إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآيات [11-14]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصة الإفك مع ما كان فيها من الشر العظيم، إلا أن الله عز وجل ذكر أن فيها خيراً، فمن ذلك الخير: رفع درجات عائشة وأبويها وصفوان رضي الله عنهم، كما أن فيها إظهار معدن المؤمنين الطيبين، كعلي وزينب وأسامة، وفيها كذلك فضح للمنافقين، وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على من ثبت عليه، وإنما لم يقم الحد على ابن سلول لعدم ثبوت البينة الشرعية عليه، وقد عفا الله عمن خاض في الإفك من المؤمنين.

    1.   

    ترجمة زينب بنت جحش رضي الله عنها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد أثنت أمنا عائشة رضي الله عنها على زينب بنت جحش رضي الله عنها بأن الله تعالى قد عصمها بورعها، ( لما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة قالت: أحمي سمعي وبصري، لا أقول إلا خيراً ).

    نسب زينب بنت جحش

    ونبدأ هذا الدرس بذكر طائفة من خبر هذه المرأة الصالحة رضي الله عنها؛ فأقول: هي أمنا زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية ، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المرأة الصالحة من بيت طيب مبارك، كلهم من السابقين الأولين، فأخوها أبو أحمد بن جحش ، وأخوها الآخر عبد الله بن جحش ، والثالث عبيد الله بن جحش ، وأختها حمنة بنت جحش ، ويقال عنها أيضاً: أم حبيبة بنت جحش ، وهؤلاء جميعاً هاجروا إلى الله ورسوله، وتركوا الديار والوطن.

    زواجها من زيد بن حارثة

    هذه المرأة زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه في قصة معروفة، وفيها نزل قول ربنا جل جلاله: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ[الأحزاب:37]، وقد عاشت مع زيد حيناً من الدهر، ( وكان زيد يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في فراقها، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له: أمسك عليك زوجك واتق الله ).

    ثم قدر الله عز وجل بينهما فرقة وطلاقاً.

    زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم

    فلما انقضت عدتها قال النبي صلى الله عليه وسلم لـزيد : ( اذهب فاذكرها علي )، فجاء زيد رضي الله عنه وكلم زينب بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدها لنفسه؛ فقالت: ما كنت لأصنع شيئاً حتى أوامر ربي -حتى أستخير- فقامت رضي الله عنها لتصلي، فأنزل الله عز وجل قوله: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليها مباشرة؛ ولذلك كانت تفاخر أزواجه، فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة من الهجرة، وهي بنت خمس وعشرين سنة، وكانت تسامي عائشة رضي الله عنها، أي: كانت تنافسها على الحضوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ( دخل النبي عليه الصلاة والسلام على زينب فسقته عسلاً، فتآمرت عليها عائشة و حفصة ، وقالت إحداهما للأخرى: أينا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على إحداهما فقالت له هذه الكلمة: إني أجد منك ريح مغافير -وكانت رائحة غير مستطابة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن زينب قد سقتني عسلاً، فقالت له: يا رسول الله! جرست نحله العرفط، فقال عليه الصلاة والسلام: والله لا أعود )؛ فأنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1] إلى أن قال موجها الحديث لـعائشة و حفصة : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4].

    ثناء عائشة رضي الله عنها على زينب

    وزينب رضي الله عنها كانت تثني عليها عائشة فتقول: ما رأيت امرأة قط خيراً في الدين من زينب ، أتقى لله، وأوصل للرحم، وأصدق حديثاً، وأعظم صدقة، سوى سورة من غضب كانت تعتريها تسرع منها الفيئة، يعني: السيدة عائشة تقول: زينب ما كان فيها إلا عيب واحد وهو أنها كانت سريعة الغضب؛ لكنها رضي الله عنها كانت سريعة الرضا، كانت سريعة الفيئة، يعني أنها ترجع عن غضبها رضي الله عنها وأرضاها سريعاً.

    فضلها رضي الله عنها وحبها للصدقة

    هذه المرأة الصالحة الطيبة المباركة، كانت صوامة قوامة، عابدة أواهة منيبة، وكانت أسرع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لحوقاً به، وآخر زوجاته لحوقاً به هي أمنا أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة ، فإنها ماتت سنة ستين رضي الله عنها، بعد عائشة بسنتين.

    ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته قال لأزواجه: ( أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً )؛ فكان نساؤه إذا اجتمعن بعد موته عليه الصلاة والسلام يتطاولن الجدار، يعني: يقفن على الجدار يقسن أيديهن، فكانت وفاة زينب سنة عشرين، يعني: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بتسع سنين، وما كانت طويلة اليد؛ بل كانت قصيرة، فعلم أزواجه أن المراد بالطول الصدقة، وكانت رضي الله عنها امرأة صناعة، يعني تصنع بيدها، تدبغ وتخرز وتغزل وتتصدق، فما كانت تنتظر عطاءها، وإنما كانت تصنع بيدها، وتبعث ما تصنع فيباع ثم تتصدق بالثمن.

    وقد بلغ من حبها للصدقة: أن عمر رضي الله عنه أرسل إليها بعطائها؛ فقالت: غفر الله لـعمر ، غيري كان أقدر على قسمته مني، فقيل لها: هذا كله لك، هي ظنت بأن عمر قد أرسل إليها من أجل أن تقسم في أمهات المؤمنين، فقيل لها: بل هذا كله لك، فاستترت منه بثوب، يعني: استترت من هذا المال بثوب، ثم قالت: غطوه، فغطوه، فجعلت تأمر بأن يبعث به في أرحامها وبعض الأيتام.. إلى أن بقي خمسة وثمانون درهماً فدفعت بها إلى من تقسم وهي برزة بنت رافع رحمها الله ورضي عنها، ثم رفعت زينب يديها إلى السماء وقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامك هذا.

    وفاة زينب بنت جحش

    ولما نزل بها الموت رضي الله عنها، قالت لمن معها: إني قد اشتريت كفني، فإن بعث إلي عمر بكفن، فتصدقوا بأحدهما، ثم قالت: إذا دليتموني - يعني في قبري - فإن استطعتم أن تتصدقوا بحقوة إزاري فافعلوا، وما ذلك إلا لحبها للصدقة، حتى الرباط الذي يربط به الكفن، والذي يحل بعدما نضع الميت في لحده، قالت: إن استطعتم أن تتصدقوا به فافعلوا.

    فلما ماتت رضي الله عنها، أرسل عمر منادياً ينادي: ألا لا يخرجن معها إلا ذو محرم، يعني: لا يخرج في جنازتها إلا محارمها، فقالت له أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عن الجميع: يا أمير المؤمنين! أنا أريك شيئاً رأيته في أرض الحبشة وكانت قبل ذلك قد أرته لـفاطمة ، فدعت بأعواد فحنتها ثم غطتها، فقال عمر : ما أكرم هذا وأستره! فجنازة المرأة من أجل ألا يرى حجمها، ولا يعرف تحديد جسدها، فإنه يجعل عليها شيء من فوق، ثم يجعل غطاء؛ لئلا يعرف أنحيفة هي أم سمينة، فلما فعلن ذلك بـزينب ؛ أمر عمر رضي الله عنه منادياً ينادي: أيها الناس! أن اغدوا على جنازة أمكم، يعني: أمر الناس بأن يخرجوا.

    ثم أرسل عمر إلى أمهات المؤمنين: من ينزل معها في قبرها؟ فقلن له: انظر من كان يطلع عليها في حياتها فلينزل في قبرها، وكان عمر يحب أن يلي ذلك بنفسه، لكنهن رضي الله عنهن أفتين بأن الذي يدليها في قبرها، وينزل معها في لحدها هم محارمها، من كانوا يطلعون عليها في حال حياتها.

    وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة عشرين، وهي أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لحوقاً به.

    أما تفسير هذه الآيات فقد اتضح بما مضى ذكره من الحديث الثابت في الصحيحين من رواية علقمة بن وقاص و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود و سعيد بن المسيب ، وقد نقل ذلك عنهم الإمام ابن شهاب الزهري رحمه الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ...)

    يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ[النور:11]، الإفك هو الكذب، بل هو أقبح الكذب وأشنعه؛ وسمي إفكاً لأن فيه قلباً للحقيقة، ومنه سمى الله عز وجل قرى قوم لوط بالمؤتفكات؛ لأن الله قلبها.

