إسلام ويب

ديوان الإفتاء [293]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من يسر شريعة الإسلام أن عفا الله عما صغر حجمه من النجاسات وشق الاحتراز منه، أو ما كثر لكنه يشق الاحتراز منه كدم الحيض وسلس البول.

    1.   

    المعفو عنه من النجاسة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد: إخوتي أخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله أن يرزقني وإياكم علماً نافعاً، وشفاء من كل داء.

    تقدم معنا الكلام في الحلقة التي سبقت عن أعيان طاهرة ربما يشتبه أمرها على كثير من الناس، فمن ذلك: ميتة الحيوان البحري؛ فكل ما كان من دواب البحر فميتته طاهرة، وتقدم الكلام عن الحشرات وكل ما لا نفس له سائلة، وأنه لا ينجس المشروب أو المطعوم، ومثله الشعر والصوف والوبر وكل ما لا تحل فيه الحياة، والآدمي حياً كان أو ميتاً، وكل ما انفصل من الحي آدمي أو غيره سواء كان عرقاً أو ريقاً أو مخاطاً أو دمعاً؛ فهذا كله طاهر، ومثله اللبن والبيض، ومثله سؤر السباع التي ترد علينا ونرد عليها كما قال عمر بن الخطاب رضي لله عنه، فهذه كلها أعيان طاهرة. ‏

    اليسر في دين الإسلام

    أيها الإخوة والأخوات! الواجب أن نعلم أن ديننا مبني على اليسر، كما قال ربنا جل جلاله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] ، وكما قال سبحانه في ختام آية الطهارة المفصلة في سورة المائدة: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، وكما قال سبحانه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( بعثت بالحنيفية السمحة )، قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: ديننا مبني على اليسر لا كما كان من قبلنا، فإن أديانهم مبنية على الشدائد والعزائم، أما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد بُعث بالحنيفية السمحة، ونحن دائماً ندعو الله سبحانه فنقول: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286].

    المقدار المعفو عنه من النجاسة

    ومن هنا جعل الفقهاء باباً في الفقه يقال له: باب المعفوات، فهناك أشياء عفت عنها الشريعة، فمن ذلك: أنه يعفى عن يسير الدم والقيح والصديد إذا أصاب البدن أو الثوب.

    وقد تقدم معنا الكلام في أن الدم المسفوح وما تولد منه من قيح وصديد وسوداء فهذه كلها تُعد من الأعيان النجسة؛ لكن يعفى عن يسيرها، وعلماؤنا المالكية رحمهم الله يقدرون هذا اليسير بما كان دون الدرهم البغلي، أي: ما يوجد من تلك البقعة في ذراع البغل، فأحياناً الإنسان قد يحقن بمادة ما، فيخرج دم من عضوه الذي حُقن، فيصيب الثوب، وقد تكون قطرات يسيرة من الدم، فهذه لا حرج أن يصلي الإنسان بها، ولا تعد نجاسة مؤثرة.

    ويعفى كذلك عن أثر القروح والدمامل، فربما الإنسان يكون في ثوبه قروح وبعض الجروح التي تصيب البدن، وكذلك البثور والدمامل التي تصيب الجسد، ولو أن الإنسان لم يعمد إلى تفجيرها أو تقشيرها، وانفجرت بنفسها فأصابت البدن أو الثوب بدم أو قيح أو صديد، فهذا أيضاً معفو عنه.

    ويعفى كذلك عن أثر الذباب من النجاسة وغيرها، فربما الذبابة أو الحشرة تقف على شيء من النجاسة كالعذرة ونحوها، ثم تأتي فتقف على ثوب الإنسان أو على عمامته مثلاً، فهذا يعفى عنه لمشقة الاحتراز، كما قيل في المياه بأنه يعفى عما يتساقط فيها من ورق الشجر والتبن والعيدان ونحوها لمشقة الاحتراز، فها هنا يعفى عن أثر الذباب من النجاسة ونحوها لمشقة الاحتراز.

    ومثله يعفى عما يصيب الثوب والبدن من المياه التي تكون في الطرقات في فصل الخريف ونحوه، فمعلوم أن هذه المياه غالباً لا تخلو من نجاسة؛ لكنها لو أصابت البدن أو الثوب فإنه يمكن للإنسان أن يدخل فيصلي بلا حرج، وما زال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخوضون في مياه الأمطار، ويصلون ولا يغسلون من ذلك شيئاً.

    ومثله أيضاً يعفى عن ثوب مرضعة وزبال وجزار وكناس؛ لأن المرأة المرضعة في الغالب لا تسلم من بول صغيرها أو نجاسته، فلو أنها اجتهدت واحترزت قدر الإمكان وأصاب ثوبها شيء فإنها تصلي ولا حرج، ولو استطاعت أن تجعل لصلاتها ثوباً مخصوصاً فهذا هو الأفضل والأولى؛ لكن لو أنها ما استطاعت ذلك فـ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .

    ومثله أيضاً الجزار فإنه لا يخلو غالباً من أن يتطاير على ثوبه بعض الدماء ونحوها.

    ومثله أيضاً الطبيب والممرض والمحضر وأمثالهم ممن يشتغلون بمهنة الطبابة؛ فإنهم لا يسلمون من أن يصيب ثيابهم بعض ما يخرج من المريض، لكن هؤلاء جميعاً يعفى عنهم، وقد رأيت بعض من يمتهنون الجزارة يجعل الواحد منهم لنفسه ثوباً أبيض يلبسه حال عمله، ثم إذا أراد أن يصلي خلعه وطرحه، ولا شك أن هذا أولى كذلك في حق الطبيب، لكنه لو لم يستطع فإنه يعفى عنه.

    ومثله أثر السلس إن لازم الإنسان ولو مرة في اليوم، فبعض الناس - عافانا الله وإياكم - قد يصاب بسلس البول، فيخرج منه البول لا إرادياً، بغير إرادة منه، فهذا الإنسان حكمه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، وبعد ذلك لا يضره ما خرج منه، حتى لو أصاب ثوبه.

    ومثله أيضاً دم الاستحاضة؛ فبعض النساء قد تصاب بالنزف، فتكون امرأة نزيفاً، فيخرج منها الدم وهو دم فساد وعلة، لا يترتب عليه ترك صلاة ولا صيام ولا غير ذلك من الأحكام التي تترتب على نزول دم الحيض، فدم الاستحاضة معفو عنه، إذا أصاب الثوب فإنه يعفى عنه لمشقة الاحتراز.

    الأدلة على ما يعفى عنه من النجاسات

    لو أن سائلاً سأل فقال: هذه المعفوات التي ذكرت أنه يعفى عن ثوب مرضعة وزبال وجزار وكناس، ويعفى عما يصيب الثوب من أثر القروح والدمامل، ويعفى كذلك للسلس وللمستحاضة، ويعفى كذلك عن يسير الدم والقيح والصديد، ويعفى كذلك عن أثر الذبابة مما تنقل من نجاسة وغيرها، وكذلك لو أن إنساناً خاض في مياه الأمطار ونحوها مما يكون في الطرقات يعفى عنه، فهذا كله ما الدليل عليه؟

    نقول: الدليل ما مضى من الآيات والأحاديث التي قررت أن الدين مبني على اليسر؛ ولذلك قال علماؤنا في القواعد الفقهية المحكمة التي هي أشبه بالقوانين الكلية التي تندرج تحتها فروع كثيرة: المشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع، ومثله ما قاله صاحب مراقي السعود:

    قد أسس الدين على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر

    بمعنى أن الشيء الذي يشق على الإنسان فإنه يجلب اليسر والسعة، فالأمر إذا ضاق اتسع.

    الوسوسة بالنجاسة

    وهنا رسالة أوجهها لإخواننا وأخواتنا ممن ابتلوا بالوسوسة؛ فأحياناً منهم من إذا أصابت يده بلل، أو جلس على مكان رطب فإنه سرعان ما يسبق إلى ذهنه أن في هذا المكان نجاسة، وأنه لا بد أن يذهب فيغسل ما أصاب بدنه أو أصاب ثوبه، فنقول لهم: يا عباد الله! الأصل في الأشياء الطهارة، وهذا الأصل لا ينتقل عنه إلا بيقين، والواجب علينا أن نحمل حال المسلمين على السلامة؛ لأن بعض الناس لو وقف إلى جوار إنسان في ثوبه بلل؛ فإنه يقول: هذا الإنسان لربما هذا البلل الذي في ثوبه يكون نجاسة؛ فنقول: الأصل الطهارة، والآدمي طاهر مؤمناً كان أو كافراً؛ ولذلك قرأنا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل من طعام يهودية، وأنه ( توضأ من مزادة مشركة )، وأنه صلوات ربي وسلامه عليه ما زال يخالط الكفار ويخالطونه، ولم يكن يغسل من ذلك جسداً ولا ثوباً.

    وتقدم معنا الكلام في أن الإنسان لو تزوج كتابية يهودية أو نصرانية فإنه لا يسلم من عرقها، ولا يسلم من لعابها، ولا يسلم من ريقها، وهذا كله طاهر، فالله عز وجل لما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28] المراد هنا نجاسة الاعتقاد، نجاسة القلب، وليس النجاسة الحسية التي يجب الاحتراز منها.

