إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآيات [23-26]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القذف -كما هو معلوم- كبيرة من الكبائر يستحق صاحبه العذاب في الدنيا والآخرة، وقد بين الله عز وجل في سورة النور أن المنافقين الذين يؤذون المؤمنين، ويرمون المحصنات لعنوا في الدنيا والآخرة، كما أخبر أن أيمانهم الكاذبة وخداعهم لن ينفعهم في الآخرة، ثم ختم الله عز وجل الآيات بالشهادة لأم المؤمنين عائشة بأنها طيبة، وأنها بريئة مما يقول المنافقون

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:23-26].

    فهذه الآيات المباركات جاءت في ختام الحديث عن قصة الإفك، التي ابتلى الله بها عبده ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وعباده الصالحين من أمثال عائشة و أبي بكر و أم رومان و صفوان بن المعطل رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقد بين ربنا جل جلاله فيما مضى من الآيات أن هذا حديث مختلق، مؤتفك، مكذوب، وأن عائشة رضي الله عنها بريئة مما قال أهل الإفك.

    جزاء من يرمي المحصنات

    قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]، وقد بين ربنا جل جلاله فيما مضى جزاء من يرمي محصنة في الدنيا، فقال سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[النور:4].

    وهاهنا يبين جل جلاله ما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة، قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: وهذا محمول على ما لو أنهم لم يتوبوا، يعني: من قذف ثم لم يتب، فإنه يجمع له بين عذاب الدنيا والآخرة، أما من تاب فإن الله عز وجل يتوب على من تاب، وقال بعض أهل التفسير: هذه الآية مخصوصة بأهل النفاق، من أمثال عبد الله بن أبي ابن سلول ، فإنه لعنه الله قد رمى أم المؤمنين ومعها صفوان ، وهو مستحل لذلك؛ من أجل أن ينفس عن مكنون صدره، وما يحمله من حقد تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا غرو أن يجمع الله له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

    وقال القرطبي رحمه الله: لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا ، في الدنيا بما يكون لهم من جلد الظهور، ورد الشهادة، والوصم بالفسق، والاستيحاش من إعراض المؤمنين، فإن المؤمنين يعرضون عنهم، ولا يلتفتون إليهم من باب الزجر والتأديب، لكن يبقى الإشكال في قول ربنا: وَالآخِرَةِ ؛ ولذلك الأقرب والعلم -عند الله تعالى- أن يقال: بأن هذا محمول على من لم يتب.

    معنى الرمي في قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات)

    يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ[النور:4]، تقدم معنا في معنى الرمي أنه يطلق على الرمي بالمحسوس، كالرمي بالحجر، ويطلق على التهمة، ومنه قول القائل:

    رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوي رماني

    رماني بأمر، أي: قذفني وأساء إلي.

    والرمي في هذه الآية كسابقتها مقصود به الرمي بفاحشة توجب حداً، أو نفي النسب، فالرمي هنا مقصود به خصوص القذف.

    معاني الإحصان في القرآن الكريم

    قوله: الْمُحْصَنَاتِ [النور:4]، تقدم معنا الكلام أن الإحصان في القرآن أطلق على ثلاثة معان:

    المعنى الأول: العفة، كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ[النور:4]، بدليل قوله تعالى بعدها: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[النور:4]، والسياق يدل على أن المراد بالإحصان هنا ما كان ضد الفاحشة، وهو العفة.

    المعنى الثاني: الزواج، ومنه قول الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ[النساء:23]، إلى أن قال: والمحصنات من المؤمنات، بمعنى المتزوجات.

    المعنى الثالث: الحرية، ومنه قول الله عز وجل: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ[النساء:25]، أي: نصف ما على الحرائر من العذاب، فالأمة إذا زنت أو العبد إذا زنى فإنه يجلد خمسين جلدة.

    المراد بالغفلة في قوله تعالى: (المحصنات الغافلات)

    قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ[النور:23]، (الغافلات)، أي: غافلات عن الفاحشة، لا يفكرن فيها ولا تخطر لهن على بال، وهذا على سبيل المدح، ومنه قول القائل:

    ولقد لهوت بطفلة ميالة بلهاء تطلعني على أسرارها

    لم يقصد بالبله هنا التخلف العقلي، أو عدم الحضور الذهني، وإنما قصد بالبله هنا ليس عندها ما يكون عند كثير من النساء، من المكر والدهاء وعظم الكيد وما إلى ذلك، ومنه قول الآخر:

    عهدت بها هنداً وهند غريرة عن الفحش بلهاء العشاء نئوم

    رداح الضحى ميالة بخترية لها منطق يسبي الحليم رخيم

    عهدت بها هنداً وهند غريرة، لا يقصد هنا ذمها، وإنما يقصد مدحها.

