزلة عند الله وعند خلقة، الذين جعلوا من أنفسهم مجرد مترجمين لأقوال الناس، إذا سمعوا قولاً نقلوه بغض النظر عن تمييزه، عن كونه حقاً أم باطلاً، صواباً أم خطأً، صدقاً أم كذباً، نافعاً أم ضاراً، المهم أنهم يملئون المجالس بالقيل والقال.وفي مسلم أيضا عن عمر وابن مسعود أنهما قالا: [[بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع]] يعتبر هذا كذباً، لأن ناقل الكذب شريكٌ فيه، والناقل لا شك يحمل جزءاً من المسئولية، فـعمر وابن مسعود اعتبرا من ينقل الكلام ويردد كل ما يسمع شريكاً وكاذباً. ومن الطرائف التي تروى، وتنقل في هذا الباب، وهي عجيبة: أن رجلاً من الوشاة الذين ينقلون الكلام وشى بـعبد الله بن همام السلولي إلى زياد، قال له: إن عبد الله بن همام السلولي يتكلم فيك، ويغتابك ويهجوك في المجالس. فدعا زيادٌ عبد الله بن همام السلولي، وأخفى الرجل الواشي في مكان من المجلس، وقال لـعبد الله بن همام السلولي: بلغني أنك هجوتني، فقال: عبد الله بن همام السلولي: ما فعلت أيها الأمير، ولست لذلك بأهل، أي: لست بأهل أن تهجى؛ فأنت رجل فاضل، ما هجوتك، ولست كذلك بأهل لأن تغتاب وتهجى، وتسب ليس فيك أمورٌ ظاهرة تسب فيها. فأخرج الأمير الواشي الذي نقل الخبر، وقال له: أخبرني هذا -وجهاً لوجه- وهذا أمر جيد، فإذا تناقل اثنان كلاما فهاتهم في المجلس، وقل: يا فلان! فلان يقول عنك: (كذا، وكذا) أهذا صحيح أم لا؟ وكما قال المثل: إذا تخاصم اللصان ظهر المسروق، إذا التقوا وأحرجوا، بان الكاذب من الصادق، فإما أن يقول هذا والله أنا أخطأت وكذبت، وإن شاء الله أعتبر هذا درساً لي وتوبة، وإما أن يصر ويقول أنا فعلاً سمعته ويعترف بذلك الآخر.فلما أظهر هذا الرجل، وقال: إن هذا الرجل أخبرني، نظر عبد الله بن همام السلولي في الواشي ساعة ثم أطرق رأسه، وقال له: وأنت امرؤٌ إما ائتمنتك خالياً فخنت وإما قلت قولاً بلا علم لاحظوا الخيار: وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا فخنت، إما أن الأمر بيني وبينك أمانة سر فخنتها، وإما قلت قولاً بلا علم أي كذبت عليَّ.فأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا فخنت وإما قلت قولاً بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا بمنـزلة الخيانة والإثم فأعجب زياد بمنطق عبد الله بن همام السلولي، وأدناه وقربه وجعله من خاصته، وطرد هذا الواشي وأبعده. وكذلك ما يتعلق بالتثبت من أقوال الناس، يدخل في ذلك التثبت من أحوالهم، فأنت مثلاً: قد تحتاج لمعرفة حال شخص من كونه غنياً، أم فقيراً، صالحاً، أم طالحاً، حليماً، أم غضوباً، وغير ذلك، فتحتاج أن تتثبت من الأمر، ولا تقبل فيه أي كلام، افترض أن رجلاً خطب منك يريد أن يتزوج، تأتي وتسأل أي إنسان فيقول لك: والله يا أخي! فلان هذا فيه، وفيه، وفيه، وقد يكون