    مقدار الأعيان النجسة

    خلاصة القول بأن الأعيان النجسة يسيرة معدودة محدودة، وأما الأصل في الأشياء كلها بأنها طاهرة، وما ينبغي للإنسان أن يستجيب لوساوس الشيطان، ومع ذلك يجب على الإنسان المسلم أن يحرص دائماً على طهارة ثوبه، وعلى طهارة بدنه، وعلى طهارة مكانه، قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222] ، وقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:1-4]، وقال لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125] .

    أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من التوابين، وأن يجعلنا من المتطهرين. وأعود لاستقبال أسئلتكم.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: لدي عدة أسئلة:

    السؤال الأول: أريد أن أسأل عن مال اليتيم وآكل لقمة عيش مع يتيم؟

    السؤال الثاني: في سورة الواقعة قال تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة:7] أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، ما المراد بهؤلاء؟

    السؤال الثالث: في سورة الرحمن قال تعالى: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37]، ما المراد بها؟

    الشيخ: تسمع الإجابة إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: عمتنا في عدة الوفاة، وأصيبت بمرض ضغط العين، هل يجوز لها أن تخرج من البيت وتذهب للدكتور وتراجع للعلاج؟

    السؤال الثاني: مدة العدة هل تحسب بالشهور العربية أم بالشهور الميلادية؟

    الشيخ: جزاك الله خيراً.

    المتصل: ما هو تفسير الآية (53) من سورة الأنفال ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]؟

    الشيخ: تسمع الجواب إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: ما حكم صلاة تحية المسجد بعد أذان المغرب مباشرة؟

    السؤال الثاني: لو تُوفي الإنسان ( انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به، أو صدقة جارية )، وبعض الناس يعرف أن هذا الميت رجل صالح فيبني له على قبره قبة، فهل القبة هذه لها علاقة بالصدقة الجارية؟

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: لو أن رجلاً يشتغل في البحر في الباخرة، وعمله دائماً في البحر فهل يمكنه أن يقصر صلاته، أو لا بد أن يتم الصلاة؟

    السؤال الثاني: نحن نعمل في مصلحة حكومية، وفي الصباح نحضر ساعة في حلقة التلاوة، وبعدها نذهب للعمل، فهل جائز في هذا الوقت أن نحضر حلقة التلاوة؟

    الشيخ: خيراً إن شاء الله.

    المتصل: هل الجلوس في بيت الميت يعد من النياحة؟ لأن الناس عندنا يجلسون اليوم الأول واليوم الثاني حتى السابع والخامس عشر في بيت الميت، وقد يكون من الأقرباء، فما الواجب في الشرع؟

    المتصل: رجل متزوج اثنتين؛ واحدة تعمل، والأخرى لا تعمل، ويصرف على التي لا تعمل، ويقول بأن التي تعمل لا تستحق النفقة، فهل هذا صحيح؟

    تحديد وقت ركعتي الشروق

    السؤال: ركعتا الشروق تحديداً تكون في أي ساعة؟

    الجواب: ركعتا الشروق بعد طلوع الشمس بربع ساعة، فمثلاً لو فرض بأن الشمس في يومنا هذا شروقها في الساعة السابعة والربع؛ فركعتا الشروق تكون في السابعة والنصف.

    الغسل في حق من جامع ولم ينزل

    السؤال: إذا جامع الرجل زوجته ولم ينزل، هل يجب عليه الغسل؟

    الجواب: نعم، يجب عليه الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل )، وإن لم ينزل؛ فمجرد الإيلاج يوجب الغسل.

    لبس المرأة حجاباً بدون جوارب

    السؤال: هل يجوز لبس الحجاب بدون لبس جوارب؛ لأن الزوج لا يريد ذلك؟

    الجواب: يجب على المرأة أن تستر قدميها إما بالجوارب، أو بالحذاء الساتر، أو بأن يكون الثوب سابغاً فيغطي ظهور القدمين، رضي الزوج أو لم يرض؛ لأن هذا فرض الله عز وجل، والمفروض بأن الزوجة تبين ذلك للزوج، وأن طاعة الله عز وجل فوق طاعة الزوج.

    المحافظة على الوضوء من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر

    السؤال: أحتفظ بوضوئي من صلاة الفجر حتى صلاة الظهر فهل يجوز هذا؟

    الجواب: لا بأس، هذا جيد، وليس هناك حرج إن شاء الله؛ فقد ثبت ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد ) عليه الصلاة والسلام، فصلى الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد؛ فلو أن الإنسان احتفظ بوضوئه فلا حرج عليه أن يصلي به أكثر من صلاة.

