إسلام ويب

التعليق على مقدمة تفسير ابن جرير الطبري [2]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من تخفيف الله على هذه الأمة أن أنزل القرآن على سبعة أحرف. وقد اختلف في المراد بهذه الأحرف السبعة فقيل: هي لهجات عربية، وقيل معان سبعة، وقيل غير ذلك، حتى قال بعضهم: هي مما لا يعلم تأويله إلا الله. والأقرب أنها وجوه الاختلاف في الألفاظ مع اتفاق المعنى مثل: هلم، تعال، أقبل.

    1.   

    مقدمة تفسير الطبري

    بيان أن ألفاظ القرآن كلها عربية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله: [ قد دللنا على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه، على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الأمم، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغتها، فنقول الآن: إذ كان ذلك صحيحاً في الدلالة عليه بأي ألسن العرب أنزل، أبألسن جميعها أم بألسن بعضها؟ إذ كانت العرب، وإن جمع جميعها اسم أنهم عرب، فهم مختلفو الألسن بالبيان، متباينو المنطق والكلام. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جل ذكره قد أخبر عباده أنه قد جعل القرآن عربياً، وأنه أنزل بلسان عربي مبين، ثم كان ظاهره محتملاً خصوصاً وعموماً، لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه، إلا ببيان من جعل إليه بيان القرآن، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك كذلك، وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم بما حدثنا به خلاد بن أسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف، فالمراء في القرآن كفر ثلاث مرات، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ) ].

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    أراد الإمام الطبري رحمه الله تعالى بهذا ربط الفكرة السابقة وهي ما يتعلق بالمعرب بالفكرة اللاحقة وهي: بأي لغات العرب نزل القرآن، فبعد أن حرر أن القرآن كله نزل بلغة العرب، وأنه ليس فيه من لغات العجم شيء، وأن ما ورد من لغات العجم فإنما هو من باب توافق اللغات، وأنه لا يمكن لقائل أن يقول: إن هذه من لغة فارس إلا ألزم الدليل على قوله، ومن قال: إن العرب اختصوا بها فإنه يلزم أن يأتي بالدليل على قوله، فكأنه يريد أن يقول: إنه مما توافقت فيها اللغات، وهو قول من قال: في القرآن من كل لسان، أي: أن فيه من كل الألفاظ التي تتوافق فيها الألسن، وليس المراد أن فيه من لسان العجم المختص بهم، فهذا مراد أبي ميسرة في قوله: في القرآن من كل لسان. وليس مراده أنه يوجد في القرآن كلمات أعجمية مختصة بالعجم دون العرب، واستخدمت في القرآن، وإنما مراده أن في القرآن من الكلمات الأعجمية التي توافقت فيها مع لغة العربي، فمن قال: إنها أعجمية فصحيح من هذه الجهة، ومن قال: إنها عربية فصحيح من هذه الجهة، ولكن في النهاية لا يقال: إن هذه الأحرف التي نزل بها القرآن هي أعجمية محضة.

    وكما مر معنا سابقاً: أن الكلمات التي قيل: بأنها أعجمية مرتبطة بدلالات في الألفاظ، فمثلاً كلمة (قسورة) لو قلنا: إنها ليست عربية، وإنها حبشية بمعنى الأسد، فلو رجعنا إلى العرب في وقت نزول القرآن وسألناهم عن (قسورة) فسيقولون: هذه ليست من كلامنا، ولكننا نعرف أنها في الحبشية بمعنى الأسد. فقول من قال: إنها حبشية لا يعني أنها ليست عربية، بل هي مما نطقت به العرب، ونطقت بها أيضاً الحبشة، ومن باب الفائدة وهذه قضية تاريخية مرتبطة باللغات فإن ما يسمى باللغة الحبشية أصولها عربية، يعني: أصولها من تلك اللغة الاشتقاقية التي تكلمنا عليها سابقاً، فكثير من الألفاظ التي استخدمت عند الحبشة تتفق مع كثير مما يستخدمه العرب؛ لأن هذه المنطقة كلها كانت تتكلم بما يمكن أن نسميه بلغة مشتركة وهي لهجات متعددة على مر الزمان، فطبيعي أن يكون هناك ألفاظ مشتركة فيما بينهم وخذ مثالاً من الواقع المعاصر فالمغاربة لو نظرت إلى لهجتهم وكلماتهم غير الفرنسية الدخيلة لوجدت أن أصولها عربية، وقل مثل ذلك في الأفارقة الذين يسكنون ساحل البحر الأحمر كمصر ونحوها فإن كلامهم أصوله عربية فاللغة العربية هي اللغة المعيارية التي نزل بها القرآن التي يقاس غيرها عليها كما حاول اللغويون أن تكون كذلك.