خصماً له، وقد يكون يبغضه في ذات الله فكرهه، وقال فيه ما قال فلابد من التثبت من أحوال الناس. ومع الأسف -أيها الإخوة- أن السلف رضي الله عنهم كان منهجهم التثبت في كل شيء، حتى إن الخطيب البغدادي -وهذه من الطرائف- وغير الخطيب أيضاً فكل العلماء كانوا ينقلون الروايات، والطرائف، والنكت ينقلونها بالأسانيد، وهي عبارة عن نكت ما يقصد منها إلا أن يضحك الناس...! اقرأ مثلاً كتاب تأريخ بغداد، أو كتاب التطفيل للخطيب البغدادي، أو غيره تجده ينقل النكت والطرائف: قصص أشعب، وقصص فلان، وقصص علان، ينقلونها بالأسانيد: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حدثنا فلان أن أشعب مثلا دعاه رجل فقال: لا آتي إليك، فأنا أعلم أنك تجمع خلقاً كثيراً، أي إذا دعوت إلى مأدبة تجمع خلقا كثيراً وأشعب لا يريد الكثرة في المجالس، يريد على الانفراد ليكون أعظم للفائدة! فقال: أنا أعرف أنك رجل جموع أي إذا عزمت تجمع كثيراً، قال: أبداً لا أدعو غيرك، قال: فلما جلس المجلس، إذا بصبي يدخل في هذا المجلس، فقال أشعب لصاحب البيت: يا أبا فلان! هلمَّ إلىَّ، فجاء وجلس إلى جواره قال: ما عندك يا أبا العلاء؟ قال: ما هو الشرط الذي بيننا؟ قال: ألَّا أدعوَ أحداً، قال: فما هذا الصبي الذي دخل؟ قال: هذا ولدي رحمك الله، وفيه عشر خصال لا توجد في صبي: أولها: أنه ما أكل مع ضيف قط -هذه الخصلة الأولى: أنه ما أكل مع ضيف قط- قال له: كفى، كفى رحمك الله التسع الباقية لك...! هذا الشاهد أنه يروى طرائف من هذا النوع، لا يقصد منها إلا إضحاك الناس، يرويها بالأسانيد: هذا ضعيف، وهذا صدوق! والناس اليوم قد يعتمدون على أمور عظيمة، قد يتكلم الواحد منهم بمثل ما ذكرنا في عالم من العلماء، أو داعية من الدعاة، أو مصلح من المصلحين، أو مجاهد أو شخص له بلاؤه في الإسلام وصدقه، وسابقته، فيروى عن الضعفاء، والمجاهيل، والكذابين، والمتروكين، بل قد يقول كلاماً بلا إسناد: فلان فيه كذا وكذا، هل رأيته؟ لا..! -هل سمعته؟- لا! -التقيت به؟- لا. من أين هذا الكلام؟! هذا مفارقة عظيمة بين ما كان عليه السلف من التورع، والتثبت في نقل الكلام حتى في أمور قد تكون أحياناً لا قيمة لها، وبين ما عليه واقع الناس اليوم من قبول كلام أي قائل بدون تبصر ولا تثبت.
وسائل التثبت
أنتقل إلى نقطة خامسة وهي وسائل التثبت: للتثبت وسائل، أذكر منها ما يلي (أذكر ثلاث وسائل فقط):
 الوسيلة الثانية: الاعتماد على الرواة الثقات