    الدعاء المأثور عند زيارة القبور

    السؤال: ما هو الدعاء المأثور عند زيارة القبور؟

    الجواب: السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام هذا السؤال؛ فقال: ( قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية ) ، وأيضاً في الرواية الأخرى قال: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )؛ فلا حرج أن يقول الإنسان أيهما شاء، ولو زاد على ذلك: ( اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة، أسألك أن تضاعف حسناتهم، وأن تغفر زلاتهم )، فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

    الوفاء بالنذر إن لم يتحقق المنذور لأجله

    السؤال: نذرت إن نجحت أن أصوم ثلاثة أيام ولم أنجح، فهل علي كفارة؟

    الجوب: ليس عليك كفارة ولا عليك شيء، طالما أنك ما نجحت فادع الله عز وجل بالنجاح، وأنصحك بألا تنذر مرة أخرى نذراً مشروطاً، يعني: لا تقل: إن نجحت سأفعل كذا، ففي الحديث: ( لا تنذروا فإن النذر لا يغير من قدر الله شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل ) .

    الأكل من مال اليتيم

    الشيخ: الأخت بثينة سألت عن مال اليتيم، وأقول: مال اليتيم الله عز وجل قد أمرنا بحفظه وحياطته، ونهانا عن الاعتداء عليه أو أكله فقال سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الإسراء:34] ، وقال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] ، وأمرنا جل جلاله بأن نثمر مال اليتيم، وأن نعمل له فيه حتى إذا بلغ أشده دفعنا إليه هذا المال مع الإشهاد، وإذا كان ولي اليتيم غنياً فإنه يستعفف ولا يأخذ منه شيئاً، أما إذا كان فقيراً فإنه يأكل منه بالمعروف في مقابل عمله فيه، وهذا الذي يحفظ مال اليتيم، ويسعى في تثميره موعود من الله عز وجل بالجزاء الحسن والأجر الكبير، والذي يأكل مال اليتيم ويعتدي عليه موعود بالنار -والعياذ بالله- كما قال ربنا جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    المراد بقوله تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة)

    الشيخ: أما السؤال عن قول ربنا جل جلاله في سورة الواقعة: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:7-10]، فقد بين ربنا جل جلاله بأن الناس يوم القيامة ينقسمون إلى فرق ثلاثة، وقد أعاد هذه القسمة في خواتيم السورة فقال سبحانه: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة:88-94].

    فالمقربون السابقون، وهم من كانوا في الدنيا سابقين بالخيرات، مسارعين في الطاعات لا يقتصرون على الفرائض والواجبات؛ بل يأتون بالسنن والمستحبات، فهؤلاء هم السابقون المقربون.

    دونهم أصحاب اليمين وهم من كانوا في الدنيا مقتصدين، فكانوا مسارعين لأداء الواجبات والإتيان بالفرائض المكتوبات، وكانوا مجتنبين للمحرمات.

    أما -والعياذ بالله- أصحاب الشمال وهم المكذبون الضالون، أو من كانوا مقصرين في الواجبات والفرائض المكتوبات، وقد أقدموا على فعل المحرمات والمنكرات، فالله جل جلاله بين جزاء كل فريق، وهذا إنفاذ لعدله جل جلاله، كما قال سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] ، وكما قال سبحانه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

    معنى قوله تعالى: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)

    الشيخ: أما قوله سبحانه: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37] فهذا تصوير لما يكون يوم القيامة كما قال سبحانه في آية أخرى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48]، وكما قال سبحانه: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1]، وكما قال سبحانه: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير:1-13] ، فيوم القيامة تتغير فيه أحوال هذا العالم، وهذه السماء التي كانت صافية زرقاء يتحول حالها ويتكدر لونها حتى تصير وردة كالدهان.

    خروج المعتدة من بيتها للتداوي

    الشيخ: أما أخونا صلاح الدين أحمد فقد سأل عن امرأة معتدة قد أصيبت بضغط العين، وهي محتاجة إلى الذهاب إلى الطبيب، فنقول: لا حرج أن تذهب إلى الطبيب إن شاء الله، ثم ترجع فتلزم بيتها؛ لأن المرأة المعتدة إذا ألجأتها الضرورة أو الحاجة إلى الخروج من بيتها فلا حرج عليها، فقد تحتاج المرأة المعتدة للذهاب إلى الطبيب، وقد تحتاج المعتدة إلى مباشرة بعض الأمور بنفسها إذا لم يكن هناك من يقوم بذلك نيابة عنها؛ فلا حرج عليها في ذلك إن شاء الله.

    حساب العدة بين الشهور القمرية والميلادية

    السؤال: هل فترة العدة تحسب بالشهور الهجرية أم بالشهور الميلادية؟

    الجواب: نقول: لا تحسب بالأشهر الشمسية؛ بل بالشهور الهجرية؛ لأن العدة عبادة فيها حق لله عز وجل، وكل عبادة عندنا معشر المسلمين فإنها مرتبطة بالشهور القمرية؛ ولذلك نحن نصوم بالشهور القمرية، فنصوم رمضان بالشهر القمري، سواء وافق صيفاً أو شتاء أو خريفاً، وكذلك الفطر يكون بالشهور القمرية، وكذلك الحج بالشهور القمرية، وحول الزكاة بالشهور القمرية، وعدة المرأة من الوفاة بالشهور القمرية.

