إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الحي يوسف
  3. النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة [3]

النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة وأعظمها القرآن الكريم، ومنها انشقاق القمر نصفين، والكلام مع الحيوانات، وإبراء المرض، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل، وإخباره بالأمور المستقبلية التي لم تقع. وقد وصل صلى الله عليه وسلم المدينة فكان يوماً عظيماً للأنصار رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    تقدم معنا الكلام في أن نبينا عليه الصلاة والسلام في هجرته المباركة وقعت له بعض المعجزات الحسية التي جاءت تثبيتاً من الله عز وجل له وإنزالاً للسكينة عليه وإظهاراً لفضله وشرفه صلوات ربي وسلامه عليه.

    معجزاته صلى الله عليه وسلم وهو في هجرته إلى المدينة

    ومن ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام لما أراد سراقة بن مالك الجشعمي أن يمسك به وبصاحبيه فإن فرسه قد تعثر، ثم في المرة الأولى فرسه ساخت يداه في الأرض إلى أن بلغت ركبتيه، ثم لما خرجت خرج معها غبار كثيف كأنه دخان.

    ومن ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام لما مر بخيمة أم معبد الخزاعية وكانوا مسنتين، يعني: كانوا في جوع ما وجد إلا شاة خلفها الجهد عن الغنم، فمسح عليه الصلاة والسلام ضرعها وسمى الله، ثم حلب منها لبناً كثيراً في إناء أشبعه هو وأصحابه، وصاحبة الخيمة، ثم حلب فيه ثانية فشربوا عللاً بعد نهد.

    ومن ذلك: لما مر بهم راع وسألوه شيئاً من لبن، فما كان معه إلا شاة قد حلبت قريباً، فالنبي عليه الصلاة والسلام مسح على ضرعها ثم حلب فيه فجاً.

    أقول: هذه المعجزات كلها تأتي طرداً لأصل وهو: أن الله تعالى يكرم من شاء من أنبيائه بما شاء من أمور خارقة للعادة، ولذلك نحن نقرأ في القرآن بأن ربنا جل جلاله أكرم نبيه نوحاً لما كذبه قومه بأن أغرق الأرض كلها، كما قال سبحانه: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:11-12]، أي: التقى ماء السماء وماء الأرض وما نجا إلا نوح ومن معه كما قال سبحانه: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ [الصافات:77].

    وأكرم الله إبراهيم الخليل عليه السلام لما ألقاه قومه في النار، حيث أمر الله النار بأن تكون برداً وسلاماً، فما أحرقت إلا وثاقه، أي ما أحرقت إلا القيود التي قيدوه بها، وبقي هو صلوات الله وسلامه عليه في النار ما مسه شيء من حرها ولا ناله شيء من أذاها.

    وكذلك نبي الله موسى أكرمه الله بتسع آيات بينات، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء:101]، وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، هذه تسع آيات أُكرم بها الكليم موسى عليه السلام.

    وكذلك عيسى صلوات الله وسلامه عليه كان يبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وتكلم في المهد صبياً، وأنزل الله عليه من السماء مائدة لما سأله الحواريون إياها.

    معجزة النبي الخالدة

    وأما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد آتاه الله عز وجل من المعجزات مثلما آتى الأنبياء قبله، وزاده على ذلك أعظم معجزة وأبقاها وأخلدها وهي القرآن الكريم، فإن هذه المعجزات الحسية تنتهي بوقتها، أما القرآن فالإعجاز فيه باق، والتحدي من خلاله قائم، قال تعالى: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88].

    انشقاق القمر ونطق الشجر والحجر

    الكلام مع الحيوانات

    وكذلك له عليه الصلاة والسلام آيات مع ضروب الحيوانات، يعني: قال الله عن سليمان عليه السلام متحدثاً بنعمة الله عليه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ [النمل:16]، النبي عليه الصلاة والسلام كان يخاطب هذه الحيوانات العجماوات، بدليل أنه لما كان في بعض أسفاره صلوات الله وسلامه عليه، فأقبل أعرابي قد صاد ضباً -الورل- ووجد الصحابة محدقين بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فقال: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله. فالأعرابي يسخر ويستهزئ ألقى الضب بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب، أي: حتى يؤمن بك هذا الضب، فالنبي عليه الصلاة والسلام خاطب ذلك الضب، قال له: ( يا ضب! فقال الضب: مرحباً بخير من وافى القيامة، فقال له: من تعبد؟ قال: أعبد الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه، فقال له: يا ضب! من أنا؟ قال: أنت رسول رب العالمين، وخير خلق الله أجمعين، قد أفلح من صدقك وخاب من كذبك، فالأعرابي قال: يا رسول الله! ائذن لي أن أسجد لك. فقال: ما ينبغي السجود إلا لله، قال: ائذن لي أن أقبل يديك ورجليك. فأذن له عليه الصلاة والسلام ).