    قوله تعالى: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، (عصبة) خبر (إن)، والعصبة: الجماعة من العشرة فما فوق، وقيل: بل من العشرة إلى الأربعين (منكم) أيها المسلمون.

    وقد مضى معنا الكلام في أن الحد قد أقيم على ثلاثة، وهم: حسان و مسطح و حمنة ، أقيم الحد على رجلين وامرأة.

    قال الله عز وجل: لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[النور:11]، قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله: الشر ما زاد ضرره على نفعه، والخير ما زاد نفعه على ضرره، وإن خيراً لا شر معه الجنة، وإن شراً لا خير معه النار، يعني: أي شيء في الدنيا ففيه جانبان من الخير والشر، ولكن أحدهما يرجح على الآخر، قال الله تعالى: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[البقرة:219].

    وحدث الإفك كان فيه شر عظيم، فإن عائشة رضي الله عنها زاد مرضها، وكانت تبكي بالليل والنهار حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وقد عصر الألم قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه كلما تذكر هذا الأمر تفيض عيناه، وكان يتألم، ويقول: ما رمينا بهذا في الجاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟! وصفوان بن المعطل رضي الله عنه تألم ألماً شديداً، حتى إنه لما لقي حسان ضربه بالسيف ففلق هامته، وقال له:

    تلقَّ ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر

    قال له: أنت تشتمني بالشعر، وأنا لا أعرف الشعر، أنا أعرف الضرب بالسيف، فلببه قوم حسان وجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوهب من حسان تلك الضربة، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـحسان : اعف، والأمر لم يكن قد اتضح حينئذ.

    وجوه الخير في حادثة الإفك

    فالمقصود أن المسألة كان فيها شر قال الله عز وجل: لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[النور:11]، فما هي وجوه الخير؟

    أولاً: رفع درجات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: تكفير السيئات والخطيئات عن عائشة وأبويها و صفوان عليهم جميعاً من الله الرضوان.

    ثالثاً: إظهار معدن المؤمنين الطيبين من أمثال أبي أيوب و أم أيوب وغيرهم ممن كفوا ألسنتهم وعصمهم الله بدينهم.

    رابعاً: إظهار خبيئة المنافقين الكذابين الدجالين، وعلى رأسهم عدو الله ابن سلول .

    خامساً: نزول هذا التشريع العظيم الذي أدبنا الله عز وجل به أعظم التأديب؛ ولذلك الزمخشري رحمه الله قال: ما ورد في حديث الإفك من العتاب الشديد والتأنيب الغليظ لم يقع مثله، ولا لعبدة الأوثان، قرع الله عز وجل الخائضين تقريعاً عظيماً؛ ولذلك هاهنا يقول: لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ[النور:11]، يقال: كسب في الخير، واكتسب في الشر؛ ولذلك الله عز وجل قال: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ[البقرة:286]، قالوا: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وقالوا: الخير يقال فيه: كسب؛ لأنه موافق للفطرة؛ فالإنسان لا يتكلفه، ولا يعاني فيه، بينما الشر والعياذ بالله؛ -لأنه يخالف الفطرة ويخالف الناموس الذي أقام الله عليه الكون وفيه نوع تكلف وعناء- يقال فيه: اكتسب؛ ولذلك حتى في طبائع الحيوان، الآن لو أن هرة أعطيتها قطعة من لحم أو قطعة من خبز فيه إدام؛ فإنها تجلس إلى جوارك مطمئنة وتأكل، لكن بعد ذلك لو أنها خطفت، فإنها تولي مدبرة، والإنسان أيضاً إذا نظر إلى زوجه ينظر نظر المطمئن، لكنه لو نظر إلى ما حرم الله فإنه ربما امتقع لونه، وربما تغير حاله، وربما بدأ يسارق النظر، يخشى من أن يطلع عليه أحد؛ ولذلك دائماً الشر يقال فيه: اكتسب.

    قوله: مِنْ الإِثْمِ [النور:11]، الإثم والخطيئة والذنب مترادفات.

