اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة منهج دراسة الأسماء والصفات للشيخ : محمد المنجد


رسالة منهج دراسة الأسماء والصفات - (للشيخ : محمد المنجد)
أهل السنة والجماعة هم كاسمهم أهل لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولجماعة المسلمين المؤمنين المستسلمين لأوامر الله ونواهيه في كل شيء، فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه، والأسماء والصفات ما أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وقد جاءت هذه الرسالة لبيان منهج السلف الصالح في فهم آيات الأسماء والصفات.
الأسس التي يرتكز عليها مذهب السلف في الصفات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: في هذه الليلة نستعرض وإياكم رسالة علمية في أحد موضوعات العقيدة، وهو توحيد الأسماء والصفات، وهذه الرسالة هي رسالة العلامة الشيخ الإمام/ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، بعنوان: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات . وهذه الرسالة تثبت سلفية الشيخ رحمه الله تعالى في عقيدته، وسنعرض لشيء من ترجمته بعد عرض الرسالة بمشيئة الله تعالى، وكانت هذه الرسالة محاضرة قد ألقاها الشيخ رحمه الله في الجامعة الإسلامية في: (الثالث عشر من رمضان، سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثمانين للهجرة) ومعلوم ما يشيع عند كثير من الناس المنتسبين إلى العلم في العالم الإسلامي من منهج المتكلمين في الأسماء والصفات، وإنكارهم لكثير من الصفات، وتأويلهم وتحريفهم بالأحرى لنصوص الصفات، ولا شك أن المجتمعات العلمية يكون فيها من هذا كثير، ويصل طلبة العلم إلى كتب ليست على طريقة السلف في الأسماء والصفات، فبين الشيخ رحمه الله تعالى بعض القواعد الأساسية في هذا الموضوع، ونبه في بداية رسالته إلى أمر مهم ألا وهو: أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات وكثرة الأسئلة في الموضوع من البدع التي يكرهها السلف .وأن مباحث آيات الصفات التي دل عليها القرآن الكريم، ترتكز على ثلاث أسس مهمة. الأساس الأول: تنزيه الله عز وجل أن تشبه أي صفة من صفاته صفة من صفات المخلوقين، فلا يشبه سبحانه وتعالى أحداً من المخلوقين، ولا تشبه صفاته سبحانه وتعالى أي صفة من صفات المخلوقين كما دل عليه قوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله سبحانه وتعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4]، إذاً أولاً: عدم المشابهة، بين الله وخلقه.الأساس الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله عز وجل أعلم منه سبحانه وتعالى، لا يوجد أحد أعلم بالله من الله قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140] وكذلك الإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].فإذاً القاعدة الثانية: يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أخل بأحد هذين الأصلين وقع في ضلال، وتجرأ على الله عز وجل، ونفى صفات أثبتها الله لنفسه سبحانه وتعالى، والله يثبت ما يشاء لنفسه عز وجل من صفات الكمال والجلال، فكيف يليق بجاهل مسكين أن يتقدم بين يدي رب السماوات والأرض، ويقول: هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك! وهذا الذي وصفت به نفسك يلزم منه النقص! وأنا أريد أن أؤوله وأن ألغيه وأن آتي ببدله من تلقاء نفسي، من غير دليل سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].ومن آمن بصفات الله سبحانه وتعالى، فإنه لا بد أن يعتقد أن الله منزه عن مشابهة المخلوقين، فيكون سالماً من التشبيه، وسالماً من النفي والجحد، فهو يثبت الصفة، ويؤمن بأنها لا تشبه أي صفة من صفات المخاليق، هذا هو مضمون قوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].فنفى المشابهة: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] هذا الركن الأول وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] أثبت لنفسه السمع والبصر، فمن جاء وقال: إن المخاليق المخلوقة والحوادث هذه المحدثة لها سمع وبصر، فكيف نثبت لله السمع والبصر فإنه تشبيه؟فنقول: كيف يكون تشبيهاً وقد قال هو لما أثبتها لنفسه قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] فالله عز وجل له صفات لائقة بكماله وجلاله، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لأحوالهم، وصفات رب السموات سبحانه وتعالى أكمل وأعلى من أن تشبه صفات المخلوقين، فمن نفى عن الله وصفاً أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم بالله من الله، ولا يقول هذا إلا مجنون ضال ملحد لا عقل له، وقد قال الله تعالى في المشركين تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] ومن يسوي رب العالمين بغيره، فهو مجنون !
