إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الربا [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرشوة من أعظم الأمراض التي تفتك بالأمة، وفيها مفاسد كثيرة، وأضرار عديدة؛ على الأفراد والمجتمعات، ومن محاسن الشريعة الإسلامية أنها حرمت الرشوة، بل وحرمت ما يشبه الرشوة، وزجرت عنها زجراً شديداً، ورهبت منها ترهيباً عظيماً.

    1.   

    شرح حديث: (من شفع لأخيه شفاعة ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا) رواه أحمد وأبو داود ].

    يسوق المؤلف رحمه الله تعالى حديثاً فيه التقبيح والتنفير من أخذ الهدايا على خدمة الإنسان وفعل الخير، وخاصة في باب الشفاعة، وأصل الشفاعة من الشفع، والأساس في هذا أن الإنسان واحد فرد، فيأتي بشخص معه فيشفعه فيكونا شفعاً، وكما يقولون: العدد إما فرد وإما شفع، فالشفع ما قبل القسمة على اثنين بدون باق، والفرد: الأعداد الفردية أو الآحاد، وهي التي لا تقبل القسمة، مثل: الثلاثة .. الخمسة .. السبعة.. والإنسان وحده قد لا يستطيع أن يصل إلى حاجته عند من هي عنده، فينظر أقرب الناس إلى ذاك الشخص أو من لهم عليه سلطان أدبي أو اعتباري أو حقيقي، فيأتي إليه ويقول: أريد أن تشفع لي عند فلان، أي: تذهب معي بدلاً من أن أكون وحدي، فأكون أنا وأنت، فتشفع لي عنده في كذا وكذا، والشفاعة فضلها معروف عند الجميع: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء).

    والشفاعة يوم القيامة يعطيها الله للأنبياء وللصلحاء وللعلماء، وقد يشفع الإنسان في جيرانه وأهل بيته، والطفل يشفع في أبويه، وأعطي صلى الله عليه وسلم سبعة أقسام من الشفاعة، وأهمها الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، وذلك حينما يشتد الأمر على أهل الموقف، وتدنو الشمس من الرءوس، فيقول بعضهم لبعض: (ألا تنظرون من يشفع لنا عند ربنا ليأتي لفصل الخطاب؟)، فيذهبون لآدم أبي البشر، فيعتذر بقوله: إني أكلت من الشجرة وقد نهيت عنها. فيذهبون إلى إبراهيم عليه السلام ويعتذر، والله أعلم بنوع العذر، يقول: كذبت كذبة: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ [الأنبياء:63].

    ومن اللطائف أن شيخ القراء في المدينة الشيخ حسن الشاعر كان في محفل مجيء المحمل المصري للحج، فقرأ: قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ [الأنبياء:62-63]، فقام بعض شيوخ القراءات فحمله وقبّله وكان غلاماً، فإنه وقف على قوله تعالى: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ [الأنبياء:63] كأنه تصديق على قولهم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:62] بَلْ فَعَلَهُ [الأنبياء:63] يعني: إبراهيم فعله، ثم استأنف كلاماً جديداً: كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ [الأنبياء:63] ، ويكون فيه تورية على أن الفاعل فعلاً هو إبراهيم، ولم تكن هناك كذبة، ولكن العلماء يذكرون هذه الكذبة في حديث الشفاعة، ثم يذهبون إلى موسى كليم الله ويعتذر أيضاً بقوله: إني قتلت نفساً، اذهبوا إلى عيسى، ويعتذر عن الشفاعة، اذهبوا إلى محمد، فيأتون إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها، أنا لها، أنا لها، ويذهب ويسجد تحت العرش، ويلهمه الله محامد لم يكن يعلمها في الدنيا)، وهي المنوه عنها في الحديث: (بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فمن تلك الأسماء الحسنى التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده يلهمها رسول الله في ذلك الوقت، فيحمده بها، ويسبحه بها، ويدعوه بها، حتى يستجاب له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع) ، فيشفع في جميع الخلائق، فيغبطه على تلك الشفاعة الأولون والآخرون.