    فقول ربنا جل جلاله: الْغَافِلاتِ، أي: غافلات عن الفاحشة، لا يفكرن فيها، ولا يلتفتن إليها.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا[النور:23].

    واللعن: الطرد من رحمة الله عز وجل، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ[النور:23]، والحديث الذي رواه الإمام الطبراني : عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة )، والقذف من كبائر الذنوب؛ بنص حديث أبي هريرة في الصحيحين: قال صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]، أما العذاب العظيم في الدنيا فبجلد ظهورهم بمحضر من المؤمنين، كما قال ربنا: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، وفي هذا مهانة لهم وإذلال؛ من أجل أن يتعلموا كف ألسنتهم، ومنع شرهم عن المؤمنين والمؤمنات، وقد أجمع أهل العلم على أن حكم الرجال كحكم الإناث، فقول ربنا جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا[النور:23]، هي في نفس معنى: إن الذين يرمون المحصنين الغافلين المؤمنين، فقذف الرجال كقذف النساء ولا فرق.

    وقال بعضهم: بأن المحصنات هنا وصف للفروج، في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ[النور:4]، أي: يرمون الفروج المحصنات.

    وبعضهم قالوا: وصف للأنفس، أي: والذين يرمون الأنفس المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، وهذا ما يسميه الأصوليون: الإلحاق بنفي الفارق، أي: لا فرق بين قذف مؤمن وقذف مؤمنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)

    قال الله عز وجل: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:24]، يتهدد الله جل جلاله أولئك المنافقين، فيقول لهم: إن أفلتم من عذاب الدنيا؛ لأنكم كنتم ذيالين ميالين، عندكم لحن الخطاب، لا تبينون ولا تفصحون، بل تصلون إلى أغراضكم من طرف خفي، فهناك في الآخرة محكمة قاضيها الله رب العالمين، الذي لا تخفى عليه خافية، محكمة لا تحتاج إلى شهود! ولا تحتاج إلى أيمان، وإنما يشهد على المرء أعضاؤه.

    وقد ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لأصحابه: ( أتدرون مما أضحك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: من مجادلة ابن آدم ربه، إذا بعث يوم القيامة، يقول: يا رب! لا أرضى إلا شهيداً من نفسي، فيختم الله على فيه وتنطق أعضاؤه )، فتشهد عليه هذه الأعضاء، ( فيقول لأعضائه: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل )، فهو في الدنيا كان مهتماً بهذه الأعضاء، فإذا كسرت يده سارع إلى الطبيب، ولربما سافر إلى بلاد بعيدة، وإذا تلفت عينه فإنه ينفق الأموال الطائلة في علاجها، ثم بعد ذلك إذا كان يوم القيامة تشهد عليه، كما قال ربنا جل جلاله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، وقال سبحانه: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ[فصلت:19-21]، ينطق الله جل جلاله هذه الأعضاء مثل ما أنطق الهدهد، فقال لسليمان: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22]، وكما أنطق النملة، فقالت: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، ومثل ما أنطق الحصى، فقد ثبت في الحديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ كفاً من حصى، يقول الصحابة: فسمعنا تسبيحه بين يديه، ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم صبهن في يد عمر فسبحن، ثم صبهن في أيدينا فما سبحن )، ورد هذا من حديث أنس رضي الله عنه، ومثل ما قال الصحابة: ( كنا نأكل الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع تسبيحه بين يديه )، وليس الإعجاز في تسبيح الطعام، أو تسبيح الحجر، وإنما الإعجاز في السماع، وإلا فكل شيء يسبح قال سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[الإسراء:44]؛ ولذلك يوم القيامة هذه الأعضاء تنطق ( فتقول العين: أنا لما لا يحل نظرت، وتقول الأذن: أنا لما لا يحل استمعت، وتقول اليد: أنا فيما لا يحل بطشت، وتقول الرجل: أنا لما لا يحل مشيت، ويقول الملك: وأنا كتبت، ويقول الله: وأنا اطلعت وسترت، ثم يقول للملائكة: خذوه فغلوه ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني )؛ ولذلك يوم القيامة لا تنفعهم الأيمان، قال سبحانه: يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ[المجادلة:18]، فالمنافق في الدنيا كان يحلف يميناً فاجرة، فيحلف بالله أنه ما قذف، وأنه ما قال، وأنه ما فعل، لكن يوم القيامة لا تنفع تلك اليمين، في الدنيا: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة:16]، ولكن يوم القيامة لا ينفعه أن يحلف؛ قال سبحانه: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14]، فنفسك هي التي ستشهد عليك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين)