    المراد بقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم ...)

    الشيخ: أختنا سين من بحري سألت عن تفسير قول ربنا الرحمن الرحيم في سورة الأنفال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53] ، وهذه الآية معناها بأن الله عز وجل منعم متفضل، كريم حليم، لا يغير النعمة التي أنعم بها على عبد من عباده إلا إذا غير العبد ما بنفسه، بمعنى أن العبد إذا انتقل مما يحبه الله إلى ما يبغضه الله، إذا انتقل مما يرضي الله إلى ما يسخط الله، إذا انتقل عن تقوى الله إلى معصية الله؛ فإن الله عز وجل يغير النعمة عليه، كم من إنسان كان موفور العافية، وكان مصون الكرامة، محفوظ العرض؛ فلما انبعث في المعاصي ولم يشكر نعمة الله عليه، بدلت هذه النعمة - والعياذ بالله تعالى - وتغير الحال؛ ولذلك كان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجاءة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك )؛ فالإنسان إذا كان عنده نعمة من النعم كنعمة العافية، أو نعمة المال، أو نعمة السعة، أو راحة البال، أو غير ذلك من النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، ولا ينبغي أن يعتقد الإنسان بأن هذا شيء مستحق، وأنه دائم لا يزول؛ بل النعمة معرضة للزوال متى ما تخلف شرطها وهو الشكر، قال الله عز وجل: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، فالشكر يستبقي النعمة الموجودة ويستجلب النعمة المفقودة، والكفر - والعياذ بالله - يذهب النعمة الموجود، ولا يأتي بالنعمة المفقودة؛ فهذا هو معنى قول ربنا جل جلاله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، وفي الحديث: ( لا ينتقل عبد مما أُحب إلى ما لا أُحب إلا انتقلت له مما يحب إلى ما لا يحب ).

    الركعتان قبل المغرب

    السؤال: أخونا أحمد سأل ما حكم الركعتين بعد أذان المغرب؟

    الجواب: هي سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا قبل المغرب -ثلاث مرات- ثم قال: لمن شاء )، وكذلك لو أن إنساناً أراد أن يصلي تحية المسجد بعد المغرب فإنه سنة، ولا حرج عليه في ذلك إن شاء الله.

    اعتبار بناء القباب على القبور صدقة جارية

    الشيخ: أما سؤالك عن القباب يا أخانا! فإن أولي الألباب يعلمون أن القباب ليست صدقة جارية؛ فإنه لا نفع فيها، فما الذي يستفيده الناس من قبة تقام على ميت، ولو كانت فضية أو ذهبية كما في بعض البلاد -نسأل الله العافية- يقولون: قبر فلان من الناس عليه مقصورة فضية، أو قبة ذهبية بكذا وكذا، فما الذي استفاده الناس من هذا الإسراف المذموم.

    فنقول: هذه معصية ظاهرة، وبدعة مقيتة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن تجصيص القبور، ونهى عن تعليتها، ونهى عن البناء عليها )، وبعث علياً رضي الله عنه وقال له: ( لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها ) ويعني بالصور هنا التمثال.

    فنقول: يا معشر المسلمين! إذا أراد الإنسان أن ينفع الميت فليحرص على الصدقة الجارية، كبئر يحفرها، أو مصاحف يوقفها، أو أشرطة يطبعها، أو مسجد يشيده، ونحو ذلك مما يعود نفعه على الناس.

    قصر الصلاة لمن يعمل في البحر

    الشيخ: الأخت هدى من الأزهري سألت عمن يعمل في البحر كيف تكون صلاته؟

    فنقول: يا أختنا! العلة السفر، فمتى ما كان الإنسان مسافراً فله أن يأخذ برخص السفر، ومن رخص السفر قصر الصلاة الرباعية، فالظهر والعصر والعشاء تصلى ركعتين، ومن رخص السفر الفطر في نهار رمضان، ومن رخص السفر كذلك ترك السنن الرواتب، كسنة الظهر والمغرب والعشاء، أما سنة الصبح فلا تترك سفراً ولا حضراً؛ لأن نبينا عليه الصلاة والسلام ( ما تركها في سفر ولا حضر )؛ فلذلك نقول: المسافر في البحر كالمسافر في البر، له أن يستفيد من هذه الرخص، والله جل جلاله ( يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) .