    المتولي كبر الإفك

    قال الله عز وجل: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ[النور:11]، (كبره) أي: عظمه وأكثره، قوله: مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول عليه لعنة الله، وهو الذي كان ينميه ويستوشيه، يجمعه ويفرقه، وهو الذي نطق بالإفك أول ما نطق، حين قال: زوجة نبيكم تبيت مع رجل غريب، والله ما نجت منه ولا نجا منها، هذا الخبيث توعده الله بعذاب عظيم، والعذاب العظيم بينه ربنا في قوله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ[النساء:145]، وفي قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً [النساء:140]، وفي قول الله عز وجل: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً[التوبة:84]، فهذا الخبيث من شؤمه أنه ما نفعته صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ولا نفعه تكفينه إياه في قميصه عليه الصلاة والسلام، ولا نفعه تفله في فمه من ريقه الشريف عليه الصلاة والسلام، فإنه لما هلك جاء ولده الصالح عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول فقال: يا رسول الله! إن أبي قد هلك، أعطني قميصك أكفنه فيه، لعل الله يرحمه، والنبي عليه الصلاة والسلام من حبه للخير ما اكتفى بأن يعطيه القميص؛ بل ذهب معه وأخرجه من لحده، وكانوا قد أدخلوه فيه ( فأخرجه صلى الله عليه وسلم من لحده، وكفنه في ذلك القميص، وتفل في فمه من ريقه، ثم وضعه ليصلي عليه صلاة الجنازة، فقال عمر : يا رسول الله! إنه عبد الله ابن سلول ، الذي قال كذا وفعل كذا، فقال: دعني يا عمر ! فإن الله خيرني فاخترت، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ[التوبة:80]، والله لأزيدن على السبعين )؛ فأنزل الله قوله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ[التوبة:84]. وبعض المفسرين قالوا: بأن الذي تولى كبره حسان ، ونسبوا ذلك إلى أمنا عائشة ؛ لأنه جاءها رضي الله عنها بعدما كف بصره، فقال بعض الناس لـعائشة رضي الله عنها: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟! لكن هذا قول ضعيف؛ لأن حسان رضي الله عنه وإن كان قد خاض في الإفك، إلا أنه كفر عن ذلك بتوبة، وكان يثني على أمنا فيقول:

    حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

    حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضل

    عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل

    مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل

    فإن كان ما بلغت أني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي

    فكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل

    له رتب عال على الناس فضلها تقاصر عنها سورة المتطاول

    فـحسان رضي الله عنه كان يثني على عائشة ويمدحها، ويكفيه رضي الله عنه منافحته عن رسول صلى الله عليه وسلم، وهجاؤه للمشركين الذين آذوه.

    أما أخبث الأقوال، فهو القول بأن الذي تولى كبره هو علي رضي الله عنه، وهذا قول باطل، والسيدة عائشة رضي الله عنها شهدت، فقالت: كان علي مسلماً في شأني -مسلماً يعني: مفوضاً الأمر إلى الله عز وجل- ما قال كلمة يفهم منها أنه يرميها، وقد مر معنا أنه قال: يا رسول الله! النساء سواها كثير، ولم يضيق الله عليك، وسل الجارية تصدقك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ...)

    قال الله عز وجل: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً[النور:12]، (لولا) حرف تحضيض، يحضنا الله عز وجل إذا سمع الواحد منا عن أخيه أو أخته سوءا أن يظن به خيراً، ينزل أخاه أو أخته منزلة نفسه من نفسه، وهذا في القرآن كثير، قال الله عز وجل: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ[النور:61]، المقصود إخوانكم، قال الله عز وجل: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ[الحجرات:11]، أي: إخوانكم، وقال الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ[النساء:29]، أي: إخوانكم على أحد التفسيرين.

    فهنا قول الله عز وجل: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً[النور:12]، ثناء من ربنا جل جلاله على ما فعله بعض الطيبين، كـأبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ، وذلك أنه لما دخل على زوجه، قال لها: أسمعت ما يقول الناس في عائشة و صفوان ؟ قالت: نعم، وهو والله الكذب، قال: أكنت فاعلته يا أم أيوب ؟! قالت: معاذ الله! قال: فـعائشة خير منك و صفوان خير مني.

    قال تعالى: وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، هذا كذب واضح، وهذا زور ظاهر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ...)

