إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. رسالة منهج دراسة الأسماء والصفات

رسالة منهج دراسة الأسماء والصفاتللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة والجماعة هم كاسمهم أهل لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولجماعة المسلمين المؤمنين المستسلمين لأوامر الله ونواهيه في كل شيء، فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه، والأسماء والصفات ما أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وقد جاءت هذه الرسالة لبيان منهج السلف الصالح في فهم آيات الأسماء والصفات.

    1.   

    الأسس التي يرتكز عليها مذهب السلف في الصفات

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    في هذه الليلة نستعرض وإياكم رسالة علمية في أحد موضوعات العقيدة، وهو توحيد الأسماء والصفات، وهذه الرسالة هي رسالة العلامة الشيخ الإمام/ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، بعنوان: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات .

    وهذه الرسالة تثبت سلفية الشيخ رحمه الله تعالى في عقيدته، وسنعرض لشيء من ترجمته بعد عرض الرسالة بمشيئة الله تعالى، وكانت هذه الرسالة محاضرة قد ألقاها الشيخ رحمه الله في الجامعة الإسلامية في: (الثالث عشر من رمضان، سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثمانين للهجرة) ومعلوم ما يشيع عند كثير من الناس المنتسبين إلى العلم في العالم الإسلامي من منهج المتكلمين في الأسماء والصفات، وإنكارهم لكثير من الصفات، وتأويلهم وتحريفهم بالأحرى لنصوص الصفات، ولا شك أن المجتمعات العلمية يكون فيها من هذا كثير، ويصل طلبة العلم إلى كتب ليست على طريقة السلف في الأسماء والصفات، فبين الشيخ رحمه الله تعالى بعض القواعد الأساسية في هذا الموضوع، ونبه في بداية رسالته إلى أمر مهم ألا وهو: أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات وكثرة الأسئلة في الموضوع من البدع التي يكرهها السلف .

    وأن مباحث آيات الصفات التي دل عليها القرآن الكريم، ترتكز على ثلاث أسس مهمة.

    الأساس الأول: تنزيه الله عز وجل أن تشبه أي صفة من صفاته صفة من صفات المخلوقين، فلا يشبه سبحانه وتعالى أحداً من المخلوقين، ولا تشبه صفاته سبحانه وتعالى أي صفة من صفات المخلوقين كما دل عليه قوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله سبحانه وتعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4]، إذاً أولاً: عدم المشابهة، بين الله وخلقه.

    الأساس الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله عز وجل أعلم منه سبحانه وتعالى، لا يوجد أحد أعلم بالله من الله قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140] وكذلك الإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    فإذاً القاعدة الثانية: يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أخل بأحد هذين الأصلين وقع في ضلال، وتجرأ على الله عز وجل، ونفى صفات أثبتها الله لنفسه سبحانه وتعالى، والله يثبت ما يشاء لنفسه عز وجل من صفات الكمال والجلال، فكيف يليق بجاهل مسكين أن يتقدم بين يدي رب السماوات والأرض، ويقول: هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك! وهذا الذي وصفت به نفسك يلزم منه النقص! وأنا أريد أن أؤوله وأن ألغيه وأن آتي ببدله من تلقاء نفسي، من غير دليل سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].

    ومن آمن بصفات الله سبحانه وتعالى، فإنه لا بد أن يعتقد أن الله منزه عن مشابهة المخلوقين، فيكون سالماً من التشبيه، وسالماً من النفي والجحد، فهو يثبت الصفة، ويؤمن بأنها لا تشبه أي صفة من صفات المخاليق، هذا هو مضمون قوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    فنفى المشابهة: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] هذا الركن الأول وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] أثبت لنفسه السمع والبصر، فمن جاء وقال: إن المخاليق المخلوقة والحوادث هذه المحدثة لها سمع وبصر، فكيف نثبت لله السمع والبصر فإنه تشبيه؟

    فنقول: كيف يكون تشبيهاً وقد قال هو لما أثبتها لنفسه قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] فالله عز وجل له صفات لائقة بكماله وجلاله، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لأحوالهم، وصفات رب السموات سبحانه وتعالى أكمل وأعلى من أن تشبه صفات المخلوقين، فمن نفى عن الله وصفاً أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم بالله من الله، ولا يقول هذا إلا مجنون ضال ملحد لا عقل له، وقد قال الله تعالى في المشركين تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] ومن يسوي رب العالمين بغيره، فهو مجنون !

    1.   

    ما أحدثه المتكلمون في الأسماء والصفات

    وقد جاء المتكلمون في بعض العصور الإسلامية واستخرجوا من كلام اليونان القواعد الفلسفية والكلامية، ثم حاكموا نصوص الصفات إليها، فنفوا ما نفوا وأثبتوا ما أثبتوا بزعمهم أنهم يثبتون ما يوافق مقتضى العقل، وينفون ما يقتضي العقل نفيه، فحكموا عقولهم في النصوص، وقدموا عقولهم على الكتاب والسنة، وقدموا منطق اليونان على القرآن، ولا يمكن أن يكون هناك أية مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق، فلله تعالى الصفات اللائقة بذاته، وللمخلوق الصفات اللائقة به.

