إسلام ويب

الدعاة أمام الشائعاتللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله تعالى بالتثبت في تلقي الأخبار، حتى لا يصاب أحد ولايتهم بما لم يقله أو يفعله.

    وكثيراً ما أدت العجلة في إصدار الأحكام إلى الندم بعد وقوع الحكم، وقد ندم كثير من الأخيار على أحكام أصدروها على أناس، وكانت المعلومات التي بنوا عليه أحكامهم خاطئة.

    1.   

    الشائعة في الميزان

    إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونتوب إليه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهد َأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السَّلامُ عَلَيَّكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وبعد ففي هذا اليوم الأغر الثامن والعشرين من الشهر الثاني من عام (1412هـ) وعنوان هذا الدرس: الدعاة أمام الشائعات.

    وقد كثرت الشائعات في هذا الزمن لاتصاله واتصال أطرافه بعضها ببعض.

    والحقيقة أن هذه المحاضرة مكتوبة بنصها وفصها لم أغادر شيئاً منها، ولعل الأفكار تستوحى من الأسطر بعد توفيق الله عَزَّ وَجَلَ، وقد رأيت ذلك من المهمة بمكان أن تكتب المحاضرة؛ للمحافظة على روح الفكرة، والابتعاد عن التكرار والإعادة، وإيجاد منهجية رتيبة أحاول من خلالها أن نبتعد عن الاستطراد، أو عن الالتفات، أو التوسع في العبارة، ولو أن للارتجال ميزته، وبهجته، وروعته، ولكن للكتابة رتبتها، ونوعيتها، ومنهجيتها.

    قدم الشائعـة

    الشائعة -أيها الفضلاء- قديمه، عرفها الجاهليون قبل الإسلام وتناقلوها، وعاشها بعض الناس، وذكر أهل الأدب كـ ابن قتيبة وغيره أن النعمان بن المنذر -الملك الجاهلي الغساني- وشي إليه بـ النابغة الذبياني الشاعر، وأخبروا هذا الملك أن ذاك الشاعر تعرض لحرمه، وتغزل في زوجته، فغضب الملك، وتهدده بالقتل، وأهدر دمه في قبائل العرب، فضاقت الأرض بما رحبت بذاك الشاعر، وأخذ يمضي في الليل وينام في النهار، ورأى أن الحل السليم أن يفد إلى الملك، وأن يطرح نفسه عليه، لكن بقصيدة رائعة بديعة يعتذر فيها، والحقيقة أنها من أمهات الشعر العربي، ومن أحسن ما يقال فيه، فوفد عليه وجلس بين يديه، وقال له:

    أتاني أبيت اللعن؛ وكلمة أبيت اللعن: تحية يحيي بها الجاهليون بعضهم بعضاً، كان يقول السوقي للملك: أبيت اللعن؛ يعني: أعوذ بالله أن أستوجب لعنة أو شيئاً يوجب عليَّ لعنة الملك.

    فقال:

    أتاني أبيت اللعن أنك لُمتني     وتلك التي منهنَّ قد كنت أنصبُ

    يقول: سمعت أنك تهددني لتقطع رأسي، وهذه خوفتني.

    فبت كأن العائدات فرشن لي      فراشاً به يعلو فراشي ويقشب

    حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً     وليس وراء الله للمرء مذهب

    لئن كنت قد بلغت عني وشاية      لمبلغك الواشي أغش وأكذب

    ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمّه     على شعث أيَّ الرجال مهذب

    فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ      إذا طلعت لم يبدو منهن كوكب

    فرضي عنه، وفي المجلس الآخر اعتذر بقصيدة أخرى ليبرئ قلب ذاك الملك عليه تماماً، وهي رائعة، وأوردها صاحب أضواء البيان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، في أول التفسير، وهي مما يستملح بها في مجالس الدرس، يقول:

    كليني لهمٍ يا أميمة ناصب     وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب

    يصف معاناته في أثناء لصوق الشائعة به، وما يعيشه من آلام وأسىً ولوعة.

    كليني لهمٍ يا أميمة ناصبي     وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب

    تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ     وليس الذي يرعى النجوم بآيب

    وصدرٍ أراح الليل عازب همه     تضاعف فيه الحزن من كل جانب

    حلفت يميناً غير ذي مثنويةٍ     ولا علم إلا حسن ظنٍ بصاحب

    فرضي عنه أيضاً.

    الواجب مع الشائعة

    الأصل في بيان الواجب أمام الشائعات والأخبار المزعومة قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] وقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أيضاً: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] قال ابن كثير رحمه الله: يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق؛ ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذباً مخطئاً، فيكون الحاكم بقوله قد فعل ما نهى الله عزوجل عنه، وهذا من اتباع سبيل المفسدين.

    وكثيراً ما أدت العجلة في إصدار الأحكام إلى الندم بعد وقوع الحكم، وكثيراً ما ندم بعض الأخيار من أحكامٍ أصدروها على بعض الناس على معلومات خاطئة وصلتهم، وقد وقع هذا كثيراً حتى في صفوف أهل الصحوة، وأهل الالتزام؛ حيث إن بعضهم يحكم على بعض بأخبارٍ ملفقةٍ لا أساس لها من الصحة.

    لقد كثر -أيها الفضلاء- بين الشباب النقل عن الثقات المزعومين، وهم يبهمون أسماءهم، فيقول أحدهم: حدثني الثقة عن فلان عن فلان عن فلان ثم يروي لك خبراً، وإذا بحثت عن هذا السند على قانون الجرح والتعديل وجدته إما سنداً منقطعاً، أو معضلاً، أو مرسلاً، أو معلقاً، أو وجد الخبر من أحاديث بني إسرائيل.

    وتجد المبالغات في النقل، فكثيراً ما حدثونا أن فلاناً من المشايخ يحفظ الكتب الستة؛ يعني: الصحيحين والسنن الأربعة، فلما بحثنا وجالسنا كثيراً من الذين ذكر عنهم ذلك، فما وجدناهم يحفظونها. وبعضهم يزعم لك أن فلاناً يحفظ كتاباً بأسره، وأنه يحفظ الألوف المؤلفة من الأحاديث، فإذا جلست معه وشافهته لن تجد تلك المعلومات إلا خاطئة.

    ومن ذلك أن كثيراً من الناس سامحهم الله ينقلون الخبر فيبترونه، أو يزيدون فيه، أو ينقصون منه، أو يؤولونه عن مقصد صاحبه؛ فيأتي الخبر مقلوباً لا أساس له من الصحة، ولا صدق، ولا أثر.

    ومنها: أن أحدهم يعادي صاحبه وزميله لمجرد كلمة بلغته عن ذلك لم يتأكد من صحتها، أو من مقصد صاحبها؛ فيقع فيما نهى الله عزوجل، وتقع العداوات بين الأقران، بما فيهم الدعاة الفضلاء بسبب هذه الشائعات التي تنتشر.

    وكان حقاً على المسلمين خاصة الدعاة التحري أمام الشائعات، والتريث في إصدار الأحكام، وأقرب قصةٍ مثلاً قتل واغتيال الشيخ جميل الرحمن رحمه الله في أفغانستان؛ فما أن اغتيل، ومرَّ على اغتياله ليلة واحدة إلا وأتى بعض الناس فقالوا: فلانٌ مسئول عن اغتياله وهو الذي قتله، قلنا: ما هو دليلك؟ فأتى بعمومات لا تغني، إنما هي من الظن: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس:36].