وذلك لأن الإنسان قد لا يتمكن أن يتثبت من كل شيء بنفسه، قد يسمع عن أخبار بعيدة، وعلماء بعيدين، وعن أحداث في مناطق نائية وفي بلاد نائية لا يتمكن من الوقوف عليها بنفسه، وهنا ينتقل إلى الخطوة الثانية، وهي أن يعتمد على الرواة الثقات، الأوفياء، الأملياء، كما قال الأولون: [[إن كان صاحبك ملياً فخذ عنه]] إن كان ملياً فخذ عنه، أما إن كان إنسان مثل الريشة في مهب الريح فهذا الإنسان دعه وما جاء به. فالوسيلة الثانية: هي الأخذ عن الثقات: اجعل رجال أسانيدك ثقات مأمونين، معروفين بالصدق والعدالة.وهنا تأتي مشكلة. ما معنى الثقات؟ بعض الناس لو وجد إنساناً صالحاً، مصلياً، متعبداً، ملتحياً، ملتزماً بالسنة، قال: هذا رجل صالح ظاهره العدالة.لا! لا إذا كانت أموراً مهمة فلا تعتمد على مجرد ذلك، ولذلك قبل قليل ذكرت لكم كيف أن السلف كانوا يتقون الرواية عن بعض الصالحين، وذلك لعدم ثقتهم، لا لأنه صالح، لكنه ليس بثقة، مثلا: ذكر ابن عيينة أن شيخاً صالحاً كان بـالكوفة يقول: كان عنده أربعة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بها، قال: فزادت مع الوقت، زادت هذه الأحاديث حتى صارت أربعين، خمسين، ستين، وقال: فجاءه رجل قال: من أين لك هذه الأحاديث التي زادت؟ قال: هذا من رزق الله!!رجل مسكين يلقن أحاديث تدخل عليه، فيقبلها ويرويها، وهو صالح لكنه مغفل.والناس -الصالحون وغير الصالحين:- ثلاثة أصناف:الصنف الأول: الكذابون: وهذا قد يكون فيه تعبد من جهة، لكنه متسرع في الكلام، وربما يكون عنده معصية أو كبيرة الكذب، لأنه معروف أن العبد قد يجتمع فيه نفاق وإيمان، قد يكون زاهداً في الدنيا، لكنه يكذب، قد يقع هذا، وقد يكون إنسان طالباً للعلم، ولكنه قد يكذب أيضا، وهذا -مع الأسف- موجود، وإن كان -بحمد الله- قليلاً، لكن الناس منهم الكذابون الذين يختلقون الكلام، والذي يكذب، ويختلق الكلام، وهذا كما قال الشاعر: لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة الصنف الثاني: مغفلون: وهؤلاء المغفلون لا يختلقون الكلام ويكْذِبُونه، لكنهم أصابتهم غفلة، فصاروا يروون عن كل من دب ودرج، يُلَقَّنُون الأحاديث فيصدقونها، وإذا رأوا إنساناً، قالوا: حدثنا ثقة، وهو ليس بثقة!! وقد يخدعهم كثير من الناس، وقد رأيت كثيراً من القصص، والأخبار يتداولها الوعاظ، وتشيع عند الناس ويقول بعضهم: حدثني ثقة، وإذا تثبتت وجدت أن هذا المتحدث كذاب كبير..! وقد وقفت بنفسي على حالات من هذا القبيل، اغتر بها بعض الدعاة والصالحين، من بعض الإخوة وصدقوها، لأن الذي تحدث بها شخص ظاهره التدين، وهو ملتحٍ، ومن الصالحين في الظاهر، لكنه يختلق الأحداث، ويروي الأباطيل والأكاذيب والموضوعات والأشياء التي فيها تهويل، وبعض الأشياء التي رواها عجز عقلي عن تصديقها؛ لأنها أشياء لا يدل عليها شرع، ولا عقل، وما ذكرت في التأريخ أنها حدثت، وهو يرويها وقع كذا، ووقع كذا، ووقع كذا، يقول: وقع أمس ووقع اليوم، فمن شدة كذب هذه الأشياء تأبَّي عقلي على تصديقها، وتبين بعد فترة أن هذا الرجل يختلق الكلام ويفتريه، ويُغرَّ به بعض الصالحين الذين ينخدعون بمظهره ومن تاب، تاب الله عليه. لكن المقصود أن من الناس كذابون، ومن