    إبراء المرضى وأصحاب العاهات

    وكذلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام: إبراء المرضى وذوي العاهات، إذا كان القرآن يحدثنا عن المسيح بأنه كان يبرئ الأكمة والأبرص، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان له آيات لما جاءه قتادة بن النعمان عليه من الله الرضوان في يوم أحد، وقد سالت عينه على كفه، قلعت عينه رضي الله عنه يحملها على كفه، قال: ( فأخذها صلى الله عليه وسلم عليه وسلم ووضعها في مكانها، فكانت أحسن من الأخرى ).

    ولما جاءه ابن عفراء يوم بدر وقد قطعت ذراعه: ( أخذها صلى الله عليه وسلم وبصق عليها ثم لصقها فلصقت )، رجعت كما كانت وبقي يقاتل بها إلى أن قتل رضي الله عنه يوم اليمامة شهيداً في حرب مسيلمة الكذاب.

    نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم

    وإذا كان القرآن يحدثنا عن موسى عليه السلام بأنه أنبع الماء من الحجر وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة:60]، فإن الصحابة رضوان الله عليهم يوم الحديبية عطشوا وقد جيء للنبي عليه الصلاة والسلام بماء في ركوة في إناء، فتوضأ به، فجاء الصحابة قالوا: ( يا رسول الله! ما معنا ماء إلا ما توضأت به، فوضع صلى الله عليه وسلم يده في الإناء ودعا بدعوات، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، حتى توضأنا عن آخرنا، قيل له: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمسة عشرة مائة. -أي: ألفاً وخمسمائة- ).

    تكثير الطعام القليل

    وكذلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام: تكثير الطعام القليل، الطعام الذي يكفي للواحد والاثنين يطعم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم المئات من الناس، ففي يوم غزوة الخندق لما جاءه الصحابة يشكون إليه الجوع وقد ربط كل واحد منهم على بطنه حجراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام رفع رداءه، فإذا على بطنه حجران، فرجع أحد الصحابة إلى زوجته وقال لها: إن الجوع قد بلغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مبلغ، أما عندك طعام؟ قالت: ما عندنا إلا عناق وقرصان من شعير، العناق الصغير من البهائم، البهم الصغير، وقرصان من شعير، يعني: رغيفين، قال لها: فاذبحي العناق، واخبزي الشعير فإني داع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: لا تدعه إلا وحده أو معه واحد أو اثنان، فجاء الصحابي فهمس في أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عندهم طعاماً، فقال عليه الصلاة والسلام: ( يا بلال! أذن في الناس أن الغداء عند أبي طلحة، فرجع رضي الله عنه جزعاً هلعاً يشكو لزوجته، يقول لها: أمر بلالاً بأن يؤذن في الناس بأن الغداء عندنا، قالت له المرأة الصالحة: أنت دعوت الناس أم دعاهم هو؟ قال: بل دعاهم هو عليه الصلاة والسلام، قالت: إذاً لن يضيعنا الله. الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل إلى أبي طلحة ألا ينزلوا البرمة، يعني: الإناء الذي طبخوا فيه ذلك اللحم ما ينزلوه، فجاء عليه الصلاة والسلام فتفل في تلك القدر، أي نفخ عليه الصلاة والسلام ودعا بدعوات، ثم أخذ من الشعير وصب عليه من المرق ووضع اللحم، ثم قال: ادع عشرة، فأكلوا ثم انصرفوا، ثم قال: ادع عشرة، فأكلوا ثم انصرفوا، ثم قال: ادع عشرة، يقول أبو طلحة : والذي بعثه بالحق لقد أكل من طعامي ألف نفس، وانصرفوا. وإن قدرنا لتفور، وإن عجيننا ليخبز ).

    معجزاته صلى الله عليه وسلم فرع عن صفات الرب سبحانه

    ومعجزاته صلوات الله وسلامه عليه في إجابة دعائه وفيما أخبر من أمور مغيبة ما حصلت إلا بعد مئات السنين من وفاته عليه الصلاة والسلام، هذه كلها كما قال علماؤنا: فرع عن صفات ربنا جل جلاله الثلاث: صفة العلم، وصفة القدرة، وصفة الغنى. يعني: نحن المسلمون نعتقد أن الله بكل شيء عليم، وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله غني عن العالمين؛ ولذلك معجزاته عليه الصلاة والسلام بعضها راجع إلى علم الله عز وجل، مثلاً: ما أخبر عنه من الأمور الغيبية التي ما كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، مثل: لما كلم الصحابة عن فتح بلاد العراق وبلاد الشام وبلاد اليمن وبلاد مصر، ولما كلمهم عن فتح القسطنطينية، ولما كلمهم صلوات ربي وسلامه عليه بأن دينه سيبلغ المشارق والمغارب، هذا الكلام كله كان والمسلمون محاصرون في غزوة الخندق.