    وهنا يقول المؤلف بعد أن ثبت أن القرآن عربي، وليس فيه لفظ أعجمي بحت، ثم بعد تلك المقدمة انتقل إلى مسألة أخرى وهي بأي لهجات العرب نزل القرآن ثم أعاد الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال في ذلك: (لم يكن لنا سبيل إلى العلم .... إلا ببيان من جعل إليه بيان القرآن، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ثم بنى على ذلك فقال: (فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم بما حدثنا به خلاد بن أسلم) ثم أسند (عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ) ).

    المراد بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن

    ثم ذكر جملة من الأحاديث في نزول القرآن على سبعة أحرف، واختصاراً للوقت سنتجاوز هذه الأحاديث لنقف على آخر حديث أورده.

    فقال رحمه الله: [ وحدثنا محمد بن مرزوق بسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بأضاة بني غفار، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد. قال: فقال: أسأل الله مغفرته ومعافاته، أو قال: معافاته ومغفرته، سل الله لهم التخفيف، فإنهم لا يطيقون ذلك. فانطلق ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال: أسأل الله مغفرته ومعافاته، أو قال: معافاته ومغفرته، إنهم لا يطيقون ذلك، فسل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله مغفرته ومعافاته، أو قال: معافاته ومغفرته، إنهم لا يطيقون ذلك، سل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ ).

    قال أبو جعفر : صح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجميع، إذ كان معلوماً أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبعة، بما يعجز عن إحصائه ].

    بعد أن ذكر كل ما عنده مما يتعلق بالأحرف السبعة قال: (صح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها)، لأنه يرى أن الأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب، ولغات العرب أكثر من سبع قطعاً.

    [ فإن قال: وما برهانك على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نزل القرآن على سبعة أحرف ). وقوله: ( أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف )، هو ما ادعيته من أنه نزل بسبع لغات، وأمر بقراءته على سبعة ألسن دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وقصص، ومثل، ونحو ذلك من الأقوال، فقد علمت قائل ذلك من سلف الأمة، وخيار الأئمة.

    قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرنا لها، هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره، فيكون ذلك لقولنا مخالفاً، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذي قالوه من ذلك وكما قالوا، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من أصحابه أخباراً قد تقدم ذكرنا بعضها، وسنستقصي ذكر باقيها ببيانه إذا انتهينا إليه إن شاء الله.

    فأما الذي قد تقدم ذكرناه من ذلك فخبر أبي بن كعب من رواية أبي كريب ، عن ابن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد الذي ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة )، والسبعة الأحرف هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة، والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر، والنهي، والترغيب، والترهيب، والقصص، والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب به الجنة. وليس -والحمد لله- في قول من قال ذلك من المتقدمين خلاف لشيء مما قلناه ].

    يريد المؤلف أن يبين أن تفسيره للأحرف السبعة لا يخالف ما جاء من تفسير الأحرف السبعة بالوجوه السبعة، فيقول: تفسير الأحرف السبعة التي في هذا الأثر غير الأحرف السبعة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ بها، فهناك سبعة أوجه التي هي أحرف، وهناك سبعة أوجه التي هي المعاني، فهي أحرف من جهة القراءة وأحرف من جهة المعاني، فهو يفرق بين معنى الأثرين، فأثر متجه إلى القراءة، وأثر متجه إلى المعاني.

    [ والدلالة على صحة ما قلناه من أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نزل القرآن على سبعة أحرف )، إنما هو أنه نزل بسبع لغات كما تقدم ذكرنا من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ، و عبد الله بن مسعود ، و أبي بن كعب ، وسائر من قد قدمنا الرواية عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الباب، أنهم تماروا في القرآن فخالف بعضهم بعضاً في نفس التلاوة، دون ما في ذلك من المعاني، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقرأ كل رجل منهم، ثم صوب جميعهم في قراءتهم على اختلافها، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم، فقال صلى الله عليه وسلم للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: ( إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ) ].

    مراد المؤلف من هذا الكلام أن الاختلاف الذي كان بين الصحابة فيما يتعلق بالأحرف السبعة إنما كان مرتبطاً بالقراءة لا بالمعاني؛ لأنهم لما احتكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم استقرأهم، فاستقراؤهم يدل على أن الخلاف مرتبط بالقراءة وليس بالمعاني، ويأكد هذا بقوله: [ ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك لو كان تمارياً واختلافاً فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل، والتحريم، والوعد، والوعيد، وما أشبه ذلك، لكان مستحيلاً أن يصوب جميعهم صلى الله عليه وسلم، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه؛ لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحاً، وجب أن يكون الله جل ثناؤه قد أمر بفعل شيء بعينه، وفرضه في تلاوة من دلت تلاوته على فرضه، ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه، وزجر عنه في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي، والزجر عنه، وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فعله، ولمن شاء منهم أن يتركه تركه في تلاوة من دلت تلاوته على التخيير ].

    مراد المؤلف أنه لو كان المقصود وجوه المعاني فالمتصور عمر أن يكون أقرأ عمر بأمر، وأقرأ أبي نفس الأمر لكنه بنهي، بمعنى أنه يكون هناك تضاد في المعاني، وهذا لا يتصور إطلاقاً، فهو يريد أن يبين أن المقصود بالأحرف الذي وقع فيه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم والتنازع والتماري بين الصحابة هو مرتبط بالقراءة وليس بوجوه المعاني؛ لأنه لا يتصور فيها الاختلاف.

    [ وذلك من قائله إن قاله إثبات ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله، وحكم كتابه، فقال تعالى ذكره: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، وفي نفي الله جل ثناؤه ذلك عن حكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه، لا بأحكام فيهم مختلفة، وفي صحة كون ذلك كذلك ما يبطل دعوى من ادعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف )، للذين تخاصموا إليه، عند اختلافهم في قراءتهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمر جميعهم بالثبوت على قراءته، ورضي قراءة كل قارئ منهم على خلافها قراءة خصومه ومنازعيه فيها وصوبها، ولو كان ذلك منه تصويباً فيما اختلفت فيه المعاني، وكان قوله صلى الله عليه وسلم: ( أنزل علي القرآن على سبعة أحرف )، إعلاماً منه لهم أنه نزل بسبعة أوجه مختلفة، وسبعة معان مفترقة، كان ذلك إثباتاً لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف، ونفياً لما قد أوجب له من الائتلاف ].

    وهذا الاحتجاج واضح، وأنه لو كان كما قال لكان مخالفاً لما ثبت من نص الله على عدم وجود الاختلاف في كتابه.

    [ مع أن في قيام الحجة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين، ولا أذن بذلك لأمته، ما يغني عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفي عن كتاب الله، وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله وجوب صحة القول الذي قلناه في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف )، عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلوه من القرآن، وفساد تأويل قول من خالف قولنا في ذلك.

    وأخرى أن الذين تماروا فيما تماروا فيه من قراءتهم، فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن منكراً عند أحد منهم أن يأمر الله عباده جل ثناؤه في كتابه وتنزيله بما شاء، وينهى عما شاء، ويعد فيما أحب من طاعاته، ويوعد على معاصيه، ويحتم لنبيه، ويعظه فيه، ويضرب فيه لعباده الأمثال، فيخاصم غيره على إنكاره سماع ذلك من قارئه، بل على الإقرار بذلك كله كان إسلام من أسلم منهم، فما الوجه الذي أوجب له إنكاره ما أنكر، إن لم يكن كان ذلك اختلافاً منهم في الألفاظ واللغات؟ ].

    قوله: (وأخرى أن الذين تماروا في قراءته)، يعني: وجه آخر.

    [ وبعد: فقد أبان صحة ما قلنا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاً، وذلك الخبر الذي ذكرنا: أن أبا كريب حدثنا بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين. حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلم وتعال ).

    فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك: هلم وتعال، باتفاق المعاني، لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام، وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف ].

    الأثر هذا فيه كلام، وقول: (هلم وتعال) ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكننا لا نتعرض لهذا، لكن هنا واضح جداً أن رأي الإمام الطبري في الأحرف السبعة أنها اتفاق المعاني في الكلام، كأقبل وهلم، صيحة وزقية وأمثالها، وهو ما يسمى في علم اللغة بالمترادف.

    الآثار التي أوردها الطبري لتؤيد مذهبه في الأحرف السبعة

    ثم سيذكر بعض الآثار عن السلف.

    [ حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي بسنده عن شقيق ، قال: قال عبد الله : إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال.