    وأنا هنا لست بصدد أن أبرئ، أو أتهم أحداً من الناس، وإنما أضرب بهذه القصة مثلاً في تعجل بعض الناس حتى في مثل هذه القضية الكبرى؛ قضية قتل قائد من قادات المجاهدين، ثم يعزى دمه ويلحق قتله بأحد القادة الفضلاء الآخرين، فقل لي بالله ما هو مستند هؤلاء؟ وما هو دليلهم؟ وما هو برهانهم؟ في نسبة هذا الجرم العظيم الذي ورد في الحديث القدسي، وأحياناً يرد من كلامه عليه الصلاة والسلام، وقد صححه كثير من أهل العلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل امرئٍ مسلمٍ لكبهم الله جميعاً على وجوههم في النار} وفي الحديث الذي يصححه الشيخ الألباني: {لزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم} والرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن نظر إلى الكعبة وهو يودعها فقال: {ما أشد حرمتك، وما أعظمك، ووالذي نفسي بيده إن المسلم أشد حرمة منكِ} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وإلصاق التهم دون تثبت شائع من قديم، فلما قتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه، قتله الثوار المتمردون المخطئون المسيئون كل الإساءة، قال بعض المتعجلين، الذين يأخذون الأخبار من الشائعات: الذي قتله علي بن أبي طالب! لا إله إلا الله أبو الحسن يقتل عثمان، فوقف على المنبر أمام الناس وقال: [[أيها الناس: بلغني أن أناساً يقولون: قتلت عثمان، لعن الله من قتل عثمان، ومن شارك في قتل عثمان]]

    حلفت فلم أترك لنفسك ريبة     وليس وراء الله للمرء مذهب

    لئن كنت قد بلغت عني وشاية      لمبلغك الواشي أغش وأكذب

    وقس على ذلك من أمثالها كثير، وهي الأحكام المخطئة التي تعتمد على مجرد سماع الخبر، في اتهام بعض الجهات وبعض الأشخاص ولم نسألهم عن دليلهم في ذلك، وإنما يتعلقون بشبه وإيحاءات بعيدة، روي عنه عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس أنه قال لرجل: {أترى هذه -يعني: الشمس في النهار - قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد أو دع} رواه ابن عدي بسند ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ، والحديث ضعيف ولكن معناه صحيح لأصول الإسلام الثابتة في الكتاب والسنة؛ ولذلك ذكرته يصيغة التمريض، فإن أهل العلم إذا ذكروا أثراً ضعيفاً قالوا: يروى، ويذكر، فيعفون أنفسهم من مغبة مطالبتهم بسند، أو بالحكم على هذا الحديث.

    والله عزوجل -كما سلف- يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] لا تقف أي: لا تقل، ولا تتحدث بما ليس لك به علم، ثم ذكر الله أن العبد سوف يحاسب على كلماته، وعلى أحكامه، تصرفاته فقال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

    قال الشاعر: وهي أبيات من قصيدة عظيمة، نسبت لـابن المبارك، يقول في بعض أبياتها:

    وإذا صاحبت فاصحب ماجداً     ذا عفافٍ وحياءٍِ وكرم

    قوله للشيء لا إن قلت لا     وإذا قلت نعم قال نعم

    وانسب القول إذا ما قلته     فعظيم منك إيراد التهم

    وسوف يأتي خبر هذا البيت وشرحه إن شاء الله.

    وأنا أقترح على إخواني الشباب خاصة لأنهم أهل المشاركة والتأثير، وأهل الكلمة المسموعة أن يعودوا فيما يطرأ عليهم إلى العلماء فيصدرون عن رأيهم، ويعودون عن مشورتهم.

    وحبذا لو كان في كل مدينة دعاة بارزون، يعود إليهم الشباب وطلبة العلم فيسألونهم عن الأحكام، أو عما يقولون، أو عن موضوعات الخطب والمحاضرات وهو الأسلم.

    وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {بئس مطية الرجل زعموا} وهذا في صحيح البخاري في كتاب الأدب؛ والمعنى: أن من جعل وسيلته زعموا دلَّ على أنه لا يتثبت، وأنه مظنة أن يكذب، وأن يخطئ في الأحكام.

    واسأل كثيراً من الناس عن أحكامهم، تجدهم يبنونها على زعومات لا حقيقة لها، والحقيقة أن زعم في الغالب تنبئ عن الكذب {بئس مطية الرجل زعموا} والله يقول في القرآن: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7] يريد أن يبكتهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مع العلم أنه ليس هناك إجماع عند أهل اللغة على أن زعموا تشير إلى الكذب، لا، بل إن سيبويه في الكتاب الذي هو في النحو كان ينقل كثيراً ويقول: وزعم الخليل؛ يقصد شيخه الخليل بن أحمد، ومعناه قال وصدق، ولكن الغالب أنها تدل على الكذب.

    ودائماً أسانيد الناس: زعموا، وسمعنا، ويقولون، وقالوا، ونحو ذلك من الألفاظ التي هي صيغ تمريض، وقد كره الله للناس قيل وقال، وهي دلالة على كثرة النقل بلا روية، ولا تؤده، ولا تثبت، وعند مسلم في الصحيح قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع} إذا رأيت الرجل يحدث بكل قصة يسمعها، وكل مقالة تنمى إلى أذنه؛ فاعلم أنه سوف يكذب لا محالة، قال الإمام مالك [[لا يكون المرء إماماً إذا حدث بكل ما سمع]] وقال الإمام مالك رحمه الله أيضاً: [[ليس كل ما يُعلم يقال]]. فإنك تعلم معلومات ولكنك لا تستطيع أن تقولها.

    وفي صحيح البخاري أيضاً: أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: [[حفظت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعاءين اثنين: أما الأول فبثثته في الناس -أي: علماً- وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم -وفي بعض الألفاظ: الحلقوم-]] أي: قطع رأسه، قال بعض الشراح كـ ابن حجر وغيره: ربما كانت من الأحاديث التي في خلفاء بني أمية التي أخبر بها عليه الصلاة والسلام، كالأحاديث التي حسنها الحافظ ابن حجر في الوليد بن يزيد الفاسق، وبعض الأحاديث في أشخاصٍ بعينهم، فلو حدث ها أبو هريرة لذهب رأسه إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، ولا يسعه الكتمان عن علمٍ يحتاج إليه الناس، لكن يسعه أن يكتم علماً لا يحتاج له الناس، وليس كل علمٍ تطالب أن تبثه في الناس، أو لا واجب عليك أن تشرحه في الناس، لا، وإنما العلم الذي تحتاجه الأمة هو الذي ورد التهديد في كتمانه؛ لقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] وقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ [آل عمران:187].

    والإفراط في حسن الظن بالناس يصل بصاحبه إلى قبول خبر كل أحد، ولذلك عدّوا الحاكم صاحب المستدرك متساهلاً وكذلك ابن حبان والترمذي؛ فإنهم قبلوا أخباراً واهية، أذكر أن الحاكم قبل أحاديث موضوعة في المستدرك وجعلها صحيحة لحسن ظنه، وحسن الظن المفرط بالرواة وبالنقلة وبالناس يودي بصاحبه إلى أن يقبل الكذب، والله المستعان!

    أحاديث لا نورٌ عليها ولا سند     تناقلها بعض العجائز في البلد

    وهذه مثل وكالة العجائز أنهم يقولون، وقلنا، وسمعنا، فإذا حققت تجد أصلاً لن تعود إليه.

    1.   

    مسائل تهم الناس والشباب حول الشائعات

    أذكر هنا بعض النقاط التي تهم الناس عامة، والشباب خاصة:

    قبول خبر الواحد الثقة

    أولى المسائل: لا يعني الحرص على التثبت والحيطة في قبول الخبر أن نرد خبر الواحد مطلقاً، لا، فإن أهل السنة يقبلون خبر الواحد الثقة في العقائد والعبادات والأصول والفروع خلافاً للمبتدعة كـ المعتزلة وأهل الكلام؛ فإنهم لا يقبلون خبر الواحد في العقائد.

    والصحيح قبول خبر الواحد، ففي الصحيحين: {أن ضماد بن ثعلبة أرسله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قومه في ثقيف والطائف}.

    وفي البخاري ومسلم: {أن رجلاً ذهب إلى أناس يصلون وقد تحولت القبلة فأخبرهم بأن القبلة تحولت فتحولوا} وهذا من قبول خبر الواحد، وللشيخ الألباني رسالة طيبة في هذا، وجوب قبول خبر الآحاد، وهي ممتازة جداً، وقد ذكر صاحب الطحاوية في شرحه أن معتقد أهل السنة قبول خبر الواحد الثقة.

