إسلام ويب

ديوان الإفتاء [661]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أقصر السور وأفضلها سورة الإخلاص، حيث تعدل ثلث القرآن، فيها صفة الرحمن جل جلاله، ومن قرأها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، ويندب قراءتها في ركعتي الفجر، وفي سنة المغرب، وفي سنة الطواف، وبعد الصلوات المفروضات، وقبل النوم.

    1.   

    وقفات مع سورة الإخلاص

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    سورة من سور القرآن آياتها خمس، وعدد كلماتها إحدى عشرة كلمة، وحروفها سبعة وأربعون حرفًا، ونحفظها جميعًا، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، هي سورة الإخلاص.

    فضل سورة الإخلاص

    وهذه السورة المباركة أريد أن أذكركم بشيء من فضلها، وبشيء من معانيها:

    أما فضلها: فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( احشدوا، فحشد الناس، فلما اجتمعوا قال لهم: إني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فقرأ عليهم هذه السورة المباركة، ثم دخل صلى الله عليه وسلم بيته، فقال الصحابة بعضهم لبعض: إن هذا خبر من السماء قد جاء، فخرج عليهم صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن )، قال علماؤنا: هذا من جهة أجناس المعاني، فإن القرآن قصص وأحكام وعقائد، وهذه السورة المباركة فيها بيان لعقيدة أهل الإسلام في الله رب العالمين، وثبت في صحيح مسلم من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عليهم رجلًا، فكان إذا صلى بهم يختم بـ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فلما رجعوا أخبر الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام بفعل صاحبهم، فقال: سلوه: لِمَ يفعل ذلك؟ فقال الرجل المؤمن: إني أحبها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى قد أحبك )، فحب هذه السورة موجب لمحبة الله عز وجل لمن أحبها.

    وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: ( أن أهل قباء كان يؤمهم رجل من الصحابة، فكان إذا صلى بهم يقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يختم بهذه السورة، فقال له أصحابه: يا فلان! إنك تقرأ من القرآن ثم لا ترى أن ذلك يجزئك حتى تقرأ هذه السورة، فقال لهم: والله ما أنا بتاركها، إن شئتم أممتكم، وإن شئتم تركتكم، وكانوا يكرهون أن يتركهم؛ لأنهم يرونه أفضلهم، فأخبروا بذلك النبي عليه الصلاة والسلام: فسأله: لِم تصنع ذلك؟ قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحبها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: حبك إياها أدخلك الجنة ).

    وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ( لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدرته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله! أوصني، فقال: يا عقبة ! أخرس لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك، ثم قال لي: يا عقبة ! ألا أعلمك خير سور أنزلها الله في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، لا تنسهن، ولا تنم ليلة حتى تأتي بهن، قال عقبة رضي الله عنه: فما نسيتهن منذ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنسهن، وما نمت ليلة حتى قرأتهن، ثم لقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أخبرني بفواضل الأعمال؟ قال: يا عقبة ! صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعفُ عمن ظلمك ).

    وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ: (قل هو الله أحد) عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة، قال عمر رضي الله عنه: إذن تكثر قصورنا يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: فالله أكثر وأطيب ). قال ابن كثير رحمه الله: وهذا مرسل جيد.

    أعمال وأوقات يندب فيها قراءة سورة الإخلاص

    يا أيها الإخوة والأخوات! هذه السورة المباركة نقرؤها في الركعة الثانية من صلاة الرغيبة، سنة الصبح، وفي الأولى نقرأ: (قل يا أيها الكافرون)، كذلك نصنع في سنة المغرب، وكذلك في سنة الطواف، وهذه السورة المباركة نقرؤها في دبر كل صلاة مع المعوذتين مرة، إلا بعد الفجر والمغرب فإننا نقرؤهن ثلاث مرات، نقرأ: (قل هو الله أحد) ثلاثًا، و(قل أعوذ برب الفلق) ثلاثًا، و(قل أعوذ برب الناس) ثلاثًا، ثم بعد ذلك إذا أوينا إلى فرشنا، وأخذنا مضاجعنا نعمل بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ( كان ينفث في كفيه بـ (قل هو الله أحد) والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات )، يعني: يجمع كفيه عليه الصلاة والسلام، فيقرأ: (قل هو الله أحد)، والفلق، والناس، ثم ينفث، والنفث: نفخ من غير ريق، ثم يمسح عليه الصلاة والسلام ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

    سبب نزول سورة الإخلاص

    معنى قل هو الله أحد

    قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1]، أي: الله عز وجل واحد لا شريك له، قال بعض أرباب المعاني: تأملت الشرك فوجدته من ثمانية أوجه: إما من ناحية الكثرة والعدد، وإما من ناحية النقص والتقلب، وإما من ناحية الأشكال والأضداد، وإما من ناحية كونه علة أو معلولاً، فنفى الله عز وجل الكثرة والعدد بقوله: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1]، ونفى النقص والتقلب بقوله: اللهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:2]، ونفى كونه علة أو معلولًا بقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ[الإخلاص:3]، ونفى الأشكال والأضداد بقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4].