الناس مغفلون يصدقون الكذابين، فإذا رأوا إنساناً ظاهره الصلاح قبلوا عنه كل ما قال، دون أن يتثبتوا أو يمسوه، أو يعرفوا إن كان هذا الرجل فعلاً يضبط النقل والقول، أم هو إنسان ليس كذلك. ومنهم صنف ثالث: وهم المتعجلون: والمتعجلون هؤلاء ليسوا كذابين، ولكنهم قد يروون الأمور على غير ما هي، فمثلاً قد يسمع كلاماً ونظراً لأنه متعجل فهم بعض الكلام، أو سمع أوله ولم يسمعه كله، فصار ينقله! أو رأى شيئاً فظنه على غير ما هو عليه، مثلاً: إنسان رأى في الشارع اجتماعاً، ورأى سيارات المرور والشرط، فجاء وقال: إنه حدث في مكان كذا وكذا حادث تصادم، ولما ذهبت وجدت أنه ليس هناك حادث تصادم لماذا؟ ليس هذا الإنسان اختلق! لكن هو رأى الزحام، والتجمع، والسيارات، فظن أنه حادث سيارة، وكان في الواقع أن هذا لسبب آخر وليس صداماً، فهو تعجل في خطف الأشياء، فهو من الخطافين الذين يروون بعض الأشياء وينقلونها دون أن يتثبتوا منها، ومثل هؤلاء يجب عدم التعجل في الأخذ عنهم. أذكر أنني شخصيا وقفت، وبلوت أشياء من هذا القبيل، خذوا على سبيل الأمثلة: قال لي إنسان مثلاً أنه في إذاعة كذا، وكذا أذيع ونقل قصة مؤداها كذا وكذا، وفي الواقع أن هذه القصة من الغريب جداً أن تذاع في تلك الإذاعة مهما كان هذا الأمر فيها غرابة، فأنا أعلم أن الذي حدثني ليس بكذاب، لكني عرفت أنه سمع إذاعة أخرى، فظنها الإذاعة التي يقول، وكان الخطأ منه في معرفة أي الإذاعات التي سمع منها هذا الكلام الخطير الذي نقله.مثل آخر: شخص قال لك: إنه سمع في إذاعة ما مثلاً إنه هناك أناس يقرءون القرآن على الموسيقي! هذا أمر عظيم أن يقع في المسلمين؛ لأن الكفار لا يفعلونه فضلاً عن المسلمين، وإن كان وقع في إحدى الإذاعات مرة فهو من الأخطاء التي نادراً ما تقع، لكن هذا الإنسان يقول أنا سمعت! فتبين أن هذا الإنسان تتداخل عنده الموجات، فيسمع إذاعتين في وقت واحد، ويقع عنده اللبس بسبب ذلك.فلا تظن أنه إذا كان الذي أمامك رجل ثقة، وصدوق، معناه أن كل ما يحدثك به صحيح، لا! حاول أن تتثبت، وتتأكد، وتتحرى، وخاصة إذا كان الأمر الذي يحدثك به فيه شيء من الغرابة، والنكارة والمخالفة للمألوف والمعتاد، فحينئذ يجب أن تتحرى، وتتثبت أكثرَ، وأكثرَ. الأمر الثالث: أنا قلت لكم ثلاث نقاط في الوسائل:النقطة الأولي -التي ذكرت- هي الوقوف بنفسك على الشيء.النقطة الثانية: ألا تأخذ إلا من الثقات الأثبات المتثبتين.النقطة الثالثة: هي التوقف. لم يتبين لك الأمر، توقف حتى يستبين لك، وإن كان شراً، فعليك أن تقول: هذا بهتان عظيم، وتنكره ما دام يتعلق بأخيك المسلم الذي تظن به الخير، حتى يثبت لك خلاف ذلك.
واقع الناس في موضوع التثبت
وواقع الناس في هذا الموضوع وفي غيره واقع محزن، كما قال الإمام أحمد: [[إنك في زمان قَلَّ أن ترى فيه شيئاًَ معتدلاً]].