    وحدثنا محمد بن المثنى بسنده عن أبي إسحاق ، عمن سمع ابن مسعود يقول: من قرأ منكم على حرف، فلا يتحولن، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله لأتيته.

    وحدثنا محمد بن المثنى بسنده عن رجل من أصحاب عبد الله ، عن عبد الله بن مسعود قال: من قرأ القرآن على حرف فلا يتحولن منه إلا غيره.

    فمعلوم أن عبد الله لم يعن بقوله هذا: من قرأ ما في القرآن من الأمر والنهي، فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد، فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من القصص والمثل، وإنما عنى رحمة الله عليه أن من قرأ بحرفه، وحرفه: قراءته، وكذلك تقول العرب لقراءة رجل: حرف فلان، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطعة: حرف، كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر: كلمة فلان، فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبةً عنه. ومن قرأ بحرف أبي ، أو بحرف زيد ، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الأحرف السبعة، فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبةً عنه، فإن الكفر ببعضه كفر بجميعه، والكفر بحرف من ذلك كفر بجميعه، يعني بالحرف ما وصفنا من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة ].

    كل هذا الكلام منصب عند الطبري على الترادف، واستشهاد لما ذكر في كلامه لأنه قال: (ومثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف)، وذكر مثالاً لذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود من قوله: كقول أحدكم: هلم وتعال. ثم أورد أمر ابن مسعود بثبوت كل قارئ على قراءته.

    ثم ذكر المؤلف فائدة مهمة وهي: أن مصطلح الحرف أو مدلول الحرف في لغة العرب متنوع، فقد يطلق على حرف الهجاء، وقد يطلق أيضاً على القصيدة، وقد يطلق على الكلمة، فكل هذا يطلق عليه حرف، ثم ذكر أن ابن مسعود يعني بالحرف ما وصفه من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة.

    [ وقد حدثنا يحيى بن داود الواسطي بسنده عن الأعمش ، قال: قرأ أنس هذه الآية: (إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأصوب قيلاً)، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة ! إنما هي (وأقوم) فقال: أقوم وأصوب وأهيأ، واحد.

    قال: وحدثني محمد بن حميد الرازي ، قال: حدثنا حكام بن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد : ( أنه كان يقرأ القرآن على خمسة أحرف ).

    قال: وحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم : أن سعيد بن جبير كان يقرأ القرآن على حرفين.

    قال: وحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا جرير ، عن مغيرة ، قال: كان يزيد بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف.

    أفترى الزاعم أن تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف )، إنما هو أنه نزل على الأوجه السبعة التي ذكرنا من الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والجدل، والقصص، والمثل، كان يرى أن مجاهداً و سعيد بن جبير لم يقرأا من القرآن إلا ما كان من وجهيه، أو وجوهه الخمسة، دون سائر معانيه؟ لئن كان ظن ذلك بهما لقد ظن بهما غير الذي يعرفان به من منازلهما من القرآن، ومعرفتهما بآي الفرقان.

    وحدثني يعقوب بن إبراهيم بسنده قال: حدثنا أيوب ، عن محمد ، قال: ( نبئت أن جبرائيل، وميكائيل، أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين. فقال له ميكائيل: استزده. فقال: اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل: استزده. قال: حتى بلغ سبعة أحرف، قال محمد : لا تختلف في حلال، ولا حرام، ولا أمر، ولا نهي، هو كقولك: تعال وهلم وأقبل ). قال: وفي قراءتنا: إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:29]، وفي قراءة ابن مسعود : (إن كانت إلا زقيةً واحدة) ].

    المقصود بـ محمد هنا هو ابن سيرين يعني فسر أيضاً معنى الأحرف بالترادف مثل: تعال، وهلم، وأقبل.

    [ وحدثني يعقوب بسنده، قال: كان أبو العالية عنده لم يقل: ليس كما تقرأ، وإنما يقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا. قال: فذكرت ذلك لـإبراهيم النخعي ، فقال: أرى صاحبك قد سمع أن من كفر بحرف منه، فقد كفر به كله.

    قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى بسنده عن ابن شهاب ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب : ( أن الذي ذكر الله تعالى ذكره: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل:103]، إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: سميع عليم، أو عزيز حكيم، أو غير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذلك كتبت فهو كذلك. ففتنه ذلك، فقال: إن محمداً وكل ذلك إلي، فأكتب ما شئت )، وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة ].

    هذا الأثر مرسل وفيه نكارة، ووجه نكارته كون النبي صلى الله عليه وسلم أطلق لهذا الكاتب أن يكتب أي شيء شاء، وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح أن الله هو الذي أنزل القرآن وأن الذي أقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم هو جبريل عليه الصلاة والسلام، فليس فيما روي عن سعيد ما يمكن أن يعارض به ما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    لكن قد يقول قائل: لماذا يورد أثر سعيد وفيه ما فيه؟ فيقال: ليس هذا هو الدليل الوحيد الذي اعتمد عليه الطبري لإثبات حجته؟ وإنما هو أحد الآثار التي ذكرها، فلا يضير الفكرة التي ذكرها الطبري وأراد أن يؤصل لها وجود مثل هذا الأثر الذي فيه نكارة، ولكن من باب التحرير أنت يمكن أن تقول: إن هذا الأثر فيه نكارة، لا تخفى على مثل الطبري ، ولكن العالم حين يحشد مجموع الأدلة فإنه الأعلى يبتدئ بذكر الأدلة القوية عنده ثم يذكر ما عنده من أدلة أخرى غيرها.

    [ وحدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال: ( من كفر بحرف من القرآن، أو بآية منه، فقد كفر به كله ).

    قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل: فإذ كان تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف )، عندك ما وصفت بما عليه استشهدت، فأوجدنا حرفاً في كتاب الله مقروءاً بسبع لغات، فنحقق بذلك قولك، وإلا فإن لم تجد ذلك كذلك، كان معلوماً بعد صحة قول من زعم أن تأويل ذلك أنه نزل بسبعة معان، وهو: الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والجدل، والقصص، والمثل، وفساد قولك.

    القول بأن الأحرف السبعة لغات سبع متفرقة في القرآن

    أو تقول في ذلك: إن الأحرف السبعة لغات في القرآن سبع، متفرقة في جميعه من لغات أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن، كما كان يقوله بعض من لم يمعن النظر في ذلك، فيصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فساده ذو عقل، ولا يلتبس خطؤه على ذي لب، وذلك أن الأخبار التي بها احتججت لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نزل القرآن على سبعة أحرف )، وهي الأخبار التي رويتها عن عمر بن الخطاب ، و عبد الله بن مسعود ، و أبي بن كعب رحمة الله عليهم، وعمن رويت ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنهم تماروا في تلاوة بعض القرآن، فاختلفوا في قراءته دون تأويله، وأنكر بعض قراءة بعض، مع دعوى كل قارئ منهم قراءة منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ، ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم أن صوب قراءة كل قارئ منهم على خلافها قراءة أصحابه الذين نازعوه فيها، وأمر كل امرئ منهم أن يقرأ كما علم، حتى خالط قلب بعضهم الشك في الإسلام؛ لما رأى من تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة كل قارئ منهم على اختلافها، ثم جلاه الله عنه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له ( أن القرآن أنزل على سبعة أحرف )، فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن عندك كما قال هذا القائل متفرقةً في القرآن، مثبتة اليوم في مصاحف أهل الإسلام، فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر كلاً أن يقرأ كما علم؛ لأن الأحرف السبعة، إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن، فغير موجب حرف من ذلك اختلافاً بين تاليه؛ لأن كل تال فإنما يتلو ذلك الحرف تلاوةً واحدةً على ما هو به في المصحف، وعلى ما أنزل، وإذ كان ذلك كذلك بطل وجه اختلاف الذين روي عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة، وفسد معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل قارئ منهم أن يقرأه على ما علم، إذ كان لا معنى هنالك يوجب اختلافاً في لفظ، ولا افتراقاً في معنى، وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلاف بين القوم، والمعلم واحد، والعلم واحد غير ذي أوجه؟ وفي صحة الخبر عن الذين روي عنهم الاختلاف في حروف القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، على ما تقدم وصفناه أبين الدلالة على فساد القول، بأن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني ].

    وهذا وجه آخر من أوجه تفسير الأحرف السبعة، وقد اعترض عليه المؤلف ورده؛ لأنه لو قيل: إنها سبعة أحرف متفرقة في القرآن فنقول: إن الصحابة قد اختلفوا في سورة في وجه قرائي في آية، وما ذهب إليه الطبري أقرب من هذا القول؛ لأن هذا القول يبطل دلالة هذه الأحاديث التي ذكرها، وهذا القول إنما هو مجرد تخريج لهذه المشكلة وهي مسألة الأحرف السبعة.