    افتتاح العمال يومهم بحلقة قرآن في مقر العمل

    الشيخ: أما حلقة التلاوة أثناء العمل فنقول: هذا شيء طيب إذا لم يكن يؤثر على العمل، لأنه قد جرت العادة في بعض المصالح بأنهم يفتتحون يومهم بحلقة تلاوة قد تستمر ساعة، وهذا افتتاح طيب شريطة ألا يؤثر على مصالح الناس؛ فإن الله تعالى لا يقبل منا أن نجلس في حلقة تلاوة من الثامنة إلى التاسعة، والناس ينتظرون في الشمس أن تفتح الأبواب، وأن تيسر الأسباب، وأن تقضي الحوائج؛ بل قضاؤنا لحوائج الناس أحب إلى الله من هذه التلاوة، فإن السعي في مصالح المسلمين أحب إلى الله من الاعتكاف، وأحب إلى الله من التلاوة، وأحب إلى الله من صلاة النافلة؛ لأن ما كان متعدياً نفعه أحب إلى الله مما كان نفعه قاصراً.

    كيفية غسل الميت

    السؤال: أرجو شرح كيفية غسل الميت؟

    الجواب: أولاً: قبل أن أذكر غسل الميت، وهذا قد ذكرته فيما مضى، أقول: يا عباد الله! لا يغسل النساء إلا النساء، ولا يغسل الرجال إلا الرجال، وهذا الكلام أكرره؛ لأن ناساً يخطئون، فربما تموت فتاة فيدخل يغسلها أبوها وجدها وعمها وكذا، باعتبار أنهم محارم، ولربما يموت رجل فيغسله نساء، وإن كان هذا الثاني قليلاً؛ لكن نقول: هذا خطأ وهذا خطأ، فلا يغسل الرجال إلا رجال، ولا يغسل النساء إلا نساء إلا الزوجين فإنه يجوز للرجل أن يغسل امرأته؛ بل هذا هو الأقرب للسنة، ويجوز للمرأة أن تغسل زوجها؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام قال لـعائشة : ( ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك )، و عائشة رضي الله عنها تقول: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نساؤه ). و علي رضي الله عنه غسل فاطمة ، و أبو بكر غسلته زوجته أسماء بنت عميس ، رضوان الله على الجميع؛ فأولى الناس بتغسيل الرجل زوجه، وأولى الناس بتغسيل المرأة زوجها، ثم بعد ذلك الأولياء الأقرب فالأقرب.

    لكن لا بد من اتحاد الجنس؛ وهو أن يغسل الرجال الرجال، والنساء النساء.

    ثانياً: لا يدخل حال تغسيل الميت إلا من تدعو الحاجة إلى وجوده، وأقصى ذلك أن يكونوا أربعة، فلا يدخل حال تغسيل الميت عشرة ولا ثمانية وإنما أربعة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفاه الله غسله أربعة: العباس عمه و الفضل ابن عمه و علي و صالح مولاه رضوان الله على الجميع.

    أما غسل الميت فيكون بتجريده من ثيابه إلا ما يستر عورته، ثم بعد ذلك نجلس الميت نصف جلسة ونعصر بطنه بضغط رفيق، أي: نضغط على بطنه ضغطاً رفيقاً من أجل أن يخرج ما فيها، ويستر الغاسل يده بشيء، إما أن يكون بخرقة، وإما أن يكون بالقفاز؛ فيباشر تنظيف عورة الميت، قبلاً ودبراً، ثم بعد ذلك يوضئه وضوء الصلاة، ثم يغسله غسلة أولى بالماء القراح، أي: بالماء الذي ليس معه شيء، فيبدأ برأسه، ثم ميامنه، ثم مياسره، ويقلبه ظهراً لبطن، أو يجعل الميت على جنبه من أجل ألا يقلبه، فيثبته بعضهم ويباشر الآخر صب الماء، ويباشر الثالث دلكه، فهذه الغسلة الأولى تكون بالماء الصافي.

    وأكرر بأنه لا بد من أن تستر المنطقة التي ما بين السرة والركبة، وإذا أردنا أن نغسلها فإن الغاسل يدخل يده من تحت هذا الساتر أو ذاك الغطاء.

    الغسلة الثانية: أن يكون مع الماء صابون أو سدر، أو غير ذلك من ذوات الروائح الطيبة، فإذا استبان لنا أن النظافة قد حصلت، والتنقية قد تمت والحمد لله، فإننا نجعل الغسلة الثالثة هي الأخيرة، وإذا لم تكن النظافة قد حصلت؛ لأن الميت مثلاً مصاب بجروح كمن يموتون في الحوادث ونحو ذلك، فإننا نزيد ثالثة ورابعة ونجعل الخامسة هي الأخيرة، فإذا ما حصلت النظافة نزيد خامسة وسادسة ونجعل السابعة هي الأخيرة، المهم أن نختم على وتر.