 الإعلام
الأمر الثالث الذي به بلي الناس: الإعلام؛ فإن كثيراً من الناس أصبح الإعلام هو الذي يشكل حياتهم، فهم يسمعون، ويشاهدون أشياء كثيرة تؤثر فيهم أبلغ التأثير، ولا شك أن الإعلام العالمي تسيطر عليه اليهود في مراكز الإعلام في أوروبا، وأمريكا، وغيرها. ووكالات الإعلام التي تنشر الأخبار، والأقوال، والتقارير وغيرها هي في غالبها وكالات إعلام يهودية، وحسبك باليهود في نشر الخبث، والشر، والفساد، والكذب، فيتلقى الناس أخبارهم عن الإعلام...! ومع الأسف فإن المسلمين قد يتلقون أخبار إخوانهم المسلمين بواسطة الإعلام الغربي، فقد ينقل المسلمون أخبار الجهاد الأفغاني مثلاً، أو أخبار الجهاد في فلسطين، أو الفلبين، أو أخبار العلماء المجاهدين في أي بلد، بواسطة الغرب الذي يشوه الحقائق، ويقلب الحق باطلاً، وإذا رأى إنساناً صالحاً من أهل السنة والجماعة، وصفه بأنه أصولي، أو متطرف، أو متشدد، أو ما أشبه ذلك.ولذلك أصبحت هذه المصطلحات نفسها تشيع في إعلام المسلمين، فتجدهم يقولون: مثلا، الأصوليون في أي بلد إسلامي: الأصوليون في مصر، الأصوليون في فلسطين، الأصوليون في أفغانستان! من هم الأصوليون؟ الأصوليون هم أهل السنة والجماعة. طبعاً يعتبرون هذا عبارة ذم يسمونهم بالمتطرفين مثلاً، أو يسمونهم بالمتشددين، ويقابلونهم بالمعتدلين، والمعتدلون هم الذين لديهم استعداد لموافقة الغرب على ما يريد، والقبول بالحلول الاستسلامية -مثلاً- إلى غير ذلك، فأصبح الإعلام يؤثر في واقع الناس، ويتقبلون ما يأتيهم من الإعلام على أنه حق.وقد قرأت -على سبيل المثال- وهذه نكته لكن انظروا كيف يشوه الإعلام في صحيفة عربية تصدر في الغرب، في فرنسا، كتبوا عن المسلمين في الجزائر وجهادهم، وسبوهم، وذموهم، وقالوا: إنهم استغلاليون، حتى إنه بلغ من استغلالهم أنهم (يعنون أن المسلمين في الجزائر) (أو دعاة المنهج الصحيح) عرفوا أن هناك منخفضاً جوياً، وأن هناك احتمالاً لهطول أمطار، فأعلنوا أنهم سوف يستسقون قبل ذلك بيوم، فأقيمت صلاة الاستسقاء في المساجد ودعا الناس، فبعد ذلك بيوم هطلت الأمطار، فاستغلوا هذا الكلام من الأعداء، قد يقرؤه إنسان فيصدقه ويظنه صحيحاً، والواقع أنه ليس كذلك، إنما هؤلاء قوم إن شاء الله -صالحون استسقوا فسقوا، لكن قلب الإعلاميون الخبثاء من أعداء الإسلام الحقائق، وزوَّروها، ولبسوها لبوساً غير صحيحه، وخدعوا بها بعض المسلمين وبعض الصالحين، ولذلك وقع الناس في أشياء كثيرة من ذلك.
مشكلات يعاني منها الناس
وقد أشرت إلى أن الناس في هذا العصر يعانون من ثلاث مشكلات: أولاها: مشكلة الفراغ القاتل بالنسبة لكثير من الناس، حيث يجدون فراغاً في أعمارهم، وأوقاتهم يزجونه في الكلام في أمور لا طائل تحتها ولا جدوى من ورائها. الثانية: هي قضية غياب التربية؛ حيث قلَّ المربون والموجهون والناصحون، وصار كثيرٌ من الناس يعتمدون على أنفسهم في هذه الأمور، ولا يتلقون التربية الصحيحة التي تحجزهم عما حرم الله وتوجههم نحو الأفضل.النقطة الثالثة: هي هيمنة أجهزة الزور على عقول الناس وحياتهم، حيث تملي عليهم ما يقولون، وما يفعلون، وما يتصورون، وتؤثر فيهم تأثيراً بليغاً، وهذا لا يعني بالضرورة أبداً أن كل الناس متسرعون، متعجلون، كلا! فإن هذه الأمة لا تخلو من صنف من الناس يلتزمون سبيل المحجة، ويكونون قدوة حسنة لغيرهم، وما زال في هذه الأمة -بحمد الله- كثير من العلماء، وطلبة العلم، بل ومن العامة أيضاً -ممن يكون منهجهم التثبت، فإذا سمعوا قولاً استغربوه ونفرت منه عقولهم، فإنهم لا يتقبلونه حتى يتثبتوا منه: إما بسؤال صاحبه المختص به، أو بسؤال الثقات، فإن لم يستطيعوا هذا ولا ذاك، توقفوا عن هذا الأمر ولم يفيضوا فيه. وهؤلاء بحمد الله موجودون، فليس الحديث حديثاً عن العامة كلهم، عن جميع الأمة، وإنما هو حديث عن بعض السلبيات التي توجد عند طبقات معينة من الناس.
