اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [111-114] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآيات [111-114] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
يخبر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن الكفار المعاندين لن يؤمنوا حتى لو نزلت إليهم الملائكة وكلمهم الموتى، وأن كفرهم بسبب جهلهم، وأن كل الأنبياء لهم أعداء من الإنس والجن، وأن هذه العداوة بمشيئة الله، ونهاه أن يتحاكم إلى الكفار، أو يصغي إليهم.
تلخيص لتفسير ما سبق من آيات
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:فقد تقدم معنا قول ربنا جل جلاله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:109-110].أخبر ربنا جل جلاله بأن المشركين المعاندين، المحادين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أقسموا أيماناً مغلظة لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وكانت الآية التي طلبوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله عليهم من السماء ملكاً، أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو أن يصير لهم بطحاء مكة ذهباً، أو أن يحيي من مات من آبائهم خاصة قصي بن كلاب من مرة ؛ لأنه كان رجلاً صادقاً بزعمهم؛ من أجل أن يسألوه: هل محمد صلى الله عليه وسلم صادق أم كاذب؟ فقال الله عز وجل: قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام:109]، فالله عز وجل هو مالكها، وهو قادر عليها، لو شاء أن ينزلها لنزلها، ثم قال ربنا جل جلاله: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:109]، فلربما جاءت هذه الآيات تترى، ثم بعد ذلك أعرضوا وكذبوا.وأخبر ربنا جل جلاله أنهم مصروفون عن الحق، فقال: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ [الأنعام:110]، جزاء على كفرهم.. كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ [الأنعام:110]، نتركهم (في طغيانهم) في غيهم وضلالهم ومجاوزتهم لحدود الله عز وجل. يَعْمَهُونَ [الأنعام:110]، كقول ربنا جل جلاله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:155]، وكقوله سبحانه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].
 

تفسير قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ...)
ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].أي: لو فرض أننا نزلنا إليهم الملائكة بحسب طلبهم، كما مر معنا في هذه السورة في قول الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ [الأنعام:8]، وكما في سورة الإسراء: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً [الإسراء:92]، وفي سورة الفرقان: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود:12].فلو فرض أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، فبعثنا قصي بن كلاب ، وغيره ممن هلكوا؛ لأنهم كانوا يتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون له: فأتوا بآبائنا الأولين، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية:25]، كانوا دائماً يطلبون هذا الطلب، فلو فرض أن الله عز وجل بعث هؤلاء الأولين، فكلموهم عياناً، بياناً، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً [الأنعام:111]، وفي قراءة نافع و ابن عامر : (وحشرنا عليهم كل شيء قِبَلاً)، أما على قراءة (قُبلاً)، فالقبل جمع قبيل، كالسرر جمع سرير، وكل ما كان على وزن فعيل فإنه يجمع على فُعُل، أي: جماعات، جماعات، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً [الأنعام:111]، أي: جماعات، جماعات، فلو حشر الله لهم الدواب والأنعام والوحوش والطير، فشهدت بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].وأما على قراءة (قِبَلا) أي: مواجهة؛ ولذلك سمي وجه الإنسان قبل، وسمي ظهره دبر.وحشرنا عليهم كل شيء في مواجهتهم، وأمام أعينهم، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].يخبر الله جل جلاله في هذه الآية بأن الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، والهدى والضلال، كله بمشيئة رب العالمين جل جلاله، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال: مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178]، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً [الكهف:17]، فكل شيء بيده جل جلاله. وقد مضى معنا بيان هذا المعنى مفصلاً عند قول ربنا جل جلاله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:107]. وسيأتي معنا في الآية التي بعدها: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، وجماع ذلك قول ربنا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإنسان:30]، وقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].وقوله: مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام:111]، (ولكن أكثرهم يجهلون) فيها وجهان لأهل التفسير: قال بعضهم: (ولكن أكثرهم) أي: الكفار، ولكن أكثر الكفار يجهلون.والوجه الثاني: قالوا: المراد: المشركون والمؤمنون، (ولكن أكثرهم يجهلون) بأنه لو جاءتهم هذه الآية فلا يستطيعون الإيمان إلا أن يشاء الله، ولا شك أن هذه الآية المباركة يصدقها الواقع الذي روته لنا كتب السير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أراهم من آيات الله الشيء الكثير، وأعظم ذلك القرآن الكريم، الذي تحداهم الله به، وعلموا يقيناً أنهم عاجزون عن الإتيان بسورة مثله، ومع ذلك كفروا.فأراهم صلوات ربي وسلامه عليه انشقاق القمر حتى كان نصف فوق حراء، ونصف دونه، وقال: اشهدوا يا معشر قريش! ومع ذلك كفروا.ومن الآيات العظيمة: ما كانوا يرونه من أخلاق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في صدقه وأمانته، وعفته وطهارته، وما كان عليه من الخلق الفاضل والأدب الكامل، ومع ذلك ما آمنوا.
 

تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ...)
ثم قال عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].هذه الآية يسلي الله جل جلاله ويواسي بها نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، فيقول له: يا محمد! إن عاداك هؤلاء المشركون وصد عن دعوتك الكافرون، فلست ببدع من الرسل، فإن الأنبياء الذين كانوا من قبلك، كذلك جعل الله لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، مثل ما قال الله عز وجل: مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت:43]، وقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر:25]، وقوله: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، وقوله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34]، وقوله: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات:52]، (وكذلك) أي: مثل هذا الجعل للأعداء لك، جعلنا لكل نبي كذلك، كما قال ربنا في سورة الفرقان: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31]، فما سلم من ذلك أحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.قال أهل التفسير: هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما عانى من منكر المشركين ما عانى، وقد أجمل ربنا جل جلاله ذلك في قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].
 معنى قوله تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون)
قال الله عز وجل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، يرجع ربنا جل جلاله فيبين أن كل ما يحدث في هذا الكون إنما هو واقع بمشيئتة سبحانه وتعالى. فَذَرْهُمْ [الأنعام:112]، "ذرهم" اتركهم، وهذا الفعل "ذرهم" لم يسمع منه إلا المضارع والأمر، "ذر" و "يذر" ولم يسمع منه ماض ولا مصدر، بينما الفعل المرادف له سمع منه الماضي والمضارع والأمر، ترك.. يترك.. اترك، واسم الفاعل منه: تارك، واسم المفعول منه: متروك. فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، و"ما" إما أن تكون مصدرية: فذرهم وافتراءهم، وإما أن تكون موصولة: فذرهم والذي يفترون، ومعنى الآية: التهديد، كما في قول ربنا جل جلاله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، وكما في قوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40]، وكما في قوله تعالى: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، وهذا كله للتهديد.ومعنى: فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، اتركهم يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه- فإني كفيل بحسابهم، ضامن لعقوبتهم، فذرهم وما يفترون.
تفسير قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ...)
قال الله عز وجل: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113]."ولتصغى" مشتق من صغى.. يصغى، أو صغى.. يصغي، أو أصغى.. يصغي إصغاء، وهذا الفعل أصله الميل، "ولتصغى" أي: لتميل، ومنه قول الله عز وجل: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]، أي: فقد مالت إلى ما يكرهه محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب لأمنا عائشة و حفصة رضوان الله عليهما. وَلِتَصْغَى [الأنعام:113]، أي: ولتميل إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو: القلب. وَلِيَرْضَوْهُ [الأنعام:113]، أي: ليرضوا هذا القول المزخرف الذي هو في حقيقته غرور. وَلِيَقْتَرِفُوا [الأنعام:113]، الاقتراف أصله الاكتساب. وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113]، من الكفر والشقاق، والصد عن سبيل الله عز وجل.يقول العلامة المفسر، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: وهذه الآية قد رتبت ترتيباً بديعاً عجيباً، على أحسن ما يكون، فإن الله عز وجل بين أنهم في أول الأمر قد مالت قلوبهم إلى هذا القول المزخرف، وَلِتَصْغَى [الأنعام:113]، أي: لتميل، ثم بعد ما مالت ارتضوه، نسأل الله العافية! وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ [الأنعام:113]، ثم بعد الرضا شاركوا في هذا الباطل وفي هذا الغرور: وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113].
 معنى قوله تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون)
قال الله عز وجل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، يرجع ربنا جل جلاله فيبين أن كل ما يحدث في هذا الكون إنما هو واقع بمشيئتة سبحانه وتعالى. فَذَرْهُمْ [الأنعام:112]، "ذرهم" اتركهم، وهذا الفعل "ذرهم" لم يسمع منه إلا المضارع والأمر، "ذر" و "يذر" ولم يسمع منه ماض ولا مصدر، بينما الفعل المرادف له سمع منه الماضي والمضارع والأمر، ترك.. يترك.. اترك، واسم الفاعل منه: تارك، واسم المفعول منه: متروك. فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، و"ما" إما أن تكون مصدرية: فذرهم وافتراءهم، وإما أن تكون موصولة: فذرهم والذي يفترون، ومعنى الآية: التهديد، كما في قول ربنا جل جلاله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، وكما في قوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40]، وكما في قوله تعالى: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، وهذا كله للتهديد.ومعنى: فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، اتركهم يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه- فإني كفيل بحسابهم، ضامن لعقوبتهم، فذرهم وما يفترون.
تفسير قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً...)
قال ربنا جل جلاله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:114].سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش بلغ من حيلتهم أنهم يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضاً، فقالوا له: يا محمد! هلم إلى علماء اليهود والنصارى، اذهب معنا إليهم، نسألهم عنك، فإنهم أهل العلم بالكتاب الأول.وجاءوا في يوم آخر فقالوا له: يا محمد! هلم إلى بعض كهنتنا يحكمون بيننا وبينك، فلقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم حجته، وأمره أن يقول لهم: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [الأنعام:114]، أذهب إلى الكهنة! وأذهب إلى الأحبار والرهبان! وهم الكذابون الأفاكون، الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم! كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام:114]، فأهل الكتاب هؤلاء كتموا الحق وهم يعلمونه؛ ولذلك لما أرسل كفار قريش رجلين إلى يهود المدينة، وقالوا لهم: قد ظهر فينا رجل اسمه محمد، يزعم أن الله أرسله، فبدلاً من أن يقول لهم اليهود: هو رسول الله حقاً، وقد عرفناه ووجدناه مكتوباً عندنا في التوراة، وصفته كذا وكذا وكذا، ونسبه كذا وكذا، لجأوا إلى الحيلة فقالوا: سلوه عن أمور ثلاثة: عن فتية خرجوا في الدهر الأول ما خبرهم؟ وعن رجل ملك المشارق والمغارب؟ وسلوه عن الروح؟فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بخبر أصحاب الكهف، وهم الفتية الذين خرجوا في الدهر الأول، وأوحى إليه بخبر ذي القرنين الذي ملك المشارق والمغارب، وأنزل عليه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، ولكنهم مع ذلك كلاهما؛ كفار قريش ويهود المدينة أصروا على الكفر، بل أكثر من ذلك: لجأ اليهود إلى التزوير والتلبيس والتدليس، فلما جاء حيي بن أخطب النضري إلى كفار مكة يحرضهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له كفار قريش: يا معشر يهود! أنتم أهل العلم، نسألكم -بالله ديننا خير أم دين محمد؟ والجواب معروف، لكن اليهودي لجأ إلى الحيلة، فقال: ما دينكم؟ صفوا لي دينكم، قالوا: نحن ننحر الكوماء، -(الكوماء): الناقة السمينة- في قلب الشتاء، ونطعم الضيف ونكسب المعدوم، فقال: والله إن دينكم خير من دين محمد! وهل علم عدو الله أن دين محمد يحث على طرد الضيف أو علم أن دين محمد يحث على قهر اليتيم وإيذاء المسكين، لكن قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النساء:51-54]، أي: محمد صلى الله عليه وسلم، فهو عموم أريد به الخصوص، عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، وهذا هو حال اليهود.
 المراد بالخطاب في قوله تعالى: (فلا تكونن من الممترين)
قال الله عز وجل: فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:114]، نهي مؤكد بالنون الثقيلة، و(الممتر) من الامتراء وهو: الشك، فلا تكونن من الشاكين، والسؤال: هل شك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا والله! ولا يوماً من الأيام، ولا لحظة من اللحظات، فما المراد بهذا الخطاب؟ قال أهل التفسير: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، كقول الله عز وجل: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الإنسان:24]، وكقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، وما أطاع النبي صلى الله عليه وسلم يوماً آثماً أو كفوراً، وما أطاع كافراً أو منافقاً، وكان صلى الله عليه وسلم خير عباد الله المتقين، لكن أحياناً القرآن يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ويقصد أمته، ومثال ذلك -وهو من أوضح الأمثلة- قول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ومعلوم عند نزول هذه الآية أنه لا أحد من أبويه حي، فقد كان أبوه ميتاً وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه آمنة وهو عليه الصلاة والسلام ابن ست سنين، فليس هناك أب أو أم من أجل أن يقال له: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فالخطاب هاهنا للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة، على عادة العرب كما يقولون: "إياك اعني واسمعي يا جارة" يعني: يخاطبون فلاناً ويقصدون الآخر، قالوا: وأصل هذا المثل رجل من فزارة اسمه سهل بن مالك نزل على رجل من طي يقال له: حارثة بن لأم الطائي ولم يجد صاحبه هذا.. حارثة ، لكن وجد أخته، وقد أكرمته وأحسنت وفادته، فأعجب بجمالها، فقال معرضاً لها بالزواج: يا أخت خير البدو والحضارةكيف ترين في فتى فزارة أصبح يهوى حرة معطارةإياك أعني واسمعي يا جارةلكن للأسف هي ما تلقت هذه الرسالة بما ينبغي، وفهمت مباشرة ثم قالت له: إني أقول يا فتى فزارةلا أبتغي الزوج ولا الدعارةولا فراق أهل هذي الحارةفارحل إلى أهلك باستخارة فالله عز وجل لما قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:114]، ليس المقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم بل جرى على عادة العرب في خطابهم.ثم قال ربنا جل جلاله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115].إن شاء الله نعرض لهذه الآية في الدرس الآتي؛ لكن تذكروا أن فيها قراءتين: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115]، والقراءة الأخرى: (وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً)، ومعلوم بأن المفرد إذا أضيف فإنه يصح فيه الجمع كذلك، كما في قول ربنا: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، المقصود: وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها.أسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وذهاب همومنا وجلاء أحزاننا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا وأن يذكرنا منه ما نسينا.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [111-114] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net