    البلاغة في كلمة (أحد) في قوله: (قل هو الله أحد)

    قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ قال المفسرون: (أحد)، أبلغ من (واحد)؛ لأن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل في الواحد، ثم الأحد في النفي أبلغ، فإنك لو قلت: ما بالدار من أحد، فإنه يعني: أن الدار خاوية، لكن لو قلت: ما بالدار واحد، فلعل بالدار اثنين أو ثلاثة أو عشرة أو مائة.

    وقوله: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ إثبات لوحدانيته جل جلاله، كما قال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[البقرة:163]، وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ[البقرة:163]، وكما قال: قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[ص:65]، فهو سبحانه واحد في ذاته، واحد في صفاته، لا شريك له، ولا ند ولا مثيل ولا نظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11].

    معنى قوله تعالى: (الله الصمد)

    وقوله: اللهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:2]، أي: الذي تصمد إليه المخلوقات في حوائجها، كل يسأل الله عز وجل حاجته، وهو سبحانه غني عن العالمين، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تخفى عليه الحركات، ولا تشتبه عليه اللغات، ولا تختلط عليه الأصوات: أَمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ[النمل:62]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[البقرة:186].

    اللهُ الصَّمَدُ الله السيد الذي كمل في سؤدده، الشريف الذي كَمُل في شرفه، العظيم الذي كمل في عظمته جل جلاله، له صفات الجمال والكمال والجلال.

    ينفي الله عز وجل عن نفسه ما نسبه إليه أرباب الديانات المحرفة، أو أهل الشرك والإلحاد حين قال المشركون: الملائكة بنات الله، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[التوبة:30]، الله عز وجل لم يلد ولم يولد، ينفي عن نفسه جل جلاله كونه والدًا، وينفي عن نفسه كونه مولودًا: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ[الإخلاص:3].

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إنها تعدل ثلث القرآن)

    ثم ختم هذه السورة بقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4]، جل جلاله، ليس له شبيه، ولا مثيل، كما قال سبحانه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم:65]، وكما قال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[الشورى:11]، فالله عز وجل لا يشبهه أحد من خلقه، ولذلك قال أهل العلم: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر.

    وهذه السورة المباركة إخوتي وأخواتي! حري بنا أن نقرأها إذا أصبحنا وإذا أمسينا، حري بنا أن نقرأها في الخلوة والجلوة، بكرة وعشيًا؛ لأن فيها من الأجر العظيم، والثواب الكبير، ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أنها تعدل ثلث القرآن)

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها تعدل ثلث القرآن)، قال بعض المفسرين: بأنها تعدل ثلث القرآن لمن لا يحسن غيرها، يعني: لو أن إنسانًا لا يحفظ إلا هذه السورة المباركة فقرأها ثلاثًا، فإن ثوابها يعدل ثواب من قرأ القرآن كله حتى ختمه، وقال بعضهم: إنما هي تعدل ثلث القرآن إذا قرئ ثلث القرآن سواها، وقال بعضهم: إنما هي تعدل ثلث القرآن من جهة المعاني؛ لأنها مشتملة على بيان عقيدة أهل الإيمان في الله الواحد القهار؛ حيث يصفونه بنعوت الجلال والكمال سبحانه وتعالى: فاقرءوا هذه السورة وعلموها أولادكم، وأحبوها، فإن حبكم إياها موجب لحب الله إياكم.

    وكذلك حبكم إياها يوصلكم إلى جنة عرضها السموات والأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الصحابي: ( حبك إياها أدخلك الجنة ).

    أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، ويذكرنا منه ما نسينا، ويرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يرضيه عنا.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: أخي عنده سيارة، فطلبت منه أن يبيعها لي، وقبل أن يوافق على بيعها مني بعتها لشخص آخر، ثم أعلمت أخي بذلك، لأني كنت محتاجاً للمال، وهو غير موافق، ثم وافق بعد أن بعتها، فهل يعتبر هذا المال حلالاً أم لا؟

    الشيخ: طيب شكرًا.

    المتصل: يا شيخ عندي سؤال: والدتي كبيرة في السن، وهي تعبة قليلًا، وأتضجر أحياناً من خدمتها، لكن لا أظهر لها ذلك، وبيني وبين نفسي أزعل، فأريد أن أعرف هل أوجر على هذه الحالة أم لا؟

    الشيخ: طيب إن شاء الله.

    بيع الرجل سيارة قبل أن يتملكها

    الشيخ: سؤال أخينا أبي ذر، يقول: بأنه طلب من أخيه أن يبيع له سيارته، وكان أخوه متردداً في هذه البيعة، وهذا الرجل تعجل فباع سيارة أخيه قبل أن يبيعه إياها، يعني: قبل ما يبيع له هو باعها.

    نقول: هذا البيع يقع باطل ولا يصح؛ لأن من شرط صحة البيع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، أو أن يحصل توكيل من قبل المالك لهذا الشخص أن يبيع. أما كونه يبيع ما لا يملك فقد وقع في النهي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبع ما لا تملك )، وقال: ( لا تبع ما ليس عندك )، أي: ما ليس واقعًا في ملكك.