    قوله: (من شفع لأخيه) يعني: مشى معه في حاجة إلى إنسان، سواء كان هذا الإنسان حاكماً أو غير حاكم، ومطلق حاجة الإنسان عند آخر لم يستطع أن يظفر بها وحده، فيبحث عن شخص له عنده وجاهة، ولا يرد له طلب، قد يكون بسبب إحسان إليه، وقد يكون مكرهاً، كما لو جاء إنسان يشفع لآخر، والشفيع هذا صاحب سلطة وقوة، والمشفوع عنده يخشاه، فإذا رد شفاعته يخشى أن يتسلط عليه، فيقضيها رغماً عنه، أو يكون الشفيع صديقاً محباً مثل زوجه أو ولده أو أبيه أو صديقه، فيكلمه فيه، ويقضي له حاجته من باب المودة والملاطفة والإحسان.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية)، يعني: بعد الشفاعة، وتكون هذه الهدية كأنها مكافأة على شفاعته، فكأنه أتى باباً عظيماً من أبواب الربا، لماذا؟

    يقولون: تلك الشفاعة لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون شفاعة في حق، وإما شفاعة في باطل، والشفاعة في الحق حق، ولا ينبغي أن تأخذ على الحق أجراً، فمن حق أخيك عليك أن تساعده، ولك أجر عند الله، وإن كانت الشفاعة في باطل فهي باطل، ولا يجوز لك أن تمشي فيها، فضلاً عن أن تأخذ عليها هدية، ومشابهة الهدية بالربا أن كلاً منهما مالٌ في غير مقابل، وقدمنا أن علماء الاقتصاد يقولون: الحياة تبنى على المعاوضة، فسلعة وثمنها متعادلة، ألف ريال قرضه، وألف ريال سداد؛ متعادلة، لكن ألف ريال قرضه وألف ومائة سداد؛ فالألف مقابل الألف، والمائة مقابل ماذا؟ هي زائدة عن الحق، فكذلك الهدية في شفاعته لأخيه زائدة، لماذا تأخذ هدية مقابل مشيك مع أخيك؟! فهذا تقبيح وتنفير من أخذ شيء على الشفاعة؛ لأن هذا إما حق لأخيك فعليك أن تؤديه إليه، وأجرك على الله، وإما باطل فيجب أن تبتعد عنه، بل وتنهاه عنه، لا أن تسعى معه وتأخذ هدية.

    1.   

    شرح حديث: (لعن رسول الله الراشي والمرتشي)

    قال رحمه الله: [ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي) رواه أبو داود والترمذي ].

    الحديث السابق فيه: شافع، ومشفوع عنده، ومشفوع إليه، وقضيت الحاجة ودفع إليه هدية.

    والموضوع الثاني هنا: موضوع الرشوة، والرشوة أخطر وأضر داء في المجتمعات، يفسد الدين والدنيا، والفرد والجماعة والحاكم والمحكوم، فالرشوة في الغالب لا تكون إلا في باطل؛ لأن صاحب الحق لا يحتاج إلى رشوة في الغالب، وفي النادر يحتاجها صاحب الحق، وسميت رشوة للمحاكاة، وأما الغالب الدائم فهو أن تدفع رشوة للباطل، وأما إن كنت صاحب حق فحقك يصل إليك.

    إذاً: الرشوة: ما يدفع لإحقاق باطل أو إبطال حق، والله سبحانه وتعالى أشار إلى خطر الرشوة في موطن تشريع عجيب يا إخوان! ففي سياق آيات الصيام قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، ويمضي المنهج والأسلوب في التشريع وفي الرخص وفي الفدية، ثم في إباحة ما كان محرماً، ثم ذكر أول الصيام وآخر الصيام، ثم التحذير من حدود الله فلا تقربوها، ثم النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف، ثم في النهاية قال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188]، تدلوا: من الإدلاء وهو الدلو (وَتُدْلُوا بِهَا) أي: بأموالكم، فالدلو تدلونها إلى قاع البئر لتأخذوا الماء، فكذلك الرشوة، والرشوة من الرشا، والرشا هو الحبل الذي يتدلى به الدلو إلى قاع البئر، فكأن الرشوة بمثابة هذا الحبل الذي ينزل الدلو إلى قاع البئر لأخذ الماء، فكذلك عند الحكام، فالرشوة هي الحبل الذي يتوصل به الراشي إلى المرتشي ليأخذ منه ما يريد، من إبطال حق خصمه أو إحقاق باطله عليه.