    تجنب التهويل في نقل الأخبار

    ثانية المسائل: أن الواجب على المسلم أن يتجنب التهويل في نقل الأخبار فلا يزيد من كيسه شيئاً، كما يقول الحافظ الذهبي وهو ينقل عن بعض الناس إذا زاد كلمة، قال: هذه من كيس فلان والسلام، يعني: ليست من الحديث، وبعضهم يهول الأخبار، ويبالغ، ويزيد، ويدبج حتى يخرج الخبر عن أصله.

    والمبالغة في ذلك لها رد فعل؛ فإنه قد تصاب النفوس بالإحباط فتكون النتيجة عكسية، بعد أن تعرف الشيء على حقيقته، كمن بالغ في وصف عالم من العلماء مثلاً وقال: ما رأينا أورع ولا أصدق ولا أزهد منه، يقوم الليل كله، ويحفظ الكتب الستة، وكأن القرآن أمام عينيه، وهو علامة الزمان، فإذا وجدت العالم وجالسته وشافهته؛ اختفت الصورة التي في ذهنك عن الصورة التي أمامك فأصبت بالإحباط، وأنت لو لم يبالغ لك في هذا العالم كنت سلمت بما رأيت من الخير فيه، لكن بالصورة الخيالية على المثالية ينعكس الحكم في ذهنك، وهذه تضخيم أخبار الأذهان على ما في الأعيان.

    وهذه تسمى خيبة الأمل، فيقولون في الأخبار: أصيب بخيبة أمل؛ لأنه كان يتأمل شيئاً فلما وجده ورآه وجده أقل مما أمله، ويروى في السير أن جرير بن عبد الله البجلي، وفد على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحدث عنه كثيراً فلما رآه قال: {يا جرير! ما حُدث لي عن أحد إلاَّ وجدته أقلَّ مما ذكر لي، إلا أنت فكنت أعظم مما ذكر لي} وقال بعض أهل السير: ويعزى هذا لبعض الكتبة العصريين، كل من تُحدث عنه في التراجم والسير والتاريخ فاعلم أنه أقلَّ مما تحدث عنه مهما كان، إلا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنه أعظم مما تقرأ وتسمع، ويروى عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وقد التقى ابن الشجري النحوي والزمخشري؛ وهما نحويان في مجلس فقال ابن الشجري للزمخشري: والله ما مثلك أيها الزمخشري إلا كما قال الأول:

    كانت محادثة الركبان تخبرنا     عن جعفر بن فلاح أروع الخبر

    حتى التقينا فلا والله ما سمعت     أذني بأحسن مما قد رأى بصري

    يقول: أنت أعظم مما سمعنا عنك في خبر طويل.

    ومقصودي من هذا أن المبالغة تصيب الناس بالإحباط.

    ومثال آخر: المبالغة في ذكر مكاسب الجهاد الأفغاني إلى درجة التهويل، فكانت النتيجة عكسية بعد أن اشرأبت النفوس وعلقت آمالها بهذا الجهاد، وأصبحت آمال المسلمين تتعلق به، ونحن من أنصار الجهاد الأفغاني، ونسأل الله أن ينصرهم على عدوهم، وأن يثبت أقدامهم، لكن المبالغة إلى حد الإفراط دخلت في هذه الأخبار على بعض النفوس التي تنال من هذا الجهاد، فيقال: هذا جهادكم الذي بالغتم فيه بالأمس وقلتم عنه كذا وكذا، ويتناسى بعض الناس كل حسنة للجهاد بسبب الإحباط، مع العلم أنه لو نقلت الصورة كما هي، ما وقع الناس في هذا الإرباك.

    ومثل ذلك المبالغة في الكرامات: فهذا ينشق له القبر بعد أن يقتل يصافح والده؛ فأين السند الصحيح لهذه القصة؟

    وأيضاً المبالغة في مكاسب الصحوة، وإنجازاتها حتى كأن الناس كلهم عادوا إلى الله، فيقول لك أحدهم: رأيت المنطقة، أو القرية، أو المدينة الفلانية، فما رأيت واحداً منهم غير ملتزم، بل كلهم ملتزمون، وهذه مبالغة لأنها تخالف أصول الكتاب والسنة، والله يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] ويقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] ويقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]:

    وقليل من الخفاء الترجي     وكثيرٌ من الأباة الخفاء

    سامحن بالقليل من غير عذل     ربما أقنع القليل وأرضى

    وقد كانوا إذا عدوا قليلاً     فقد صاروا أقل من القليل

    وقال السموءل:

    تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا      فقلت لها إن الكرام قليل

    وما ضرنا أنا قليل وجارنا      عزيز وجار الأكثرين ذليل

    فالنطف العذاب: أي: الغدران العذبة الماء هي أقل ماءً من البحار الآسنة المتكدرة، فكيف يلغى هذا المفهوم في الكتاب والسنة وفي كلام العقلاء، ويقول: الناس كلهم مهتدون وليس فيهم عاصٍ، وهذا ليس بصحيح.

    أذكر على سبيل المثال: أنَّا كنا في صالة انتظار ننتظر رحلة من الرحلات، ونظرت وإذا أكثر الناس غير ملتزمين بالسنة، قليل من أراهم يعدون على الأصابع من مئات في الصالة، وكل هؤلاء مخالفون للسنة لا أقول غير مسلمين -مسلمون كلهم يصلون ويصومون- ولكن ليسوا على سنة محمد عليه الصلاة والسلام التي بعث بها، والتي رضي الله بها للناس، وتفاجئ مثلاً في مجمعٍ عام في زواج أو لقاءٍ أو حفل أن القليل ملتزم، وأن الكثير غير ملتزم بالسنة، فأين مصداقية هذا من الأخبار المهولة المبالغ فيها؟!

    الحيطة من قصص الواقع

    ثالثة المسائل: المطالبة بأخذ الحيطة من قصص الواقع التي تضخم ويزاد فيها، ويجعل لها أذيال وأجنحة، والعادة أن قصص التائبين في هذا الزمان مبالغٌ فيها، وقد سمعت كثيراً منها وأعتقد أنه لو رأينا الحقيقة لما كانت كما سمعنا، وغالباً أن قصص التائبين هذه تكون بعد حادثة انقلاب سيارات، فيقولون: فانقلبت به سيارة، فنقل إلى المستشفى، فتاب إلى الله، فبقي يبكي الليل والنهار حتى كأنه داود عليه السلام حينما تاب، وبعضهم قال: فسمع شريطاً فأخذ يبكي ويبكي، فوعظناه يكفي يا أخي، فقال: أنا مذنب، ثم صلى فبكى ثم بكى بعد الصلاة، ثم أتى لينام فبكى، وسمعت كثيراً من هذا وأنتم سمعتم، وهذا ليس بوارد.

    التأكد من صاحب الخبر نفسه

    رابعة المسائل: لماذا لا يتصل بالأشخاص الذين نقل عنهم الخبر مباشرة؟ بمعنى: إذا سمعت كلمة من أخٍ فلا تعجل بالحكم عليه من جرائها، بل حاول أن تسأله: هل قلت أنت هذه الكلمة؟ هل ثبتت عنك حقيقة؟ وما مقصودك بها؟

    سمعت عالماً من العلماء المشاهير الذين لا زالوا أحياء يقول: أنا من عادتي إذا سمعت الكلمة أن أتصل بالهاتف مباشرة بذاك الشخص الذي نقلت عنه الكلمة، فأقول: هل صحيح أنها قيلت عنك؟ هل ثبت عنك هذا؟ ماذا تقصد؟ حتى أرد على بصيرة، أو انصحه، وكثير من الأشخاص يعيشون في حي واحد تبلغ أحدهم عن الآخر كلمة فلا يسأل عنها، وإنما يسارع بالحكم عليه، وبإمكانك أن تزوره، وتسأله هل ثبت عنك هذا أم لا؟ لتكون على بصيرة، هذا هو التثبت.