    فمن أجل تصحيح هذه المعاملة: لا بد أن تخبر أخاك بالأمر الذي كان، بأنك بعت هذه السيارة قبل أن يبيعها عليك، وتخبره بحقيقة السعر الذي بعت به؛ لأن هذا التصرف كما يسميه علماؤنا: بيع الفضولي، يعني: لست موكلًا، ولا مأمورًا بهذا البيع، فبعت ما لا تملك فهذا موقوف على إجازة المالك، فإن أجاز لك أخوك وطيب لك هذا المال، فقد طاب لك، وإلا وجب عليك أن ترد المال إلى صاحبه، وتبطل البيعة الثانية؛ لأنها مبنية على باطل.

    التضجر من خدمة الوالدة الطاعنة في السن

    الشيخ: وأما الأخت فاطمة من الحاج يوسف فقد ذكرت أن الله تعالى قد ابتلاها بوالدة طاعنة في السن، وأنها تقوم على خدمتها والإحسان إليها، لكنها تشعر أحيانًا بتعب وضجر، ولا تظهر ذلك للوالدة.

    أقول لك: يا أختاه! هذا باب من أبواب الجنة قد فتح لك، إذا ابتلى الله عبده المؤمن بوالديه، أو أحدهما حال كبره، وانقطاع أجله، وضعف جسده، فقام الولد على خدمة الوالد، وتلبية أمره، والقيام على شأنه، فهذا باب عظيم من أبواب الخير، والله عز وجل قد أوصانا بالوالدين في تلك الحال، قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا[الإسراء:23-24]، فالذي أوصيك به: أن تحسني إلى الوالدة، وأن تترفقي بها، وأن تتحملي التعب الذي يكون في حال خدمتها، وأن تظهري لها الرضا والسرور والحبور، وثقي تمامًا بأن الله عز وجل يعوضك خيرًا في الدنيا والآخرة، فإن حق الوالدين أعظم الحقوق بعد حق الله عز وجل؛ لذلك الله عز وجل قرن بينهما، فقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[الإسراء:23]، وقال: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[الأنعام:151]، وقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ[لقمان:14]، وقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[البقرة:83]، والمسيح لما نطق قال: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا[مريم:30-32]، والنبي عليه الصلاة والسلام قد أوصى بالأم في أحاديث لا تعد ولا تحصى.

    أسأل الله أن يعينك على ذلك، وأن يوفقك ويسددك.

    المتصل: يا شيخنا! لدي سؤالان:

    السؤال الأول: كنت أقرأ في سورة الكهف: كَبُرَتْ كَلِمَةً[الكهف:5]، ولم ترد (كلمةٌ) وأنا على حسب علمي أنها فاعل. فما قولكم؟

    السؤال الثاني: التمويل الأصغر: أنا أخذت قرضًا من البنك بعشرة ملايين، على أساس أن أسدده اثني عشر مليوناً، هل هذه المعاملة فيها ربا، وإذا أردت أن أقترض فهل ذلك ممكن؟

    مع العلم أني لم أستلم منه نقوداً، وإنما استلمت منه فاتورة بعشرة ملايين وهو يسددها. وعندما ذهبت إلى المغلق أريد أن آخذ الحاجات منه، هناك أشياء وجدتها عنده، وأشياء ما وجدتها عنده، فأخذت المبلغ واشتريت من محل آخر.

    الشيخ: عجيب! طيب، شكرًا.

    المتصل: لدي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: قرأت في صحيفة حديثاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى عجاجة لا ينكرون منكرًا ولا يعرفون معروفًا )، سؤالي: ما تفسير الحديث؟ وما هي الشريطة؟

    السؤال الثاني: أريد تفسير الآية: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا[الكهف:60]، سؤالي: أين يقع مجمع البحرين؟ وما علم العبد الصالح الذي أعطاه الله تعالى؟

    السؤال الثالث: أريد أن أعرف شرح الآية التي تقول: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب:72]، وجزاكم الله كل خير وبركة.

    الشيخ: وإياك، أحسن الله إليك، بارك الله فيك.

    المتصل: يا شيخنا! لدي سؤال: بالنسبة للعمرة، إذا كان إنسان ذاهباً إلى العمرة، من أين يحرم؟ بمعنى ميقات السودان أين هو؟

    وإذا كان ذاهباً لعمل أو شغل من أمور الدنيا، هل ينوي من السودان، أم ينوي من هناك بعدما ينتهي من عمله؟

    الشيخ: طيب.

    المتصل: لدي سؤال: نحن في القضارف عندنا مسجد نصلي مبكرين، طبعًا ساحات المسجد وغرفه تمتلئ، والشوارع كلها تمتلئ أيضًا، وأحيانًا نصلي في دكان، ويكون قريبًا من المسجد، بينه وبين المسجد مائة متر، يعني: الواحد يطلع من باب الدكان مباشرة فقط يحط سجادته في باب دكانه ويصلي، أريد أن أعرف هل الصلاة هذه صحيحة؟

    الشيخ: طيب، شكرًا يا ياسين .