    قال الله عز وجل: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ[النور:13]، يعني: هؤلاء الرامون للطيبين، الباغون للبرآء العيب، الساعون بحديث الإفك، هلا جاءوا بشهود أربعة؟ وهيهات هيهات!

    قال الله عز وجل: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ [النور:13]، (الشهداء) جمع شهيد، أو جمع شاهد، كما قال ربنا جل جلاله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ[البقرة:282]، فالشاهد والشهيد يجمعان على شهود وشهداء، وكلمة الشهادة تطلق على العلم، وتطلق على الحضور، وتطلق على الإخبار بحق للغير على الغير، بخلاف الإقرار فإنه إخبار بحق للغير على النفس.

    وقوله تعالى: فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ ، أي: في حكم الله، لا في علمه، فربما يكون في علم الله صادقاً، فلو أن إنساناً رأى رأي عين رجلاً يزني بامرأة، أو أن اثنين رأيا، أو أن ثلاثة رأوا، ما اكتمل النصاب أربعة، فإنهم كما قال الله: فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ، أي: في حكم الله، هُمْ الْكَاذِبُونَ ، رغم أنهم في نفس الأمر صادقون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم)

    قال الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]، يذكر الله جل جلاله أولئك المؤمنين في مجتمع المدينة بفضله ورحمته، يقول لهم: لولا أن رحمتي سبقت غضبي، ولولا أن فضلي عظيم؛ لأوقعت بكم عذاباً، وأنزلت بكم نكالاً، فإنكم قد آذيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل قد قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ[الأحزاب:57]، لكنه جل جلاله برحمته في هذه الحادثة لم ينزل بهم العذاب.

    وفي قوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ، شبه الله عز وجل انتشار الحديث واستفاضته في مجتمع المدينة، بإفاضة الماء في دلو.

    إقامة الحد على من خاض في عرض أم المؤمنين

    واستدل العلامة ابن عاشور رحمه الله في هذا الموضع على أن الحد ما أقيم على أحد؛ لأن عائشة عفت و صفوان عفا، هكذا قال رحمه الله؛ لكن ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حد رجلين وامرأة، والرجلان هما حسان و مسطح ، والمرأة هي حمنة بنت جحش .

    سبب عدم إقامة الحد على ابن سلول

    ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم حد عبد الله بن أبي ابن سلول ، وذكر العلماء في ذلك عللاً:

    العلة الأولى: أن الحد تطهير للمؤمنين، وابن سلول لا يطهره شيء، كما لو أنك وجدت روثة حمار، أو روثة كلب، فغسلتها بماء زمزم مائة ألف مرة فإنها لا تطهر؟! وكذلك عبد الله ابن سلول لو أقيم عليه الحد ألف مرة فلن يطهره! أما المؤمن الطيب فإنه إذا أصاب في الدنيا حداً من حدود الله، فعوقب به فإنه طهارة له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحدود كفارات لأهلها )، وقال: ( من أصاب من هذه الحدود شيئاً، فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور، فإن لم يؤخذ به في الدنيا فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ).

    العلة الثانية: ما أقام النبي صلى الله عليه وسلم عليه الحد خشية الفتنة، وتأليفاً لقومه؛ وقد ظهرت بوادر الفتنة من سعد رضي الله عنه؛ وذلك أنه لما قال أسيد بن حضير : إن كان منا معشر الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك، غضب سعد وقال: والله لا تستطيع أن تضرب عنقه، وقد علمت بأنه منا معشر الخزرج، فالرسول صلى الله عليه وسلم درءا للفتنة ومنعاً لأسبابها، لم يقم الحد على عبد الله ابن سلول .

    العلة الثالثة: لم يقم الحد مراعاة لولده، فإنه كان من صالحي المؤمنين، ولا يخفى عليكم أن هذا القول لا يستقيم، فإن حدود الله عز وجل تقام على الشريف والوضيع، ويكفينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقة لقطعت يدها )، رضي الله عنها وأرضاها، وحاشاها.