    وهؤلاء المتكلمون لأنهم لا يعتمدون على الكتاب والسنة، فقد اضطربوا، وكل من لا يعتمد على الكتاب والسنة يضطرب، وهذه قاعدة: فتجد أن بعض هؤلاء المتكلمين قد أثبتوا سبع صفات، وبعضهم أثبت ثلاث عشرة، وبعضهم أثبتوا واحداً وعشرين صفة، وهكذا اضطربوا في عدد الصفات التي تليق بالله من وجهة نظرهم، كل واحد على حسب عقله، يقول: هذه تليق بالله أثبتوها، وهذه لا تليق لا تثبتوها، وأهل السنة يثبتون كل ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، فهؤلاء بعض المتكلمين المشهور من مذهبهم الذي أثبته الأشعري أولاً: السبعة المشهورة:

    له الحياة والكلام والبصر     سمع إرادة وعلم واقتدر

    جمعوها في هذه البيت وقالوا: إننا نعترف بسبع صفات لله فقط، ما هي؟ قالوا: صفة القدرة، وصفة الإرادة، وصفة العلم، وصفة الحياة، وصفة السمع، وصفة البصر، وصفة الكلام.

    مثلاً: أثبت أنه يُحب ويغضب ويرضى ويرحم .. إلى آخره، قالوا: لا نثبتها، وصفات الذات، أن له اليد والوجه والقدم والأصابع سبحانه وتعالى.. إلى آخره، قالوا: لا نثبتها.

    والمعتزلة أيضاً أصحاب علم الكلام قد عطلوا أسماء الله سبحانه وتعالى ونفوا الصفات، قالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قادر بذاته، سميع بذاته، عليم بذاته، حي بذاته، لأنهم لا يريدون الإثبات .. لا حياة ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، وهؤلاء في النفي غلو أكثر من الأشاعرة بطبيعة الحال، وهذا مذهب يعرف كل عاقل بصير بالكتاب والسنة أنه مذهب باطل.

    1.   

    إثبات صحة مذهب السلف فيما ذهبوا إليه

    الشنقيطي رحمه الله في رسالته يريد أن يناقش هؤلاء، ويثبت لهم أن ما أثبتوه هو من باب الذي نفوه، وأن يلزمهم بنفي الجميع أو إثبات الجميع، وأن يقول لهم: إن المحذور الذي تفرون منه في الأشياء التي تنفون عن الله موجود، إذا أرادنا نطبق كلامكم في الأشياء التي أثبتموها.

    مذهب السلف في الصفات الذاتية

    فالآن يقول لهم: مثلاً: الإرادة، أنتم تثبتون لله يا أيها الأشاعرة ، يا أيها المتكلمون؟ يقولون: نعم نثبتها لله، حسناً أليس المخلوق له إرادة؟ فيقولون: نعم، فنقول: إذاً هذا تشبيه، لماذا ما تأولون الإرادة وتنفون الإرادة أيضاً، ولا معنى أنكم تنفون الوجه لله مثلاً، وتقولون: بأن الوجه من صفات المخلوقين، وإذا أثبتنا الوجه عملنا مشابهة، فننفي الوجه، فنقول: وأيضاً الإرادة، إذا أثبتموها عملتم مشابهة، لأن المخلوق له إرادة، فانفوا الإرادة إذاً؟!

    لكنه مشى رحمه الله في رسالته على تقسيم المتكلمين، وفندها واحداً واحداً، فقال: في صفات المعاني التي أقروا بها، نقول لهم: وصفوا الله بالقدرة، وأثبتوا له القدرة، والله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20] والله قد وصف المخلوقين بالقدرة، مثل قوله سبحانه وتعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:34] فأثبت لهم القدرة، وآيات أخرى أيضاً، نقول لهذا الرجل المنحرف: هأنت تثبت القدرة للخالق، وتثبت القدرة للمخلوقين، هذا تشبيه.. فماذا سيقول؟ سيقول: لا، للخالق قدرة تخصه وتليق به، وللمخلوق قدرة تناسبه! فنقول: قلها في اليد والأصابع والقدم والمحبة والبغض والكره، وفي سائر الصفات، فلماذا فقط أثبت هذه السبع، قال: ووصف الله نفسه بالسمع والبصر في غير آية من كتابه، فقال: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75].. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] ووصف بعض المخلوقات بأن لها سمعاً وبصراً!

    مثال: إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] من هو؟ الإنسان، فهل إذا أثبتنا السمع والبصر لله، وأثبتنا السمع والبصر للمخلوق .. حدثت مشابهة، فهل ننفي السمع والبصر عن الله إطلاقاً؟ فنحن لا نشك أن الذي في القرآن حق، فلله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان، يليقان بجلاله وعظمته، كما أن للمخلوق سمعاً وبصراً حقيقيين، يناسبان حاله من ضعف وفقر وفناء وعجزٍ، وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق من المخالفة مثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق.

    وصف الله نفسه بالحياة، فقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255].. هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر:65].. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] ووصف بعض المخاليق بالحياة فقال عز وجل: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الأنعام:95].. وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30].. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً [مريم:15] فهل ترى يا عبد الله أن الله لما وصف نفسه بالحياة، قال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] وصف بعض المخاليق أنها لها حياة، فهل إثبات هذا وهذا يستلزم تشبيه؟ لا، فلله سبحانه وتعالى حياة تليق بجلاله وعظمته، حياة دائمة حقيقية سبحانه، والمخلوق له حياة لها بداية ولها نهاية، يفنى ويعجز، ويفتقر إلى الله سبحانه.

    ووصف سبحانه وتعالى نفسه بالإرادة، فقال: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:16].. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] ووصف بعض المخلوقين بالإرادة، قال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ [الأنفال:71].. فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ [التوبة:32].. إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً [الأحزاب:13].. تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] إذاً أثبت للمخاليق إرادة، وأثبت لنفسه إرادة، ولا يستلزم من إثبات هذا وهذا التشبيه، فكلٌ له إرادة تناسب حاله، والفرق بين إرادة الخالق وإرادة المخلوق كالفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق.

    لقد وصف سبحانه وتعالى نفسه بالعلم، فقال عز وجل: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات:16] ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166] ووصف بعض المخلوقين بالعلم فقال: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً [الروم:7] فإذاً عندهم علم، وقال: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الحجر:53].. وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68] في سورة يوسف، وهو يعقوب عليه السلام.