    قال الله عز وجل: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ[النور:25]، والحق فيها قراءتان: الاولى بالفتح على أنها نعت للدين.

    والثانية بالضم (الحقُّ) على أنها نعت لاسم الجلالة، أي: يوفيهم الله الحق دينهم.

    قوله: يَوْمَئِذٍ[النور:25]، أي: يوم القيامة، يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ[النور:25]، الدين هنا بمعنى الجزاء، ومنه قوله سبحانه: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، ومنه قوله تعالى: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:5-6]، إن الدين، أي: إن الجزاء، وكلمة الدين في لغة العرب بمعنى الجزاء معروفة، ومنه قول العرب: كما تدين تدان.

    حصادك يوماً ما زرعت وإنما يدان الفتى يوماً كما هو دائن

    اعلم يقيناً أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان

    فالدين يطلق بمعنى الجزاء والحساب، فالمعنى يومئذ يوفيهم الله حسابهم وجزاءهم الحق، الذي ليس فيه حيف ولا ظلم ولا جور، كما قال سبحانه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، وكما في قول ربنا جل جلاله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40]، وفي الحديث القدسي -حديث أبي ذر رضي الله عنه- قال الله عز وجل: ( يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ).

    قال تعالى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:25]، يعلمون في ذلك اليوم بأن الله هو الحق المبين، والإمام القرطبي رحمه الله في تعداده أسماء الله الحسنى في كتابه الذي سماه: الأسنى عد (المبين) من أسمائه جل جلاله، وهو جل جلاله المبين؛ لأنه يبين لنا الآيات، ويبين لنا الأحكام، ويبين لنا الحلال والحرام، ويبين لنا دلائل قدرته وبراهين عظمته، وأدلة وحدانيته جل جلاله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين ...)

    ثم يقول سبحانه: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26].

    المراد بالخبث والطيب في الآية

    بعد عتاب شديد، وزجر عظيم، وموعظة بليغة، يختم ربنا جل جلاله الحديث عن قصة الإفك بهذه الآية الجامعة، يبين فيها سبحانه وتعالى أن الخبيثات من الأقوال والأفعال والنساء للخبيثين من الرجال.

    وبعض المفسرين قالوا: (الخبيثات للخبيثين) أي: الخبيثات من النساء للخبثين من الرجال.

    وبعضهم قالوا: الخبيثات من الكلمات للخبيثين من الرجال، لكن الآية تشمل هذا كله، ما كان موصوفاً بالخبث من الأقوال والأعمال والتصرفات والنساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الأقوال والأعمال والتصرفات والنساء.

    والطيبات من الأقوال والأعمال والتصرفات والنساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الأقوال والأعمال والتصرفات والنساء، هذا هو عموم الآية.

    ومعناها: أن عائشة رضي الله عنها طيبة خلقت لمطيب، وأن الله عز وجل أكرم وأعدل وأعز وأجل من أن يجعل زوجة نبيه صلى الله عليه وسلم -الذي هو أكرم الناس وأفضلهم عند الله- خبيثة، حاشاها رضي الله عنها.

    شهادة الله عز وجل ببراءة عائشة

    قال بعض المحققين: إن الله تعالى برأ يوسف عليه السلام بشهادة الصبي، وبرأ مريم عليها السلام بشهادة نبي، ولم يرض في تبرئة عائشة إلا بشهادته هو جل جلاله، فيوسف عليه السلام برئ بشهادة الصبي، الذي قال: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ [يوسف:26-27]، صبي أنطقه الله عز وجل، و مريم لما قال لها بنو إسرائيل : يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ[مريم:27-29]، فأنطق الله ذلك النبي الكريم وهو في المهد صبياً، وبرأ أمه مما نسب إليها.

    وفي شأن عائشة لم ينطق الله صبياً، ولم يأمر نبياً بأن يشهد، وإنما شهد هو جل جلاله بنفسه لـعائشة بأنها طيبة، وكفى بذلك فضلاً، وقد مضى معنا قولها رضي الله عنها: ( فضلت بعشر لم يؤتهن أحد من النساء غيري: لم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، ونزل الملك بصورتي في كفه في سرقة من حرير، وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان الوحي ينزل عليه وهو في لحافي، ونزلت براءتي من السماء، وقبض صلى الله عليه وسلم في بيتي، وكان رأسه بين سحري ونحري، ودفن في بيتي ).

    وهاهنا أيضاً شهادة من الله عز وجل لأمنا عائشة بأنها طيبة، ووعد من الله عز وجل لها بأن لها مغفرة ورزقاً كريماً.

    الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ[النور:26]، الخبيثات من الأقوال، وبعض الناس -والعياذ بالله- لا يصدر منه إلا اللفظة الخبيثة، السيئة.

    وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً فقال: ( مثل الذي يسمع الحكمة ثم لا يعمل بها، كمثل رجل أتى صاحب غنم فقال له: أجزرني شاة، فقال: خذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم )، يعني: واحد يمشي فلقي جزاراً، فقال له: اذبح لنا خروفاً، فقال له الجزار: انظر الأنسب فخذه معك، فيذهب فيأخذ بأذن الكلب الذي يحرس تلك الغنم، هكذا بعض الناس والعياذ بالله، قد تجد بعضهم يسمع لداعية عمره سبعون سنة، أو ثمانون سنة، أنفق عمره في الدعوة إلى الله، يعلم الناس الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ثم بعد ذلك هذا الرجل الكبير في السن الواسع العلم، مرة أخطأ فأورد حديثاً موضوعاً، أو أخطأ في كلمة؛ فتجد الخبيث من الناس يخطف هذا الخطأ، ويبدأ يشيعه ويدندن حوله، ويستوشيه ويجمعه وينميه، حتى إنك تجد الآن بعض الأغرار يشنع على الأئمة الكبار ممن ألف الواحد منهم خمسين كتاباً، ولربما مائة كتاب، وملأ طباق الأرض علماً، لكن وقع له على خطأ أو خطأين، فيبدأ يذيع هذا الخطأ حتى إن بعضهم يتعدى على الأئمة الكبار، يقول لك: أخطأ الدارقطني في كذا وكذا، و الدارقطني خير من ملء الأرض من مثله، وربما هو ما توصل إلى هذا الخطأ بنفسه وإنما توصل إليه غيره، لكنه فرح بهذا، ويبدأ يذيعه في الدنيا، وهذا ينطبق عليه قوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ[النور:26].

    جزاء خبيث القول في الآخرة

    بعض الناس -والعياذ بالله- يستلذ الكلمة الخبيثة، فتجده لا يصدر منه إلا الفحش، وفي الحديث: ( أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى )، وذكر صلى الله عليه وسلم من بينهم: ( رجل تكون منه رائحة خبيثة، رائحته منتنة، فيقول أهل النار: ما بال الأبعد، قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول لهم: إن الأبعد -يتكلم عن نفسه- كان ينظر إلى كل كلمة قذعة خبيثة، فيستلذها كما يستلذ الرفث )، يعني: أنه والعياذ بالله كان يحب الكلام الخبيث، والكلام الدنيء، ويتكلم به بغير حياء.

    الجمع بين قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين ...) وزواج بعض الأنبياء والصالحين بكافرات

    وقوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ[النور:26]، قد مر معنا مثلها وهو قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً[النور:3]، والطيور على أشكالها تقع، وبعض الناس قد يستشكل، فيقول: قد نرى رجلاً طيباً، يتزوج خبيثة؟! وقد نرى خبيثة ينكحها طيب؟! وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا[التحريم:10]، فـنوح ولوط من أطيب الطيبين، وقد كانت زوجتاهما كافرتين خبيثتين.

    وفي القرآن الكريم، نقرأ كذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ[التحريم:11]، وفي السيرة النبوية، نقرأ: بأن أم سليم رضي الله عنها كانت زوجة لـمالك بن النضر الذي هو والد أنس رضي الله عنه، وقد كان كافراً، وشواهد كثيرة تدل على هذا المعنى.

    قال أهل التفسير: الآية خرجت مخرج الأغلب، ولكل قاعدة شواذ، والعبرة بالأعم الأغلب، لا بالشاذ النادر، يعني: غالب الحال أن الخبيثين للخبيثات، وقد يشذ، وغالب الحال أن الطيبات للطيبين وقد يحصل شذوذ هنا أو هناك.

    قال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ[النور:26]، أي: أولئك الطيبون والطبيات، مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ)) أي: مما يقول الخبيثون والخبيثات، طاهروا الأعراض، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [النور:26]، أي: لهم مغفرة تستغرق الذنوب كلها.

    رزق أهل الجنة

    قال الله عز وجل: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26]، نسأل الله أن يجعلنا منهم، لهم رزق كريم، أي: في الجنة، وفي هذا إشارة إلى أن أمنا عائشة رضي الله عنها من أهل الجنة، وثبت في الحديث الصحيح: ( أنها قالت: يا رسول الله! من من أزواجك في الجنة؟ قال: أنت منهن )، فشهد لها صلى الله عليه وسلم بأنها من أهل الجنة، فقوله: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26]، أي: رزق كريم في الجنة، من المطاعم والمشارب والملابس، فأهل الجنة لهم فيها كما قال ربنا: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، وقال الله تعالى: ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )، وقال الله عز وجل: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً[البقرة:25]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أدنى أهل الجنة منزلة من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفتان: واحدة من ذهب وأخرى من فضة، في كل واحدة لون من الطعام ليس في الأخرى، يأكل من آخره مثل ما يأكل من أوله، يجد لآخره من اللذة ما لا يجد لأوله )، هذا أدنى رجل من أهل الجنة، ومعناه أن الوجبة الواحدة فيها عشرون ألف صنف (يأكل من آخره مثل ما يأكل من أوله) ونحن جرت عادتنا في الدنيا أن الإنسان لو وجد بين يديه سمكاً ولحماً ودجاجاَ وكفتة وغير ذلك من الطعام، فإنه يأكل خمس دقائق، ثم بعد ذلك يبدأ فمه يكل، وبطنه تمل، وفي الأخير، بعدما كان الطحن يسمع له وئيد وضجيج، يبدأ يخف بعد ذلك قليلاً قليلاً، يقال له: خذ هذا، فيقول: والله لا أستطيع! يحصل هذا بعد دقائق معدودة فقط، وهذا حال الذين عندهم غرض من الدنيا، وعندهم هم في الحياة، أما الذين ليس عندهم ذلك فإنهم يكتفون بلقيمات.

    والإنسان في الدنيا لا يجد لآخر الطعام اللذة التي كان يجدها في أوله، أما في الجنة فإنه يجد لآخره من اللذة ما لا يجد لأوله، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

    ثم بعد ذلك الشراب، كما قال ربنا: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ[محمد:15].

    وأما الثياب، فالديباج والسندس والإستبرق مما نطقت به آي القرآن قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23]، هذا كله مما يرزقه أهل الجنة.

    ومما يرزقون في الجنة: الحور العين، كما أخبر نبينا الأمين صلوات الله وسلامه عليه، ( حور: بيض، عين: واسعات العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها، شفر الحورية منهن بمنزلة جناح النسر، يدخل المؤمن على الواحدة منهن في خيمة مجوفة من لؤلؤ، على سرير من ذهب، كلما أتاها وجدها بكراً، تقول له: والله ما في الجنة شيء أطيب ولا أحسن منك، فهن بيض الوجوه، خضر الثياب، صفر الحلي، ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير كبدها له مرآة، وكبده لها مرآة، يرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم ) وصدق الله حين قال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26].