    العلة الرابعة: وهي الأقرب والعلم عند الله تعالى: أنه ما أقام عليه الحد لأنه لم يثبت عليه القذف، فـعبد الله ابن سلول كان خبيثاً، ما كان كـحسان و حمنة و مسطح ، فهؤلاء كانوا يتكلمون بوضوح، وهو كان عنده طرق ملتوية، كان يعرف متى يصرح ومتى يلمح، ومتى يطعن ومتى يهمز، ومتى يلمز كصنيع المحترفين، فالمحترف سواء كان لصاً أو كان قاذفاً فإنه لا يدع دليلاً من ورائه يقام عليه بسببه الحد، وإنما يتبع أساليب ملتوية، فـعبد الله ابن سلول رجل محترف في النفاق، مغموس فيه؛ خاصة وأنه قد جرب فيما مضى أن التصريح يجر عليه وبالاً؛ فإنه لما قال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ[المنافقون:8]، وثبت الكلام عليه قام ولده عبد الله على باب المدينة، لما جاء وأراد أن يدخل، فقال لأبيه: والله لا تدخل حتى تقر بأنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو العزيز، وكان في هذا إذلال أيما إذلال لهذا الخبيث! ولذلك استفاد من هذا الدرس، فلم يصرح بالإفك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ...)

    قال الله عز وجل: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور:15]، قال: (تلقونه بألسنتكم)، والتلقي يكون بالأسماع، لكن الله عز وجل يعاتب المؤمنين في أنهم كانوا سريعي النقل، كأن الواحد منهم ما يتلقى بأذنه وإنما بلسانه.

    ثم قال تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ[النور:15]، والقول لا يكون إلا بالفم؛ لكن دائماً في القرآن إذا قيل: تقولون بأفواهكم، أو تقولون بألسنتكم معناه أنه كذب؛ ولذلك في القرآن يقول الله عز وجل: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ[الكهف:4-5]، وهناك قال عن المنافقين: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ[الفتح:11]، فدائماً إذا ذكر اللسان أو ذكر الفم معناه أن القول كذب.

    وقوله: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً [النور:15]، أي: تحسبونه يسيراً خفيفاً، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15].

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    وضوح أمر ابن سلول في نشر الإفك وعدم إقامة الحد عليه

    السؤال: بعضهم قال في قوله: تَوَلَّى كِبْرَهُ[النور:11]، معنى ذلك أن أمره كان واضحاً، وأن العلل السابقة ليست بقوية، ولا أدري لماذا لم يقم الحد على ابن سلول؟

    الجواب: الذي يقول: بأن الله عز وجل قال: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، معناه أن عبد الله ابن سلول كان موضوعه واضحاً وبائناً، وبالنسبة للقضاء، فالقضاء لا يحكم بأن الأمر واضح، أو غير واضح وإنما لا بد من بينة أو إقرار، فلو أن واحداً من الناس مثلاً قيل عنه: بأنه زنى، ويستفيض هذا بين الناس، وهو معروف بين الناس بأنه زانٍ، فلو جيء به للقاضي، فالقاضي لا يأخذ بالاستفاضة ولا يأخذ بشهرة الخبر بين الناس، القاضي محكوم بالشرع، والشرع يقول: لا سبيل لإثبات الزنا إلا بينة أو إقرار، ومثله أيضاً في السرقة لا بد من بينة أو إقرار، قد يكون هناك لوث، كما يسميه العلماء القضاة، واللوث معناه أن يكون فيه علامات:

    فمثلاً: لو سرق دقيق والدقيق هذا غال، ونجد في بيت فلان مثلاً وهو معروف بأنه فقير فنجد نيراناً توقد وصنع وليمة، فيغلب على الظن أنه هو سارق الدقيق؛ لكن هذا لا يكفي، يمكن أن الله فتح عليه باباً من أبواب الخير.

    فهنا كون عبد الله ابن سلول هو الذي تولى كبره، ما عندنا شك! كونه خبيثاً كذلك، لكن بعد ذلك، هل يثبت عليه بأنه تكلم أمام جماعة من المؤمنين ممن يرضون من الشهداء بقذف عائشة صراحة؟ هذا الذي يتصور بأنه لم يقع منه لشدة خبثه؛ ولذلك أقول: الأقرب -والله أعلم- من هذه العلل الأربعة التي ذكرت: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أقام عليه الحد؛ لأنه لم يثبت عليه القذف، هذا الذي أراه والله أعلم.