    والأصل في ذلك حديث أم عطية الأنصارية رضي الله عنها لما دخلت هي ونسوة يغسلن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، قال لهن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، واجعلن في الآخرة كافوراً، واجعلن شعرها ثلاثة قرون ) وهذا من السنة أيضاً أن الميتة تضفر ثلاث ضفائر، قال عليه الصلاة والسلام: ( واجعلن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغن آذنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى إليهن حقوة -أي: إزاره- وقال: أشعرنها إياه ) يعني: اجعلنه شعاراً لها ما بين جسدها وكفنها رضي الله عنها وأرضاها، فهذه هي صفة تغسيل الميت.

    وبعد أن يموت الميت بقدر الله، فإنه مطلوب منا معشر الأحياء أن نتعامل مع هذا الحدث بما يرضي الله؛ فنصبر ونسترجع ونمتنع مما يغضب الله، كالنياحة التي هي رفع الصوت بالبكاء، والندب كأن نقول: يا من كنت كذا! يا من كنت كذا، كما كان أهل الجاهلية، وا سيداه وا عضداه وا جبلاه، ونحو ذلك، ولطم الخدود، وشق الجيوب، ونشر الشعر، والدعاء بدعوى الجاهلية، والتسخط على قدره جل جلاله؛ لأنه طلب منا الرضا والتسليم، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    الجلوس في بيت الميت بعد موته أياماً

    الشيخ: مما ينبغي للناس أن يسعوا في تغييره الجلوس في بيت الميت، وتكليف أهله ما لا يطيقون من أنواع الأطعمة والأشربة وما إلى ذلك.

    أم خالد من بحري تقول: إذا كان من الأرحام القريبة. فنقول: نعم يجوز، إذا كان من الأرحام القريبة ووجدت أن بقاءك مع أهل الميت مما يسليهم عن مصابهم ويخفف عنهم فأنت في ذلك مأجورة إن شاء الله، وأنا لا أشجع بأنه إن مات الميت ينصرف كل منا إلى حاله ونترك أهل الميت مستوحشين، يعانون لوعة الفراق ومرارة الفقد، لا أقول ذلك؛ بل إذا رأى بعض الأرحام القريبين بأن بقاءهم مع أهل الميت يخفف عنهم ويسليهم عن مصابهم فهم في ذلك مأجورون إن شاء الله؛ لكن الذي أحذر منه قضية الجلوس بتلك الأعداد الكبيرة، وانتظار الطعام بعد الطعام، والشراب بعد الشراب، وخوض الناس في أحاديث لا علاقة لها بالموت؛ ولا يتذكرون الموت؛ بل يدخنون، وتعلو القهقهات، ويقرءون الجرائد، ويخوضون في أحاديث من القيل والقال، هذا هو الذي عناه جرير بن عبد الله رضي الله عنه لما قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة.

    المتصل: الشراب إذا كان يلبس على طهارة، فهل المسح على الشراب يجوز أو لا يجوز؟

    الشيخ: تسمع الجواب إن شاء الله.

    المتصل: لو أن الشخص يستخدم الشيكات بدون رصيد ولا يكون عنده ما يسددها به، فما العمل؟

    الشيخ: خيراً إن شاء الله.

    حج من عليه دين

    السؤال: ما حكم من ذهب إلى الحج وعليه دين؟

    الجواب: الحج مجزئ إن شاء الله، وقد سقطت عنه حجة الإسلام، ويجب عليه السعي في قضاء ما عليه من الدين، خصوصاً إن كان هذا الدين ديناً مؤجلاً فإنه حرج عليه، أما لو كان الدين حالاً فإنه يكون الحرج، ويكون حري به أن يسعى في سداد دينه.

    تغميض العينين في السجود

    السؤال: ما حكم تغميض العينين أثناء السجود؟

    الجواب: السنة ألا تغمض العينان لا في السجود ولا في غيره، إلا إذا كان ذلك يستجلب به الخشوع، أو كان هناك شيء يشغله فأغمض المصلي عينيه، فلا حرج عليه إن شاء الله.

    الأدلة من القرآن والسنة على حرمة الموسيقى

    السؤال: يقول: أريد دليلاً من القرآن والسنة على أن الموسيقى حرام؟

    الجواب: الدليل من السنة حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وقد رواه الإمام البخاري تعليقاً: ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) ، وأما من القرآن فبعض أهل التفسير والفقهاء يستدلون بقول الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:61-64]، فذكر كثير من أهل التفسير عند قول الله عز وجل: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ [الإسراء:64] بأن المزمار هو صوت الشيطان، والعياذ بالله.

    المراد بقوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه ...)