    حكم من قذف أم المؤمنين عائشة أو غيرها من زوجات رسول الله

    قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله: وبعد نزول هذه الآيات أجمع أهل العلم على أن من قذف أم المؤمنين عائشة فهو كافر، واختلفوا في سائرهن، أي: في بقية أمهات المؤمنين، من قذف سودة أو أم حبيبة أو أم سلمة أو زينب بنت جحش أو صفية بنت حيي أو جويرية بنت الحارث أو ميمونة بنت الحارث رضوان الله على الجميع، قال: والصحيح أنهن كهي، أي: أنهن كـعائشة ؛ لأنه يشملهن قول الله عز وجل: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[النور:26]، فلا خلاف بين المسلمين أن محمداً صلى الله عليه وسلم أطيب الطيبين، ومعاذ الله أن يجعل في أزواجه خبيثة بل كلهن طيبات مطيبات.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    الحلف كذباً على الزوجة

    السؤال: هل يجوز الحلف كاذباً على الزوجة؟

    الجواب: لا يجوز. الحلف بالله كذباً، هذه يمين غموس؛ لكن يجوز الكذب على الزوجة، ويجوز للزوجة أن تكذب على زوجها في الثناء، وفي المدح، وليس في سلب الحقوق، فلا مانع من أن الرجل يقول للزوجة: أنت جميلة، وأنت بهية، وطلعتك كطلعة القمر ونحو ذلك، ولا مانع من أن الزوجة تكذب على زوجها بأنك شجاع وأنك كريم، وهي تعرف أنه بخيل، وأنه جبان رعديد! لكن هو يمدحها وهي تمدحه، لا مانع من هذا؛ ولذلك قال علماؤنا: لو أن الإنسان حلف بالله لزوجته أنها أجمل من القمر، ما كذب! لأن الله قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، فلا مانع من هذا إن شاء الله.

    وبهذا تطيب الحياة الزوجية، والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائماً يطيب قلوب أزواجه، حتى أنه أحياناً على ضيق وقته صلى الله عليه وسلم كان يجلس فيسمع لهن؛ ولذلك السيدة عائشة لما قالت له: ( جلس إحدى عشرة نسوة في الجاهلية وتعاقدن وتعاهدن ألا يكتمن من خبر أزواجهن شيئاً )، جلس الرسول صلى الله عليه وسلم واستمع لها، بينما الآن الواحد منا لو قالت له زوجه: جاءتني من جاراتي إحدى عشرة جارة وتكلمن بكلام، وأنا أريد أن أقص عليك ما قلن، فإن البعض يقول: اللهم اغفر لها وأرحني منها! تقعد تحكي لك كلام إحدى عشرة امرأة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس واستمع لـعائشة فقالت: ( قالت إحداهن: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل -يعني قالت: زوجي قبيح الظاهر والباطن- وقالت الأخرى: زوجي العشنق -يعني: الأحمق- إن أسكت أعلق، وإن أنطق أطلق!

    وقالت الثالثة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث )، يعني: لما يأكل يخلط الصحن كله! ولما يشرب يشفط الزير كله، وإذا اضطجع من نزول البرد فيه يبدأ يأخذ اللحاف كله، لا يدع لها شيئاً.

    (ولا يولج الكف ليعلم البث) يعني: عمره ما يقول لها: كيف حالكم؟ همه فقط أن يأكل ويشرب وينام، وهذا الصنف موجود.

    ( وقالت الرابعة: زوجي عياياء طباقاء، كل داء له داء -أي: أي مصيبة في الدنيا فهي لابثة فيه- شجك أو فلك أو جمع كلاً لك ) يعني: يضربها، يفتح لها رأسها، أو يضربها بكفه، أو يجمع لها بينهما!

    ( وقالت الخامسة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة -يعني زوجها معتدل المزاج- وقالت السادسة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، كثير الرماد، قريب البيت من الناد )، يعني: زوجها كريم، ورماده كثير، والرماد كناية عن إشعال النيران..

    إلى أن قالت الأخيرة: ( زوجي أبو زرع ، فما أبو زرع ؟ أناس من حلي أذني -يعني: أن الحلي ملأ أذنيها- وملأ من شحم عضدي، وبجحني حتى بجحت إلي نفسي، فعنده أقول فلا أقبح، وأشرب فأتقمح، وأنام فأتصبح -يعني: أراحها في الأكل والشراب والنوم، يأتي لها بخادمات- أم أبي زرع فما أم أبي زرع ؟! كومها رداح، وبيتها فساح، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ؟! طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها وغيظ جارتها، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع ؟! مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة كنت لك كــأبي زرع لـأم زرع ، غير أني لا أطلقك )، والشاهد من هذا الكلام أن حسن المعاشرة مطلوبة.

    والكذب مطلوب أحياناً، أما الحلف فلا، وحديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها، قالت: ( ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص للكذب مما يقول الناس، إلا في ثلاثة مواضع: في الحرب، وإصلاح ذات البين، وكلام الرجل لامرأته، وكلام المرأة لزوجها ).

    سبب سب الشيعة لعائشة رضي الله عنها

    السؤال: مع ما في هذه الآيات من الدلالة الواضحة على فضل أمنا عائشة رضي الله عنها، لا يزال الشيعة يلعنون السيدة عائشة ، فما وجه لعنهم؟

    الجواب: لعن الله من لعن عائشة ، لا يوجد أي وجه، لكنه الضلال والعياذ بالله، كما أن النصارى واليهود يسيئون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير وجه مبرر للإساءة؛ وإنما هو الضلال، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ[الأنعام:112]، وقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ[الفرقان:31]، وكذلك أولياء الله، من أمثال أبي بكر و عمر و عثمان و علي و عائشة .. وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين، لهم أعداء من شياطين الإنس والجن؛ فلا يستغرب هذا منهم، وقد قال ربنا: قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[آل عمران:118].

    نصيحة لمن تاب من قول الغناء ولا يزال يستمع إلى المطربين

    السؤال: يقول: أنا -والحمد لله- هداني ربي، وقد كنت فناناً مطرباً، والآن أصبحت - الحمد لله - لا أصافح النساء، وأفعل ما يوفقني له الله؛ لكني ما زلت أستمع الأغاني، وتحديداً الموسيقى والألحان من المطربين، وأيضاً أحب مشاهدة الأفلام الأمريكية وأتجنب رؤية النساء العاريات، فما نصيحتك؟

    الجواب: والله! يا أخي! أسأل الله أن يتوب علي وعليك وعلى السامعين وعلى المسلمين أجمعين، ويا أخي! أنت على خير إن شاء الله، طالما أنك تركت منكراً كنت تفعله، سل الله أن يعافيك من بقية المنكرات، والآن البدائل موجودة، اسمع القرآن ففيه أطيب الطرب، والإنسان يطرب له، وخاصة إذا سمعه من صوت حسن؛ ولذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع إنساناً يغني، قال له: لو كان هذا بكتاب الله، يعني: صوتك يستحق أن يكون في القرآن.

    وقضية أنك تسمع للمطربين، الأفضل لك أن تسمع الأناشيد الطيبة، والآن قد اخترعوا من المؤثرات الصوتية ما يغني عن الموسيقى والألحان، وممكن أن تغني لوحدك بكلام طيب، فلا مانع لأي إنسان في بيته أن يدندن بكلام طيب، كما كان يفعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم، لما كان عندهم الحداء، ففي طريق السفر، وعند حمل الأثقال في بناء المسجد، وعند حفر الخندق، كانوا ينشدون بعض الأناشيد، وكذلك لما جاء أحد الناس لـعمر رضي الله عنه وهو خليفة، فوجده مضطجعاً على ظهره وقد وضع إحدى رجليه على الأخرى ويدندن، قال له: حتى أنت يا أمير المؤمنين؟! قال له: بلى، إنا إذا خلونا قلنا كما يقول الناس، يعني: لا مانع أنك تغني لوحدك، أما حكاية أنك تسمع للمطربين، فإن الكلمات كما تعلمون أغلبها خبيث، ليس فيها إلا وصف القدود والخدود، وبعض الناس قد يصل إلى حالة -والعياذ بالله- أن تدمع عيناه عند سماع الغناء، أما القرآن فإنه لا يحتمله ولا تدمع عيناه أبداً، ولا يحتمل مجرد السماع، لكن إذا سمع الفنان الذي يطرب له ربما سالت دموعه على خديه.

    فنسأل الله أن يتوب علينا أجمعين، ونحن لا نقول هذا تشنيعاً؛ لكن نقوله من باب وصف الواقع، وكما قيل:

    متى علم الناس في ديننا بأن الغنا سنة تتبع

    وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع

    وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع

    فالغناء ليس طاعة ولا عبادة ولا قربة، والمعازف منهي عنها، وقد ابتلينا بها في هذه البلاد، فقل أن تدخل مكاناً أو دكاناً إلا وتسمع الألحان الصاخبة، نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.