    التثبت قبل الندم

    خامسة المسائل: الأصل في التثبت كما قلت قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] وقرأت: (فتثبتوا) وكلتا القراءتين صحيحتان.

    قرأ ابن مسعود (فتثبتوا) وغيره من علماء التابعين، وقرأ الجمهور (فتبينوا)؛ والتبين والتثبت بينهما اشتراك نسبي في المعنى.

    وفي الآية أن الفاسق هو الكاذب، وقيل: هو الذي لا يستحي من الله، وقيل: هو الذي يختلق الأمور، وقيل: هو المبالغ على سبيل الافتراء.

    أما سبب الآية: فقد ذكر المفسرون كـ ابن جرير وابن كثير والقرطبي، أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسل الوليد بن عقبة ليأخذ صدقات بني المصطلق، وكان بين الوليد هذا وبين بني المصطلق بعض الأمور، فسمع بنو المصطلق أن الوليد سوف يقدم فتهيئوا لاستقباله؛ لأنه من عند الرسول عليه الصلاة والسلام على حد المثل الذي يقول: (من أجل عين تكرم ألف عين) من أجل كرامة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خرجوا لاستقباله صفوفاً، فلما رأى الاستقبال أمامه، ظن أنهم يريدون البطش به، لإحن كانت بينه وبينهم، فرجع إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: وجدتهم يا رسول الله! لا يصلون، ورفضوا إعطاء الزكاة، وأرادوا قتلي فنجاني الله. فنزل جبريل بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:6] ولم يقل: (يا أيها النبي) لأن الشرع سوف يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولأن هذا القرآن يخاطب به الأفراد والشعوب والقرون قرناً بعد قرن، ولأنه دستور خالد، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    فأرسل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجنة استشارية تستكشف الوضع، وتدرس ماذا تم في هذا اللقاء، فوجدوا أن هذا أخطأ وفسق في الخبر، وفيه دليل على أن الفاسق لا يكفر ولا يخرج من الملة، والفاسق كالكاذب وشارب الخمر والزاني، فإنه يبقى مسلماً، لا نحكم عليه بالكفر ما لم يأت بمكفر.

    الدليل والبرهان فيما يقول

    سادسة المسائل: ليسأل كلٌ منا نفسه، ما هو الدليل على ما يذكر؟ إذا أردت أن تذكر قصة، وأردت أن لا تحرج نفسك أمام الناس، وأمام الفضلاء في أي مجلس، فلا تذكر قصة إلا ومعك الوثائق والبراهين والأدلة، قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا المبدأ: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] يقول: ائتونا بالعلم والدليل على ما تذكرون، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد العاشر: وليعتصم طالب العلم في كل مسألة بدليل، ويقاس على ذلك مسائل الواقع، والمسائل الدعوية والاجتماعية؛ فإنه لا يحل لك أن تذكر مسألة إلا بدليلها.

    فالواجب علينا جميعاً أن نطالب أنفسنا وغيرنا بالأدلة والبراهين على ما نذكر ونقول، ومن حقوقك أنت، أن تسأل من حدثك ما هو دليلك على هذا؟ وما هو مستندك؟ ولا يجوز له أن يقول: ولماذا تسأل عن الدليل؟ ولماذا تسأل عن المستند؟ قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] والبرهان: الدليل.

    عرض الشائعة على الكتاب والسنة ثم العقل

    سابعة المسائل: كل شائعة لا بد أن تعرض على العقل، وإن كانت شرعية فلا بد من عرضها على الكتاب والسنة.

    كشائعة مثلاً قد نشرت في بعض الصحف قديماً أن ميتاً خرج من قبره بعد ثلاث ليالٍ، وأكفانه على جنبه ومشى بين الناس، وصدق العوام بها، ولم يبحثوا عن أصلها، أو من أتى بها من الناس، وكشائعة مثلاً أن بعض الناس لما دفنوا شارب الدخان تحول عن القبلة، قالوا: غسلناه، فلما وضعناه في القبر حول الله وجهه، وجعل ظهره إلى القبلة فتحول عن القبلة، مع العلم أن آكل الربا والزاني وشارب الخمر أعظم إثماً من شارب الدخان، ولم ينقلوا عنهم أنهم حولوا عن القبلة، فانظر جرم هذا وجرم ذاك، وخطأ هذا وخطأ ذاك، وما وقع تحويل وجه هذا عن هذا إلا في شارب الدخان، والكتاب والسنة لا يدل على ذلك، ولا ينفيه صراحة لكن الأقرب أن نتوقف، ولا بد أن ننزل أهل الذنوب منازلهم، وأن نستقرء الأخبار؛ فإن من علامات القصة الموضوعة والحديث الموضوع أن يضخم الأجر على عمل بسيط، أو يضخم الإثم على جرم بسيط، وقد ذكرها السباعي في السنة ومكانتها في التشريع.

    وأما الشائعات فالواجب عرضها على الكتاب والسنة: فمثلاً الأحاديث الباطلة الموضوعة التي فيها طوام ودواهي، فإنها تخالف أصول الكتاب والسنة، فمثلاً: الأثر الموضوع المكذوب على الرسول عليه الصلاة والسلام: {من قال: لا إله إلا الله بني له سبعون قصراً في الجنة} وغير هذا الأثر كثير، وأحسن من جمع في هذا الباب صاحب اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني وكشف الخفاء للعجلوني وتمييز الطيب من الخبيث لـابن الديبع الشيباني، وغيرها من الكتب.

    ويذكر أن الإمام أحمد ويحيى بن معين كانا جالسين في المسجد - يحيى بن معين أعظم مجرح ومعدل في أمة الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يقول بعضهم: لا نعلم منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أكثر من رجل كتب في الرجال، أو جرح في الرجال، أو عدل في الرجال مثل يحيى بن معين، هذا دواؤه، وهذا طبه، وهذا علاجه.

    ويقول ابن حجر: أعظم من يحفظ الأحاديث في أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإمام أحمد، صلى في مسجد -فقام أحد الوعاظ شحاذ يشحذ الناس- لكن يريد أن يقدم للشحاذة بموعظة مثلما يفعل الناس دبلجة، أي: فن ابتزاز الأموال من أيدي الناس؛ وهذا الفن مدروس من قديم، أن يأتي فيبكي أمامك ويتباكى، ويخبرك بالإسلام والدين، ثم بعد ذلك يلطخ خطبته بمسألة الشحاذة. فقال: حدثنا أحمد بن حنبل - سبحان الله- لا يعرف الإمام أحمد، والإمام أحمد يفضحه في الصف الأول؛ إمام مليار مسلم الذي يحفظ ألف ألف حديث، إمام أهل السنة والجماعة، دامغة الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن حنبل وحدثنا يحيى بن معين عن فلان عن فلان، ووضع سنداً من عنده أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: من قال لا إله إلا الله خلق الله له طائراً في الجنة منقاره من ذهب، ونونيته من زبرجد، وله جناحان من فضة، أو كما قال، يطير في الجنة من شجرة إلى شجرة، أو نحو هذا، ثم انتهى.

    فقال الإمام أحمد: تعال-فظن أن الإمام أحمد يريد أن يعطيه نقوداً- فاقترب منه فقال أحمد بن حنبل: أنا أحمد بن حنبل وهذا يحيى بن معين ما حدثناك بهذا، وهذا الحديث باطل كذب، فانظر إلى شجاعة هذا الكذاب، قال: سبحان الله! كأنه ما في الدنيا إلا أنتم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قد حدثت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل وسبعة عشر يحيى بن معين.

    الحذر من الظن

    ثامنة المسائل: الحذر من الظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن قوم: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32] وأكثر معلومات الناس ظن، لأن المصادر التي نتلقاها في الأربع والعشرين ساعة من سبيل الظن، وليست من سبيل اليقين، ولا يوثق بأخبارها؛ لأنها ليست مرشحة لتعطي الأخبار الصحيحة المعقولة، وقال عز من قائل: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس:36] وصدق من قائل، هذه قواعد قرآنية، والعلم هو تيقن المعلوم، فطالب العلم عليه الحكم آكد أن لا يتبع الظن، وما تهواه نفسه، لأننا كثيراً ما نسمع من أحدهم قوله: أظنه كذا، ولعلَّ ويمكن، ويركب احتمالات في أمور عقدية، وأمور قد يأثم بها، وأمور يشيعها في الناس هو المسئول الأول ولا دليل له ولا برهان.

    إسناد الحديث إلى أهله

    تاسعة المسائل: على المتحدث أن يسند الحديث إلى أهله، خاصة الأخيار -وكلكم أخيار- وخاصة من يحمل أمانة الكلمة أن يسند كل خبر إلى قائله، فمثلاً يقول: حدثني فلان بن فلان بكذا وكذا؛ لأن الرواية عن المجاهيل مظنة الكذب، وإذا ذكر المتحدث الزمان والمكان كان أحسن وأجمل وآكد، مثل أن تقول: حدثني فلان بن فلان في مدينة كذا يوم الثلاثاء الماضي ومعنا فلان بن فلان، لكي يصدقك الناس، أما إذا قلت: يقولون: وقال لي أحد الثقات، فكم من الثقات! أصبح الناس كلهم ثقات، فإذا بحثت وجدته ليس بثقة.

    وتجد الرجل يقوم قيام الليل، ويصوم في النهار، ويكذب في الحديث، وبعض الوضاعين من أهل الجنة؛ لأنهم تعمدوا الوضع لكن خيل إليهم، وفي تذكرة الحفاظ للذهبي، أتى رجل لـ أبي حاتم وهو يجرح ويعدل فيقول: حدثنا فلان عن يحيى بن معين أنه قال: إني لأتحدث عن أناس قد وضعوا رواحلهم في الجنة من مائة سنة، فبكى عبد الرحمن بن أبي حاتم حتى أسقط الكتاب من يده، يعني: إنهم وهموا في الأخبار لأنهم عباد اشتغلوا بالعبادة عن حفظ الأحاديث، فساء حفظهم فدخلت عليه الموضوعات، ولذلك قيس بن الربيع مثلاً عابد لكنه ضعيف، ورشدين بن سعد عابد لكنه ضعيف في الرواية، حتى يقول الصنعاني في حديث {أحلت لنا ميتتان ودمان} قال:

    ولا يصح رفع ذاك فاعلم     إذ فيه رشدين بن سعد قد رمي

    وغيرها من الأحاديث الكثيرة.

    فالمطالب هو إسناد الأحاديث إلى قائليها، وأن تعزوها حتى تعفى من المسئولية إذا أسندتها قال لي الأديب الفلاني، أو المفكر، أو فلان بن فلان، فبذلك تأمن من مغبة نسبة الكذب إليك، وإذا لم تسند خبرك، فإنك سوف تكون ملوماً أمام الناس أنك الذي يفتعل الأخبار، وينشئ الافتراءات، ويخادع الناس ببهارج من القول لا أساس لها.

    الذب عن المسلمين والدعاة

    العاشرة من المسائل: أيها الفضلاء! إن المطلوب من المسلمين عموماً، ومن الدعاة خصوصاً ذب بعضهم عن عرض بعض وفي الحديث: {ومن ذب عن عرض أخيه المسلم ذب الله عن وجهه النار يوم القيامة} ولا يجوز للمسلم أن يقف متفرجاً وأعراض إخوانه المسلمين تنتهك، وأشخاصهم تجرح.

    وإذا رأيت الساكت في مجلس من المجالس التي تنتهك فيه أعراض العلماء والمشايخ والدعاة، والفضلاء والصالحين، من أمثالكم، فاعلم أنه أحد رجلين:

    إما جبانٌ خوار، سلب الله الغيرة من قلبه.

    أو منافق يعجبه التشفي في أعراض المسلمين.

    وكثيراً ما يخبرنا بعض الشباب بكلام وقع في أعراض العلماء، والفضلاء، والصالحين، وقد حضروا هذا الكلام وسمعوه، أنا رأيت بأم عيني، ما حدثني أحد، رأيت فلماً لرجل في ناد من النوادي، شاب لا يظهر عليه الالتزام، ظهر أنه معرض عن الله، يقلد المشايخ بالصوت والحركة، ومعه حضور من أمثاله، ظهرت عليهم علامات عدم الالتزام، وعلامات عدم الانسياق لشرع الله عَزَّ وَجَلَ، رأيت هذا الفيلم في المنطقة الشرقية، وهو يتكلم بلسان ولهجة وحركة وصوت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ويُسأل سؤالاً مضحكاً، فيجيب بصوت الشيخ بجواب مضحك فيضحك الحضور ويصفقون له، ثم يقلد الأستاذ علي الطنطاوي فيضحك الحضور ويصفقون له، رأيتها أنا ومعي مجموعة من الدعاة، ثم يقلد الشيخ اللحيدان فيضحك الحضور، ثم يقلد عبد الله فرح الغامدي فيضحك الحضور ويصفقون له ثم ينتقل ويقلد إمام الحرم الشيخ ابن سُبيّل فيضحكون، ويقلد كثيراً من المؤذنين، باستخفاف وجراءة على شرع الله عَزَّ وَجَلَ، حتى إنه يلفق فتاوى قالها العلماء؛ يقول من ضمنها: امرأة سألت عبد الله فرح الغامدي (ك-هـ-ي-ع-ل) تسأل: ما حكم ذبح الضفادع وأكلها؟ قال: الحمد لله، وبدأ الجواب.

    فمن هم الفضلاء إلا هؤلاء، وهل سمعتم الآن ولا نبالغ في أحد أفضل من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وهل سمعتم عالماً من المسلمين الآن يرشح إلى أن يكون شيخاً للإسلام كهذا الرجل، الموفق المسدد، الذي يدور الكتاب في ذهنه، والكتب الستة، والأحاديث ثم يوليها اهتماماً، ويستنبط، ويفتي العالم الإسلامي، ويقفون على فتياه على نور من الله عزوجل، ثم يأتي هذا الذي يلعب بصلاته، ومبادئه، ومشيته، وسنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيتهجم على هؤلاء، هذا مما وقع، ومثله كثير، وكثيراً والله ما يسمع الإنسان اتصالات وشباب يأتون، ويقولون: سمعنا فلاناً ينال من فلان من المشايخ ويقول فيه كذا وكذا بفرىً عظيمة، حتى يقول بعضهم: إن بعضهم يفتي ويحرم ما أحل الله ويحلل ما حرم الله، ويقول: فلان يحل الفروج المحرمة، ويحل سفك الدماء، ونعوذ بالله من أن يفعل ذلك مسلم فضلاً عن هؤلاء الأخيار.

    وكثيراً ما يخبرنا بعض الشباب بكلام وقع في أعراض العلماء الفضلاء والصالحين، وقد حضروا هذا الكلام وسمعوه، فنقول لهم: فماذا كان موقفكم؟ قالوا: السكوت، وهذا لا يجوز لهم في شرع الله عزوجل؛ لأنهم خذلوا إخوانهم، وسكتوا عن منكر.

    عدم نشر ما يجرح المسلم

    المسألة الحادية عشرة: الواجب على المسلم إذا سمع جرحاً في أخيه المسلم أن لا ينشره، ولا يوشيه، ولا يفشيه، فيكون مشاركاً بفعله هذا في انتهاك أعراض المسلمين، ومناصرة المنافقين، بل عليه أن يطوي هذه الأخبار، ويجعلها قيد الكتمان، ويعتبر بقوله عليه الصلاة والسلام: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه}.

    وبعض الناس قد يشارك من حيث لا يعلم في نشر الرذيلة في المجتمع، أو في نشر الجرح في الفضلاء، فيقول: قال فلان حسبنا الله عليه في فلان كذا وكذا، وهو بهذا ينشر الجرح ويشيعه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلم المفسد من المصلح، وبعض الناس يتشفى حتى يقول لك في معرض الغيبة: إنا لله، فيظهر التوجع، ويظهر الحسرة، فتقول: ما شاء الله، ما أشفقه على عباد الله، ثم يقول: هدى الله فلان بن فلان فعل كذا وكذا، غفر الله له، الله يرده إلى صوابه!

    الشائعات عن الملتزمين مستمرة

    المسألة الثانية عشرة: يشاع الآن، وسوف يشاع عن الملتزمين بشرع الله عزوجل، والمستقيمين على دينه أنهم متطرفون، فنقول لهم: ما معنى: التطرف؟ وما هي صور التطرف عند هؤلاء الشباب؟ ومن الذي يحق له أن يحكم عليهم بالتطرف؟ هل هو من حقوق من ليس من أهل الشريعة؟ ولا من حملة الكتاب والسنة؟ وهل يحق لبعض الناس ممن قلَّ تصورهم للشريعة وقلَّ عملهم بطاعة الله عَزَّ وَجَلَ، هل يحق لهم أن يحكموا على هؤلاء بالتطرف؟! ومفهوم كلامهم أن العصاة هم الوسط، ويجعلون الوسط التساهل في الالتزام بالسنة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم التشاغل بالدعوة، وعدم الغضب لله عَزَّ وَجَلَ، بل يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جرحٌ للمشاعر -فيقول: لا تجرح مشاعرنا- ويثير المشاكل وهو من التدخل في شئون الغير، ويرى هؤلاء أن اتباع السنة والتقيد بها تشديد وتزمت، بما في ذلك اللحى؛ كأن اللحى جريمة! وهي اتباع لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثياب القصيرة، وغير ذلك من صور الالتزام بالسنة، حتى إني رأيت بعض الشباب؛ إذا سألت أحدهم لماذا لا تعفي لحيتك؟ قال: حرجاً من إخواني وأهلي في البيت، فإنهم يؤذنونني إذا أطلقت لحيتي!!

    لقد أصبحت الأمة الإسلامية في زمنٍ العامل فيه بالسنة في غربة، وهو المجروح، وهو الذي تنصب عليه السهام، بينما أصبح المخالف للسنة كأنه الوسط، المعتدل فكراً ومنهجاً!!!

    التحليل والتحريم من خصائص الله ورسوله

    المسألة الثالثة عشرة: يقال عن الملتزمين: إنهم يحرمون كل شيء، حتى سمعت من بعضهم مشافهةً من رجل له قَدْرَة، يقول: صليت مع خطيب جمعة، فقال: الربا حرام، والغناء حرام، والصور حرام، والدخان حرام، وكل شيء حرام. هل يقول هذا؟ إن كان أحد الناس يعني معتوه، أو جاهل، أو مرفوع عنه القلم قال هذا، لكن هل يستطيع خطيب أن يقول هذا ويسكت المصلون عنه؟! لا لأن عندنا فضلاء، وطلبة علم، والشعب مسلم، ومثقف، وواعٍ، فلا يمكن أن يقول خطيب في مسجد فيه خمسمائة رجل هذا الكلام ويسكت الناس، وعلى الأقل أن ثمانين في المائة منهم يعرفون أن كل شيء ليس بحرام، فسيوقفونه بعد الصلاة ولو عشرة منهم ويحاسبونه على الكلمة، لكن معنى هذه الفرية: أن تأخذ تصوراً أن هؤلاء الشباب والدعاة والخطباء يحرمون كل شيء، فتقول: حسبنا الله عليهم.

    فبالله عليكم، هل يعتقل أن الدعاة يعتقدون تحريم كل شيء، والله يقول: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:11] وكثيراً ما تجد بعض الناس له تخصص غير شرعي، كأن يكون تخصصه طب، أو أدب مجرد، أو هندسة، أو أي فنٍ آخر، يلوم أهل الشريعة ويقول: هم متطرفون، مع العلم أن المنهج الشرعي أن كلاً يحترم تخصصه، فهم الذين يفتون الناس، وهم الذين يدرسون معتقد أهل السنة والجماعة، وهم الذين يخبرون بضوابط التكفير، وهم الذين يصدر الناس عن رأيهم، ويعلم هؤلاء الملتزمون من الدعاة وغيرهم أنه لا يحل لأحدهم أن يحرم إلا ما حرم الله ورسوله، وهذه كلمة ابن تيمية، لا يحل لأحد أن يحرم إلا ما حرم الله ورسوله ولا يحل إلا ما أحله الله ورسوله، ولا يوجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا يكره إلى ما كره الله ورسوله، ولا يستحب إلا ما استحبه الله ورسوله؛ ولذلك يلام بعض الناس أن يقف على المنبر ويقول: يجب عليكم كذا وكذا، وهذا من كيسه وقد لا يوجبه الكتاب والسنة، فلا بد من تقييد الألفاظ، ولا بد من الوقوف مع مدلولات الكلمات.

    كتّاب يسخرون من الدعاة

    المسألة الرابعة عشرة: نشرت جريدة الحياة عن بعض الكتبة وهو يعرض ببعض الدعاة وشباب الصحوة ويقول: إنهم يروون أن طائرة (إف 15) تسقط بقراءة آية الكرسي، وأن هناك دعاء يفجر الدبابة، فأقول: أسألكم بالله هل سمعتم داعية ممن يوثق بعقله وعلمه ورأيه يرى هذا الرأي، ويقول مثل هذا القول؟!!

    ولقد رأيت غالب شباب الصحوة في الداخل والخارج، ولا يقولون هذا، يقولون: هذه أدعية لها أثر، أما أنهم يقولون القضية المعينة هذه من قرأ آية الكرسي أسقط طائرة إف 15 فلا، نعم إن الكرامات موجودة لكن لماذا يضحك عليهم بهذا الأسلوب الساخر، الساذج، المكشوف، السافر، ولا يتعرض إلا لهم دائماً، ولا تضخم إلا أخطاؤهم، بينما تجد أهل الفن، وأهل الغناء والتطبيل والضياع؛ معفوون من هذه، بل يلمعون، أما هؤلاء إذا أخطأ أحدهم خطأً صغيراً ضخم، وكبر، حتى يكون كارثة!!!

    وجدت كثيراً من الشباب الملتزمين، أهل التخصصات العلمية كأهل الطب والهندسة والتكنولوجيا، وقد زرت -أقولها للحقيقة وأنقلها هكذا حتى نكون على روية- إحدى عشر ولاية في أمريكا فوجدت غالب الدعاة والملتزمين ممن يدرسون هذه العلوم هم أئمة مساجد، وهم المؤذنون في تلك البلاد، فهل عندهم تطرف؟! وهل كانوا قال أحد منهم: تقرأ آية الكرسي فتسقط الطائرة إف 15 على أنَّا نؤمن بكرامات الأولياء، وأن الله قد يسقط الطائرة بالدعاء، لكن في مثل هذا الأسلوب السافر، الساخر، لا نرضاه أبداً، ونقول: اتقوا الله أيها الكتبة في أنفسكم، فإن الله يقول: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب}.

    ضرورة التثبت فيما ينقل عن العلماء

    المسألة الخامسة عشرة: ينسبون إلى بعض العلماء أنه حرم كذا، وأحل كذا، دون أن يتثبت من قوله، فيقع كثير من الناس في الخطأ على اعتقاد أن العالم الفلاني أفتى بكذا وكذا، فالرجاء التثبت والتحري، وأخذ الحيطة في مثل هذا الأمر المهم، والاتصال بالعلماء مباشرة، فإنه ينتشر بين الناس أن فلاناً من المشايخ أفتى بحلِّ كذا وكذا، بينما لو سألت من نشر هذا الخبر، ومتى سمعته؟ وهل سمعته من الشيخ؟ وهل سألته؟ وهل قرأت هذا في كتاب أو سمعته في شريط؟ لقال: لا أدري، سمعت هذا، أو قيل لي، فاتقوا الله أيها الناس في التثبت في الفتاوى! لأنها دين، وأخذ الحيطة في مثل هذا واجب، ويترتب على ذلك تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، ونحو ذلك من الترتيبات واللوازم الخطيرة.

    الفراغ يورد الشائعات والقيل والقال

    المسألة السادسة عشرة: الفراغ لدى الشباب يورد الشائعات، والقيل والقال، وما فرغ عبدٌ إلا سها ولهى:

    فراغ قاتل وهموم نفسٍ     وقيلٌ يملأ الدنيا وقال

    ونقلٌ ليس تضبطه صحيحاً     وأخبار بلا سند طِوالُ

    وكان السلف يسمون من يجلس فارغاً (عاطلاً) ويسمونه (بطالاً) وسماه العصر الحاضر (بطالة) وقالوا: مشكلة البطالة، ودرسوا أزمتهم، وما هي الحلول المقترحة لأزمة البطالة، التي هي عبء على المجتمع، والشعوب، الآن كثيرٌ من الناس يعيش في بطالة، وتورث المهاترات، والنقولات الواهيات، والشائعات.

    والخطير أن يوجد بين صفوف الشباب بطالة وعطالة، فلا تجدهم يشتغلون بعمل، أو بقراءة، أو بأمر مثمر، فيعود مجلسهم إلى قيل وقال.

    ولماذا لا يجتمع شبابنا على جدول عمل مرتب من ذي قبل؟ يرتبون لهم جدول عمل، يجلسون عليه ويجتمعون؛ حتى يحفظ الوقت فيما ينفع؛ كقراءة القرآن، أو قراءة كتاب علمي، أو ذكرٍ، أو مشكلة تحل وتدرس، أو غير ذلك من المسائل.

    فلماذا تهدر الأوقات هكذا؟ والعبد يحسب عليه وقته ودقائقه وثوانيه؟

    الفوضى في الزيارات

    المسألة السابعة عشرة: الزيارات وعدم ترتيبها.

    فإن هذا أمرٌ محرج، وديننا أسمى من أن يكون مسئولاً عن هذه الفوضى في الزيارات، أو الفوضى في النظام على سبيل المثل.

    كم نبه للباعة وقيل لهم وكتب لهم، واتصل بالجهات المختصة، ألا تبيعوا بعد الأذان الثاني، إذا دخل الخطيب، ثم يخالفون الأمر، ويخالفون التوجيه والإرشاد، فينقلون صورة لغير المسلمين أن هذا دين فوضى، والله عزوجل ذكر النظام في كتابه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مثل نظام الزيارات وقد أشير في القرآن إلى ثلاثة أوقات محرجة في الزيارة منها: قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ * وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ [النور:57-58] تضيق به الأوقات فما يراعي وقتك، إنما هو يريد أن ينهي عمله، أو ينهي غرضه، فإذا انتهى من أشغاله زارك في أي وقت، بغض النظر عن راحتك وهدوئك، أو استقرارك، أو مزاجك، فيطرق عليك بابك في ذلك الوقت.

    وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ [النور:58] يعني: لا يزورك عصراً ولا مغرباً وإنما بعد صلاة العشاء، وأنا أعرف من الشباب من يزور بعد الحادية عشر ليلاً يطرق عليك الباب، يقول: أنا لا أريد أن أدخل لكن مسألة واحدة فتوى، فيسألك عن المسح على الخفين بعد الحادية عشرة! يعني: ضاقت بك الدنيا، اتركها يومين ثلاثة، أو مسح الوجه بعد الدعاء هل هو وارد أو لا؟ أو سند حديث.

    فالواجب علينا الرتابة: وأنا أقترح أن الوقت المناسب عند المسلمين الآن من المغرب إلى العشاء، وقد نبه على هذا الوقت، ووضعت عند بعض الفضلاء لوائح تشير إلى هذا، أن وقت الزيارة من المغرب إلى العشاء؛ لأنه وقتٌ مستهلك، ووقت ذاهب، فيزاور الأحبة فيه، وأما غيره فإنه محرج صراحة، وحتى الاتصال بالهاتف أن يكون هناك وقتاً منظماً، فبعد الحادية عشرة لا تتصل لأحد، بل قبلها بكثير، وفي أوقات الأذان إذا أذن المؤذن فلا تتصل، أحياناً يتصل بك والأذان يؤذن فتترك متابعة المؤذن حتى تجيب على الهاتف، أو إذا دنت الإقامة وأنت إمام مسجد شغلك إلى الإقامة فأخرك عن الصلاة، فتحري الأوقات حتى باختلاف نسب الأوقات بين المدن أمر مطلوب خاصة بين أهل الوعي حتى ننقل صورة النظام للناس.

    الكلام أكثر من العمل

    المسألة الثامنة عشرة: من قصورنا جميعاً أن نسمع ونتحدث أكثر من أن نعمل، كلامنا أكثر من عملنا، محاضراتنا أكثر من فعلنا، ندواتنا، ودروسنا، أكثر من تأثيرنا بالعمل البناء بالناس، أمة تتحدث، أمة عندها ترف في الكلام، أمة تحب الكلمة والقيل والقال.

    وعلى سبيل المثال: كم يحضر المحاضرة العامة من شباب، لكن كم يدعو إلى الله من هؤلاء؟

    بعض المحاضرات يحضرها أكثر من عشرة آلاف، وهذا ليس مبالغة بل هو الحق، ومن حضر شهد بذلك، وليت من العشرة آلاف عشر العدد يعملون لله، وأنا لا أقول: العشرة الآلاف لا يعملون لله! فإنهم يعملون لله في الصلوات، وفي الحج، والعمرة ورمضان، وفي بعض الحقوق، ولكني أقصد حق الدعوة، وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحق محمد عليه الصلاة والسلام على الأمة، وحق إيصال الكلمة إلى الناس، وحق التأثير، والمشاركة، ليت العشر من العشرة آلاف يعملون لله في الدعوة، يعني: ألفاً، لو عمل ألف في مدينة من المدن بالحكمة والموعظة الحسنة، واللين، وإيصال الفكرة للناس، واقتحام الحواجز التي وضعها بعض الناس بينهم وبين الناس؛ لعم الخير، وكان الشر في إدبار، وكان النفع العميم ينتشر هنا وهناك.

    إن مسئوليتنا -أيها الإخوة- أن نعمل، مسئولية ضخمة، ولننظر إلى هذا الحضور، فلو أخذنا العشر ممن حضر هذه الليلة وتبنى فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمشاركة في مثل هذا الموسم، موسم الاصطياف، وذهب إلى المنتزهات يحمل الشريط الإسلامي، والكتيب بأدب ولينٍ وحكمة، ولا يجرح المشاعر، ولا يغضب القلوب، ولا ينفر النفوس، وعرض فكرته للناس، والله الذي لا إله إلا هو لقد قيل: عن بعض من يحمل الفكرة الباطلة من العلمانيين والحداثيين، بل من النصارى واليهود؛ إنهم يضحون لدينهم، ويبذلون لدعوتهم، وينفقون أموالهم في سبيل مبادئهم الباطلة أكثر مما يفعله كثير من المسلمين.

    والله يقول في هؤلاء المنحرفين، وإنفاق أموالهم: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].

    واقرأ تراجم بعض الذين أقاموا بعض الفكر في العالم، مثل فكرة الشيوعية.

    فقد سجن لينين ست سنوات ويضرب بالحديد ووراء الأسلاك وفي الزنزانة حتى أثبت فكرته.

    كارل ماركس سجن ثلاث مرات في بلجيكا، وفي فرنسا وفي إنجلترا، ثم اعتنق فكرته مليار شيوعي في الصين والاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وفي بولندا هذه الدول الشرقية اعتنقت فكرته، وقد سحب هو في أثناء مطر، وقد ذكرت هذا لكم في قصة طويلة أو في محاضرة الشيوعية إلى الهاوية.

    وكثير من الناس، اقرأ مثلاً مذكرة ميشيل عفلق وكم تعرض، وحردان التكريتي، كل هؤلاء الأوثان والأصنام خدموا فكرتهم عجباً.

    أنا حدثتكم أن أحد المجاهدين يقول: فتاة فرنسية عمرها ما يقارب الثلاثين سنة، تجوب جبال أفغانستان، معها جهاز، وفراش على ظهرها، وتنام في الثلوج، ومع البعوض، وفي المستنقعات؛ من أجل أن تبشر بدين المسيح المحرف.

    طيب الآن ما هو تأثيرنا في الناس؟ ما هو دور هذا الكم الهائل الذي يحضر هذه المحاضرة؟ ماذا يقولون غداً لمحمدٍ عليه الصلاة والسلام؟ إذا قال: هل بلغتم دعوتي؟ أنا قلت لكم في الحياة الدنيا: {بلغوا عني ولو آية} قراكم فيها خرافة، وقد يتخلف فيها الناس عن صلاة الجماعة، وقد لا يطبق فيها الحجاب، وقد يوجد فيها قطيعة الرحم، أذية الجيران، والغيبة، والنميمة، والحسد، وأكل الربا، فماذا فعلتم؟

    إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي     عملتم وكلٌ في الكتاب مرتب

    وماذا كسبتم في شبابٍ وصحة     ٍوفي عمر أنفاسكم فيه تكتب

    فيا ليت شعري ما نقـول، وما الذي     نجيب به إذ ذاك والأمر أصعب

    إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا     وفي كل يومٍ واعظ الموت يندب

    الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [الأحزاب:39].

    اسمع الآيات الهائلة، في ميراث الأمة التي توجه مصير هذه الأمة، وعقولها، وأفكارها، ودماءها؛ أن تتحرك بدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ثم يلتفت عليه الصلاة والسلام ويدعو ربه، ويبتهل إلى مولاه ويقول: {نضر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع} وفي لفظ ابن حبان: {رحم الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها فأداها كما سمعها} نضرة ورحمة وعفوٌ من الله لمن سمع مقالة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن منا لا يحفظ الفاتحة من هذا الحضور؟! من منا لا يعرف الوضوء؟! من منا لا يعرف صفة الصلاة؟! ولكن الكثير في المناطق يجهلونها، من منا أنفق من ماله في الشهر اشتراكاً شهرياًمن ماله الذي يصرف في البطون والجيوب وفي شراء السيارة الفخمة، والفلل البهية، والفرش الوفيرة ثم نذهب إلى الله ونتركها ولا تذهب معنا أبداً، والله يقول: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] من منا أنفق من راتبه قدراً لإيصال دعوة محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للناس؟!

    ألا إنه يقول عليه الصلاة والسلام: {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم} أنا أعتقد اعتقاداً جازماً، وقد قاله كثير من العلماء أن من أدخل شريطاً إسلامياً في بيت من بيوت المسلمين فاهتدى أهل البيت أنهم في ميزان حسناته، وأنه هو السبب الأول في هدايتهم، وأنه هو المأجور، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله} ويقول: {من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة} فهنيئاً للباذلين، وهنيئاً لمن دعا إلى نهج الله، وهنيئاً للمؤثرين، وهنيئاً لمن شارك بوقته، أو تدبيره، أو تخطيطه، أو ماله، أو رأيه، أو علمه: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    1.   

    دور المرأة في الدعـوة

    ثم هناك أمر -أيها المسلمون- وهو ما هو دور المرأة في الدعوة؟ وهل عليها واجب شرعي أن تكون داعية؟ وهل يلزمها أن تبلغ دين الله عزوجل؟

    الجواب: يجب عليها في حدود طاقتها، وهي مسئولة أن تبلغ بقدر جهدها وعلمها، وهي مشاركة للرجل في الحياة، وهي نصف المجتمع، والله عزوجل ذكر الصالحين والصالحات، فقال: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195].

    والمرأة الصالحة يجب عليها أن تبلغ دين الله في بنات جنسها؛ بكلمتها، وباتصالها، وبزيارتها، وبالكتيب، وبالشريط الإسلامي، وبأي مستوى من مستويات التأثير؛ لأنا نرى قصوراً في جانب تثقيف المرأة، وتفقيهها ودعوتها، وآن للمرأة العاقلة والفاهمة والتي آتاها الله قدراً من العلم، أن تبذل علمها، وأن تبتغي إلى الله عَزَّ وَجَلَ، ولها أجرها عند ربها.

    والله أسأل أن يتقبل مني ومنكم صالح العمل، وأن يتجاوز عنا وعنكم الزلل، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.

    1.   

    الأسئلة

    شريط للشيخ ناصر العمر

    السؤال: أحد الأخوة يقول: حبذا لو نبهتم الإخوة على شريط للشيخ ناصر العمر بعنوان مشروع مقترح؛ لأنه شريط مفيد جداً؟

    الجواب: نعم، الشيخ الدكتور ناصر العمر؛ من أحسن من يتكلم في هذه الموضوعات وفي غيرها، ومثله يحرص على السماع له، وقد فتح عليه من الله عَزَّ وَجَلَ في كثير من القضايا؛ منها شريط مشروع مقترح، وهو يهم طلبة العلم، وشباب الصحوة، والدعاة؛ حتى يعملوا وينفعوا أمتهم على بصيرة.

    فأنا أدعوكم لسماع هذا الشريط، وإهدائه على من ترون من المسلمين.

    شائعة بخصوص الشيخ علي الطنطاوي

    السؤال: سمعنا أن الشيخ علي الطنطاوي لا زال حياً؟

    الجواب: أبشركم أنه لا زال حياً، وهو لا زال على قيد الحياة، وقد تمر ببعض الأشخاص في الحياة أمور وأخبار أنهم ماتوا وهم أحياء.

    يقول أحد الفضلاء: كنت جالساً في الحرم -هو من المفكرين- قال: فأتاني أحد الشباب، فقال: أنت لم تمت؟ قال: لا.

    قال: حدثني فلان أنك مت، قال: لا لم أمت، قال: والله هو قال لي وهو لا يكذب.

    قال: والله إن مت فلا أدري، لكني أنا موجود انظر لي هنا.

    وهذا مثل قصة جحا: أتاه رجل، يستعير حماره ليركبه، فقال جحا: الحمار ليس موجود أخذه فلان قبل أن تأتي، قال: صدقت.

    فنهق الحمار من البيت، فقال: أسمع الحمار نهق وأنت تقول: ليس عندك، قال: سبحان الله تصدق الحمار ولا تصدقني!!

    المتنبي مات كثيراً في حياته، وهو ما مات إلا مرة، لكن أماتوه كثيراً فيقول في قصيدة له يشكو ذلك، يقول:

    بم التعلل لا أهلٌ ولا وطنٌ     ولا نديمٌ ولا خِلٌّ ولا سكنُ

    تحملوا حملتكم كل ناجيةٍ     فكل بينٍ علي آثاركم ظعنوا

    ما في هوادجكم من مهجتي عوض     إن مت شوقاً وما فيها لنا ثمن

    سهرت بعد رحيلي وحشة لكم     ثم استمر مريري وارعوى الوسنُ

    لا تلق دهرك إلا غير مكترث     ما دام يصحب فيه روحك البدن

    فما يديم سروراً ما سررت به     ولا يرد عليك الغائب الحزن

    ما كلُّ ما يتمنى المرء يدركه     تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

    رأيتكم لا يصون العرض جاركمُ     ولا يدرُّ على مرعاكمُ اللبن

    كم قد قتلت وكم قد مت عندكمُ     ثم انتفضت فزال القبر والكفن

    وهؤلاء المحسودون في العالم دائماً يموتون، ويقال عنهم: صادفوا مشكلة، وتعرضوا لضربة قاصمة، وحد من نشاطهم، وأوقفوا عند حدهم، فـ المتنبي يقول: كم مت وأنا لم أمت إلا مرة! وكذا الجبان يقولون يموت مرات في اليوم، والشجاع لا يموت إلا مرة، حتى يقول العقاد في قصيدته، ويسلم على سعد زغلول، يقول فيها:

    وفي كل يوم يولد المرء ذو الحجا     وفي كل يومٍ ذو الجهالة يُلحدُ

    يقول: الجاهل، الغبي، المعرض عن الله عَزَّ وَجَلَ، يموت دائماً، أما الشجاع فإنه يولد دائماً، والموت واحد.

    وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد والخير والنفع العميم، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.