    مساعدة والدة الزوجة إذا رفضت الوالدة ذلك

    السؤال: والدة زوجتي تحتاج لمساعدة، ولكن هناك خلاف بينها وبين والدتي، قالت لي والدتي: إذا ساعدتها فلن أسامحك، فماذا أفعل؟

    الجواب: لا، ساعدها يا أخي! ساعدها ولا تخبر الوالدة، فإن الطاعة في المعروف أما إذا كان الإنسان كما هنا يجد مسلماً بحاجة إلى مساعدة، ويمتنع من مساعدته مع كونه مستحقاً لها، فهذا يكون من الخذلان، (والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله)، ساعدها، ولا يوجد داع لتحدي الوالدة! ومثله أيضاً: أحياناً يكون بين الوالد والوالدة خلاف، نظراً لأن الوالد تزوج مثلاً بعدما بلغ من الكبر عتياً، فالأم تجمع الأولاد والأحفاد، وتقول لهم: الذي يساعد المرأة تلك أنا لن أسامحه لا دنيا ولا آخرة، فإنهم يمشون إليها ويطيعون أباهم ويجاملونه، وفي نفس الوقت لا يتحدون أمهم؛ ولذلك الإمام أحمد رحمه الله لما سأله بعض الناس هذا السؤال، قال له: أطع أباك ولا تعص أمك، يعني: أرض الاثنين، وكن رجلاً ذكياً.

    حكم ختان الإناث

    السؤال: لي بنت، هل أختنها؟

    الجواب: نعم اختنها بمعرفة الطبيبة الموثوقة التي لا تحيف ولا تجور، وعندها خبرة وحذق في مهنتها، وإذا ما ختنتها ما عليك شيء، فنحن لا نقول: بأن الختان واجب أو فرض، لكنه سنة وفعله خير من تركه، بالأمس أحد الإخوة أتى بورقة وقد قرأتها، وفيها تلخيص لندوة قدمها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، وذكر فيها أن بعض العلماء يكون عنده اجتهاد فيخفيه خوفاً من الناس، وذكر من ذلك أن أبا زهرة رحمه الله وكان فحلاً من فحول العلم، كان يرى أن حد الرجم منسوخ، وكان يخاف من إظهار هذا الرأي، حتى أظهره في آخر حياته، وذكر عن نفسه هو أي: الشيخ القرضاوي أنه يرى جواز المصافحة يعني: مصافحة الرجل للمرأة بشرطين:

    الشرط الأول: الضرورة، والشرط الثاني: أمن الفتنة، وضرب لذلك مثلاً: بأنه يذهب إلى قريته في مصر، فيأتي بنات العمات وبنات الخالات وبنات الأعمام والأخوال، قال: ويمددن أيديهن، قال: وأنا أصافحهن لكبر سنهن، ولأنه لا يليق أن أردهن، هذا الكلام ليس بالجديد، وهو موجود في كتب أهل العلم، فقد نصوا على أن العجوز المتجالة، التي انقطع عنها إرب الرجال لا حرج في مصافحتها، فلو مثلاً عندك جارة أو عندك زوجة خالك، أو زوجة عمك عمرها خمس وسبعون سنة، فمثل هذه ليست فتنة، ولا يوجد شهوة في مصافحتها؛ لأنها قد تغيرت، وأنت إذا رأيتها تذكرت الآخرة! تتذكر البعث والنشور، وتتذكر أهل القبور، فمثل هذه يقولون بجواز مصافحتها، لكن لا القرضاوي ولا غيره يقول: بأن شابة صغيرة تأخذها ثم تقول: كيف الحال؟ وكيف أنت؟ مرة بعد مرة، كما يفعل الناس الآن! ولا قال القرضاوي ولا غيره يقول: بأنك تسلم عليها في جيدها، وهذا للأسف يفعله البعض مع غير زوجته وكأنها ملك يمينه، يطرح يده في كتفها، وهي كذلك أيضاً، ولا تدري أيهم الرجل وأيتهم المرأة؟!! فمثل هذا ما قال به أحد، ولا يجيزه أحد.

    وبالمناسبة، الشيخ القرضاوي أقواله كلها تجد له فيها سلف، حتى ما يستنكر عليه وما يشنع به عليه تجد له فيها سلف من العلماء الأولين، ونسأل الله أن ينفعنا بعلمائنا وألا يفتنا بهم.