    المتصل: لدي سؤالان: السؤال الأول: في المسجد تكون الصفوف الأمامية ممتلئة، وعندما يأتي المصلي من خلف يجد الصفوف ممتلئة، ويريد أن يصلي في الصف الأمام، فيقف إلى جوار الإمام، فيتخطى الناس وهم يصلون، حتى يصل إلى الصف الأمام.

    السؤال الثاني: أئمة المساجد يطلبون التبرعات في كل الصلوات، سواء كان هناك حاجة أو لم يكن هناك حاجة، نريد أن نسأل: هل يصح التبرع في المسجد، أو كذلك الناس السائلون يدخلون في المساجد ويطلبون، ما رأيك يا شيخ؟!

    الشيخ: شكرًا جزيلًا.

    المتصل: لدي سؤال: يا شيخ! نسأل عن التحف والمناظر التي في شكل الحيوانات، ما رأي الدين فيها أن تكون منظرًا في البيت؟

    الشيخ: طيب إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤال: أنا ساكن في القطينة، وأعمل في الخرطوم. وقبل أن أتحرك في يوم الخميس أقوم أصلي الظهر وأجمع معها العصر، فما الحكم؟

    الشيخ: طيب.

    الوجه الإعرابي لنصب كلمة (كلمةً) في قوله تعالى: (كبرت كلمة)

    الشيخ: بالنسبة لأختنا نوال تسأل عن قول ربنا جل جلاله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا[الكهف:5]، وهي تقول بأن (كلمة) فاعل، فكان مقتضى أن يقال: (كَبرت كلمةٌ تخرج من أفواههم)؟

    أقول: لو تأملت في السياق أحسن الله إليك لفهمتِ المعنى، فإن الله عز وجل شدد النكير على المشركين الذين قالوا: اتخذ الله ولدًا.

    وبين أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مبعوث للتبشير والإنذار: وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا[الكهف:2-3]، هذا هو التبشير، وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا[الكهف:4]، وهذا هو الإنذار، كما مضى معنا: المشركون قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله.

    والنبي عليه الصلاة والسلام جاء نذيرًا لهؤلاء؛ ينذرهم بعذاب الله عز وجل إن ماتوا على مثل هذا المعتقد، وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا[الكهف:4]؛ لأنهم كذابون: مَا لَهمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ[الكهف:5]، لما قالوا: (اتخذ الله ولداً)، ما قالوا هذا الكلام بناءً على علم راسخ، ولا يقين ثابت، وإنما تخرصًا.

    ثم قال: كَبُرَتْ كَلِمَةً[الكهف:5]، فكلمةً هنا: تمييز، وليست فاعلاً، كبرت هي التي مضت، وهي قولهم: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا[الكهف:4]، كبرت هي كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.

    أخذ فاتورة من البنك لشراء بضاعة بعشرة آلاف وإرجاعها اثني عشر ألفاً

    الشيخ: وأما المعاملة التي سألت عنها فيما يسمى: بالتمويل الأصغر، فنقول: هذه معاملة فاسدة لا تصح، وهي بدأت سؤالها تقول: بأن البنك أعطاني عشرة آلاف على أن أردها اثني عشر ألفاً.

    نقول: هذا هو عين الربا، لكن البنك ما فعل ذلك، وإنما البنك اشترى لك مواد معينة من مغلق، وهذه المواد قيمتها عشرة آلاف، على أن يبيعها عليك باثني عشر ألفًا، يعني: البنك اشترى بعشرة وباع لك باثني عشر ألفًا.

    وهذه المعاملة: هي بيع المرابحة للآمر بالشراء، وشرط صحته: أن يكون هناك تملك وحيازة من قبل البنك، فالمفروض على البنك أن يشتري هذه المواد من المغلق، ويستلمها ثم يقوم بتسليمك إياها، ويكون هناك عقدان منفصلان، عقد بين البنك وبين صاحب المغلق، ثم عقد آخر بين البنك وبين الآمر بالشراء التي هي الأخت نوال .

    أما أن تأتي أنتِ إلى البنك وتقولي: بأني أريد مواد كذا وكذا، قيمتها عشرة آلاف، فالبنك يقول لك: أنا اشتريتها وبعتها عليك باثني عشر ألفًا، فتقولي: أنا موافقة، فيعطيك الشيك من أجل أن تذهبي إلى صاحب المغلق، هذه معاملة فاسدة؛ لأنها صورة بيع وحقيقتها ربا، وما فيها أي شيء من حقيقة البيع، وإنما هي تحايل على الربا ليس إلا.

    وبعض الناس يقول لك: ما الفرق في أن البنك يستلم ويسلم وكذا؟

    نقول: الفرق بأن هذا بيع، وهذا ربا، وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة:275]، ولذلك الأولون قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا[البقرة:275]، وليس البيع مثل الربا، فهذا حلال وهذا حرام، وشتان شتان، ولذلك أقول لك: هذه معاملة فاسدة، والبنك الذي يمارس هذه الممارسة قد وقع في الربا شاء أم أبى.

    معنى حديث: (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض ...)