 الإعلام
الأمر الثالث الذي به بلي الناس: الإعلام؛ فإن كثيراً من الناس أصبح الإعلام هو الذي يشكل حياتهم، فهم يسمعون، ويشاهدون أشياء كثيرة تؤثر فيهم أبلغ التأثير، ولا شك أن الإعلام العالمي تسيطر عليه اليهود في مراكز الإعلام في أوروبا، وأمريكا، وغيرها. ووكالات الإعلام التي تنشر الأخبار، والأقوال، والتقارير وغيرها هي في غالبها وكالات إعلام يهودية، وحسبك باليهود في نشر الخبث، والشر، والفساد، والكذب، فيتلقى الناس أخبارهم عن الإعلام...! ومع الأسف فإن المسلمين قد يتلقون أخبار إخوانهم المسلمين بواسطة الإعلام الغربي، فقد ينقل المسلمون أخبار الجهاد الأفغاني مثلاً، أو أخبار الجهاد في فلسطين، أو الفلبين، أو أخبار العلماء المجاهدين في أي بلد، بواسطة الغرب الذي يشوه الحقائق، ويقلب الحق باطلاً، وإذا رأى إنساناً صالحاً من أهل السنة والجماعة، وصفه بأنه أصولي، أو متطرف، أو متشدد، أو ما أشبه ذلك.ولذلك أصبحت هذه المصطلحات نفسها تشيع في إعلام المسلمين، فتجدهم يقولون: مثلا، الأصوليون في أي بلد إسلامي: الأصوليون في مصر، الأصوليون في فلسطين، الأصوليون في أفغانستان! من هم الأصوليون؟ الأصوليون هم أهل السنة والجماعة. طبعاً يعتبرون هذا عبارة ذم يسمونهم بالمتطرفين مثلاً، أو يسمونهم بالمتشددين، ويقابلونهم بالمعتدلين، والمعتدلون هم الذين لديهم استعداد لموافقة الغرب على ما يريد، والقبول بالحلول الاستسلامية -مثلاً- إلى غير ذلك، فأصبح الإعلام يؤثر في واقع الناس، ويتقبلون ما يأتيهم من الإعلام على أنه حق.وقد قرأت -على سبيل المثال- وهذه نكته لكن انظروا كيف يشوه الإعلام في صحيفة عربية تصدر في الغرب، في فرنسا، كتبوا عن المسلمين في الجزائر وجهادهم، وسبوهم، وذموهم، وقالوا: إنهم استغلاليون، حتى إنه بلغ من استغلالهم أنهم (يعنون أن المسلمين في الجزائر) (أو دعاة المنهج الصحيح) عرفوا أن هناك منخفضاً جوياً، وأن هناك احتمالاً لهطول أمطار، فأعلنوا أنهم سوف يستسقون قبل ذلك بيوم، فأقيمت صلاة الاستسقاء في المساجد ودعا الناس، فبعد ذلك بيوم هطلت الأمطار، فاستغلوا هذا الكلام من الأعداء، قد يقرؤه إنسان فيصدقه ويظنه صحيحاً، والواقع أنه ليس كذلك، إنما هؤلاء قوم إن شاء الله -صالحون استسقوا فسقوا، لكن قلب الإعلاميون الخبثاء من أعداء الإسلام الحقائق، وزوَّروها، ولبسوها لبوساً غير صحيحه، وخدعوا بها بعض المسلمين وبعض الصالحين، ولذلك وقع الناس في أشياء كثيرة من ذلك.
معايب الناس في موضوع التثبت

 التساهل في النقل والتوسع فيه
نقطة أخرى في موضوع واقع الناس: موضوع التساهل في النقل والتوسع فيه، وفيما يروى كما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، يقول: إن عيسى عليه السلام مرَّ ومعه قومه، فقال لمن حوله: لو مررتم برجل نائم وقد كشفت الريح بعض ثوبه، وبانت عورته، ماذا كنتم تصنعون؟ قالوا: كنا نرده عليه -نغطيه- قال: بل كنتم تكشفون ما بقي، يقول عيسي: بل كنتم تكشفون ما بقي!!إن فئة من الناس إذا علموا بعيب لم يستروه، بل زادوه من عندهم عيوباً، ونشروه وأشاعوه بين الناس، ويحرصون على ذكر السيئات وستر الحسنات، وهذا خلاف الواجب للمسلم كما قال محمد بن سيرين رحمه الله: [[إنه ظلم لأخيك أن تذكره بأقبح ما تعلم، وتنسى أحسنه]].وقد ذم الأقدمون من الشعراء وغيرهم مثل هذه النوعية من الناس، يقول أحدهم: ما بال قوم لئام ليس عندهمو دينٌ وليس لهم عهد إذا اؤتُمنوا إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا منا وما سمعوا من صالح دفنوا إذا سمعوا الريبة والشك نشروه وفرحوا به، وإذا سمعوا الأمر الصالح دفنوه وستروه عن الناس. صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أَذِنُوا (صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرتَ به) أي ليس لهم آذان فلا يسمعون، (وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا) أي: سمعوا وأنصتوا.وهذا يدل على عيب الإنسان نفسه؛ أي إذا وجدت الإنسان لا يقع إلا على الأخطاء، فاعلم أن ذلك لعيب في نفسه؛ فإن الإنسان الناقص هو الذي يبحث عن نقائص الآخرين، ويذمهم بما فيهم وبما ليس فيهم.أما الإنسان الذي هو أقرب إلى الكمال، فإنه يذكر محاسن الناس، ويعرض عن مساوئهم، فلا يذكرها إلا بقدر الحاجة، ولذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يذكر عنده أحدٌ بسوء، ولا يُتكَلم في عرض أحد وهو حاضر عليه الصلاة والسلام، ولا يحب أن يذكر عنده أحد بسوء، ولا أن يُنهش عنده عرض، ولا أن يُذَم عنده مسلم، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم!!وبعض الناس إذا سمعوا نقلاً، أو قولاً، أو قيل لهم في شئ، ردوا بأبشع ما يقال، فإذا قيل: إن فلاناً يقول فيك كذا، وكذا، وكذا، فإن هذا الإنسان الذي قيل فيه ما قيل، يرد كما يقال: يرد الصاع صاعين، وهذا ليس هو الأدب الواجب.يُرْوَى أن أم الدرداء رضي الله عنها جاءها رجل، وقال: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا، وكذا فذكر فيها كلاماً باطلاً فقالت له أم الدرداء رضي الله عنها: [[إن نُؤْبَن بما ليس فينا، فطالما مُدحنا بما ليس فينا]] أي كما أن هذا سبني وذكر أشياء ليست موجودة عندي، كذلك هناك ناس مدحوني، وقالوا فيّ أشياء ليست موجودة عندي، فهذه بهذه، هذه تقاوم هذه، ولم تسمح لنفسها أن تعلق على الموقف بشيء آخر.وهناك رجل آخر قيل له: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا، وكذا، فقال: [[ألهاني عن الرد عليه ما أعلمه من نفسي]] ألهاني عن الجواب على هذا الإنسان ما أعلمه من نفسي، فلديَّ عيوب هو لا يعلمها، ولا قالها حتى الآن، فمعرفتي بعيوبي ألهتني عن الرد على الآخرين.ومن طريف ما يروى في هذا الباب ما ذكره ابن حبان في نـزهة الفضلاء، يقول: إن الشعبي -الإمام المعروف- كان في مكان، وإلى جواره قوم بينه وبينهم جدار ساتر، فلم يعلموا بوجوده، فكانوا يقعون في عرضه، ويتكلمون فيه، فانتظر لعلهم أن يسكتوا، ولكن القوم أفاضوا واستمروا! فطلع عليهم الشعبي برأسه وقال لهم: هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامرٍ لِعَزَّةَ من أعراضنا ما استحلتِ ففوجئوا بذلك، وأسفوا، وندموا، واستحلوه، وعاهدوه على ألا يعودوا لذلك، فسامحهم في ذلك.إذاً: خلاصة ما سبق:أن الإنسان يجب أن يحرص على أن يكون متثبتاً في الأخبار، ولا يتعجل في قبولها، وإن وجدت بعض أمائر الصدق، حتى يجد لذلك حجة قويةً، وإن كانت الأخبار تتفاوت، فهناك أشياء بسيطة لا يترتب على تصديقها ضرر كبير، لكن هناك أشياء كبيرة وعظيمة تتطلب قدراً من التثبت والتحري. وإنني أذكر لكم قصة قصيرة أو صغيرة وقعت لي يكتشف الإنسان منها عبرة: في أحد الأيام واعدني شابٌ لا أعرفه، لكنه اتصل بي، وأصر على أن يلتقي بي لأن عنده مشكلة -كما يقول- وأخبرني باسمه، وكان اسمه -مثلاً- اسمه عبد الرحمن، واسم العائلة التي هو منها يبدأ بحرف معين لنفترض حرف الشين، وهو يأتي من بلد آخر، فلنفترض أنه يأتي من الرياض، ووعدته وقتاً معلوماً، ففي الوقت نفسه، جاء إنسان بالاسم نفسه، وعائلته أولها هو أول اسم العائلة الثانية شين أيضاً، وهو من البلد نفسها، ولم يكن هناك أية صلة، ولا لقاءٌ سابق، وأخلف الأول الموعد، فلو فرض أنه كتب ورقة مثلاً، وقال: أتيت ولم أجدك، وكتب مثلاً عبد الرحمن، ثم كتب الشين من الرياض، لما كان هناك أدنى احتمال أن الأمر سيكون عندي أن الرجل الذي ضربت معه الموعد جاء ولم يجدني، والواقع أن هناك شخصاً آخر. فهذا يجعل الإنسان دائما يدرك أنه قد يوجد بعض القرائن توهم الإنسان بشيء، لو جمعها ظن الأمر هكذا، القضية هكذا، رأيت فلاناً -خرج فلان، دخل فلان، وقف فلان، وفلان قال، تفسر هذا الأمر تفسيراً بحسب ما في ذهنك، لكن لو أعطيت نفسك فرصة أن تتثبت فلا تتعجل في الأمر حتى ينجلي الأمر تماماً ويبرح، لوجدت في كثير من الأحيان قد يتوقع الإنسان الأمور علي غير ما هي عليه، قد تأتي الأمور في حقيقتها على غير ما توقعها الإنسان، ولذلك لا يندم أبداً الإنسان الذي يتثبت من أموره.
الأسئلة

  تجشم الفتوى لمن هو متصدر
السؤال: بعض الناس يكون له مكانة في أحد المجالس، وعندما يلقى عليه سؤال لا يعرفه، يحاول أن يجيب عليه بأي طريقة، لكيلا لا تذهب مكانته في المجلس، ما هو رأيكم في ذلك؟ الجواب: الأولى أن لا يجيب، وإذا قال الإنسان: الله أعلم، أو لا أدري، أو أراجع المسألة، فهذا مما يزيد قيمته، ولكن إن عجز، ولم يَقْوَ على نفسه في ذلك، فإن له طريقة أنه يجيب بأسلوب الحكيم، فلا يجيب على السؤال المطروح، ولكن يأخذ من السؤال قضية يعرفها، ويتكلم عنها بموعظة، أو إرشاد، أو توجيه، في أمور يجزم أنها صحيحة، دون أن يجشم نفسه عناء الفتيا في هذه المسألة الخاصة بعينها.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التثبت والتبين في النقل للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net