    وأيضاً لما كلم بعض الصحابة بأشياء تحصل لهم في أشخاصهم، فكلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه سيقتل، وأخبر عثمان بأنه سيستشهد على بلوى تصيبه، وكلم علياً رضي الله عنه فقال: ( وأن أشىقى الناس من يخضب هذه -أي: لحية علي - من هذه -أي: من دم رقبته- )، هذا كله ما كان موجوداً في عهده، وقال في أبي ذر رضي الله عنه: ( يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده )، وهذا ما حصل إلا سنة اثنتين وثلاثين، يعني: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى وعشرين سنة.

    بل كان جالساً عليه الصلاة والسلام ومعه أبو هريرة وسمرة بن جندب وحذيفة بن اليمان، فقال عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الثلاثة: ( آخركم موتاً في النار ). فلما سمعوا هذا الكلام تخوف الثلاثة، وصار كل منهم يتمنى لو مات الآن الآن. فمات حذيفة رضي الله عنه أولاً، بقي أبو هريرة وسمرة، وأبو هريرة في المدينة و سمرة في العراق، وكلما أتى من العراق آت كان أبو هريرة يخرج يسأله ويقول له: هل مات سمرة؟ وبعد ذلك سنة تسع وخمسين مات أبو هريرة رضي الله عنه، وبقي سمرة وكان شيخاً قد أسن، تقدمت به السن، وفي يوم جمعة بينما هو يتجمر يعني: يتطيب بالبخور استعداداً للصلاة إذ وقعت على ثيابه جمرة فاحترق منها فمات، فهنا فهم الناس أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( آخركم موتاً في النار )، يعني به نار الدنيا وليس نار الآخرة، فيكون سمرة شهيداً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن الشهداء ستة سوى شهيد المعركة، قال: ( المبطون شهيد، والمطعون شهيد، والحريق شهيد، والغريق شهيد، والمهدوم شهيد، والمرأة يقتلها ولدها -أي: في الولادة- شهيدة )، فهؤلاء كلهم شهداء.

    فالمعجزات ترجع إلى صفة العلم، أو إلى صفة الغنى، الله غني، ومن ذلك مثلاً: تكثير الطعام القليل، هذا مرده إلى أن الله عز وجل غني، خزائنه ملأى، يده سحاء.

    والصفة الثالثة: صفة القدرة، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]؛ ولذلك إبراء المرضى وذوي العاهات يرجع إلى صفة القدرة، مثل: انقلاب الأعيان فيما مسه بيده وباشره بنفسه عليه الصلاة والسلام، مثل بعير جابر بن عبد الله عندما أعيى تعثر في السفر، قال: ( فنخسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصاه )، فانطلق يمشي هذا البعير الذي كان متعثراً متأخراً، صار يسابق الناس في المقدمة، وهذا يرجع إلى صفة القدرة.

    وأقول: هذه الأمور الخارقة للعادة لا تستغرب، فإن الله عز وجل أخبرنا أن الكون كله مسخر له، وأن الكون كله مسبح بحمده، قال سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء:44]، جل جلاله، كل ما في الكون مسخر له، وكل ما في الكون مسبح بحمده.

    1.   

    هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وانتظار الصحابة على مشارف المدينة

    وفي طريق الهجرة وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام شيء يسير من معجزات كثيرة أكرمه الله عز وجل بها، وما زال عليه الصلاة والسلام هو وصاحباه أبو بكر و عامر بن فهيرة ومعهم دليلهم في الصحراء وهو عبد الله بن أريقط الليثي ما زالوا يمشون، وقد بلغ الخبر الأنصار عليهم من الله الرضوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه ناحيتهم، فكانوا في كل يوم يخرجون إلى ظهر الحرة يتوكفون مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل يوم إذا أصبحوا كانوا يخرجون على مشارف المدينة، على مشارف الطريق الذي يأتي منه الركب من مكة ينتظرون قدوم النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يلوذون بالحيطان حتى إذا آذاهم حر الشمس رجعوا، يعني: إذا اشتد عليهم الحر كانوا يرجعون إلى بيوتهم.

    في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من المبعث خرج الأنصار عليهم من الله الرضوان مثلما يخرجون في كل يوم ينتظرون قدوم النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إذا اشتد حر الظهيرة رجعوا، وبينما رجل من اليهود على أطم من الآطام، يعني على حصن من الحصون إذ رأى أسودة مقبلة، يعني: رأى بعيرين مقبلين، وغلب على ظنه أن القادم هو المنتظر الذي ينتظره أهل المدينة، فصاح ذلك اليهودي وقال: (يا بني قيلة!) قيلة هي جدة الأوس والخزرج فهم يرجعون إلى جدة واحدة (يا بني قيلة! هذا جدكم -أي: حبكم- الذي تنتظرون)، لما سمعوا هذا الكلام تدافعوا رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً يكبرون ويهللون في استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد دخل عليه الصلاة والسلام مردفاً أبا بكر ، كان أبو بكر خلفه على بعيره، معنى ذلك: أنه آثر عبد الله بن أريقط وعامر بن فهيرة بالدابة الأخرى، والأنصار عليهم من الله الرضوان أكثرهم ما كان قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ، والنبي عليه الصلاة والسلام نزل في ديار بني عمرو بن عوف في قباء، فبقي الأنصار ينتظرون إلى أن زال الظل وجاءت الشمس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر على عادته في خدمة النبي عليه الصلاة والسلام والتأدب معه والإحسان إليه، قام وخلع رداءه وظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهاهنا علموا أن الجالس هو النبي وأن القائم عليه هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    ترحيب الأنصار بالنبي صلى الله عليه وسلم