    الشيخ: وأما أخونا: طه البشير من الحاج يوسف فقد سأل عن حديث قرأه في بعض الصحف: عن عبد الله بن مسعود : ( لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى عجاجة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا ).

    فهذا الحديث لا علم لي به، لكن المعنى الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحاح: ( أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس )، و( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله )، يعني: ما يبقى أحد في الأرض يقول: الله، الله. ( وإنما هم قوم شرار لا يبالي الله بهم، فترسل ريح تقبض أرواح المؤمنين، ويبقى شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة )، هذا الذي ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    تفسير قوله تعالى: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ...)

    الشيخ: وأما قول موسى عليه السلام لفتاه يوشع بن نون عليه السلام: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا[الكهف:60]، يعني: سأظل ماشيًا حتى أبلغ مجمع البحرين، وإن أتت عليّ حقب، قالوا: الحقبة ثمانون سنة. يعني: لو أتت عليّ ثمانون وثمانون وثمانون سنة، سأظل ماشيًا ما دامت روحي في جسدي، حتى ألقى ذلك الرجل العالم عند مجمع البحرين.

    أين هو مجمع البحرين؟ الله أعلم، القرآن ما بين، ولذلك بعض المفسرين قالوا: بحر الروم، أو بحر القلزم، وقال بعضهم: قِبل أذربيجان، وقال بعضهم: غير ذلك، وهذه من مبهمات القرآن، فالقرآن الكريم دائمًا يبهم المكان والزمان ولربما يبهم الأشخاص؛ لأن المقصود العبرة، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ[يوسف:111]، ولذلك قال: وَاضْرِبْ لَهمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ[الكهف:32]، من هما هذان الرجلان؟

    وقال: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[الكهف:13]، أصحاب الكهف، من هم هؤلاء الفتية؟ ما أسماؤهم؟

    القرآن الكريم يطوي هذا كله طيًا؛ لأنه لا فائدة من معرفة الأسماء، ولا فائدة من معرفة الأمكنة، ولا فائدة من معرفة التواريخ والأزمنة، وإنما المقصود الاعتبار والاتعاظ كما بين ربنا حين قال: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ[هود:120]، وكما قال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى[يوسف:111].

    تفسير قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال...)

    الشيخ: وأما قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ[الأحزاب:72]، فالأمانة هنا: أمانة التكليف، افعل، ولا تفعل، أمانة التكليف: القيام بعبادة الله، وعمارة الأرض بطاعته، هذه الأمانة عرضت على السموات والأرض والجبال، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ[الأحزاب:72]، هذا المسكين.

    والجملة التعليلية: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب:72]؛ أي: لأنه كان ظلومًا جهولًا، ولذلك بعدما تحمل هذه الأمانة أكثرهم نكص عنها، وكفر بها، فصار بعضهم مشركًا بالله، وبعضهم ملحدًا، وبعضهم منافقًا، وبعضهم عاصيًا، وكما قال ربنا: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ[الأنعام:116]، وقال: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ[يوسف:103]، هذه هي أمانة التكليف التي أشفقت منها السموات والأرض والجبال، وتصدى لها الإنسان، يقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات:56]، مهمتنا معشر بني آدم! عمارة الأرض بطاعة الله عز وجل وعبادته، وفي الحديث القدسي بأن الله تعالى قال: ( يا عبادي! إني ما خلقتكم لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستعين بكم على أمر قد عجزت عنه، ولكني خلقتكم لتذكروني كثيرًا، وتعبدوني طويلاً، وتسبحوني بكرة وأصيلاً ).

    ميقات أهل السودان ومن أراد إنشاء سفر لأمر دنيوي ثم تلبس بالنسك

    السؤال: أما أخونا رحمة من الحاج يوسف فيقول: مريد العمرة من أهل هذه البلاد من أين يحرم؟

    الجواب: يحرم من جدة، وهي أول نقطة يصل إليها، سواء ذهب بالبحر أو بالجو، وهذا من قديم، قاله بعض علماء المالكية الأولون، والآن يفتي به أكثر المعاصرين.

    وأما إذا كان ذاهباً لأمر دنيوي، ونشأت له نية النسك هنالك فيحرم من حيث هو، فإذا كان للمكان الذي هو فيه ميقات، يحرم من ميقاته، وإذا كان منزله دون المواقيت فإنه يحرم من حيث أنشأ.

    وأما إذا كانت نية النسك قد حصلت له من هاهنا: فيجب عليه أن يحرم كما ذكرت من جدة.

    صلاة الرجل في باب دكانه إذا وصلت الصفوف إليه يوم الجمعة

    الشيخ: أما أخونا ياسين من القضارف، فقد ذكر أن مسجدهم في صلاة الجمعة يمتلئ صحنه وردهاته، وملحقاته والشوارع المحيطة به، حتى لربما يكون بين المصلي وبين المسجد نحوًا من مائة متر.