    وأقول: إن هذا من عجائب التشريع والإعجاز في كتاب الله؛ لأن الآيات في صيام رمضان ولوازمه، ثم قبل الخروج منها يأتي النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، وبعدها: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة:189]، فأيهما ألصق بالصيام: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] أو يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ [البقرة:189]؟

    الأهلة من تتمة أحكام الصيام (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، لكن حجزها في الأخير، وجاء قبلها بتحريم الرشوة، وكأن السياق الكريم يقول لنا: صمتم رمضان، وصمتم عن الحلال، أمسكتم عن الطيبات، وتعففتم عن الزوجات طيلة الشهر، فأنتم كمن دخل مصحة وهو مريض فتعافى، فقفوا هنا فكما صمتم عن الطيب الحلال من المطعم والزوجة؛ فصوموا عن أموال الناس بقية العام، لا تأكلوا أموال الناس، وأنتم صيام ما أكلتم أموالكم الحلال، وكذلك بعد رمضان لا تأكلوا أموال الناس بالباطل.

    ويقولون: بعض الدول الأوروبية تفشت فيها الرشوة، وهي من لوازم الحروب، إذا وقعت حرب في دولة لا بد أن تأتي الرشوة؛ لأن مواد الغذاء والتموين تقل، وليس كل إنسان يحصل على حقه إلا بالرشوة، والمظالم تكثر، فقيل لرئيس وزرائها: لقد تفشت الرشوة في البلد وأفسدتها، فقال: أخبروني عن القضاء، هل وصلته الرشوة أو هو سالم منها؟

    قالوا: القضاء سالم منها، فقال: إذاً: البلد بخير؛ لأن القضاء سيرد كل شيء إلى أصله، فالرشوة في القضاء مفسدة كبيرة، يأتي شاهد الزور ويأخذ الرشوة من المشهود له، ويقف أمام القاضي ويشهد، والقاضي لا يعلم الغيب، بل المصطفى صلى الله عليه سلم يقول: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، أقضي لكم على نحو ما أسمع، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقتطع له قطعة من النار، يأتي بها أسطاماً يوم القيامة في عنقه)، والأسطام الحديد الذي يحرك به النار، يحرك به الفحم والحطب حتى يشتعل، فلما سمع كلاً منهما ذلك تراجعا، وقالا: حقي لأخي، لا أريد شيئاً.

    ويهمنا أن سيد الخلق يقول: (وإنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع)؛ لأن الوحي لن يأتيه في هذه؛ لأنه يشرع ويسن للناس، فإذا كان يأتيه الوحي سيقول: الحق عند فلان، والحق عند فلان، والقضاة الآخرون من سيأتيهم؟ وهل جبريل سينزل للقضاة بعد هذا؟! لا.

    فالرشوة تفسد النظام، وتضيع المصالح، وتحق الباطل، وتبطل الحق، وإذا أُبطل الحق، وحق الباطل فليس هناك فساد أكثر من ذلك.

    إذاً: من هنا يقول صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي) وهو دافع الرشوة، (والمرتشي) أي: آخذها، وفي لفظٍ : (والرائش بينهما) أي: الساعي بينهما، يقول: كم تدفع لفلان ويمشي لك كذا؟ كم تأخذ من فلان وتفعل له كذا؟ ويساوم ويسعى بين الاثنين، هذا يقول: أدفع ألفاً، وهذا يقول: لا، أنا ما يكفيني إلا ألفين، ولا يزال يتوسط حتى يوصلها إلى ألف وخمسمائة، هذا هو الرائش، وقلنا: الثلاثة يلحقهم هذا الإثم: هذا بدفعه إياها، وذاك بأكلها، وهذا بالسعي فيها.

    واليهود ذموا لأكلهم السحت، والسحت هو الرشوة، أو الحرام، أو الباطل، والكل يرجع إلى مصب واحد، وعلى هذا يجب على كل مسلم أن يتجنب مسلك الرشوة.

    حكم إعطاء الرشوة للضرورة؟

    إذا كان هناك موقف اضطرار، فهل تدخل الضرورة في الرشوة أو لا تدخل؟

    هناك من يقول: لا ضرورة في الرشوة أبداً، الراشي والمرتشي بأي حالة من الحالات كلاهما داخل في اللعن.