 

ما أحدثه المتكلمون في الأسماء والصفات
وقد جاء المتكلمون في بعض العصور الإسلامية واستخرجوا من كلام اليونان القواعد الفلسفية والكلامية، ثم حاكموا نصوص الصفات إليها، فنفوا ما نفوا وأثبتوا ما أثبتوا بزعمهم أنهم يثبتون ما يوافق مقتضى العقل، وينفون ما يقتضي العقل نفيه، فحكموا عقولهم في النصوص، وقدموا عقولهم على الكتاب والسنة، وقدموا منطق اليونان على القرآن، ولا يمكن أن يكون هناك أية مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق، فلله تعالى الصفات اللائقة بذاته، وللمخلوق الصفات اللائقة به. وهؤلاء المتكلمون لأنهم لا يعتمدون على الكتاب والسنة، فقد اضطربوا، وكل من لا يعتمد على الكتاب والسنة يضطرب، وهذه قاعدة: فتجد أن بعض هؤلاء المتكلمين قد أثبتوا سبع صفات، وبعضهم أثبت ثلاث عشرة، وبعضهم أثبتوا واحداً وعشرين صفة، وهكذا اضطربوا في عدد الصفات التي تليق بالله من وجهة نظرهم، كل واحد على حسب عقله، يقول: هذه تليق بالله أثبتوها، وهذه لا تليق لا تثبتوها، وأهل السنة يثبتون كل ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، فهؤلاء بعض المتكلمين المشهور من مذهبهم الذي أثبته الأشعري أولاً: السبعة المشهورة: له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر جمعوها في هذه البيت وقالوا: إننا نعترف بسبع صفات لله فقط، ما هي؟ قالوا: صفة القدرة، وصفة الإرادة، وصفة العلم، وصفة الحياة، وصفة السمع، وصفة البصر، وصفة الكلام.مثلاً: أثبت أنه يُحب ويغضب ويرضى ويرحم .. إلى آخره، قالوا: لا نثبتها، وصفات الذات، أن له اليد والوجه والقدم والأصابع سبحانه وتعالى.. إلى آخره، قالوا: لا نثبتها.والمعتزلة أيضاً أصحاب علم الكلام قد عطلوا أسماء الله سبحانه وتعالى ونفوا الصفات، قالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قادر بذاته، سميع بذاته، عليم بذاته، حي بذاته، لأنهم لا يريدون الإثبات .. لا حياة ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، وهؤلاء في النفي غلو أكثر من الأشاعرة بطبيعة الحال، وهذا مذهب يعرف كل عاقل بصير بالكتاب والسنة أنه مذهب باطل.
 

إثبات صحة مذهب السلف فيما ذهبوا إليه
الشنقيطي رحمه الله في رسالته يريد أن يناقش هؤلاء، ويثبت لهم أن ما أثبتوه هو من باب الذي نفوه، وأن يلزمهم بنفي الجميع أو إثبات الجميع، وأن يقول لهم: إن المحذور الذي تفرون منه في الأشياء التي تنفون عن الله موجود، إذا أرادنا نطبق كلامكم في الأشياء التي أثبتموها.