    نقول: لا حرج إن شاء الله ما دامت الصفوف متصلة، وأنتم ترون الإمام، أو ترون من يرى الإمام، أو تسمعون صوت الإمام فلا حرج عليكم أن تصلوا، ولو كان بينكم وبين المسجد مسافة، ويدل على ذلك حديث أمنا عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وقد روته أسماء أختها رضي الله عن الجميع، قالت: ( دخلت على عائشة وهي تصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم )، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في المسجد، و عائشة تصلي في حجرتها، ومعلوم أن بين المسجد والحجرة جداراً حاجزاً، ( فقلت: لِمَ يصلِّ الناس آية؟ يعني: هل حصل شيء، وكانت الصلاة صلاة الكسوف، فأشارت عائشة رضي الله عنها برأسها: أن نعم. قالت: فدخلت في الصلاة معهم، فأطال رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة حتى تجلاني الغشي- يعني: حتى كاد يغشى علي- قالت: فأخذت قربة من ماء فصببت على رأسي...) الحديث.

    والمقصود: بأن عائشة و أسماء رضي الله عنهما كانتا تصليان وبينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم والمأمومين من ورائه حاجز، فليس هناك مانع طالما أن الصفوف متصلة، وأنتم تسمعون صوت الإمام.

    تخطي الناس لأجل الوقوف إلى جانب الإمام

    الشيخ: أما أخونا حمد من أمبدة، فإنه يقول: بعض الناس يأتي متأخرًا والصف الأول قد امتلأ، فيتخطى الناس ليقف إلى جوار الإمام.

    نقول: هذا خلاف السنة، فالسنة أن يكون الإمام وحده وليس معه أحد، فإذا جئت متأخرًا حاول أن تجد لنفسك مكانًا في الصف، فإذا استطعت فإنك تقف وتصلي وراء الصف، وصلاتك صحيحة، أما أنك تتخطى الناس من أجل أن تقف إلى جوار الإمام، فهذا لا ينبغي أن يحصل، والصلاة صحيحة لكنك خالفت السنة.

    طلب التبرعات في المساجد

    الشيخ: بالنسبة لأئمة المساجد الذين يطلبون التبرعات من الناس فإذا كانوا يطلبون التبرعات لأنفسهم، فما أقبح هذا وأشنعه.

    أما إذا كانوا يطلبونها لمن يأتي إلى المسجد فقيرًا جائعًا، أو يتيمًا ضائعًا، أو مريضًا يحتاج إلى علاج، فهم في ذلك مأجورون، وقد فعل هذا نبينا الرسول عليه الصلاة والسلام: ( كان على المنبر فجاء قوم من مضر، مجتابي النمار، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، وقال: تصدق رجل من درهمه، من ديناره، من صاع تمره، من صاع بره، من صاع شعيره )، أمر الناس بأن يأتوا بما عندهم من أجل أن يغيثوا إخوانهم هؤلاء الذين جاءوا فقراء، ثيابهم ممزقة، وأحوالهم بائسة، وقد عضهم الجوع بنابه. فإمام المسجد إما أن يطلب تبرعات لفقير أو مسكين أو مريض أو يتيم، وإما أن يطلب التبرعات للأمور الكبيرة، يعني: القضايا التي تهم الأمة مثلًا: قضية إخواننا في فلسطين أيام حرب غزة، وهم في هذا اليوم أيضًا يضربون وتشن عليهم الغارات، ويسقط منهم الشهداء، نسأل الله أن يتقبلهم بقبول حسن، أو الآن هناك حملة من بعض الأخيار لإغاثة إخواننا المنكوبين في سوريا، الذين تسلط عليهم جبار ظالم لا يرجو لله وقارًا ولا يتحاشى من الدماء، فنزحوا عن ديارهم وصاروا في العراء في شتاء قارس، وبرد شديد، وقد قلت عندهم المؤن، فهم بحاجة إلى أغطية تدفئهم، وإلى طعام يأكلونه، والأطفال بحاجة إلى الحليب وما إلى ذلك، فليس هناك حرج بأن أئمة المساجد يطلبون من الناس أن يتبرعوا لإخوانهم.

    تصوير ذوات الأرواح ووضعها كمناظر ومجسمات في البيوت

    الشيخ: أما أختنا أم أحمد من أبي ظبي، فقد سألت: أن في البيت تحفًا، يعني: مناظر، وتكون على شكل مجسمات.

    نقول إذا كانت مجسمات لذوات الأرواح وهي كاملة فلا يجوز، يعني: عصفور كامل، أو حمامة كاملة، أو ما أشبه ذلك من المناظر، فهذا لا يجوز؛ لأن الله قال: ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي )، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون)، يعني: هؤلاء النحاتون الذين يضاهون خلق الله عز وجل.

    أما إذا كان شيء لا يكون معه حياة، مثلًا الرأس فقط، ومعلوم أن الإنسان أو المخلوق عمومًا لا يعيش برأسه، وإنما لا بد مع الرأس من جسد، يعني: على الأقل إلى النصف، أما إذا كان مجرد رأس مثلًا، فمثل هذا لا يضر إن شاء الله.

    قصر الصلاة لمن يقيم في بلدة ويعمل في أخرى يوم سفره إلى بلدته

    السؤال: أخونا الوليد من القطينة ذكر بأنه يعمل في الخرطوم، ويقيم في القطينة، ثم بعد ذلك يذهب يوم الخميس. معنى ذلك: أنه يمكث في الخرطوم أيام الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، فهذه أربعة أيام كاملة؟

    نقول: لا حق له في القصر، فإذا أراد أن يسافر يوم الخميس بعد نهاية الدوام فلا حرج عليه أن يجمع بين الظهر والعصر لكن من غير قصر، يعني: يصلي الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، ثم يتوكل على الحي الذي لا يموت.

    المتصل: لدي سؤال يا شيخ! عندي قضاء خاص بأيام من رمضان، وكنت نفساء، وهذا كان منذ عشر سنين، وما قضيت، وأريد أن أعرف هل عليّ كفارة أو قضاء فقط؟

    مع العلم أنه ما كان عندي شيء يمنعني، وقد ولدت بعد فترة، لكن ما كان عندي حمل متكرر.

    الشيخ: طيب، شكرًا.

    المتصل: لدي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: أنا تاجر، وقد يكون هناك صنف ليس عندي، فهل يجوز لي أن أبيعه لشخص، وأستلفه من جاري وأقول له: دقائق، وهو قاعد في الكرسي، وأذهب آتي له بالصنف لأربح فلوساً، هل هذا الكلام يجوز؛ لأن بعض التجار يهبون في بعضهم؟

    السؤال الثاني: أسأل عن الصور الفوتوغرافية، يعني: الولد يتصور صورة مع الوالد، مع جده، ومع شيخ، ويعلقها في البيت، فهل تعليق الصور حرام أم حلال؟ وأسأل عن الصور الفوتوغرافية التي في جواز السفر؟

    السؤال الثالث: في حديث يقول: ( من قرأ سورة الواقعة في ليلة لم تصبه فاقة )، الحديث هذا ضعيف أو ماذا؟ جزاك الله خيرًا، وبارك الله فيك.

    الشيخ: وإياك، أكرمك الله.

    الحكم على حديث: (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض ...)

    السؤال: أرجع إلى سؤال أخينا طه البشير الذي اتصل من الحاج يوسف، سأل عن حديث عبد الله بن مسعود : ( لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى عجاجة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، وعليهم تقوم الساعة ).

    الجواب: ذكرت له في الجواب بأن هذا المعنى صحيح، وقد دلت عليه أحاديث أخرى كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، وقوله: ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله)، والإخوة أفادني بعضهم: بأن هذا الحديث الذي سأل عنه أخونا طه حديث صحيح، أخرجه أحمد ، و الحاكم ، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وهو مروي كذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، جزى الله خيرًا من أفادنا بهذه الفائدة.

    الطلاق في الحيض والنفاس

    السؤال: هل يقع طلاق المرأة في حال الحيض أو النفاس؟

    الجواب: نعم، عند الأئمة الأربعة طلاق الحائض والنفساء واقع، ولكن المطلق آثم؛ لأنه طلق على غير السنة، على غير ما شرع الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن طلاق الحائض والنفساء.

    الواجب على من ترك القضاء عشر سنوات بدون عذر

    السؤال: أختنا نجلاء من الأبيض، ذكرت بأن عليها قضاء من رمضان قبل عشر سنين، وهي لم تقض؟

    الجواب: يلزمك القضاء، ويلزمك إطعام مسكين عن كل يوم؛ لأنك تأخرتِ، يعني: عليك أن تقضي الأيام التي أفطرتها سواء كانت ثلاثين أو تسعة وعشرين يومًا، ثم عليك أن تطعمي مسكينًا عن كل يوم، لكل مسكين سبعمائة وخمسين جراماً من تمر أو قمح، يعني: عن الشهر كله، اثنين وعشرين كيلو ونصف مجزئة إن شاء الله.

    أخذ التاجر السلعة من غيره حال طلبها وربحه فيها

    السؤال: أخونا كامل عثمان بخيت من سنار يقول: بأن التاجر أحياناً لا يكون عنده صنف، فيأتي إنسان يطلب شيئًا ليس عند التاجر، فيجلسه على كرسيه، ويأتيه بالصنف من مكان آخر، ويبيع ويربح فيه؟

    الجواب: هذا لا يجوز، النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبع ما ليس عندك )، وقال: ( لا تبع ما لا تملك )، أنت قل له: ليس عندي، عند فلان، أما أن تأتي به من فلان ثم تربح فيه أنت، فهذا لا يجوز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ).

    حكم الصور الفوتوغرافية وتعليقها

    الشيخ: أما بالنسبة للصور الفوتوغرافية يا أخي كامل ! فهي على ثلاثة أحوال:

    هناك صور تجوز باتفاق، وهي الصور التي تدعو إليها الضرورة، كصور الجوازات والبطاقات، وما إلى ذلك.

    وهناك صور ممنوعة باتفاق، وهي التي فيها تعظيم لغير الله، أو الصور التي تثير الغرائز وتدعو إلى الفواحش.

    وهناك صور مختلف فيها، وهي الصور التي تدعو إليها الحاجة الاجتماعية، مثلما قال: يتصور مع أبيه، مع جده، وهذه أكثر العلماء على جوازها؛ لأنه ليس فيها شيء، ولكن لا تعلقها.

    الحكم على الحديث الوارد في فضل سورة الواقعة

    الشيخ: وأما الحديث عن سورة الواقعة فليس بصحيح، بل حكم أهل العلم بوضعه.

    حكم الحناء والبخور لمن زوجها مغترب

    السؤال: ما حكم الحناء والدخان مع الحجاب، والرجل مغترب؟

    الجواب: ليس هناك مانع، شريطة ألا يشم ريحك أجنبي، يعني: لو أنك بين النساء، أو أنك في بيتك، فتخضبت وتطيبت فليس هناك مانع.

    التسبيح حال مشاهدة التلفاز وحال الكلام

    السؤال: هل يجوز التسبيح، وأنا أشاهد التلفاز وأتكلم؟

    الجواب: ليس هناك مانع إن شاء الله، ولكن الأفضل أن الإنسان في حال الذكر يقبل عليه بقلبه.

    تكرار الاستخارة

    السؤال: هل يجوز تكرار الاستخارة كل يوم؟

    الجواب: نعم، إذا كانت أشياء مختلفة، ليس هناك مانع، أني اليوم أستخير من أجل أن أسافر، وغدًا أستخير من أجل أن أشتري، وبعد غدٍ أستخير من أجل أن أبيع، ليس هناك مانع، أما تكرار الاستخارة في الموضوع الواحد مرارًا، فقد قال بعض أهل العلم: أنه ليس من السنة.

    المسح على الجوارب لمن هو عند أهله

    السؤال: هل يجوز المسح على الجوارب إذا كنت عند أهلي، علمًا بأني أسكن في نفس القرية؟

    الجواب: ليس هناك مانع يا أخي! المسح على الجورب كالمسح على الخف، يجوز للمقيم يومًا وليلة، ويجوز للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.

    قضاء الصوم والصلاة لمن أداهما على جنابة لجهله بوجوب الغسل

    السؤال: شخص لم يسمع بالغسل من الجنابة في حياته، ولما عرف ذلك يقول: هل عليّ قضاء ما فات من صوم وصلاة؟

    الجواب: أما الصوم فلا؛ لأن الصوم أصلًا ليس شرطه الطهارة، ولذلك ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا وهو صائم )، وأما الصلاة فشرطها الطهارة، لكن لا يطالب بالإعادة؛ لأنه معذور بجهله، لكن عليه أن يتوب إلى الله من التقصير في طلب العلم.

    حكم التسويق الشبكي

    السؤال: هل التسويق الشبكي حلال أم حرام؟

    الجواب: بالصورة الموجودة الآن التي يكون فيها اشتراط شراء السلعة قبل أن تكون مسوقًا، هذه حرام، وقد صدرت بذلك فتوى مجمع الفقه الإسلامي.

    حكم الغناء والموسيقى

    السؤال: أفتونا بكلام قاطع عن الغناء والموسيقى؟

    الجواب: ليس ثمة كلام قاطع، وإنما الإنسان يقول ما عنده، وليس قولي بأولى من قول غيري، وإنما الإنسان يقول ما يظنه صوابًا، وكان الإمام مالك عليه رحمة الله لا يفتي في مسألة إلا قال: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ[الجاثية:32]، والكلام القاطع يكون في القطعيات التي قال الله فيها: حرام أو حلال، ولذلك لو سأل الإنسان: ما حكم نكاح الأخت أو بنت الأخ أو بنت الأخت؟ أقول: حرام؛ لأن هذه واضحة، ولو أن سائلًا سأل عن الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة؟ نقول: حرام، ولو سأل سائل عن الزنا؟ نقول: حرام، أما بعد ذلك المسائل المختلف فيها، فالإنسان يقول ما يظنه صوابًا، والله المستعان.

    أما بالنسبة للغناء، فهو كالكلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.

    أما المعازف فإنها ممنوعة، منع منها النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا الدف في يوم عرس، أو في يوم عيد.

    الواجب على من ترك الصلاة لأكثر من يوم

    السؤال: يقول أنا لم أصلِّ منذ الإثنين الماضي، كيف ألحق ما فاتني من صلاة؟

    الجواب: أولًا: يلزمك التوبة إلى الله عز وجل إذا كنت مقصرًا، والتقصير: أن الإنسان يتغافل عن الصلاة ويتركها، أو التقصير: إنسان يكون مريضاً ويظن أن الصلاة لا تلزمه، هذا يستلزم التوبة والقضاء، أما إذا كنت في غيبوبة مغمىً عليك، فلست مطالبًا بالقضاء؛ لأن مناط التكليف هو العقل، والعقل غير موجود.

    هذه إجابات مختصرة على أسئلتكم، وأعتذر إليكم عن التفصيل؛ لأن الوقت قد ضاق.

    أسأل الله عز وجل أن يجعل هذه الكلمات نافعة لي ولكم، وأن يجعلها لنا جميعًا في صحائف الحسنات، والحمد لله في البدء والختام، وصلى الله وسلم وبارك على خير الأنام، وآله وصحبه الأعلام.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.