    جاءوا جميعاً يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة، الكبار والصغار والرجال والنساء، وهناك النشيد الذي يحفظه المسلمون بأنهم كانوا يقولون:

    طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

    وبعض كتاب السير استشكل هذا فقال: ثنيات الوداع، ليس من جهة مكة، وإنما هي من جهة الشام في الطريق إلى تبوك، وكانت ثنية الوداع موجودة إلى عهد قريب في المدينة المنورة، وهي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يودع منها الجيوش، إذا كان جيش متوجهاً إلى ناحية الشمال النبي صلى الله عليه وسلم كان يودعه على تلك الثنية.

    وبعض كتاب السير قالوا: لا. ثنيات الوداع ليست قاصرة على جهة الشام بل هي موجودة في جهة الشام وفي جهة مكة.

    1.   

    تأسيس النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء

    أقول: مكث النبي الرسول عليه الصلاة والسلام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، وفي تلك المدة أسس عليه الصلاة والسلام مسجد قباء في ديار بني عمرو بن عوف، ومعنى ذلك أن مسجد قباء سابق على المسجد النبوي، ويرى بعض المفسرين: بأنه قد نزل فيه قول ربنا: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، وبعضهم قال: لا. بل هذه الآية نازلة في شأن المسجد النبوي، والآية تصدق عليهما معاً، فكلاهما أسس على التقوى من أول يوم.

    على كلٍ أسس النبي عليه الصلاة والسلام مسجد قباء وأقام في ديار بني عمرو بن عوف أربعة عشر يوماً، ثم لما كان يوم الجمعة ارتحل صلوات ربي وسلامه من ديار بني عمرو بن عوف وأدركته صلاة الجمعة في المسجد الذي في بطن الوادي وادي (رانوناء) بين قباء والمدينة، وداي (رانوناء)، والآن بني مسجد في ذلك الموضع الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سموه: مسجد الجمعة، فصلى بأصحابه رضوان الله عليهم أول جمعة في ذلك المسجد.

    1.   

    نزول النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب الأنصاري

    ثم بعد ذلك مضى عليه الصلاة والسلام اليسير، وكان إذا مر بأحياء الأنصار يستقبلونه بالسلاح، ويدعونه إلى النزول عندهم فمر ببني حارثة، ومر ببني سلمة، وبني بياضة، وبني الحارث بن الخزرج، ومر عليه الصلاة والسلام ببني النجار، وببني عبد الأشهل، وكلهم يقولون: يا رسول الله! هلم إلى العدد والعدة، هلم إلى القوة والنصرة، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: ( خلوا سبيلها فإنها مأمورة )، أي: لناقته. حتى وصل عليه الصلاة والسلام عند ديار أخواله من بني النجار، أولئك الذين مات عندهم عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهذه الناقة لما بلغت ذلك المكان بركت، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أرخى لها الزمام لا يوجهها، ولا يقيمها ولا يقعدها، بركت ثم قامت فمشت قليلاً ثم رجعت حيث كانت فألقت بجرانها وتحلحلت، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( هاهنا المنزل )، أنا سأنزل في هذا المكان.

    فنزل عليه الصلاة والسلام، ووفق الله الرجل المبارك والصحابي العلم أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم، ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! هلم إلي، انزل عندي، لا. وإنما أخذ رحل النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بيته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( المرء مع رحله )، فرفع الحرج عن نفسه عليه الصلاة والسلام، بدلاً من أن يقول الناس: لماذا اختار أبا أيوب من بيننا؟ ويأتي آت يقول: أنا بيتي أوسع، ويأتي آخر يقول: يا رسول الله! رحمي إليك أقرب، ويأتي ثالث ويقول: أنا سيد القوم، ورابع، وخامس وكلهم يتشرف بنزول النبي صلى الله عليه وسلم، فـأبو أيوب رجل ذكي أخذ الرحل ودخل، والنبي عليه الصلاة والسلام أذكى منه رفع الحرج وقال: ( المرء مع رحله )، ودخل دار أبي أيوب .

    ثم قال أبو أيوب : ( يا رسول الله! هذا بيتي العلو خير لك -يعني: تنزل في الطابق الثاني- فقال عليه الصلاة والسلام: بل السفل أهون علي، وأيسر على أضيافي )، يعني: إذا جاء ضيف يسهل عليه رؤيتي.

    وهذا البيت بيت أبي أيوب كان موجوداً إلى عهد قريب قريباً من باب يقال له: باب جبريل في المسجد النبوي، لكن في التوسعة التي حصلت للمسجد النبوي أزيل ذلك البيت.

    ثم إن أبا أيوب عليه من الله الرضوان رضي على مضض بأن ينزل النبي عليه الصلاة والسلام في أسفل البيت، وكان لا يرقى سقيفة هو تحتها عليه الصلاة والسلام، يعني: المكان الذي فيه النبي عليه الصلاة والسلام هو وزوجته ما كانا يمشيان عليه؛ إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو أيوب في كل يوم ينزل الطعام، أم أيوب تصنع الطعام وينزل به أبو أيوب للنبي عليه الصلاة والسلام فيأكل، فإذا فرغ كان أبو أيوب يأتي فيأخذ الطعام ويجلس هو وزوجه يأكلان من حيث أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي يوم من الأيام رجع الطعام كما هو، فنزل أبو أيوب يقول: ( نستغفر الله يا رسول الله! هل أنزل الله فينا شيئاً؟ فقال: لا. ولكن في طعامكم شيئاً من تلك الشجرة -يعني: الثوم- وإني أكرهه فإني أبيت أناجى -يعني: جبريل ممكن يأتيني في أي لحظة- فقال أبو أيوب : وأنا أكره ما تكره يا رسول الله! ).

    وما كانت تمر ليلة حتى يأتي الأنصار رضي الله عنهم الثلاثة والأربعة يأتون بطعامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يطعم هو ويطعم أضيافه.

    1.   

    أول أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة

    ثم اتجهت عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث قضايا مهمة:

    القضية الأولى: توثيق علاقة المسلمين بربهم.

    والثاني: توثيق علاقة المسلمين بعضهم مع بعض.

    والقضية الثالثة: تنظيم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين.

    أما القضية الأولى وهي: توثيق علاقة المسلمين بربهم: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم اهتم أول الأمر بأن يبني لله مسجداً؛ لأن المسجد هو أول لبنة في طريق التعليم والتثقيف والتربية والتوجيه.

    وأما الثانية وهي: توثيق علاقة المسلمين بعضهم مع بعض، يعني: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، مؤاخاة تبلغ حد الإرث يرث بعضهم بعضاً، إلى أن نزل قوله تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75].

    وأما الثالثة: فقد اعتنى صلى الله عليه وسلم بأن يقيم معاهدات، وأن يبرم اتفاقيات مع اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وهذا كله إن شاء الله يأتي تفصيله.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    صلاة الركعتين أثناء خطبة الجمعة

    السؤال: ما هو حكم صلاة الركعتين أثناء خطبة الجمعة؟

    الجواب: صلاة الركعتين أثناء خطبة الجمعة سنة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل سليك الغطفاني رضي الله عنه وجلس في أثناء الخطبة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا هذا هل صليت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فصل ركعتين )، وقال: ( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما )، (يتجوز) بمعنى: يخفف.

    طلاق الحامل

    السؤال: هل يقع طلاق الحامل؟

    الجواب: طلاق الحامل سنة، يعني: المفروض الإنسان إذا أراد أن يطلق، يطلق المرأة في حالتين: إما أن تكون حاملاً وإما أن تكون طاهراً طهراً لم يمسها فيه، لكن لا يجوز له أن يطلقها وهي حائض، ولا يجوز له أن يطلقها وهي نفساء، ولا يجوز له أن يطلقها في طهر قد جامعها فيه.

    الفرق بين تحديد النسل وتنظيم الأسرة

    السؤال: أسأل عن الفرق بين تحديد النسل وتنظيم الأسرة، وهل يمكن للمرء أن يكتفي مثلاً بثلاثة أولاد ويقول: لا أنجب بعد ذلك أبداً؛ لأن حالتي المادية لا تسمح لي بذلك؟

    الجواب: تحديد النسل معناه: قطعه، يعني كأن يكون أحدنا رزق بثلاثة أو بأربعة أو بستة بعشر فيمشي يربط الأنبوب أو يزيل الرحم مثلاً، فهذا هو قطع النسل وهو حرام؛ لأن من غايات الزواج في شريعتنا حفظ النوع، النوع الإنساني، ( تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ).

    وأما تنظيمه فهو بمعنى: أن المرأة إذا ولدت فإنها تنتظر سنتين أو ثلاثاً إلى أن يشب الوليد ويستغني عنها شيئاً ما، وهذا لا مانع من ذلك إذا كانت الوسيلة مشروعة، وليس فيها ضرر، والدليل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال: ( كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان حراماً لنهى عنه القرآن )، يعني: الصحابة كانوا يستعملون العزل، العزل عن المرأة بمعنى: أنه لا يصب ماءه في رحمها، فكل وسيلة تؤدي إلى تأخير الحمل لا مانع.

    وأما الغرض الذي ذكره السائل بأنه الإنسان يكتفي بولدين أو ثلاثة أو أربعة؛ لأن الحالة المادية صعبة، هذا هو عين التهوك والضلال الذي وقع فيه المشركون الأولون الذين قال الله لهم: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151]، وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31]، مرة: (نرزقكم وإياهم) ومرة: (نرزقهم وإياكم)، قالوا: كما يكون الوالد سبباً في رزق الولد قد يكون الولد سبباً في رزق الوالد.

    الحكم على بعض الأحاديث الواردة في فضل سور القرآن

    السؤال: هل هذه الأحاديث الثلاثة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأول: (من قرأ: قل هو الله أحد مائتين مرة محيت عنه ذنوب خمسين سنة)، والحديث الثاني: (من قرأ سورة يس في ليلته ابتغاء وجه الله غفر له)، والحديث الثالث: (شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس

    الجواب: الأخير صحيح. والأول والثاني كلاهما باطل، والأحاديث الواردة في فضل سور القرآن لا يصح منها إلا القليل، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لقد نزل علي آيات لم يتعوذ متعوذ بمثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس )، وكقوله صلى الله عليه وسلم: ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن )، وكقوله صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ: (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة )، وكذلك من الأحاديث الصحيحة: ( اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما )، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان جالساً مع جبريل فسمع نقيضاً من فوقه، فرفع بصره إلى السماء، قال له جبريل : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قبل اليوم قط، نزل منه ملك وقال: يا محمد! أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لا تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته )، وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليله كفتاه )، وثبت عنه: ( أن آية الكرسي أعظم آي القرآن )، وكذلك: ( سورة الفاتحة هي أعظم سور القرآن ).

    وهناك أحاديث كثيرة في فضل سورة كذا وفي فضل سورة كذا، هذه كلها جاءت من كذب رجل اسمه: نوح الجامع ، أو نوح بن أبي مريم ، كذب هذه الأحاديث ووضعها، لما قيل له: هذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: رأيت الناس قد انصرفوا عن القرآن إلى فقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فأحببت أن أردهم إلى القرآن. فقيل له: لكن أنت تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أنا أكذب له، ولا أكذب عليه، يعني: أكذب لمصلحته. وما فيه شك بأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من كبائر الذنوب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ).

    الجمع بين قوله تعالى: (وما علمناه الشعر) وقوله عليه الصلاة والسلام: (هل أنت إصبع دميت...)

    السؤال: ذكرتم حادثة جرح أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت )، إذا كان هذا شعراً، ألا يتعارض مع قوله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] الآية؟

    الجواب: هو على كل حال المحفوظ بأن نبينا صلى الله عليه وسلم ما قال بيتاً من الشعر كاملاً؛ لأن الله قال: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ [يس:69]، لكن قد كان عليه الصلاة والسلام يسمع وربما ردد آخر الكلام، فهذه الحادثة المروية في السيرة، أولاً: لابد أن نسأل من يعرفون الشعر هل هذا يعد شعراً؟ ثانياً: قد يحمل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم قال شطراً، وأكمل أبو بكر رضي الله عنه شطراً، فإن أبا بكر كان شاعراً، وقالوا من شعره يمدح بلالاً:

    هنيئاً زادك الرحمن عزا فقد أدركت ثأرك يا بلال

    فلا نكساً وجدت ولا جباناً غداة تنوشك الأسل الطوال

    إذا هاب الرجال ثبت حتى تخلط أنت ما هاب الرجال

    قاله يوم بدر بعدما أبلى بلال رضي الله عنه بلاءً حسناً.

    فأقول: الذي يظهر والله أعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضاً وأكمل أبو بكر ، أو أن أبا بكر قال بعضاً وأكمل النبي عليه الصلاة والسلام.

    كيفية الصلاة على الكرسي

    السؤال: شخص مصاب وأراد الصلاة في التهجد على الكرسي، فما هي كيفية الصلاة على الكرسي؟

    الجواب: الإنسان الذي لا يستطيع الصلاة من قيام لا حرج عليه أن يصلي قاعداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب )، من حديث عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنه، وبالنسبة لصلاة النافلة فإنها تصح قياماً، وتصح قعوداً، لكن القاعد مع قدرته على القيام على النصف من أجر القائم، يعني بالنسبة لصلاة النافلة ممكن تصلي قاعداً ولو كنت شاباً، لكن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، يعني مثلاً إذا القائم له ألف حسنة أنت لك خمسمائة بس.

    وأما بالنسبة لصلاة الفرض فالقيام ركن؛ لأن الله قال: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال للمسيء صلاته: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة وكبر ).

    وبالنسبة للإنسان الذي لا يستطيع القيام لأنه مريض، فإنه يصلي قاعداً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام يوم أحد ضرب على رأسه بالسيوف حتى هشمت البيضة على رأسه، ودخلت حلقتان حديدتان في وجنتيه، ودخلت بعمق حتى إن طلحة رضي الله عنه لما نزعها ندرت سنه، يعني: اقتلعت، ولما نزع الأخرى ندرت سنه الأخرى، فكان من أحسن الناس هتماً.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم عجز عن الصلاة بأصحابه قائماً يوم أحد بسبب كثرة ما نزف منه من الدم، فصلى بأصحابه قاعداً، وكذلك في مرض موته عليه الصلاة والسلام أصابته الحمى، وأصابه الصداع، وكان يرتجف عليه الصلاة والسلام من شدة الحمى، فعجز عن الصلاة بأصحابه قائماً فصلى بهم قاعداً.

    وكيف يصلي القاعد؟ نقول: يستقبل القبلة، ويكبر وهو جالس، ثم بعد ذلك يقرأ الفاتحة وما تيسر، ثم بعد ذلك يومئ بالركوع، يعني: إذا أراد أن يركع فإنه يومئ هكذا. ثم يرفع، سمع الله لمن حمده، ثم يومئ بالسجود ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وبعض الناس يخطئ فيضع مخدة أو وسادة بحيث أنه إذا أراد أن يسجد وضع جبهته عليها، كما (دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد الصحابة وهو يسجد على وسادة فطرحها، وقال: ألق هذا عنك )، يعني: يكتفي بالإيماء ولا يحتاج لمخدة ولا تراب ولا شيء مما يصنعه الناس.

    وبالنسبة لصلاة النافلة فقد أجمع أهل العلم على جواز أن يكون بعضها قياماً وبعضها قعوداً، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام: ( لما كبر كان يفتتح صلاة الليل قائماً، ثم يجلس عليه الصلاة والسلام يرتل القرآن ترتيلاً، فإذا أراد أن يركع قام فركع )، فلا مانع في صلاة التهجد أن تفتتح الصلاة قائماً، ثم بعد ذلك إذا وجدت نفسك ناعساً أو متعباً، أو تكاد تسقط أن تجلس ولا تقول: الناس سيقولون كيف؟ أنا شاب وجلست؟ أو الناس سيعيرونني لأنني ما استطعت؛ لأنه كلنا طول السنة نائمين، وهذه الليالي المعدودات من رمضان والموفق من يقوم لله فيها، فما فيه حرج أن تجلس فأنت تعامل الله عز وجل ما تعامل الناس.

    قضاء من أفطرت رمضانين لأجل الحمل والرضاع

    السؤال: مر على زوجة أخي رمضانين وهي مرضعة، فماذا عليها؟

    الجواب: عليها القضاء، إذا مر على الزوجة رمضانات متتابعة وهي بين حمل ورضاعة فعليها القضاء؛ لأن الحمل والرضاع عذران طارئان وليسا دائمين.

    حكم التسويق الشبكي

    السؤال: أسأل عن التجارة الإلكترونية أو التسويق الشبكي عن طريق البيع المباشر؟

    الجواب: التسويق الشبكي لا يجوز. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى موقع المشكاة.

    معنى (فذانك) في قوله تعالى: (فذانك برهانان من ربك)

    السؤال: ما معنى: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ [القصص:32]؟

    الجواب: (ذانك) و(ذينك) مثنى، يعني: هذان برهانان، (ذانك) في حال الرفع، و(ذينك) في حال النصب أو الجر.

    معنى (ثاوياً) في قوله: (ثاوياً في أهل مدين)

    السؤال: ما معنى: ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [القصص:45]؟

    الجواب: (ثاوياً) أي: مقيماً من الثوى:

    آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء

    (الثواء) الإقامة والبقاء، فقال الله: وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [القصص:45]، يعني: الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أحكي لك هذه الأخبار وأنت ما كنت موجوداً، فلم يبق إلا أنها وحي، مثلما قال الله عز وجل: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف:102]، ومثلها قوله تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران:44]، وقوله: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا [القصص:44]، وقوله أيضاً: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ [القصص:46]، فهذا كله الرسول صلى الله عليه وسلم ما شهده ولا حضره، فكيف يأتي بهذه القصص بهذا التفصيل في سور مختلفة، ولا يناقض بعضها بعضاً، يعني: تجد في بعضها إطناباً وإسهاباً، وتجد في بعضها إيجازاً واختصاراً، ولا تتناقض واحدة مع الأخرى، قال الله عز وجل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    وصف أم معبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ذكرتم وصف أم معبد للنبي صلى الله عليه وسلم يا حبذا لو شرحتم لنا كل صفة على حدة؟

    الجواب: أم معبد وصفت النبي عليه الصلاة والسلام، والمرأة كانت دقيقة في الوصف، والمرأة عموماً تجيد الوصف، فهذه المرأة الطيبة قالت: (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم، قسيم، أحور، أكحل، أزج، أقرن في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي صوته صحل، سواء الصدر والبطن، لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، ربعة، أجمل الناس وأحلاهم من بعيد، وأحسنه وأبهاه من قريب، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له أصحابه يحثون به إن قال ابتدروا قوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود غير عابس، ولا مفند).

    يعني تقول: (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة) الوضاءة النظافة والجمال، ومنه سمي الوضوء وضوءاً، ومنه يقال للرجل النظيف: هذا رجل وضيء، قال صلى الله عليه وسلم: ( رأيت شاباً وضيئاً وامرأة وضيئة فلم آمن عليهم الشيطان ) إذاً: ظاهر الوضاءة أي ظاهر النظافة، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان أنظف الناس، كان ريح عرقه عليه الصلاة والسلام كريح المسك.

    (أبلج الوجه) أبلج: من البلج وهو النور، وجهه منير عليه الصلاة والسلام، (حسن الخلق) يعني: حسن الصورة، حسن الهيئة، حسن الشكل، (لم تعبه ثجلة) الثجلة: ضخامة البطن، ما يسمى: بالكرش، النبي عليه الصلاة والسلام: ( كان سواء الصدر والبطن، وكان دقيق المسربة )، يعني: ما كان صدره مليئاً بالشعر، وإنما ما بين لبته إلى سرته، يعني: خيط دقيق من الشعر، عليه الصلاة والسلام.

    (ولم تزر به صعلة)، الصعلة صغر الرأس، يعني: رأسه ما كان صغيراً، كان صلى الله عليه وسلم عظيم الهامة، والعلماء يقولون: كبر الرأس دليل على كبر العقل، والرسول صلى الله عليه وسلم كان ضخم الرأس عليه الصلاة والسلام.

    (وسيم قسيم) بمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان متناسق الشكل، يعني: تجد بعض الناس طويلاً طولاً فارعاً مع نحافة، وتجد بعض الناس قصيراً مع بدانة، يعني: شيء مكور. لا، الرسول صلى الله عليه وسلم (كان ربعة)، مربوع.

    ( لا تشنؤه عين من طول) ما يتعب الناظر إليه وهو يتكلم معه، أما الآن بعض الناس يأتي يقول: عندي سؤال وهو قائم وأنا قائم إلى جواره وأجلس هكذا إلى أن أشعر بالتعب، أقول له: الأحسن نقعد. فما كان صلى الله عليه وسلم فارع الطول ولا كان صلى الله عليه وسلم قصيراً بحيث تقتحمه العين، وإنما كان مربوعاً لا بالطويل ولا بالقصير.

    ثم إنه صلوات ربي وسلامه عليه (كان أحور)، بمعنى: أبيض، (أكحل) أي: يظن الناظر أن في عينيه كحلاً وما بهما كحل، ( أقرن أزج) يعني ما كان شعر الحاجب كثيفاً، وإنما حاجبه عليه الصلاة والسلام مستقيم، (أقرن)، أي: حاجباه بينهما شعر، وبعض الصحابة رضوان الله عليهم كـهند بن أبي هالة والحسن بن علي وأبي هريرة والبراء بن عازب لما وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: (كان أزج الحواجب في غير قرن)، ووصفهم هذا أدق؛ لأنهم رأوه مراراً، أما أم معبد فرأته مرة واحدة.

    (في عينيه دعج)، أي: سعة مع شدة بياض وسواد، (وفي أشفاره وطف)، أي: طول، (وفي عنقه سطع)، أي: لمعان، (وفي صوته صحل)، أي: بحة، يعني: ما كان صوته حديداً، حيث يمجه السامع، وإنما في صوته بحة تزيده جمالاً، كما قال أنس رضي الله عنه: (ما بعث الله نبياً إلا كان حسن الصورة حسن الصوت، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أحسنهم صورة وأحسنهم صوتاً).

    وتذكر بعد ذلك بأنه جاء معه صاحباه، تعني أبا بكر وعامراً ، (فكان غصناً بين غصنين)، فهو أنظرهم وأجملهم وأحسنهم عليه الصلاة والسلام.

    تقول: هذان الصاحبان لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم كانا ينصتان، ولو أمر كانا يبتدران، أي يسارعان كل ما يريد شيئاً ينفذ أمره، (وهو محفود محشود)، أي: هذان الصاحبان ما يفارقانه، وأنه صلى الله عليه وسلم ما كان عابساً، والعبوس هو تقطيب الجبين واكشرار الوجه. وما كان صلى الله عليه وسلم مفنداً، والتفنيد اللوم، ما عنده اللوم عليه الصلاة والسلام، بل كان أحسن الناس عشرة، وأكرمهم يداً، صلوات الله وسلامه عليه.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً، اللهم اجعل شهر رمضان شاهداً لنا ولا تجعله شاهداً علينا، اللهم يسر أمورنا واشرح صدورنا واغفر ذنوبنا، وطهر قلوبنا واستر عيوبنا وتقبل توبتنا واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا وثبت حجتنا وسدد ألسنتنا، واهد قلوبنا واسلل سخيمة صدورنا. اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل بلاء عافية، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اجعلنا ممن وفقوا لقيام ليلة القدر، وأعنا على قيام ما تبقى من العشر، واجعلنا من عبادك المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم نور على أهل القبور قبورهم، واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارفع لهم الدرجات في الحياة وبعد الممات، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك ولمن عبد الله فيه ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.