 مذهب السلف في الصفات الجامعة
ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالعلو والكبر، والعظم فقال سبحانه: وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] هذه في الصفات التي يسمونها الصفات الجامعة، الآن خرجنا من صفات الأفعال إلى الصفات الجامعة، كالعلو والعظم والكبر والملك والجبروت والعزة والقوة، هذه اسمها الصفات الجامعات، حتى هذه الصفات على تقسيمهم إذا نظرنا فيها، سنجد أن الله أثبتها لنفسه، وأثبت بعضها لبعض المخلوقين، فوصف الله سبحانه وتعالى، بأنه علي وأنه عظيم وقال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] وقال عن نفسه: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء:34] فوصف نفسه بالعلو والكبر سبحانه وتعالى وأنه عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد:9] ووصف بعض الخلق بالعلو وبالعظيم فقال: وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم:57].. إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً [الإسراء:40].. فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] وقال عن بلقيس: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23] ووصف بعض المخلوقات أنها كبيرة فقال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63].فهذه الصفات الجامعة، كالعلو والكبر والعظم نثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه، ونثبتها للمخاليق إذا ثبتت لهم، ولا يستلزم ذلك أي تشبيه. ووصف الله نفسه بالملك، فقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ [الجمعة:1].. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55] ووصف بعض المخلوقين بالملك فقال في القرآن: طَالُوتَ مَلِكاً [البقرة:247].. وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ [يوسف:43].. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79].فلله سبحانه وتعالى ملك حقيقي يليق بجلاله وكماله، وللمخاليق ملك يناسب حالهم وفناءهم وعجزهم وافتقارهم، ملك الله سبحانه وتعالى نافذ، ملك الله سبحانه وتعالى عام، ملك الله سبحانه وتعالى لا يزول ولا يحول، ملك الله سبحانه وتعالى يتصرف فيه كيف يشاء، ملك المخلوق محدود، ومعرض للاغتصاب، ومعرض للزوال، ويزول، وملكه قد لا يتصرف فيه، ممكن أنت تملك شيئاً، لكنك لا تستطيع أن تتصرف فيه، لأن هناك غاصباً، أو لأن القاضي وضع عليه حجراً، لأن ... لأن ... من الأسباب التي قد تعيقك عن التصرف في ملكك، ولكن الله يتصرف في ملكه كيف يشاء.فلا يمنع أن يثبت لله الملك، وأن يثبت للمخلوق الملك، كل بما يليق به.ووصف الله سبحانه وتعالى بأنه جبار متكبر فقال: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:23] ووصف بعض المخاليق بأنهم جبارون متكبرون: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35].. وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء:130].. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60] وهكذا.ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالعزة فقال: أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:209].. رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [ص:9] ووصف بعض المخلوقين بالعزة فقال: قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف:51] وكذلك وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] مجموعة كلها، هذه العزة لله وعزة الرسول وعزة المؤمنين، وهذه عزة الله غير عزة الرسول وعزة المؤمنين.ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالقوة فقال: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58]، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74] ووصف بعض المخاليق بأن لها قوة فقال: الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26].. وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52].. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54].إذاً: نلاحظ الآن أنه مهما قسم المتكلمون الصفات، فإن هناك صفات لله في هذه البنود التي قسموها ثابتة لله وثابتة للمخاليق، وهذا من بليغ تقسيمه رحمه الله ورده عليهم. وكذلك الرأفة والحلم والرحمة تثبت لله: إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:7].. لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].ووصف الله نفسه سبحانه وتعالى بالمغفرة: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] ووصف أيضاً بعض المخاليق بأنهم يغفرون: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ [البقرة:263].. قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14].
مذهب السلف في صفة الاستواء
لو جئنا الآن إلى مسألة الاستواء، فقلنا: إن الله سبحانه وتعالى قد أثبت الاستواء لنفسه، فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] وأثبت الاستواء للمخلوقين فقال: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:13].. وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44] فهل إثبات هذه وهذا يستلزم تشبيهاً؟ لا، فلماذا يا أيها الأشاعرة تفرون من إثبات الاستواء، وتجعلون في كتبكم وتفاسيركم استوى أي: استولى، وترفضون إثبات الاستواء لله لماذا؟ فسروا لنا لماذا وهذه كلها أمثلة تدل على أنه يمكن الإثبات بغير تشبيه بوضوح جداً.فتجرأ هؤلاء ممن يدعون الإسلام واتباع الحق والدليل على نفي الاستواء عن الله سبحانه وتعالى بأدلة منطقية، وكلام فلسفي في الاستواء فماذا يقولون؟ يقولون: لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للخلق، وبما أنه غير مشابه للخلق إذاً هو غير مستو على العرش.وهذا كلام فلسفي من علم الكلام من اليونان لا من القرآن، إذا أثبتنا أنه مستو على العرش، يعني جعلناه مشابهاً للخلق، وبما أنه غير مشابه للخلق إذاً هو غير مستوٍ على العرش، مقدمات ونتائج.الله سبحانه وتعالى ذكر استواءه على العرش صفة من صفاته في سبع آيات في آيات من القرآن الكريم: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف:54].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس:3].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد:2].. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان:59].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة:4].. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا [الحديد:4] كل هذه الآيات تثبت استواءه ثم تأتون أنتم وتقولون: إنه لم يستو وأننا لا نثبت له صفة الاستواء، وإنه لا بد أن ننفيها! ثم نؤولها ونأتي ببديل عنها، فدخلوا في فتنة التأويل، قالوا: إذا أثبتنا الاستواء شبهناه بخلقه، ما هو الحل؟ قالوا: ننفي الاستواء، وماذا تفعلون بدلاً منه؟ قالوا: نؤول الاستواء، ننفي حقيقته نقول: الحقيقة غير مرادة وإلا شبهناه، إذاً.. فما هو المخرج، قالوا: نؤوله. هنا وقف الشيخ رحمه الله في رسالته وقفة مع التأويل واضعاً استمدادها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، فإنه قد تأثر بهما على ما سنورد في ترجمته إن شاء الله.
 خلاصة ما سبق
ولذلك قال رحمه الله: " فالحاصل أنه يجب على المسلم أن يعتقد إذا سمع وصفاً اتصف به خالق السموات والأرض في نفسه التعظيم لله، قال فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة ".وهذه مسألة مفيدة في علاج الوساوس، الآن نحن السلفيين عندما نثبت الأصبع والقدم والرجل واليد والكف، كما أثبت لله عز وجل، ممكن الشيطان يقول: يشبه لك في عقلك شكلاً معيناً وتشبيهاً معيناً، ونحو ذلك، فكيف تقاوم هذه الوسوسة الشيطانية؟بأن يمتلئ قلبك بالتعظيم عند إمرار الصفة في ذهنك، وخطورها في بالك، يمتلئ قلبك بتعظيم الرب، فإذا امتلأ قلبك بتعظيم الرب، فكل آيات الصفات التي تمر على نفسك ما يمكن أن تسبب بلبلة إطلاقاً عندك؛ لأن تعظيمك للرب سيقطع كل علاقة بين هذه الصفات وبين التشبه بالمخلوق، فلو خطر ببال أحد مثلاً تصور شكل كذا وشكل كذا، وهو في صفات الله، فإذا استحضر عظمة الرب، ماذا يحدث لهذه الأشكال الذي يجري بها الشيطان في النفس؟كلها تنمسح، وتضمحل، هذا التوحيد أثبت وعظم، فيكون القلب منزهاً معظماً له جل وعلا غير متنجسٍ بأقذار التشبيه، معتقداً بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
قاعدتان ذهبيتان في الأسماء والصفات
وفي هذا المقام يتزود الطالب بقاعدتين ذهبيتين مهمتين، ذكرهما شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الحموية ، ونقلها الشنقيطي رحمه الله: أولاً: القول في الصفات كالقول في الذات، ثانياً: القول في الصفات كالقول في البعض الآخر.هاتان قاعدتان خصم بهما شيخ الإسلام كل أشعري، وضاقت مذاهبهم، وأعيتهم الحيل، وتأزموا نفسياً من وراء كتاب الحموية ؛ لأنه قعد قاعدتين لا مهرب منهما، قال: القول في الصفات كالقول في الذات.إذا قلت لي يا أيها الأشعري: ذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين، أقول لك: ويده لا تشبه يد المخلوقين، وأصبعه لا يشبه أصابع المخلوقين.والقول في الصفات كالقول في البعض الآخر، هذه القاعدة الثانية مهمة: إذا كنت أيها الأشعري تثبت السمع والبصر، أثبت اليد والرجل، فما الفرق؟ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، انتهت المسألة، هاتان قاعدتان مهمتان جداً وإليهما أشار رحمه الله، ناقلاً من كلام شيخ الإسلام ومتأثراً به؛ لأن الشنقيطي رحمه الله قد كان في مبدأ أمره ليس على عقيدة السلف في الأسماء والصفات، عندما كان في شنقيط وكان يطلب العلم هناك، ولكن عندما جاء إلى الجزيرة ، والتقى بعلماء الجزيرة، وأهدى له الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وأوصى بذلك بعض العلماء في المدينة أن يتابعوا الشيخ الشنقيطي في هذه المسألة، حصل للرجل القناعة التامة بمذهب السلف ، وألفه بعد غاية بلوغه في العلم حتى لا يقال: مسكين ضحكوا عليه، ألفه بعد غاية جهده العلمي، ألف مثل هذه الرسالة.وليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل، قال: " اعلموا أن المقرر في الأصول: أن الكلام إذا دل على معنى لا يحتمل غيره، فهو المسمى نصاً، كقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196].فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أحد الاحتمالين أظهر أو لا يكون ".فإذاً عندنا نص لا يحتمل إلا معنى واحد فقط، وعندنا نص يحتمل احتمالين ثم قد يكون أحد الاحتمالين، أقوى وقد لا يكون أحد الاحتمالين أقوى، فإذا كان الاحتمال يتساوى، فهذا الذي يسميه العلماء المجمل، وضرب مثلاً قال: "لو قلت عدا اللصوص على عين زيد -أي اعتدى اللصوص على عين زيد- فاحتمال أن تكون عينه الباصرة عوروها، أو عينه الجارية غوروها، أو عين ذهبه وفضته سرقوها".فإذاً كلمة عين في اللغة تحتمل: الحاسة هذه، وممكن تحتمل حرف العين من حروف الأبجدية، ممكن تحتمل الجاسوس، ممكن تحتمل عين الماء، ممكن تحتمل الذهب والفضة، فإذا كيف نفهم ما هو المقصود إذا صار هناك اشتراك في اللفظ؟ بالسياق والقرينة التي تدل عليه، فإذا قلت مثلاً: رأيت رأس الجبل، ورأس المال، يتبين بالإضافة كلمة رأس بحسب ما تضاف إليه ويكون لها معنى، رأس المال، رأس الجبل، رأس الإنسان.إذا قلت: رأيت أسداً يكون الظاهر أنه حيوان مفترس، وإذا قلت رأيت أسداً يقاتل على حصان، واضح هنا أن الأسد المقصود به الرجل الشجاع مثلاً، فإذا قال مثلاً: اعتدى اللصوص على عين زيد فعوروها، نفهم العين الجارحة، وإذا قلت اعتدى اللصوص على عين زيد فغوروها، فإذاً هي العين الجارية، وإذا قلت اعتدى اللصوص على عين زيد فسرقوها؟ الذهب والفضة.فالاختلاف في الصفات يعود إلى الاختلاف فيما أضيفت إليه هذه الصفات، كما قلنا في كلمة رأس، إذا أضيف الرأس إلى الجبل، أو إلى المال، أو إلى الإنسان، صارت أشياء مختلفة، فليس لأن فيها كلمة رأس تكون كلها واحدة متشابه، ولا نقول بهذا، وعندما نقول يد الله ويد زيد، ويد الباب، ما يستلزم التشابه، والمعنى يظهر من إضافة كل شيء إليه، فيد الله غير يد الإنسان، ورأس الجبل غير رأس الإنسان، ولله المثل الأعلى، لكن أنت ترى الاختلاف في المخلوق، إذا قلت رأس المال ورأس الجبل ورأس الإنسان، هذه مخلوقات، وكلمة رأس مختلفة في كل واحد منهما بحسب ما أضيف إليه.وكذلك يفهم بالبديهة ويفهم بالطبيعة أننا عندما نضيف صفة لله سبحانه وتعالى، نقول: يد الله، وجه الله، قدم الله، أن هذا لا يلزم التشبيه إطلاقاً، وإذا قلنا استوى الله واستوى المخلوق، لا يستلزم تشبيه الاستواء بالاستواء إطلاقاً وهكذا.ويؤمن المسلم بصفة الله سبحانه وتعالى، وهو يعتقد أن الله منزه عن مشابهة جميع المخاليق والحوادث المحدثة، ونعتقد أن ما قاله هؤلاء المحرفون باطل، وأن المقدمات الكلامية الفلسفية التي اعتمدوا عليها باطلة، وأنهم لما قالوا: إن الله لا يشابه المخاليق هذه مقدمة، وإثبات استواء الله يؤدي إلى التشبيه، فالنتيجة هي أن الاستواء باطل لا ينسب لله، فهذه المقدمة باطلة، وهذا الربط بين (لو واللام) في قولهم: لو أثبتنا لصار تشبيهاً، هذا الربط كاذب، فالله مستو على عرشه من غير مشابهة للمخاليق والحوادث، وكذلك سائر صفاته سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] تنزيه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] إثبات.
 خلاصة ما سبق
ولذلك قال رحمه الله: " فالحاصل أنه يجب على المسلم أن يعتقد إذا سمع وصفاً اتصف به خالق السموات والأرض في نفسه التعظيم لله، قال فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة ".وهذه مسألة مفيدة في علاج الوساوس، الآن نحن السلفيين عندما نثبت الأصبع والقدم والرجل واليد والكف، كما أثبت لله عز وجل، ممكن الشيطان يقول: يشبه لك في عقلك شكلاً معيناً وتشبيهاً معيناً، ونحو ذلك، فكيف تقاوم هذه الوسوسة الشيطانية؟بأن يمتلئ قلبك بالتعظيم عند إمرار الصفة في ذهنك، وخطورها في بالك، يمتلئ قلبك بتعظيم الرب، فإذا امتلأ قلبك بتعظيم الرب، فكل آيات الصفات التي تمر على نفسك ما يمكن أن تسبب بلبلة إطلاقاً عندك؛ لأن تعظيمك للرب سيقطع كل علاقة بين هذه الصفات وبين التشبه بالمخلوق، فلو خطر ببال أحد مثلاً تصور شكل كذا وشكل كذا، وهو في صفات الله، فإذا استحضر عظمة الرب، ماذا يحدث لهذه الأشكال الذي يجري بها الشيطان في النفس؟كلها تنمسح، وتضمحل، هذا التوحيد أثبت وعظم، فيكون القلب منزهاً معظماً له جل وعلا غير متنجسٍ بأقذار التشبيه، معتقداً بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
قاعدة تقود إلى صحة الإيمان بالأسماء والصفات
ثم مسألة مهمة جداً تساعد في توحيد الأسماء والصفات والإيمان به إيماناً صحيحاً أشار إليها الشيخ الشنقيطي رحمه الله قال: (قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية لابد منه) ويلزم أن تقطع تماماً الأمل أن تدرك كيفيته إطلاقاً، إذا اعتقدت هذا فستسلم من كل شبهة، قال الله عز وجل: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:110] فعبارة: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:110] يعني: لا يمكن إدراك كيفية صفاته سبحانه وتعالى، ولا يمكن تخيل ذلك، ولا يمكن للعقل البشري أن يحيط به، ولا للعلم البشري أن يحيط به سبحانه وتعالى.والمسألة ليست مجرد عرض عملي كما قد يحس البعض بالجمود، وإنما هو عرض وعظي أيضاً، وعرض إيماني، قال: " لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد " تنزيه الله عن مشابهة المخاليق، إثبات الصفات له، قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وإثبات الصفات ونفي التشبيه.قال: " لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد؛ أترون الله يوم القيامة يقول: لم نزهتموني عن مشابهة الخلق؟ ويلومكم على ذلك؟ "هل يلومكم إذا أثبتم الاستواء؟ هل سيقول لكم لماذا لم تأولوا الاستواء؟ " كلا والله، لا يلومكم على ذلك " هل يلومكم ويقول: لم أثبتم لي ما أثبته لنفسي، وأثبته لي رسولي ؟! لا ولله لا يلومكم على ذلك، ولا تكون عاقبته سيئة إطلاقاً.وفي الختام: فإنه ذكر رحمه الله تعالى بأن هؤلاء الذين نفوا صفات الله كالاستواء والنزول والمجيء أولاً: اعتقدوا التشبيه، وقالوا: ما قلته في كتابك لا يليق بك، وجاء ربك قالوا: هذه الآية ما تليق بك، ظاهرها لا يليق: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] لا يليق بك، سبحان الله!فاعتقدوا التشبيه، ثم بعد ذلك تهجموا على نصوص الوحي، قالوا: لا بد أن نعمل فيها شيئاً، ولا يمكن أن نسكت، فاضطروا بسببها إلى نفي صفات فراراً من المشابهة، فحملوا نصوص القرآن على معانٍ غير لائقة بالله، ثم نفوها من أصلها، ثم فسروا الصفة بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم من غير دليل، فقالوا: استوى يعني: استولى.ولو سرنا معهم وقلنا لهم: استوى بمعنى استولى، ولكن المخاليق تستولي، فلماذا لا تظهر هنا قضية التشبيه ونقول: استيلاء كالاستيلاء، ونحتاج أن نغير الاستيلاء ونأتي بمعنى آخر، أنتم قلتم: لا نقول استوى، لأن الإنسان يستوي، وإذا قلنا الاستواء معناه أننا شبهنا الله بالخلق، ما هو الحل؟ قالوا الحل نقول: استولى، نقول: المخلوق يستولي؟ فإذاً: لماذا لا يكون استيلاء باستيلاء، ففررتم من أي شيء إلى أي شيء، ماذا فعلنا؟ حرفنا الآية بدون فائدة.فهذا ما أورده رحمه الله في هذه الرسالة العظمية النافعة في تقرير توحيد الأسماء والصفات، والرد على من حرف الصفات.
 خلاصة ما سبق
ولذلك قال رحمه الله: " فالحاصل أنه يجب على المسلم أن يعتقد إذا سمع وصفاً اتصف به خالق السموات والأرض في نفسه التعظيم لله، قال فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة ".وهذه مسألة مفيدة في علاج الوساوس، الآن نحن السلفيين عندما نثبت الأصبع والقدم والرجل واليد والكف، كما أثبت لله عز وجل، ممكن الشيطان يقول: يشبه لك في عقلك شكلاً معيناً وتشبيهاً معيناً، ونحو ذلك، فكيف تقاوم هذه الوسوسة الشيطانية؟بأن يمتلئ قلبك بالتعظيم عند إمرار الصفة في ذهنك، وخطورها في بالك، يمتلئ قلبك بتعظيم الرب، فإذا امتلأ قلبك بتعظيم الرب، فكل آيات الصفات التي تمر على نفسك ما يمكن أن تسبب بلبلة إطلاقاً عندك؛ لأن تعظيمك للرب سيقطع كل علاقة بين هذه الصفات وبين التشبه بالمخلوق، فلو خطر ببال أحد مثلاً تصور شكل كذا وشكل كذا، وهو في صفات الله، فإذا استحضر عظمة الرب، ماذا يحدث لهذه الأشكال الذي يجري بها الشيطان في النفس؟كلها تنمسح، وتضمحل، هذا التوحيد أثبت وعظم، فيكون القلب منزهاً معظماً له جل وعلا غير متنجسٍ بأقذار التشبيه، معتقداً بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة منهج دراسة الأسماء والصفات للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net