    وهناك من يقول: ليس الراشي كالمرتشي، المرتشي داخل في اللعن مطلقاً، ولكن الراشي قد تأتيه ظروف يضطر إليها كما يضطر الجائع إلى أكل الميتة.

    وقد سبق -يا إخوان- أن كتبت في هذا الموضوع بحثاً مطولاً، ونشر في مجلة الجامعة الإسلامية، ومما وقفت عليه أن ابن مسعود كان في الحبشة، وفي طريقه اعترضه قطاع الطريق، وأخذوه ورفيقاً معه، وأوثقوهما وباعوهما، فجاءا إلى الوالي ليخلصهم، يقول: ما وجدنا مخلصاً كالرشوة، دفع كل منا دينارين للوالي فأعتق سراحنا.

    وفي المجموع لـابن تيمية رحمه الله أن الراشي إذا اضطر لإحقاق الحق الذي سيبطل أو إنقاذ الحق الذي سيموت أو مات؛ فله أن يفعل ذلك، ويحرم على المرتشي أن يأخذ، ومثل بمثالين:

    لو أن رجلاً كان مع زوجه، وليس هناك إلا الله، وتحت سقف غرفة النوم قال: أنت طالق بالثلاثين. ولا يوجد ورقة، يا ابن الحلال! خف الله!- ومن الغد ذهبت لأهلها، وأخبرتهم بالطلاق الموثق والمؤكد، وجاءهم يطلبها، فقالوا: أنت طلقتها! قال: لا، أبداً هي تكذب، أنا في عمري ما تكلمت بالطلاق، ولا عمري أطلقها أبداً.

    تعال -يا ابن الحلال- أنت ما قلت: طالق بالثلاثين؟ أنا قلت هذا؟! ما خرجت مني كلمة. فأهلها قالوا لها: أنت كذابة، أنت تبغي تشردي، اذهبي مع زوجك، فرجعت مع زوجها، ودخلت بيته وقد صمت أذناها بلفظ الثلاثين، فماذا تفعل في هذه الحالة؟ هل تمكنه منها وهي مطلقة بالثلاثين، فتكون قد أتت الزنا يقيناً؟ ماذا تفعل؟ هي مغلوب على أمرها.

    يا ابن الحلال! خف الله أنت مطلق! قال: تريديني أكتب لك ورقة بالطلاق، وأسرحك إلى أهلك؟ أعطيني ثلاثين ألفاً!

    ورجعت المسألة إلى المساومة، فهذا الذي تدفعه المرأة لهذا الزوج المنكر يعتبر رشوة، وإذا كانت تستطيع أن تدفع فهل تدفع وتبعد عن طريق الزنا المتيقن في اعتقادها أو تستمر معه على طلاق الثلاثين؟!

    تدفع؛ لأنها مضطرة، وليس باختيارها، وهل له حق أن يأخذ هللة واحدة؟

    ليس له حق، وعليه أن يقر بالحق، وليس له أن ينكر ذلك!

    والصورة الثانية: سيد كان مع عبده في سفر أو في خلوة أو في أي مجال، فخدمه خدمة طيبة وقال: أنت معتق لوجه الله، جزاك الله خيراً على ما عملت، وأنت عتيق لوجه الله، ومشيا ولما رجعا إلى البلاد تأسف وقال: كيف يضيع هذا العبد؟ فقال له: يا سيدي! أعطني ورقة بالعتق، فقال: عتق ماذا؟

    - أنت قد عتقتني! قال له: أنت مجنون؟ لا عتق ولا شيء!

    هل يظل في الرق، وهو يعلم يقيناً أن سيده قد أعتقه أو يخلص نفسه من الرق الباطل الموجود حالياً؟ يخلص نفسه، وقال: إذا أردت أن أقر لك بالعتق فأعطني مالاً، فحينئذٍ يعطيه على أنها رشوة ليثبت حريته ويخرج من الرق، والسيد لا يحل له أن يأخذ المال، فهذا يعطي لإحقاق الحق، وذاك يأخذ بالباطل.

    جواز إعطاء الظالم مالاً لكف شره أو تقليله

    يذكرون في كتب الفقه لو أن ناظر وقف أو وصي أيتام ابتلي بظالم اعتدى على عين الوقف، وأخذ جزءاً منه، مثلاً جاره اعتدى على الحد، وأخذ جزءاً منه، حاول ناظر الوقف هنا وهناك في المحكمة أن يرجع الحق، وأبرز وثائق الإثبات لكن بدون فائدة، وجاء له هذا الظالم وقال: اسمع! تريد حقك؟ قال: نعم، قال: صالحني بمبلغ كذا، وأنا أرد لك الوقف، فيتفق العلماء أن للناظر أن يصالح هذا الظالم ببعض الوقف ليستخلص البعض، مثلاً: هو أخذ ألف متر، فيقول له: أترك لك مائتين متر، ويسامحه ويصالحه على مائتين متر، ويستنقذ الثمانمائة، وكذلك وصي اليتيم، وآكل مال اليتيم يأكل ناراً في بطنه، ومع ذلك إذا اغتصب ماله، ولم يستطع وصيه تخليصه إلا بجزء منه فله ذلك؛ لأنه عمل لمصلحة اليتيم باستنقاذ البعض بالبعض، وله أجر في ذلك، وذاك عليه وزرٌ فيما يأخذ.

    إذاً: الرشوة من حيث هي محرمة، ملعون دافعها، وملعون آكلها، وملعون الواسطة بينهما، ولكن: إذا دعت الضرورة فنجد من العلماء من يقول: اللعن عام دون استثناء، فماذا يفعل صاحب الحق الضائع؟

    قالوا: يصبر، لكن إلى متى؟

    وهناك من يقول: يرتكب أخف الضررين، وينقذ البعض أو الأكثر بالأقل، والله تعالى أعلم.

    خطورة الرشوة

    لو أننا تصورنا مضرة الرشوة لكان الجميع يحاربها، وأكثر ما تكون الرشوة في المسائل التي لها علاقة بالحكومات، بالدوائر الحكومية، ومن أبرز صورها -والكل يعلمها- أن تأتي الدولة، وتطرح مشروع مباني، وتعمل مواصفات في القمة، بأحسن ما يمكن لو نفذت بحذافيرها، في الأبعاد والنسب، نسبة الإسمنت مع الرمل كذا، والحديد كذا، و..و..و.. بكل ما يمكن، وتجتهد، وتأتيها المظاريف مقفلة، تفتح المظاريف وترسو على زيد بن عبيد، وزيد بن عبيد وضع أقل عطاء، لكنه يريد أن يحصل على أعلى عطاء، فماذا يفعل؟ الجهة تأتي بمهندس مشرف، والمشرف هذا يمثل جهة المشروع، ويوقع له أو يعطيه سندات على كل خطوة خطوة، أولاً: الحفريات صالحة أو غير صالحة؟ وهكذا في مراحل البناء والتصليح، ويذكرون في ذلك النوادر والحكايات، فبعضهم سحب الحديد بعد التسليح! وبعضهم سحب كذا وكذا، وتقع أشياء لا يتصورها عقل، فيأتي المشرف وينظر إلى التسليح، فيجد الحديد ناقصاً عن المواصفة، فيقول له المقاول: خذ هذا المال واسكت، فيقول: صالح، ويأتي إلى الأبعاد وهكذا.. ويقول بعض المهندسين: لا ولن تجد مقاولاً يصدق، ولو في العتب حق الطاقة والباب، ينقص فيها الحديد، ينقص فيها الإسمنت، يفعل ويفعل... لكن نقول: هذا نوع من التحامل، والخير في الأمة إلى يوم القيامة، وهناك من يبرئ ذمته، ويبرئ ساحته، لكن المشكلة في عملية الإشراف، والمشرف يرى النواقص بعينه، ويتغاضى عنها مقابل رشوة يأخذها.

    وهذا المقابل لا يدري المسكين أنه يذهب بسببه ضحايا، ولعلكم سمعتم ببعض المشروعات في بعض الدول التي سقطت على من فيها؛ بسبب سوء التنفيذ، وسوء التنفيذ وقع بالاشتراك بين المقاول والمشرف، والمصيبة جاءت من المشرف، فإنه لا يخضع للمقاول إلا بالرشوة.

    وكذلك إذا جئنا إلى خفر السواحل والحدود الذين يحرسون البلد من الممنوع، فتقدم إليهم الرشوة فيفتحون الباب على مصراعيه، و.. و.. و.. ما نقدر نعدد الشيء الكثير، ولا نتهم أحداً بعينه، ولكن نقول: مضار الرشوة ليست قاصرة على الذي يدفع بأنه غرم بل تحصل أضرار من ورائها أضعافاً مضاعفة، وتكون النتيجة السيئة الحتمية على المواطن.

    ولو أخذنا تصوير القرآن الكريم، لوجدنا أن الراشي أدنى الناس منزلة، وأقلهم مروءة، وكأنه -كما في التصوير الموجود في كتاب الله وَتُدْلُوا بِهَا [البقرة:188]- كان على علياء المروءة والكرامة مع الناس، فإذا به يتدلى إلى القاع، وإلى الحضيض، وإلى أدنى مستوى في المجتمع الذي يعيش فيه، ولهذا يصنعها بالدس، ويخشى أن تظهر، ويخشى أن يقال: والله! فلان هذا يرتشي، ويفعل ويفعل.

    إذاً: يا إخوان! قضية الرشوة ما هي مجرد كون الإنسان يدفع شيئاً، أو مجرد إنسان يأخذ شيئاً، لا، انظروا إلى النتائج المترتبة عليها، فإنها تعود على المجتمع كله، مدرسة تسقط على الطلاب، مستشفى يسقط على من فيه، عمارة تسقط على سكانها، أليس هذا من جناية الرشوة؟

    ولو جئنا إلى الطرق.. إلى المطارات.. إلى كذا.. إلى كذا.. وهكذا السلاح وعدم ضبطه أو التحرز من مبطلاته أو فساده، أشياء كثيرة ما يستطيع الإنسان أن يعددها، ولكن ننبه على خطر الرشوة في أي بلد، وكما أشرنا أن رئيس تلك الدولة الأوروبية يقول: الرشوة إذا تفشت في القضاء أفسدت البلد، وفعلاً إذا تفشت أفسدت، والله أسأل أن يعافينا وإياكم جميعاً إن شاء الله.

    1.   

    شرح حديث: (أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة...)

    قال رحمه الله: [ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة قال: فكنت آخذ البعير ببعيرين إلى إبل الصدقة)رواه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات ].

    تقدم التنبيه على هذا الحديث عند الكلام على حديث سمرة : نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والعلماء قالوا: عارضه حديث ابن عمرو أنه كان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، يعني: ربا فضل وزيادة.

    وكذلك حديث أبي رافع : (استسلف صلى الله عليه وسلم بكراً، فلما جاء صاحب البكر قال: أوفوه، قال أبو رافع : فبحثت فلم أجد بكراً في الإبل، وإنما وجدت رباعياً، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعطه إياه، إن خيركم أحسنكم وفاءً).

    وأشرنا إلى تفسير الشافعي لبيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو أن يكون كلا الطرفين نسيئة وغائباً، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن حديث سمرة نسخ الحديثين الآخرين، وذكرنا أن سند الحديث فيه مقال، وأنه مرسل، وهذا جزء مما تقدم الكلام عليه هناك، ويهمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كلف عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز الجيش، مثل وزير الدفاع، أو وزير المالية، أمره أن يجهز الجيش، وسيجهزه من إبل الصدقة، مما يوجد للمسلمين، فإن لم يوجد تصرف، إذاً: تسند الأمور إلى من يقوم بها، وهذا مما ذكره صاحب كتاب: التراتيب الإدارية في الحكومة الإسلامية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر من يتولى أمر الصدقة، ومن يتولى أمر الجيوش، ومن يتولى أمر العدالة، ومن يتولى الحراسة، وهكذا، ويكون هناك بداية تخطيط لدولة قائمة، فهذا عبد الله بن عمرو يأمره صلى الله عليه وسلم أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من الناس، ويقولون: ولي الأمر له عند الشدة والحاجة -وخاصة عند الحروب- أن يأخذ من الأثرياء قرضاً أو هبة، فإذا وجدت حالة شدة، مثل أن يدهم العدو البلد، أو علم ولي الأمر أن جيش العدو مقبل وليس عنده في صندوقه أو بيت المال أو وزارة المالية ما يجهز ما يقابل به هذا الجيش؛ فله أن يفرض على الأغنياء من أموالهم ما يجهز به الجيش الذي يدافع عن البلد؛ لأنه يدافع عنهم أنفسهم، ومن هنا:

    فهناك من يأخذ ذلك قرضة، وهناك من يأخذ ذلك مصادرة؛ لأنه حماية للبلد، وحماية لأمن الدولة، وكما يقولون: الأمن القومي، أمن الدولة، وقد نص الفقهاء على أن لولي أمر المسلمين ذلك، ولكن يجب أن يكون ذلك مع حفظ الحقوق، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز الجيش، فلما نفدت الإبل أمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، وهذا يدل على أنه لا ربا في الحيوان، وهناك نهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة يثبت أن ربا النسيئة يقع في الحيوان، ومالك فرق وقال: إذا كان الحيوان بجنسه فربا، وإذا كان بغير جنسه فلا، فمثلاً: لو اشترى فرساً ببعير، أو اشترى بعيرين بفرس، اختلف الجنس فلا مانع أن يكون نسيئة، والجمهور على ما قدمنا في هذا الحديث، وهو دليل على أنه لا ربا في الحيوان، لا ربا الفضل؛ لأنه يأخذ الواحد باثنين، ولا ربا النسيئة؛ لأنه يدفعها من إبل الصدقة حينما يأتي المصدق في آخر العام بالإبل، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (نهى رسول الله عن المزابنة)

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيبٍ كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله)متفق عليه ].

    (نهى صلى الله عليه وسلم عن المزابنة)، والمزابنة من الزبن، وهو الدفع، ومنه الزبانية عافانا الله وإياكم، ثم فسرها ابن عمر وقال: والمزابنة -أي: في العرف الشرعي- أن تبيع ثمرة النخل على نخلها بخرصها تمراً، فمائة نخلة فيها رطب، لو أنها تركت كم يجيء منها من التمر، يجيء منها خمسة أوسق، فيقول: أكيل لك الآن خمسة أوسق، وخل بيني وبين الثمرة. وهكذا الكرم، وإن كان هناك من يكره تسمية العنب كرماً، فهذا العنب لو ترك حتى صار زبيباً، كم يأتي منه من قنطار؟ قال: يأتي عشرة قناطير، فيقول: أقدمها إليك الآن عشرة قناطير زبيباً، وخل بيني وبين شجر العنب، ثم أبيعه عنباً، أو أعصره، أو أتركه حتى يصير زبيباً، أنا حر فيه.

    وهكذا حقل للقمح أو للشعير، يقول: كم يحصل منه لو تركناه حتى يجف الحب ويشتد، ثم يحصد ويداس ويصفى؟ قال: يحصل منه خمسون إردباً، قال: أدفع لك الآن هذا القدر، وخل بيني وبينه، وأنا سأحصده يوم الحصاد.

    وسواء حصلت في ثمر النخل مقدار ما دفعت لك كيلاً أو أقل أو أزيد، فالزائد لي والناقص علي، وكذلك في العنب، سواء حصل من الزبيب بقدر ما أعطيتك زبيباً أو أقل أو أكثر، وكذلك الحب.

    وكل يزبن الغبن عن نفسه، فصاحب النخل يحسب أنه حصل على كيل معلوم أحسن من الذي على الشجر، وصاحب التمر الذي كاله يظن أنه سيحصل مما على الشجر أحسن مما دفعه، ويزبن النقص عن نفسه، وهكذا كل ثمرة بجنسها، أما إذا كان بغير الجنس، مثلاً: اشتريت ثمرة البستان بالذهب والفضة، أو اشتريتها بالقمح، أو بالأرز فلا مانع؛ لأن الأرز بالتمر يجوز فيه الزيادة، ولكن بقي عندنا التسليم، ولا ربا نسيئة إذا اختلفت الأجناس والعلة، إذا كان بالنقد تساوي هذه الثمرة خمسة آلاف أو ستة آلاف، فيقول: تفضل هذا النقد، وأخذ الثمرة التي على رءوس النخيل، وعالجها، وهو ما يرزقه الله، وكذلك العنب، وكذلك الحب.