    السؤال: ما هو التفسير الصحيح لقوله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]؟

    الجواب: تفسير هذه الآية بإجماع المفسرين بأن ربنا جل جلاله ينفي عن عبده ورسوله المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ما ادعاه فيه اليهود عليهم لعائن الله، الذين قالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء:157] ، قال الله عز وجل: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء:157] فهم سعوا في ذلك وباشروه، ولكن الله عز وجل استنقذه من بين أيديهم، وأمره غالب جل جلاله؛ فألقى شبهه على من وشى به، فأخذوه، وصلبوه، وقتلوه، أما المسيح عليه السلام فكما قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:157-158] ( ولينزلن قبل قيام الساعة حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية )، ويتبرأ مما استحلته النصارى.

    لبس المرأة للبنطال في المنزل

    السؤال: ما حكم لبس بجامة البنطلون في المنزل؟

    الجواب: بالنسبة للمرأة لا حرج إذا كان ذلك مع الزوج والمحارم، فلا حرج إن شاء الله.

    أفضل كتب العقيدة

    السؤال: ما هي أفضل الكتب التي يستفاد منها في علم التوحيد وعقيدة أهل السنة والجماعة؟

    الجواب: الكتب كثيرة؛ لكن من أيسرها عبارة، وأحسنها تبويباً، وأكثرها وأغزرها فائدة (سلسلة العقيدة في الله) التي كتبها الشيخ الدكتور عمر بن سليمان الأشقر حفظه الله؛ حيث كتب كتباً في العقيدة في الله، وعالم الملائكة الأبرار، وعالم الجن والشياطين، والقضاء والقدر، والقيامة الكبرى والصغرى، وأشراط الساعة، وكتب كذلك عن الرسل والرسالات، وهذه كتب مفيدة اعتنى فيها جزاه الله خيراً بإيراد الدليل ونقل أقوال أهل العلم المعتبرين، وذكر بعضاً من أنواع الأدلة الحديثة الدالة على قدرة الله عز وجل مما هو في عالم الحيوان، وعالم النبات وغير ذلك، وهي كتب مفيدة، وهناك كتب كثيرة غيرها.

    ترك الزوج نفقته على زوجته التي لها دخل من المال

    السؤال: أختنا نادية من مدني ذكرت أن رجلاً له زوجتان إحداهما تعمل ولها راتب، والأخرى لا تعمل، فهو ينفق على التي لا تعمل، أما العاملة فيقول: هذه ليست محتاجة، فما الحكم؟

    الجواب: ليس هناك شك في أن الرجل مخطئ، فنفقة الزوجة واجبة على زوجها، ولو كانت عاملة تكتسب مالاً كثيراً، أو كانت وارثة قد ورثت عن أبيها الملايين أو المليارات، إلا أن نفقتها واجبة على زوجها؛ لأن الله عز وجل قال: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] ، ولما سأل معاوية القشيري رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ) فيجب على الزوج أن يوفر لزوجته طعاماً وإداماً وسكناً وأثاثاً وكسوة، وغير ذلك من ضرورات الحياة وحاجياتها.

    المسح على الجوارب

    السؤال: أختنا آمال من كسلا سألت: ما حكم المسح على الجوارب؟

    الجواب: نقول: المسح على الجوارب من السنة، فقد ثبت من حديث المغيرة رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح على الجوربين والنعلين ) ، وثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمسحون على التساخين، والتساخين: هي ما يلف على القدم من أجل أن تستفيد القدم دفئاً وسخونة؛ فالجورب مثله مثل الخف يمسح عليه، لكن بشروط عدة:

    الشرط الأول: أن يكون ملبوساً على طهارة، أي أن الإنسان يتوضأ ثم يلبسه.

    الشرط الثاني: أن يكون ساتراً لمحل الفرض، يعني: بالغاً الكعبين.

    الشرط الثالث: ألا يكون مخرقاً.

    وأيضاً حين نقول: ساتراً، معناه ألا يكون شفافاً؛ لأن الجوارب الشفافة لا يصلح أن يمسح عليها الماسحون؛ بل لا بد أن يكون الجورب صفيقاً.

    الشرط الرابع: أن يكون المسح في المدة المشروعة، يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، فلو أن إنساناً توضأ في الساعة التاسعة أو الساعة العاشرة مثلاً، ولبس الجورب، فإنه يجوز له أن يمسح إلى مثله من اليوم الذي يليه.

    استخدام الشخص شيكات بدون رصيد ليستدين من الناس

    الشيخ: أما أم أحمد فسألت عن إنسان يستدين أموالاً ويكتب شيكات، وليس عنده ما يغطي به هذه الديون. ونذكر هؤلاء بقول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188] ، ونذكرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) ، ونذكرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الدين هم بالليل وذل بالنهار ) فلا تستدينوا يا عباد الله إلا في ضرورة، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة، وإذا استدنتم فاجتهدوا في الأداء.

    أسأل الله عز وجل أن يقضي عنا الدين، وأن يغنينا من الفقر، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وأن يوسع علينا أرزاقنا، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله.