إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام - الآيات [111-114]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن الكفار المعاندين لن يؤمنوا حتى لو نزلت إليهم الملائكة وكلمهم الموتى، وأن كفرهم بسبب جهلهم، وأن كل الأنبياء لهم أعداء من الإنس والجن، وأن هذه العداوة بمشيئة الله، ونهاه أن يتحاكم إلى الكفار، أو يصغي إليهم.

    1.   

    تلخيص لتفسير ما سبق من آيات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد تقدم معنا قول ربنا جل جلاله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:109-110].

    أخبر ربنا جل جلاله بأن المشركين المعاندين، المحادين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أقسموا أيماناً مغلظة لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وكانت الآية التي طلبوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله عليهم من السماء ملكاً، أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو أن يصير لهم بطحاء مكة ذهباً، أو أن يحيي من مات من آبائهم خاصة قصي بن كلاب من مرة ؛ لأنه كان رجلاً صادقاً بزعمهم؛ من أجل أن يسألوه: هل محمد صلى الله عليه وسلم صادق أم كاذب؟ فقال الله عز وجل: قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام:109]، فالله عز وجل هو مالكها، وهو قادر عليها، لو شاء أن ينزلها لنزلها، ثم قال ربنا جل جلاله: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:109]، فلربما جاءت هذه الآيات تترى، ثم بعد ذلك أعرضوا وكذبوا.

    وأخبر ربنا جل جلاله أنهم مصروفون عن الحق، فقال: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ [الأنعام:110]، جزاء على كفرهم.. كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ [الأنعام:110]، نتركهم (في طغيانهم) في غيهم وضلالهم ومجاوزتهم لحدود الله عز وجل. يَعْمَهُونَ [الأنعام:110]، كقول ربنا جل جلاله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:155]، وكقوله سبحانه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ...)

    ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].

    أي: لو فرض أننا نزلنا إليهم الملائكة بحسب طلبهم، كما مر معنا في هذه السورة في قول الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ [الأنعام:8]، وكما في سورة الإسراء: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً [الإسراء:92]، وفي سورة الفرقان: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود:12].

    فلو فرض أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، فبعثنا قصي بن كلاب ، وغيره ممن هلكوا؛ لأنهم كانوا يتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون له: فأتوا بآبائنا الأولين، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية:25]، كانوا دائماً يطلبون هذا الطلب، فلو فرض أن الله عز وجل بعث هؤلاء الأولين، فكلموهم عياناً، بياناً، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً [الأنعام:111]، وفي قراءة نافع و ابن عامر : (وحشرنا عليهم كل شيء قِبَلاً)، أما على قراءة (قُبلاً)، فالقبل جمع قبيل، كالسرر جمع سرير، وكل ما كان على وزن فعيل فإنه يجمع على فُعُل، أي: جماعات، جماعات، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً [الأنعام:111]، أي: جماعات، جماعات، فلو حشر الله لهم الدواب والأنعام والوحوش والطير، فشهدت بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].

    وأما على قراءة (قِبَلا) أي: مواجهة؛ ولذلك سمي وجه الإنسان قبل، وسمي ظهره دبر.

    وحشرنا عليهم كل شيء في مواجهتهم، وأمام أعينهم، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].

    يخبر الله جل جلاله في هذه الآية بأن الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، والهدى والضلال، كله بمشيئة رب العالمين جل جلاله، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال: مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178]، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً [الكهف:17]، فكل شيء بيده جل جلاله.

    وقد مضى معنا بيان هذا المعنى مفصلاً عند قول ربنا جل جلاله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:107].

    وسيأتي معنا في الآية التي بعدها: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، وجماع ذلك قول ربنا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإنسان:30]، وقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    وقوله: مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام:111]، (ولكن أكثرهم يجهلون) فيها وجهان لأهل التفسير:

    قال بعضهم: (ولكن أكثرهم) أي: الكفار، ولكن أكثر الكفار يجهلون.

    والوجه الثاني: قالوا: المراد: المشركون والمؤمنون، (ولكن أكثرهم يجهلون) بأنه لو جاءتهم هذه الآية فلا يستطيعون الإيمان إلا أن يشاء الله، ولا شك أن هذه الآية المباركة يصدقها الواقع الذي روته لنا كتب السير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أراهم من آيات الله الشيء الكثير، وأعظم ذلك القرآن الكريم، الذي تحداهم الله به، وعلموا يقيناً أنهم عاجزون عن الإتيان بسورة مثله، ومع ذلك كفروا.

    فأراهم صلوات ربي وسلامه عليه انشقاق القمر حتى كان نصف فوق حراء، ونصف دونه، وقال: اشهدوا يا معشر قريش! ومع ذلك كفروا.

    ومن الآيات العظيمة: ما كانوا يرونه من أخلاق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في صدقه وأمانته، وعفته وطهارته، وما كان عليه من الخلق الفاضل والأدب الكامل، ومع ذلك ما آمنوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ...)

    ثم قال عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].

    هذه الآية يسلي الله جل جلاله ويواسي بها نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، فيقول له: يا محمد! إن عاداك هؤلاء المشركون وصد عن دعوتك الكافرون، فلست ببدع من الرسل، فإن الأنبياء الذين كانوا من قبلك، كذلك جعل الله لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، مثل ما قال الله عز وجل: مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت:43]، وقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر:25]، وقوله: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، وقوله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34]، وقوله: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات:52]، (وكذلك) أي: مثل هذا الجعل للأعداء لك، جعلنا لكل نبي كذلك، كما قال ربنا في سورة الفرقان: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31]، فما سلم من ذلك أحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

    قال أهل التفسير: هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما عانى من منكر المشركين ما عانى، وقد أجمل ربنا جل جلاله ذلك في قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    إطلاقات الفعل (جعل) في القرآن الكريم وفي لغة العرب

    قوله: (وكذلك جعلنا) هذا الفعل "جعل" في القرآن الكريم يطلق مراداً به أحد ثلاثة معان:

    المعنى الأول: جعلنا بمعنى: صيرنا، كما في هذه الآية: وكذلك صيرنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن.

    المعنى الثاني: الجعل بمعنى: الخلق، كما في قول ربنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1]، أي: وخلق الظلمات والنور.

    المعنى الثالث: الجعل بمعنى: الاعتقاد، فجعل بمعنى: اعتقد، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً [الزخرف:19]، وفي قراءة: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً)، أي: اعتقدوا الملائكة إناثاً.

    وفي غير القرآن إطلاق رابع تكلم به العرب وهو: جعل بمعنى شرع، شرع وطفق، كما تقول: جعل يقول بيديه هكذا، أو فجعل يأكل الطعام، أي: شرع في أكل الطعام، فجعلت أرميهم بالنبل، أي: طفقت وشرعت، ونحو ذلك.

    اشتقاق لفظ النبي والقراءات فيه

    قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ [الأنعام:112]، (النبي) هكذا قرئ في القرآن كله إلا في موضعين من الأحزاب في قراءة نافع بالهمز: (وكذلك جعلنا لكل نبيء)، وإذا جاءت جمع سلامة لمذكر أيضاً بالهمز: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين)، وكذلك لو كانت جمع تكسير، كما في قوله تعالى: (وقتلهم الأنبئاء بغير حق).

    أما على قراءة الهمز فالنبيء مشتق من "النبأ" وهو الخبر ذو البال، الخبر العظيم، تقول العرب: جاءني نبأ الأمير، ولا تقول العرب: جاءني نبأ حمار الحجام مثلاً؛ لأن حمار الحجام عاش أو مات، مرض أو صح، فليس بنبأ، وإنما هو خبر.

    وأما على قراءة الجمهور بياء غير مهموزة: النبي، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ [الأنعام:112]، أو بالجمع: النبيين، أو بجمع التكسير: الأنبياء، فهي على أحد تأويلين:

    التأويل الأول: أنها أيضاً من النبأ، وهي لغة في النبي، كما في قول ربنا جل جلاله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، وفي قراءة: (إنما النسي زيادة في الكفر)، فالنسيء والنسي لغتان، فكذلك النبيء والنبي لغتان من النبأ.

    التأويل الثاني: أن النبي غير مهموزة، مشتقة من النبوة، وهو الارتفاع؛ لأن النبي عند الله شأنه عظيم ومكانته سامية.

    وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ [الأنعام:112]، والنبي شرعاً هو: رجل من عباد الله أوحى الله إليه وأمره بالبلاغ.

    الأوجه الإعرابية في لفظ (عدواً) من قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً ...)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112]، قول الله عز وجل: (عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ) فيها وجهان من الإعراب:

    الوجه الأول: أنها مفعول ثان لجعلنا، والمفعول الأول: شياطين الإنس والجن، وعلى ذلك فتأويل الآية: وكذلك جعلنا لكل نبي شياطين الإنس والجن عدواً.

    التأويل الثاني: أن المفعول الأول هو الجار والمجرور في قوله تعالى: لِكُلِّ نَبِيٍّ [الأنعام:112]، والمفعول الثاني: شياطين، وعلى ذلك يكون "عدواً" بدلاً منها، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً [الأنعام:112]، والعدو هو: من يكيد لك، ويضمر لك الضرر ويريد بك الشر، وأما الشياطين فجمع شيطان، والشيطان يطلق على كل عات متمرد من جنسه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الكلب الأسود شيطان )، أي: أنه في جنسه قد عظم ضرره وشره، ومنه قول جرير :

    أيام يدعونني الشيطان من غزل وهن يهوينني إذ كنت شيطاناً

    اشتقاق لفظ (الشيطان)

    الوجه الأول: كلمة الشيطان هذه لأهل التفسير فيها وجهان في اشتقاقها:

    إما أن تكون مشتقة من شطن إذا بعد، ومنه قول العرب: بئر شطون، إذا كان قعرها بعيداً، فسمي الشيطان شيطاناً على هذا الوجه؛ لأنه أبعد خلق الله من رحمة الله، نسأل الله العافية!

    الوجه الثاني: أن كلمة الشيطان مأخوذة من شاط.. يشيط، إذا هلك واحترق.

    فعلى الوجه الأول يكون وزنها الصرفي: فيعال، الشيطان من شطن، فالياء والألف زائدتان، فيكون الوزن فيعال، وأما على التأويل الثاني أنها من شاط يشيط تكون على وزن فعلال.

    وجه إفراد كلمة (عدو) وجمع كلمة (شياطين)

    يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112]، والسؤال هنا: كلمة (الشياطين) جمع، وكلمة العدو مفرد فكيف جعل ربنا جل جلاله العدو الذي هو مفرد بدلاً من شياطين التي هي جمع؟

    والجواب: بأن هذا قد تكرر في القرآن، أنه إذا كان المفرد اسم جنس فإنه يصح إطلاقه على الواحد والجمع إذا احتفت بذلك قرائن، كقول ربنا جل جلاله في سورة النساء: فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:92]، قال: وإن كان من قوم عدو، ولم يقل: وإن كان من قوم أعداء، ومثله في سورة المنافقون قول ربنا: هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون:4]، أي: هم الأعداء، ومثله قول ربنا جل جلاله في الحجر: قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ [الحجر:68]، أي: أضيافي، ومثله في الذاريات: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24]، ما قال: أضياف إبراهيم، أو ضيوف إبراهيم، ومثله في النور قول ربنا جل جلاله: أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا [النور:31]، أي: الأطفال، ومثله قوله في السورة نفسها: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور:63]، أي: أوامره جل جلاله، ومثله في المائدة قول ربنا جل جلاله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، أي: أجناباً، والخطاب هنا للجمع، ومثله في الفرقان قول ربنا جل جلاله: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75]، أي: الغرفات، كما في قول ربنا سبحانه: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر:20]، وقوله سبحانه: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37]، ومثله في السورة نفسها قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]، أي: أئمة، ومثله قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر:54]، أي: أنهاراً؛ بدليل قوله تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15]، فالمقصود: أن المفرد إذا كان اسم جنس فإنه يصح إطلاقه على الواحد والجماعة.

    وتأويل هذه الآية: وكذلك جعلنا لكل نبي أعداء، شياطين الإنس والجن.

    عالم الإنس والجن

    أما الإنس فمعروفون، وأما الجن فهم عالم من خلق الله عز وجل مخالف لعالم الإنس وعالم الملائكة، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم مخلوقون من نار، كما في حديث أمنا عائشة في صحيح مسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم )، وعلم من مجموع أدلة الكتاب والسنة أن الجن صنف من خلق الله عز وجل يأكلون ويشربون، ويتناكحون ويتناسلون، وأن فيهم المسلم والكافر، وأن المسلمين فيهم منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وأن هؤلاء النفر بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، وأن هؤلاء الجن كان فيهم منذرون، كما قال ربنا جل جلاله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130].

    وبينت أدلة الكتاب والسنة أنهم مكلفون، مأمورون، منهيون، وأن عاصيهم في النار وأن مطيعهم في الجنة، قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38].

    قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112]، في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـأبي ذر : تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن، فقال أبو ذر : يا رسول الله! وهل للإنس من شياطين؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم )، فهاهنا يبين ربنا جل جلاله أن النبي، أي نبي، عاداه من خلق الله صنفان: صنف من الإنس وصنف من الجن، وقال بعض أهل التفسير: بل تأويل هذه الآية: أن الشياطين من الجن، لكنهم صنفان: بعضهم يوحي للجن وبعضهم يوحي للإنس، ولكن الوجه الأول يشهد له الحديث الذي ذكرته، حديث أبي ذر وقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضاً مما يدل على أن له أصلاً.

    كيفية التعامل مع شياطين الإنس وشياطين الجن

    قد بين ربنا جل جلاله في ثلاثة مواضع من كتابه: كيف نتعامل مع شيطان الإنس؟ وكيف نتعامل مع شيطان الجن؟

    فشيطان الإنس نعامله بالحسنى، فنحسن إليه ونقابل إساءته بالإحسان، ونتودد إليه ما استطعنا من أجل أن نحول عداوته محبة وضرره نفعاً، ومن أجل أن نكسر شوكته ونقلل حدته، ونحول قلبه من البغض إلى المحبة، وأما شيطان الجن، فليس لنا سبيل إلا أن نستعيذ بالله من شره.

    الموضع الأول: في سورة الأعراف، قال ربنا جل جلاله: خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، ثم قال: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:200].

    الموضع الثاني: في سورة المؤمنون، قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:96-98].

    الموضع الثالث: في سورة فصلت، قال الله عز وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35]، ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36].

    تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع من ترجى هدايته

    دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مواجهة الشيطان الإنسي بالرأفة والرحمة ومحبة الخير له تقوده في الغالب إلى خير، وقد تتابعت في ذلك أحداث السيرة، ومن ذلك:

    أن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( لما جاءه الأعرابي، فجبذه من ردائه حتى أثر الرداء في عنقه، وقال له: يا محمد! أعطني، ليس المال مالك ولا مال أمك ولا مال أبيك، فأراد الصحابة أن يبطشوا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه، ودخل بيته فحمل له على بعيره مما آتاه الله من دقيق وسمن وعسل، ثم قال له: أتراني وفيتك؟! فقال له الأعرابي: لا أعطيت ولا وفيت ولا جزاك الله خيراً، فحمل له صلى الله عليه وسلم ثانية، وقال له: أتراني وفيتك؟! فقال: أعطيت ووفيت وجزاك الله خيراً، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: مثلي ومثلكم مع الأعرابي، كرجل ند عنه بعيره فركض الناس خلفه فما زادوه إلا شروداً، فقال صاحبه: دعوه، فأنا أعلم به، فأخذ شيئاً من خشاش الأرض، وما زال يدنيه حتى أمسك به، وإني لو تركتكم والرجل فقتلتموه لدخل النار ).

    وكذلك: ( لما جاء زيد بن سعنة ، وكان من يهود المدينة، وكان قد استسلف منه النبي صلى الله عليه وسلم أوسقاً من شعير، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأغلظ له القول: فقال: قم، يا محمد! وفني حقي، فإنكم يا بني عبد المطلب! قوم مطل )، أي: تماطلون، وتأكلون حقوق الناس، ( فقام عمر رضي الله عنه وأمسك باليهودي فطرحه أرضاً وأراد أن يبطش به، فقال له عليه الصلاة والسلام: كنت أنا وهو أحوج إلى غير هذا منك، تأمره بحسن التقاضي وتأمرني بحسن الأداء، ثم قال له: اذهب، ووفه حقه وزده عشرين صاعاً جزاء ما روعته، فاليهودي بعدما قبض ماله واطمأن، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد! لقد عهدن فيك أخلاق النبوة كلها، إلا خلقاً واحداً ما عهدته إلا الساعة، أن حلمك يسبق غضبك، أشهد أن لا إلا أله الله وأنك رسول الله ).

    فالدفع بالتي هي أحسن ما أعظم أثره! وما أبين فضله! خاصة إذا كان مع عباد الله المؤمنين.

    تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع من زاد شره وتبين ضرره وظن أنهم مصروفون عن الهداية

    أما الكافر الذي تطاير شرره وعرف ضرره، فإنه لا بد من الإغلاظ عليه، كما قال ربنا في موضعين من القرآن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، ومدح ربنا جل جلاله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وفي موضع آخر قال: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غليظاً مع هؤلاء الكفار الذين ظهر شرهم وتبين أنهم مصروفون عن الهدى، ( فهذا عدو الله أبو جهل لعنه الله، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً عند الكعبة، قال له: يا محمد! ألم أنهك؟ يعني: ألم أمنعك من هذه الصلاة؟ فما انزوى النبي صلى الله عليه وسلم ولا قال له: اذهب بسلام، بل أغلظ عليه صلى الله عليه وسلم وزجره، فارتد عدو الله حسيراً كسيراً ).

    وكذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط ، ( لما كان في يوم بدر نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخرجه من بين الأسرى وأمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بأن يضرب عنقه، فقال له عقبة: أنا من بين الناس يا محمد؟! قال: نعم، قال: ولم؟ قال: بأذيتك لله ورسوله، قال: فمن للصبية يا محمد؟! )، يعني: يستعطف الرسول عليه الصلاة والسلام.. بأن عنده أطفال، ( قال: النار )، أي: لصبيتك النار، ونبينا صلى الله عليه وسلم أرأف الناس وأرحم الناس وألطف الناس وخير الناس للناس، لكنه عليه الصلاة والسلام الضحوك القتال، لين في موضع اللين وشديد في موضع الشدة.

    معنى قوله تعالى: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ...)

    قال الله عز وجل: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]، (يوحي) الوحي هو: الإعلام في خفاء، قد يكون بالإشارة وقد يكون بالكتابة وقد يكون بالكلام، بالإشارة كما في قول الله عز وجل: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً [مريم:11]، (فأوحى) أي: أشار؛ لأن الله عز وجل في سورة آل عمران قال: آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً [آل عمران:41]، أي: بالإشارة.

    وقوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ [الأنعام:112]، على ثلاثة أنواع:

    يوحي شياطين الجن للجن، ويوحي شياطين الجن للإنس، ويوحي شياطين الإنس للإنس.

    وقوله: زُخْرُفَ الْقَوْلِ [الأنعام:112]، أي: يزخرفون القول، زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]، وقد كانوا فيما مضى يزخرفون لنا بأن الشيوعية مساواة بين بني الإنسان، وأن الاشتراكية: أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط، وألا يكون في الناس غني وفقير، بل كلهم سواء، وفي أيامنا هذه بعدما فضح الله كذبهم وأظهر عوارهم يوحون إلينا ويزخرفون لنا بأن العلمانية تضمن أن يعيش الناس بسلام على اختلاف أعراقهم وأديانهم ولغاتهم وثقافاتهم والواقع يكذبهم، فها هي بلاد تحكم بالعلمانية مذ عرفناها وما زال أهلها مصطرعين، مختلفين، متعادين، كبلاد الهند مثلاً أو لبنان مثلاً، فما حكمت بالإسلام من عهد بعيد، ومع ذلك ما عاش أهلها سلاماً ولا أماناً، لكن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.

    ومثلما يزخرفون من القول الآن: بأن هذا الزمان هو زمان تعايش الحضارات والتسامح الديني، وأن عصر صراع الأديان قد انقضى وانتهى والواقع يكذبهم، فالصراعات الدائرة في دنيا البشر اليوم لا يحركها إلا الدين، فهؤلاء اليهود حين يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى تحركهم نبوءات توراتية، وتعليمات من أحبارهم وحاخاماتهم، وقل مثل ذلك حين يسلط الصليبيون من الأمريكان وغيرهم تلك الحروب المدمرة على العراق وأفغانستان وغيرها من بلاد الله، فالذي يحركهم هو الدين، وقد صرحوا بهذا غير مرة.

    لكن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويخدع بذلك السذج من المسلمين أو من في قلوبهم مرض عياذاً بالله.

    الأوجه الإعرابية لكلمة (غروراً)

    قوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]، كلمة "غروراً" فيها ثلاثة أوجه من التفسير:

    الوجه الأول وهو أجودها وأحسنها: أنه مفعول لأجله؛ بدلالة قول الله عز وجل بعدها: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا [الأنعام:113]، فعطف هذه الأفعال باللام المفيدة للتعليل، وهذا هو الوجه الأول.

    الوجه الثاني: أن الغرور هاهنا منصوبة على الحالية، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول حال كون هذا القول غروراً.

    الوجه الثالث: أنها نائبة مناب المفعول المطلق، وتقدير الكلام: وليغرهم غروراً، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]،كذباً وبهتاناً.

    معنى قوله تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون)

    قال الله عز وجل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، يرجع ربنا جل جلاله فيبين أن كل ما يحدث في هذا الكون إنما هو واقع بمشيئتة سبحانه وتعالى.

    فَذَرْهُمْ [الأنعام:112]، "ذرهم" اتركهم، وهذا الفعل "ذرهم" لم يسمع منه إلا المضارع والأمر، "ذر" و "يذر" ولم يسمع منه ماض ولا مصدر، بينما الفعل المرادف له سمع منه الماضي والمضارع والأمر، ترك.. يترك.. اترك، واسم الفاعل منه: تارك، واسم المفعول منه: متروك.

    فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، و"ما" إما أن تكون مصدرية: فذرهم وافتراءهم، وإما أن تكون موصولة: فذرهم والذي يفترون، ومعنى الآية: التهديد، كما في قول ربنا جل جلاله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، وكما في قوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40]، وكما في قوله تعالى: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، وهذا كله للتهديد.

    ومعنى: فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، اتركهم يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه- فإني كفيل بحسابهم، ضامن لعقوبتهم، فذرهم وما يفترون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ...)

    قال الله عز وجل: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113].

    "ولتصغى" مشتق من صغى.. يصغى، أو صغى.. يصغي، أو أصغى.. يصغي إصغاء، وهذا الفعل أصله الميل، "ولتصغى" أي: لتميل، ومنه قول الله عز وجل: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]، أي: فقد مالت إلى ما يكرهه محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب لأمنا عائشة و حفصة رضوان الله عليهما.

    وَلِتَصْغَى [الأنعام:113]، أي: ولتميل إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو: القلب.

    وَلِيَرْضَوْهُ [الأنعام:113]، أي: ليرضوا هذا القول المزخرف الذي هو في حقيقته غرور.

    وَلِيَقْتَرِفُوا [الأنعام:113]، الاقتراف أصله الاكتساب.

    وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113]، من الكفر والشقاق، والصد عن سبيل الله عز وجل.

    يقول العلامة المفسر، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: وهذه الآية قد رتبت ترتيباً بديعاً عجيباً، على أحسن ما يكون، فإن الله عز وجل بين أنهم في أول الأمر قد مالت قلوبهم إلى هذا القول المزخرف، وَلِتَصْغَى [الأنعام:113]، أي: لتميل، ثم بعد ما مالت ارتضوه، نسأل الله العافية!

    وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ [الأنعام:113]، ثم بعد الرضا شاركوا في هذا الباطل وفي هذا الغرور: وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً...)

    قال ربنا جل جلاله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:114].

    سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش بلغ من حيلتهم أنهم يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضاً، فقالوا له: يا محمد! هلم إلى علماء اليهود والنصارى، اذهب معنا إليهم، نسألهم عنك، فإنهم أهل العلم بالكتاب الأول.

    وجاءوا في يوم آخر فقالوا له: يا محمد! هلم إلى بعض كهنتنا يحكمون بيننا وبينك، فلقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم حجته، وأمره أن يقول لهم: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [الأنعام:114]، أذهب إلى الكهنة! وأذهب إلى الأحبار والرهبان! وهم الكذابون الأفاكون، الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم! كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام:114]، فأهل الكتاب هؤلاء كتموا الحق وهم يعلمونه؛ ولذلك لما أرسل كفار قريش رجلين إلى يهود المدينة، وقالوا لهم: قد ظهر فينا رجل اسمه محمد، يزعم أن الله أرسله، فبدلاً من أن يقول لهم اليهود: هو رسول الله حقاً، وقد عرفناه ووجدناه مكتوباً عندنا في التوراة، وصفته كذا وكذا وكذا، ونسبه كذا وكذا، لجأوا إلى الحيلة فقالوا: سلوه عن أمور ثلاثة: عن فتية خرجوا في الدهر الأول ما خبرهم؟ وعن رجل ملك المشارق والمغارب؟ وسلوه عن الروح؟

    فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بخبر أصحاب الكهف، وهم الفتية الذين خرجوا في الدهر الأول، وأوحى إليه بخبر ذي القرنين الذي ملك المشارق والمغارب، وأنزل عليه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، ولكنهم مع ذلك كلاهما؛ كفار قريش ويهود المدينة أصروا على الكفر، بل أكثر من ذلك: لجأ اليهود إلى التزوير والتلبيس والتدليس، فلما جاء حيي بن أخطب النضري إلى كفار مكة يحرضهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له كفار قريش: يا معشر يهود! أنتم أهل العلم، نسألكم -بالله ديننا خير أم دين محمد؟ والجواب معروف، لكن اليهودي لجأ إلى الحيلة، فقال: ما دينكم؟ صفوا لي دينكم، قالوا: نحن ننحر الكوماء، -(الكوماء): الناقة السمينة- في قلب الشتاء، ونطعم الضيف ونكسب المعدوم، فقال: والله إن دينكم خير من دين محمد! وهل علم عدو الله أن دين محمد يحث على طرد الضيف أو علم أن دين محمد يحث على قهر اليتيم وإيذاء المسكين، لكن قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النساء:51-54]، أي: محمد صلى الله عليه وسلم، فهو عموم أريد به الخصوص، عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، وهذا هو حال اليهود.

    الحاكمية في حياة المؤمن

    قال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [الأنعام:114]؟ هذا السؤال تكرر في السورة ثلاث مرات، السؤال الأول: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام:14]؟ وهذا السؤال الثاني: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [الأنعام:114]؟ والسؤال الثالث: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً [الأنعام:164]؟ فالتلازم حاصل بين القضايا الثلاث، إذا كنت لا تبتغي غير الله رباً ولا تبتغي غير الله ولياً، فلا تبتغِ غير الله حكماً، فالله جل جلاله هو الحكم، قال أهل التفسير: الحكم أبلغ من الحاكم؛ لأن الحاكم يطلق على كل من يحكم، سواء كان يحكم بعدل أم بجور، بإنصاف أم بظلم، أما كلمة "الحكم" فلا تطلق إلا على من يحكم بالعدل، وهو الله جل جلاله، فهو منزه عن الظلم، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49]، ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ).

    التفصيل الذي أنزله الله تعالى في القرآن الكريم

    وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام:114]، أنزل إليكم الكتاب، أي: هذا القرآن، "مفصلاً " كما قال سبحانه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1]، فصل الله فيه الحلال والحرام، والعقائد والآداب والقصص والأمثال، وفصل فيه ما يحتاج إليه الإنسان في خاصة نفسه، وفي علاقته بزوجه وأولاده ووالديه وجيرانه وأرحامه وأصدقائه وأعدائه، وفصل الله فيه كل ما يحتاج إليه الناس، كما قال سبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، فلا يحتاج معه الناس إلى شيء آخر، لكن بعد ذلك يفتح الله عز وجل على من شاء من عباده، فليس الناس سواء في فهم القرآن.

    ولذلك ورد في صحيح البخاري : عن أبي جحيفة رحمه الله أنه سأل أبا تراب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: ( هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه وما في هذه الصحيفة، وكان في الصحيفة العقل، أي: الديات، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر )، والشاهد قول علي رضي الله عنه: إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه، والناس في ذلك ما بين مقل ومستكثر.

    نسأل الله أن يفهمنا القرآن.

    نزول القرآن من عند الله

    قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام:114].

    يعلمون أن هذا القرآن منزل من عند الله، وأنه يخبرهم بأمور لا يعلمها إلا نبي، ومحمد صلى الله عليه وسلم لولا أنه نبي ما كان يعلمها، كما قال ربنا جل جلاله بعد قصة نوح: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود:49]، وكما قال في قصة يوسف عليه السلام: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف:102]، وفي خبر مريم : وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران:44]، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص:46] وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا [القصص:44]، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان موجوداً ولا كان عليه الصلاة والسلام يدرس على فلان أو فلان من أجل أن يعلم تلك الأخبار، بل كان بنو إسرائيل يخفون أشياء والقرآن أخبرهم بها: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ [المائدة:15]، مثل حكاية أهل الحيتان، لما مسخهم الله قردة، فقد كانوا يخفون هذا والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أظهره بوحي الله.

    المراد بالخطاب في قوله تعالى: (فلا تكونن من الممترين)

    قال الله عز وجل: فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:114]، نهي مؤكد بالنون الثقيلة، و(الممتر) من الامتراء وهو: الشك، فلا تكونن من الشاكين، والسؤال: هل شك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا والله! ولا يوماً من الأيام، ولا لحظة من اللحظات، فما المراد بهذا الخطاب؟

    قال أهل التفسير: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، كقول الله عز وجل: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الإنسان:24]، وكقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، وما أطاع النبي صلى الله عليه وسلم يوماً آثماً أو كفوراً، وما أطاع كافراً أو منافقاً، وكان صلى الله عليه وسلم خير عباد الله المتقين، لكن أحياناً القرآن يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ويقصد أمته، ومثال ذلك -وهو من أوضح الأمثلة- قول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ومعلوم عند نزول هذه الآية أنه لا أحد من أبويه حي، فقد كان أبوه ميتاً وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه آمنة وهو عليه الصلاة والسلام ابن ست سنين، فليس هناك أب أو أم من أجل أن يقال له: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فالخطاب هاهنا للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة، على عادة العرب كما يقولون: "إياك اعني واسمعي يا جارة" يعني: يخاطبون فلاناً ويقصدون الآخر، قالوا: وأصل هذا المثل رجل من فزارة اسمه سهل بن مالك نزل على رجل من طي يقال له: حارثة بن لأم الطائي ولم يجد صاحبه هذا.. حارثة ، لكن وجد أخته، وقد أكرمته وأحسنت وفادته، فأعجب بجمالها، فقال معرضاً لها بالزواج:

    يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزارة

    أصبح يهوى حرة معطارة إياك أعني واسمعي يا جارة

    لكن للأسف هي ما تلقت هذه الرسالة بما ينبغي، وفهمت مباشرة ثم قالت له:

    إني أقول يا فتى فزارة لا أبتغي الزوج ولا الدعارة

    ولا فراق أهل هذي الحارة فارحل إلى أهلك باستخارة

    فالله عز وجل لما قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:114]، ليس المقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم بل جرى على عادة العرب في خطابهم.

    ثم قال ربنا جل جلاله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115].

    إن شاء الله نعرض لهذه الآية في الدرس الآتي؛ لكن تذكروا أن فيها قراءتين: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115]، والقراءة الأخرى: (وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً)، ومعلوم بأن المفرد إذا أضيف فإنه يصح فيه الجمع كذلك، كما في قول ربنا: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، المقصود: وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها.

    أسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وذهاب همومنا وجلاء أحزاننا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا وأن يذكرنا منه ما نسينا.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.