    إذاً: المزابنة بيع الثمرة قبل نضجها بخرصها يابساً من جنسها، الرطب على النخل بالتمر، والعنب بالزبيب، والحب في الحقول بالكيل من طعام من جنسه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث النهي عن اشتراء الرطب بالتمر

    قال رحمه الله: [ وعن سعد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك)رواه الخمسة وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان والحاكم ].

    النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، يعني: كيلاً بكيل أو وزناً بوزن، فسأل صلى الله عليه وسلم ليلفت الأنظار، وإلا فلا يخفى الجواب على رسول الله فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟) وهل يوجد أحد يجهل هذا؟! لا، حتى أطفال أصحاب البساتين يعرفون هذا؛ لأن الرطب يحمل كمية من الرطوبة، فإذا يبس نقص؛ لأنه تتبخر تلك الرطوبات، ويبقى الأصل فيخف، وينقص الرطب عما هو عليه.

    فقالوا: نعم ينقص، فنهاهم عن ذلك؛ لأن التمر لن ينقص، ولكن الرطب سينقص، فنكون في النهاية بعنا تمراً بتمر مع التفاضل، وكذلك العنب بالزبيب، وجميع الربويات أخضرها بيابسها، فنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر وزناً متساوياً أو كيلاً متساوياً لعلة الربا، وهي نقص الرطب عن مثله تمراً، والتمر لن ينقص؛ لأن النقص قد تجاوزه، والرطب سينقص فيدخل على صاحب التمر نقص في الثمن، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث النهى عن بيع الكالئ بالكالئ

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، يعني: الدين بالدين) رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف ].

    سواء إسناده ضعيف أو إسناده قوي، هذا متلقى عند الأمة بالقبول، وهو إجماع واتفاق على أنه لا يجوز بيع الدين بالدين، الكالئ هو الدين، وصورة ذلك: لك عند زيد ألف ريال، وحل الأجل؛ لأن قبل الأجل ليس لك المطالبة، فإذا حل الأجل وجئت تطالبه، ولم تجد عنده سداداً، فعلم بذلك إنسان وقال: أنا أشتري منك ما كان لك عند فلان، إن قدرنا أن لك عنده ألف ريال، أو أن لك عنده إردباً من التمر، أو أن لك عنده قنطاراً من كذا، وجاء إنسان وقال: أنا أشتريه، فقال: بكم تشتري الألف ريال؟ قال: بثمانمائة، وبعد شهرين مثلاً: يكون له عند فلان ألف، وأنت تريد أن تأخذ ثمانمائة، وليس هناك استلام ولا قبض، وبقينا في الدين كما كنا فيه، أو لك عنده قنطار أو إردب من التمر، فقال: أنا أشتريه منك بألفين ريال، فقال: هات الألفين، قال: لا، بعد أسبوعين أو بعد شهر، فرجعنا أيضاً إلى الدين كما كان أولاً.

    فكل ما كان بهذه الحالة: بأن يشتري دينك الذي عند فلان بثمن مؤجل ديناً عليه هذا لا يصح، والسبب أو العلة في هذا أننا لم نحصل على نتيجة فعلية، وما خرجنا عن نطاق الدين، ولا زال البائع دائناً لم يقبض حقه، بل جاء وارتبط بمدينٍ آخر، ولم يحصل الوفاء من هذا ولا من ذاك؛ ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين.

    ولو أنه قال: قنطارك التمر الذي عند فلان أنا أشتريه بألف ريال بعد شهرين، فهذا لا يجوز، لك تمر عند فلان، وأنا أشتري التمر الذي لك عنده بألفين ريال بعد شهرين، لا يجوز هذا؛ لأن الألفين ما سلمها، ولو أنه جاءه وقال: أريد منك إردبين من التمر بألفي ريال بعد سنة، فهل يجوز أو لا يجوز؟

    يجوز؛ لأنه بيع وشراء في عقد واحد، والثمن مؤجل، والناس يتعاملون بالدين دائماً، فليس هنا دين بدين، لكن الممنوع دين بدين مؤجل، وهو النقد، وأكدنا سابقاً بأن الأثمان لا تدخل في ربا النسيئة؛ لأنها قيم المبيعات.