    فعلم الله سبحانه وتعالى كامل، عليم بالماضي والحاضر والمستقبل وكل شيء ما كان لو كان كيف سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، والمخلوق علمه ضعيف، لا يعلم من الماضي إلا قليل، والحاضر قليل، المستقبل لا يعلم عنه شيئاً إطلاقاً، والله قد أحاط بكل شيء علماً، فالله له صفة العلم، والمخلوق له صفة العلم مع التفاوت بينهما.

    ووصف نفسه سبحانه وتعالى بصفة الكلام، فقال عز وجل: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164].. فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] ووصف بعض المخلوقين بأنهم يتكلمون، مثل: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران:46] وكذلك: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:54].

    فإذاً المخاليق أيضاً يتكلمون، فلا شك أن لله تعالى كلاماً حقيقياً لائقاً بجلاله وكماله، كما أن للمخلوقين كلاماً يناسب حالهم وفناءهم وعجزهم وضعفهم، والمخلوق كلامه لا يأتي إلا بعد المران، وكلامه يعتريه النقص، وبعض الناس لا يخرج بعض الحروف، وصوته ضعيف، والله سبحانه تعالى ينادي يوم القيامة، يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فشتان بين صفة الكلام لله وصفة الكلام للمخلوقين، ولا يستلزم إثبات الكلام لله أي تشابه، والفرق بين كلام الخالق والمخلوق كالفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق.

    الأشاعرة مشهور عندهم إثبات هذه الصفات التي أثبتوها ويسمونها صفات المعاني، وخرجنا بأن إثبات هذه الصفات لا يستلزم أي مشابهة.

    مذهب السلف في اسم (القديم)

    نأتي إلى صفات أخرى قد أثبتها بعضهم، فبعض المتكلمين أثبتوا لله صفة القدم والبقاء، وصفة القدم ليس عليها دليل، وإنما الصفة التي ثبتت لله صفة الأولية هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الحديد:3] ونرد على المتكلمين الذين وصفوا الله بالقدم بغض النظر عن قضية ثبوت هذه الصفة، نقول: أنتم وصفتم الخالق بالقدم، طيب الله وصف المخاليق بالقدم: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39] وأيضاً أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ [الشعراء:76] فهل يلزم عندكم أيها المتكلمون أن قدم الخالق مثل قدم المخلوقين؟

    أما نحن فلا نثبت كلمة القدم، ولا نقول: إن من أسمائه القديم لأنها لم تثبت، نقول: هو الأول، فعندنا ما يغني، لكن من باب المحاجة نقول لهم هذا، والله سبحانه وتعالى له صفة البقاء، ونثبت هذه الصفة ،لأن الله أثبتها لنفسه: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:27].

    هل وصف الله المخاليق بالبقاء؟

    الجواب: نعم.. والدليل: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات:77] فهل يستلزم إثبات البقاء لله، وإثبات بقاء المخلوقين مشابهة؟ كلا، فالبقاء لله يناسبه سبحانه وتعالى، والبقاء للمخلوق يناسب المخلوق الذي يفنى، وبقاء المخلوق محدود، ولكنه سبحانه وتعالى أبقى ذرية نوح وتناسلوا إلى أن يأذن الله بفناء البشرية، فالله سبحانه وتعالى له صفة الأولية والآخرية التي نص عليهما في كتابه في قوله: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِر [الحديد:3]، أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ [المرسلات:16-17] هذا بالنسبة لصفات المخلوقين، فإذاً الأولية والآخرية جاءت للخالق وجاءت للمخلوقين بدون لزوم أي تشابه، هذا شيء غير السبعة مما نناقشهم فيه.

    مذهب السلف في صفات الأفعال

    ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بأنه واحد، فقال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163] ووصف بعض المخلوقين بذلك، فمن هذا قوله سبحانه وتعالى: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ [الرعد:4] وصف نفسه بالغنى، فقال: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد:24] ووصف بعض المخاليق بالغنى، فقال: وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ [النساء:6].

    فإذاً هل إثبات صفة الغنى لله وإثبات صفة الغنى للمخلوق تعني تشبيهاً؟

    الجواب: لا، وهكذا.. فلا داعي أن تنفى صفات الرب سبحانه وتعالى بعلة التشبيه بصفات المخلوقين.

    وقد وصف سبحانه وتعالى نفسه بصفات الأفعال، ووصف بعض المخاليق بهذه الصفة، جاءت للخالق في نص وجاءت للمخلوق في نص آخر.

    من صفات الأفعال، مثلاً الرزق، الله سبحانه وتعالى قال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [الذاريات:58] وسمى نفسه الرزاق، وصفة الرزق بها يرزق سبحانه وتعالى: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون:72] ووصف بعض المخلوقين بصفة الرزق، أي أن المخلوق يرزق، الدليل على أن المخلوق يرزق: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء:8] وقال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا [النساء:5] وقال الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ [البقرة:233].

    فهذا الله يرزق، والمخلوق يرزق، لكن شتان بين رزق الله عز وجل ورزق المخلوق، فرزق المخلوق ناقص ورزق المخلوق لا يكون إلا إذا كان عنده، ثم يفنى، ثم لا يستطيع أن يعطي، ولا يرزق إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى ... إلى آخره.

    ولا يقدر المخلوق أن يرزق إلا شيئاً محدوداً، لا يستطيع أن يعطي كل الناس، الله يرزق الحيتان في البحر، ويرزق الدود، ويرزق الجراد، ويرزق كل أحد سبحانه وتعالى.

    من صفات الفعل أيضاً: العمل: عمل يعمل عملاً، فالله عز وجل يعمل، وقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:71] ووصف بعض المخاليق بأنهم يعملون، كما قال عز وجل: إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16] هذا عمل وهذا عمل وإثباتهما لا يستلزم أي تشبيه إطلاقاً.

    والتعليم وصف الله نفسه بأنه يعلم، وأخبر أنه يعلم، وأخبر أن بعض المخاليق تعلم، فقال سبحانه وتعالى: عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن:2].. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:4].. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:4].. وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113] ووصف بعض المخاليق بأنهم يعملون فقال سبحانه: أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66].. َ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4].. يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ [الجمعة:2] فهذا التعليم من الله، وهذا التعليم من المخلوق، وما استلزم أي تشبيه إطلاقاً، كل كما يليق به .

    ووصف سبحانه وتعالى نفسه بأنه ينبئ، ووصف المخلوق بأنه ينبئ، وجمع بينهما في آية واحدة: فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم:3] فهو ينبئ سبحانه، وأخبر أن نبيه قد نبأ بعض أزواجه.

    ووصف نفسه سبحانه وتعالى بصفة الفعل الإيتاء، قال عز وجل: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:269] وقال سبحانه: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3] ووصف بعض المخاليق بأنهم يؤتون، فقال عز وجل: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف:96] لكن هذا يقول: أعطوني، أنا أريد المخلوق يعطي الشيء، قال سبحانه وتعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً [النساء:20].. وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4].

    فكل هذا الكلام يدل على أن الصفات التي وردت لله، لو كان هناك مثلها عند المخلوقين فلا يستلزم إثباتها أي تشبيه، كل بما يليق به.

    مذهب السلف في الصفات الجامعة

    ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالعلو والكبر، والعظم فقال سبحانه: وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] هذه في الصفات التي يسمونها الصفات الجامعة، الآن خرجنا من صفات الأفعال إلى الصفات الجامعة، كالعلو والعظم والكبر والملك والجبروت والعزة والقوة، هذه اسمها الصفات الجامعات، حتى هذه الصفات على تقسيمهم إذا نظرنا فيها، سنجد أن الله أثبتها لنفسه، وأثبت بعضها لبعض المخلوقين، فوصف الله سبحانه وتعالى، بأنه علي وأنه عظيم وقال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] وقال عن نفسه: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء:34] فوصف نفسه بالعلو والكبر سبحانه وتعالى وأنه عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد:9] ووصف بعض الخلق بالعلو وبالعظيم فقال: وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم:57].. إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً [الإسراء:40].. فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] وقال عن بلقيس: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23] ووصف بعض المخلوقات أنها كبيرة فقال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63].

    فهذه الصفات الجامعة، كالعلو والكبر والعظم نثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه، ونثبتها للمخاليق إذا ثبتت لهم، ولا يستلزم ذلك أي تشبيه.

    ووصف الله نفسه بالملك، فقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ [الجمعة:1].. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55] ووصف بعض المخلوقين بالملك فقال في القرآن: طَالُوتَ مَلِكاً [البقرة:247].. وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ [يوسف:43].. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79].

    فلله سبحانه وتعالى ملك حقيقي يليق بجلاله وكماله، وللمخاليق ملك يناسب حالهم وفناءهم وعجزهم وافتقارهم، ملك الله سبحانه وتعالى نافذ، ملك الله سبحانه وتعالى عام، ملك الله سبحانه وتعالى لا يزول ولا يحول، ملك الله سبحانه وتعالى يتصرف فيه كيف يشاء، ملك المخلوق محدود، ومعرض للاغتصاب، ومعرض للزوال، ويزول، وملكه قد لا يتصرف فيه، ممكن أنت تملك شيئاً، لكنك لا تستطيع أن تتصرف فيه، لأن هناك غاصباً، أو لأن القاضي وضع عليه حجراً، لأن ... لأن ... من الأسباب التي قد تعيقك عن التصرف في ملكك، ولكن الله يتصرف في ملكه كيف يشاء.

    فلا يمنع أن يثبت لله الملك، وأن يثبت للمخلوق الملك، كل بما يليق به.

    ووصف الله سبحانه وتعالى بأنه جبار متكبر فقال: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:23] ووصف بعض المخاليق بأنهم جبارون متكبرون: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35].. وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء:130].. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60] وهكذا.

    ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالعزة فقال: أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:209].. رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [ص:9] ووصف بعض المخلوقين بالعزة فقال: قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف:51] وكذلك وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] مجموعة كلها، هذه العزة لله وعزة الرسول وعزة المؤمنين، وهذه عزة الله غير عزة الرسول وعزة المؤمنين.

    ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالقوة فقال: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58]، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74] ووصف بعض المخاليق بأن لها قوة فقال: الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26].. وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52].. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54].

    إذاً: نلاحظ الآن أنه مهما قسم المتكلمون الصفات، فإن هناك صفات لله في هذه البنود التي قسموها ثابتة لله وثابتة للمخاليق، وهذا من بليغ تقسيمه رحمه الله ورده عليهم.

    وكذلك الرأفة والحلم والرحمة تثبت لله: إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:7].. لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    ووصف الله نفسه سبحانه وتعالى بالمغفرة: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] ووصف أيضاً بعض المخاليق بأنهم يغفرون: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ [البقرة:263].. قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14].

    1.   

    مذهب السلف في صفة الاستواء

    لو جئنا الآن إلى مسألة الاستواء، فقلنا: إن الله سبحانه وتعالى قد أثبت الاستواء لنفسه، فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] وأثبت الاستواء للمخلوقين فقال: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:13].. وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44] فهل إثبات هذه وهذا يستلزم تشبيهاً؟

    لا، فلماذا يا أيها الأشاعرة تفرون من إثبات الاستواء، وتجعلون في كتبكم وتفاسيركم استوى أي: استولى، وترفضون إثبات الاستواء لله لماذا؟ فسروا لنا لماذا وهذه كلها أمثلة تدل على أنه يمكن الإثبات بغير تشبيه بوضوح جداً.

    فتجرأ هؤلاء ممن يدعون الإسلام واتباع الحق والدليل على نفي الاستواء عن الله سبحانه وتعالى بأدلة منطقية، وكلام فلسفي في الاستواء فماذا يقولون؟ يقولون: لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للخلق، وبما أنه غير مشابه للخلق إذاً هو غير مستو على العرش.

    وهذا كلام فلسفي من علم الكلام من اليونان لا من القرآن، إذا أثبتنا أنه مستو على العرش، يعني جعلناه مشابهاً للخلق، وبما أنه غير مشابه للخلق إذاً هو غير مستوٍ على العرش، مقدمات ونتائج.

    الله سبحانه وتعالى ذكر استواءه على العرش صفة من صفاته في سبع آيات في آيات من القرآن الكريم: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف:54].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس:3].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد:2].. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان:59].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة:4].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا [الحديد:4] كل هذه الآيات تثبت استواءه ثم تأتون أنتم وتقولون: إنه لم يستو وأننا لا نثبت له صفة الاستواء، وإنه لا بد أن ننفيها! ثم نؤولها ونأتي ببديل عنها، فدخلوا في فتنة التأويل، قالوا: إذا أثبتنا الاستواء شبهناه بخلقه، ما هو الحل؟ قالوا: ننفي الاستواء، وماذا تفعلون بدلاً منه؟ قالوا: نؤول الاستواء، ننفي حقيقته نقول: الحقيقة غير مرادة وإلا شبهناه، إذاً.. فما هو المخرج، قالوا: نؤوله. هنا وقف الشيخ رحمه الله في رسالته وقفة مع التأويل واضعاً استمدادها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، فإنه قد تأثر بهما على ما سنورد في ترجمته إن شاء الله.

    معاني التأويل

    التأويل يطلق على ثلاثة معان: المعنى الأول: ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني الحال، أي الحال الآتية والحالة القادمة، قال الله سبحانه وتعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59].. وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39].. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ [الأعراف:53] ما معنى يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف:53]؟

    الجواب: ما تؤول إليه حقيقة الأمر، ما تصير إليه حقيقة الأمر، وما سيكون في المستقبل: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف:53] أي: في المستقبل، عندما يأتي تأويله ويحصل، الآن، فإذاً: التأويل يأتي بمعنى ما تؤول إليه حقيقة الأمر مستقبلاً أو في ثاني الحال.

    المعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، كما يقول ابن جرير رحمه الله: والقول في تأويل قوله تعالى كذا، يعني في تفسير قوله تعالى كذا، ويذكر التفسير.

    المعنى الثالث: التأويل عند الأصوليين هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل، وهنا يدخل هؤلاء المناقشون، يقولون: اللفظ ظاهر اللفظ استوى، فنحن نصرفه عن ظاهره، لماذا؟ يقولون: عندنا دليل، هكذا يقولون، الآن سيدخلون من هذا الباب، فنقول: لا تحتجوا بنصوص التأويل التي فيها النوع الأول والثاني، أنتم لا علاقة لكم بهذا الموضوع.

    وحتى لا يلتبس علينا معنى التأويل نقول: إن التأويل يكون بمعنى بما يؤول إليه الحال، مثل تأويل الرؤيا، عندما تحققت وصارت ودخل يعقوب وأم يوسف وإخوانه عليه، وتحققت الرؤيا، آلت إلى أن صارت حقيقة في الواقع، وأما من قبل كانت رؤيا، فتأولت وحصلت في الواقع على ما رآها، بحسب ما رآها، فلا علاقة لكم بهذا، ولا علاقة لكم بقضية التأويل بمعنى التفسير، أنتم ستدخلون من باب صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، وأنتم تقولون إن عندكم قرينة، لأنه لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره، وإلا صار أي واحد يلعب بالقرآن، أي واحد يأتي بأي شيء من القرآن، ويقول: هذا المراد به كذا، الصوم: حفظ أسرار الشيخ، الحج: الذهاب إلى الشيخ، الصلاة كذا، ذكر أسماء علي وحسن وحسين وفاطمة ، فهم سيدخلون من هذا الباب.

    وجوه صرف اللفظ عن ظاهره

    التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل هنا لا بد أن يوضح هذا النوع، صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، له عند علماء الأصول -و الشنقيطي من كبار علماء الأصول- له عندهم ثلاث حالات:

    الأولى: أن يصرف عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من الكتاب أو السنة، وهذا التأويل عند الأصوليين صحيح سائغ لا نزاع فيه، ضربوا له مثلاً في كتب الأصول بحديث: (الجار أحق بسقبه) فقالوا: ظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار، أي أنت لو عندك أرض وجارك عنده أرض، إذا أراد الجار أن يبيع أرضه فأنت أولى بها من غيرك، هذا ظاهره، لكن لما نظر العلماء في النصوص الأخرى التي جمعوها في موضوع الشفعة، وجدوا نصاً يقول ما يلي: (فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) ما معنى صرّفت الطرق؟ أي ضربت الحدود، وقيل: هذه حدود أرض فلان، وهذه حدود أرض فلان، فعند ذلك لا يوجد حق الشفعة، كل واحد يبيع كما يريد.

    قالوا: أيضاً تكون الشفعة في الشراكة المشاعة، أنت وشخص عندكم أرض بدون تقسيم، كلاكما يملك الأرض، بنسبة مشاعة من الأرض، ما يجوز واحد يبيع نصيبه أو نسبته فيها بدون أن يعرضها على شريكه.

    إذاً لما قالوا: (الجار أحق بسقبه) ظاهرها أنه حتى لو كانت أرض محددة، قالوا: هذا ليس ظاهره مراداً، لماذا صرفتموها عن الجار عموماً إلى الشريك فقط، لماذا صرفتموها من الجار إلى الشريك في الشراكة المشاعة أو الشريك المخالط؟ قالوا: لقرينة، والدليل صحيح وهو: (فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) هذا واضح، صرف الدليل عن ظاهره لقرينة صحيحه، وهذا يسمى تأويلاً صحيحاً أو تأويلاً قريباً، أو تأويلاً ساغئاً دلَّ عليه النص.

    النوع الثاني: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلاً وليس دليلاً في نفس الأمر: فهذا يسمى تأويلاً فاسداً، أو يسمى تأويلاً بعيداً، ضربوا له مثالاً بكلام بعض الأحناف، أو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، لما جاء إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) الآن أبو حنيفة يرى أن نكاح المرأة لا يشترط أن يكون فيه ولي، وممكن أن تنكح من غير ولي، فلما قيل الحديث: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل).

    قال: المقصود بالمرأة هنا المكاتبة فقط، الأمة عند سيدها ما تنكح إلا بإذن سيدها، وهو وليها، أما النساء الأحرار، والعاديات ممكن بغير إذن وليها، إذاً ما في دليل صحيح، بل النص: ( أيما امرأة ) يفيد العموم أي: كبيرة، صغيرة، حرة، أمة (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل).

    فإذاً هذا الذي ذهب إليه رحمه الله ليس تأويلاً صحيحاً، والقرينة غير صحيحة، وليس هناك دليل في نفس الأمر، هذا يسمى تأويلاً بعيداً فاسداً، وهو صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه بغير قرينة صحيحة ولا دليل جازم يجب الرجوع إليه.

    النوع الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره بدون أي دليل، أي حتى ولو قرينة ضعيفة، صرف اللفظ عن ظاهره مطلقاً هكذا على الهوى والتشهي، وعلى الرأي بدون أي قرينة لا ضعيفة ولا قوية، وهذا يسمى عند العلماء لعباً، لأنه تلاعب بالكتاب والسنة، كما قال غلاة الروافض إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، قالوا: البقرة عائشة ، وما هي القرينة التي أوجبت صرف اللفظ عن ظاهره والظاهر أنه بقرة تمشي على أربعة، بقرة الحيوان البهيمة المعروفة، بأي حق صرفتم البقرة إلى عائشة ؟ لا يوجد إطلاقاً أي قرينة.

    وكما قال الصوفية في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، قالوا: البقرة هي النفس، تذبح نفسك بسكين الطاعة، إذاً عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة:68] قالوا: لا شاب ولا شايب، كهل في الوسط، صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا [البقرة:69] قالوا: صفار الوجه في الطاعة بالصوم تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69] فهذا كلام فارغ، وهذا في الحقيقة يسمى تلاعباً لا قرينة له إلا الهوى الذي يعمي ويصم.

    فالقاعدة إذاً مهمة جداً لأنها تنسف ما يقررونه، لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا لقرينة، جاءوا إلى الاستواء قالوا: نصرفه عن ظاهره، ما هي القرينة؟ قالوا: لأن الاستواء يلزم منه المشابهة، ولماذا لا تقولون هذا في الإرادة؟ ولماذا لا تقولونه في العلم؟ ولماذا لا تقولونه في سائر الصفات التي ناقشنا فيها قبل قليل؟ لماذا لا تعاملون الاستواء كما عاملتم بقية الصفات؟ ما هو الفرق؟

    لا فرق في الحقيقة.

    نصيحة مشفق لكل مؤول

    قال رحمه الله: (فاسمعوا أيها الإخوان! نصيحة مشفق) هذه الآن النصيحة تبين السبب الذي من أجله ما قبلوا الإقرار بالصفة، لماذا لم يقبلوا الإقرار بالصفة؟

    قال: "فاسمعوا أيها الإخوان نصيحة مشفق، واعلموا أن كل هذا الشر إنما جاء من مسألة وهي: نجس القلب، وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه، فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه، كنزوله إلى السماء الدنيا بثلث الليل الآخر، وكاستوائه على عرشه، وكمجيئه يوم القيامة، وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق".

    فإذاً هذه مسألة مهمة، وهذا تحليل نفسي لنفسية الأشعري، والمؤولين في الصفات والمحرفين لها.

    لماذا يلجئون إلى التأويل الذي هو التحريف حقيقة؟ ومن أي شيء ينطلقون؟ مبعثهم الإحساس بالتشبيه، لأنهم اعتقدوا أن هذه الصفة إذا أثبتوها شبهوا الخالق بالمخلوق، قالوا: إذاً هنا لا بد من مهرب ولا بد أن نفر، فلذلك لا يوجد معطل محرف إلا قد كان قبل ذلك مشبهاً؛ لأنه لما اعتقد التشبيه فر منه إلى التعطيل والتحريف، هذه مسألة مهمة جداً، فيدعي أن إثبات الصفة يؤدي إلى التشبيه بصفات المخلوقين، فيكون أولاً: مشبهاً، وثانياً: معطلاً.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، هل ممكن يكون هذا اللفظ غير مراد ولا يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه غير مراد؟ لا يمكن إطلاقاً، هل يمكن أن يكون ظاهر الآيات كفر؟ هم يقولون هكذا، ظاهر بعض آيات الصفات كفر، فنقول: الله أرحم بعباده من أن ينزل عليهم شيئاً ظاهره الكفر، وهل الله يعجز أن يبين العبارة؟ لو كان الله يريد (استولى) لبينها، أي الله عاجز أن يغير، لا تكون الآية الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] وتكون الآية: الرحمن على العرش استولى، ألله عاجز عن هذا ؟!

    كيف نقول: إن هذا أفصح كلام وأبين كلام وأبلغه، ثم نقول: الظاهر غير مراد، بل الظاهر كفر! هم يقولون: اعتقاد الظاهر كفر، إذا اعتقدت أنه استوى تكفر! لماذا؟ لأنهم انطلقوا من التشبيه.

    خلاصة ما سبق

    ولذلك قال رحمه الله: " فالحاصل أنه يجب على المسلم أن يعتقد إذا سمع وصفاً اتصف به خالق السموات والأرض في نفسه التعظيم لله، قال فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة ".

    وهذه مسألة مفيدة في علاج الوساوس، الآن نحن السلفيين عندما نثبت الأصبع والقدم والرجل واليد والكف، كما أثبت لله عز وجل، ممكن الشيطان يقول: يشبه لك في عقلك شكلاً معيناً وتشبيهاً معيناً، ونحو ذلك، فكيف تقاوم هذه الوسوسة الشيطانية؟

    بأن يمتلئ قلبك بالتعظيم عند إمرار الصفة في ذهنك، وخطورها في بالك، يمتلئ قلبك بتعظيم الرب، فإذا امتلأ قلبك بتعظيم الرب، فكل آيات الصفات التي تمر على نفسك ما يمكن أن تسبب بلبلة إطلاقاً عندك؛ لأن تعظيمك للرب سيقطع كل علاقة بين هذه الصفات وبين التشبه بالمخلوق، فلو خطر ببال أحد مثلاً تصور شكل كذا وشكل كذا، وهو في صفات الله، فإذا استحضر عظمة الرب، ماذا يحدث لهذه الأشكال الذي يجري بها الشيطان في النفس؟

    كلها تنمسح، وتضمحل، هذا التوحيد أثبت وعظم، فيكون القلب منزهاً معظماً له جل وعلا غير متنجسٍ بأقذار التشبيه، معتقداً بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    1.   

    قاعدتان ذهبيتان في الأسماء والصفات

    وفي هذا المقام يتزود الطالب بقاعدتين ذهبيتين مهمتين، ذكرهما شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الحموية ، ونقلها الشنقيطي رحمه الله: أولاً: القول في الصفات كالقول في الذات، ثانياً: القول في الصفات كالقول في البعض الآخر.

    هاتان قاعدتان خصم بهما شيخ الإسلام كل أشعري، وضاقت مذاهبهم، وأعيتهم الحيل، وتأزموا نفسياً من وراء كتاب الحموية ؛ لأنه قعد قاعدتين لا مهرب منهما، قال: القول في الصفات كالقول في الذات.

    إذا قلت لي يا أيها الأشعري: ذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين، أقول لك: ويده لا تشبه يد المخلوقين، وأصبعه لا يشبه أصابع المخلوقين.

    والقول في الصفات كالقول في البعض الآخر، هذه القاعدة الثانية مهمة: إذا كنت أيها الأشعري تثبت السمع والبصر، أثبت اليد والرجل، فما الفرق؟ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، انتهت المسألة، هاتان قاعدتان مهمتان جداً وإليهما أشار رحمه الله، ناقلاً من كلام شيخ الإسلام ومتأثراً به؛ لأن الشنقيطي رحمه الله قد كان في مبدأ أمره ليس على عقيدة السلف في الأسماء والصفات، عندما كان في شنقيط وكان يطلب العلم هناك، ولكن عندما جاء إلى الجزيرة ، والتقى بعلماء الجزيرة، وأهدى له الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وأوصى بذلك بعض العلماء في المدينة أن يتابعوا الشيخ الشنقيطي في هذه المسألة، حصل للرجل القناعة التامة بمذهب السلف ، وألفه بعد غاية بلوغه في العلم حتى لا يقال: مسكين ضحكوا عليه، ألفه بعد غاية جهده العلمي، ألف مثل هذه الرسالة.

    وليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل، قال: " اعلموا أن المقرر في الأصول: أن الكلام إذا دل على معنى لا يحتمل غيره، فهو المسمى نصاً، كقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196].

    فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أحد الاحتمالين أظهر أو لا يكون ".

    فإذاً عندنا نص لا يحتمل إلا معنى واحد فقط، وعندنا نص يحتمل احتمالين ثم قد يكون أحد الاحتمالين، أقوى وقد لا يكون أحد الاحتمالين أقوى، فإذا كان الاحتمال يتساوى، فهذا الذي يسميه العلماء المجمل، وضرب مثلاً قال: "لو قلت عدا اللصوص على عين زيد -أي اعتدى اللصوص على عين زيد- فاحتمال أن تكون عينه الباصرة عوروها، أو عينه الجارية غوروها، أو عين ذهبه وفضته سرقوها".

    فإذاً كلمة عين في اللغة تحتمل: الحاسة هذه، وممكن تحتمل حرف العين من حروف الأبجدية، ممكن تحتمل الجاسوس، ممكن تحتمل عين الماء، ممكن تحتمل الذهب والفضة، فإذا كيف نفهم ما هو المقصود إذا صار هناك اشتراك في اللفظ؟ بالسياق والقرينة التي تدل عليه، فإذا قلت مثلاً: رأيت رأس الجبل، ورأس المال، يتبين بالإضافة كلمة رأس بحسب ما تضاف إليه ويكون لها معنى، رأس المال، رأس الجبل، رأس الإنسان.

    إذا قلت: رأيت أسداً يكون الظاهر أنه حيوان مفترس، وإذا قلت رأيت أسداً يقاتل على حصان، واضح هنا أن الأسد المقصود به الرجل الشجاع مثلاً، فإذا قال مثلاً: اعتدى اللصوص على عين زيد فعوروها، نفهم العين الجارحة، وإذا قلت اعتدى اللصوص على عين زيد فغوروها، فإذاً هي العين الجارية، وإذا قلت اعتدى اللصوص على عين زيد فسرقوها؟ الذهب والفضة.

    فالاختلاف في الصفات يعود إلى الاختلاف فيما أضيفت إليه هذه الصفات، كما قلنا في كلمة رأس، إذا أضيف الرأس إلى الجبل، أو إلى المال، أو إلى الإنسان، صارت أشياء مختلفة، فليس لأن فيها كلمة رأس تكون كلها واحدة متشابه، ولا نقول بهذا، وعندما نقول يد الله ويد زيد، ويد الباب، ما يستلزم التشابه، والمعنى يظهر من إضافة كل شيء إليه، فيد الله غير يد الإنسان، ورأس الجبل غير رأس الإنسان، ولله المثل الأعلى، لكن أنت ترى الاختلاف في المخلوق، إذا قلت رأس المال ورأس الجبل ورأس الإنسان، هذه مخلوقات، وكلمة رأس مختلفة في كل واحد منهما بحسب ما أضيف إليه.

    وكذلك يفهم بالبديهة ويفهم بالطبيعة أننا عندما نضيف صفة لله سبحانه وتعالى، نقول: يد الله، وجه الله، قدم الله، أن هذا لا يلزم التشبيه إطلاقاً، وإذا قلنا استوى الله واستوى المخلوق، لا يستلزم تشبيه الاستواء بالاستواء إطلاقاً وهكذا.

    ويؤمن المسلم بصفة الله سبحانه وتعالى، وهو يعتقد أن الله منزه عن مشابهة جميع المخاليق والحوادث المحدثة، ونعتقد أن ما قاله هؤلاء المحرفون باطل، وأن المقدمات الكلامية الفلسفية التي اعتمدوا عليها باطلة، وأنهم لما قالوا: إن الله لا يشابه المخاليق هذه مقدمة، وإثبات استواء الله يؤدي إلى التشبيه، فالنتيجة هي أن الاستواء باطل لا ينسب لله، فهذه المقدمة باطلة، وهذا الربط بين (لو واللام) في قولهم: لو أثبتنا لصار تشبيهاً، هذا الربط كاذب، فالله مستو على عرشه من غير مشابهة للمخاليق والحوادث، وكذلك سائر صفاته سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] تنزيه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] إثبات.

    1.   

    قاعدة تقود إلى صحة الإيمان بالأسماء والصفات

    ثم مسألة مهمة جداً تساعد في توحيد الأسماء والصفات والإيمان به إيماناً صحيحاً أشار إليها الشيخ الشنقيطي رحمه الله قال: (قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية لابد منه) ويلزم أن تقطع تماماً الأمل أن تدرك كيفيته إطلاقاً، إذا اعتقدت هذا فستسلم من كل شبهة، قال الله عز وجل: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:110] فعبارة: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:110] يعني: لا يمكن إدراك كيفية صفاته سبحانه وتعالى، ولا يمكن تخيل ذلك، ولا يمكن للعقل البشري أن يحيط به، ولا للعلم البشري أن يحيط به سبحانه وتعالى.

    والمسألة ليست مجرد عرض عملي كما قد يحس البعض بالجمود، وإنما هو عرض وعظي أيضاً، وعرض إيماني، قال: " لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد " تنزيه الله عن مشابهة المخاليق، إثبات الصفات له، قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وإثبات الصفات ونفي التشبيه.

    قال: " لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد؛ أترون الله يوم القيامة يقول: لم نزهتموني عن مشابهة الخلق؟ ويلومكم على ذلك؟ "هل يلومكم إذا أثبتم الاستواء؟ هل سيقول لكم لماذا لم تأولوا الاستواء؟ " كلا والله، لا يلومكم على ذلك " هل يلومكم ويقول: لم أثبتم لي ما أثبته لنفسي، وأثبته لي رسولي ؟! لا ولله لا يلومكم على ذلك، ولا تكون عاقبته سيئة إطلاقاً.

    وفي الختام: فإنه ذكر رحمه الله تعالى بأن هؤلاء الذين نفوا صفات الله كالاستواء والنزول والمجيء أولاً: اعتقدوا التشبيه، وقالوا: ما قلته في كتابك لا يليق بك، وجاء ربك قالوا: هذه الآية ما تليق بك، ظاهرها لا يليق: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] لا يليق بك، سبحان الله!

    فاعتقدوا التشبيه، ثم بعد ذلك تهجموا على نصوص الوحي، قالوا: لا بد أن نعمل فيها شيئاً، ولا يمكن أن نسكت، فاضطروا بسببها إلى نفي صفات فراراً من المشابهة، فحملوا نصوص القرآن على معانٍ غير لائقة بالله، ثم نفوها من أصلها، ثم فسروا الصفة بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم من غير دليل، فقالوا: استوى يعني: استولى.

    ولو سرنا معهم وقلنا لهم: استوى بمعنى استولى، ولكن المخاليق تستولي، فلماذا لا تظهر هنا قضية التشبيه ونقول: استيلاء كالاستيلاء، ونحتاج أن نغير الاستيلاء ونأتي بمعنى آخر، أنتم قلتم: لا نقول استوى، لأن الإنسان يستوي، وإذا قلنا الاستواء معناه أننا شبهنا الله بالخلق، ما هو الحل؟ قالوا الحل نقول: استولى، نقول: المخلوق يستولي؟

    فإذاً: لماذا لا يكون استيلاء باستيلاء، ففررتم من أي شيء إلى أي شيء، ماذا فعلنا؟ حرفنا الآية بدون فائدة.

    فهذا ما أورده رحمه الله في هذه الرسالة العظمية النافعة في تقرير توحيد الأسماء والصفات، والرد على من حرف الصفات.