    فالخلاصة: أنه ذكر لنا ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أن الأحرف السبعة سبع لغات متفرقة في القرآن.

    القول الثاني: أن الأحرف السبعة لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني. وهو القول الذي ذهب إليه.

    [ مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل في تأويله قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف )، وادعائه أن معنى ذلك أنها سبع لغات متفرقة في جميع القرآن، ثم جمع بين قيله ذلك، واعتلاله لقيله ذلك بالأخبار التي رويت عمن روي ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال: وهو بمنزلة قولك: تعال وهلم وأقبل. وأن بعضهم قال: هو بمنزلة قراءة عبد الله : (إلا زقية)، وهي في قراءتنا: إِلاَّ صَيْحَةً [يس:29]، وما أشبه ذلك من حججه، علم أن حججه مفسدة في ذلك مقالته، وأن مقالته فيه مضادة حججه؛ لأن الذي نزل به القرآن عنده إحدى القراءتين: إما صيحة وإما زقية، وإما تعال أو أقبل أو هلم، لا جميع ذلك؛ لأن كل لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن غير الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى ].

    هذا التوجيه أو الاعتلال واضح جداً على من قال: بأنها سبع لغات متفرقة؛ لأن ذلك يخالف الخلاف في (زقية) و(صيحة)، والمؤلف أراد أن يصل إلى صحة رأيه من إيراده هذا الاعتراض.

    [ وإذا كان ذلك كذلك بطل اعتلاله؛ لقوله بقول من قال ذلك بمنزلة: هلم، وتعال، وأقبل؛ لأن هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة يجمعها في التأويل معنىً واحد، وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله اجتماع اللغات السبع في حرف واحد من القرآن، فقد تبين بذلك إفساده حجته لقوله بقوله، وإفساد قوله بحجته، فقيل له: ليس القول في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفت، بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وتعال، وأقبل، وإلي، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ، بضروب من المنطق، وتتفق فيه المعاني، وإن اختلفت بالبيان به الألسن، كالذي روينا آنفاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة أن ذلك بمنزلة قوله: هلم، وتعال، وأقبل. وقوله: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49] وإلا زقية. فإن قال: ففي أي كتاب الله نجد حرفاً واحداً مقروءاً بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى، فنسلم لك صحة ما ادعيت من التأويل في ذلك؟

    قيل: أنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف )، على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرناها، وهو ما وصفنا دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك للعلل التي قد بينا.

    فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة، وإن كان الأمر في ذلك على ما وصفت، وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأمر بالقراءة بهن، وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم، أنسخت فرفعت؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه، أم ما القصة في ذلك؟ ].

    هنا المؤلف يورد اعتراضاً عليه وهو أين الأحرف الستة الباقية، لأننا لا نقرأ القرآن الآن من جهة الترادف إلا على وجه واحد وليس عندنا كلمة قرئت في القرآن على جهة الترادف وهي موجودة في القراءات التي بين يدينا، فإن كانت نسخت فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ وإن كانت الأمة نسيتها فقد ضيعت ما أمرت بحفظه؟ ثم سيجيب عن هذه الاعتراضات.

    [ قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة، فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر كانت مصيبةً حكم الله، مؤديةً في ذلك الواجب عليها من حق الله، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت لعلة من العلل، أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به ].

    وهذا يوضح مذهب الطبري وهو: أن كل الموجود عندنا الآن إنما هو حرف واحد، وهذا رأي مجموعة من العلماء، لكن الذي بين رأيه بياناً واضحاً وشافياً الطبري ، مع أن هذا ينسب أيضاً إلى وكيع بن الجراح ، وسفيان بن عيينة ، وينسب إلى غيرهم، ثم هنا المؤلف أراد أن يقيس ترك الأحرف الستة بالكفارات ولكن هذا كما يقال: قياس مع الفارق، وقد ناقشه في هذا الدكتور عبد العزيز قاري في كتابه حديث الأحرف السبعة، وقد أجاد في مناقشة مقايسة الطبري للأحرف السبعة بالكفارات.

    السؤال الذي يرد هنا: هل يجوز للأمة أن تجمع على ترك ثنتين من الكفارات تركاً مطلقاً مثل ما أجاز هو لها أن تترك ستة أحرف؟

    الجواب: أولاً: لا يتصور وقوعه ولو تصور وقوعه فلا يجوز أن تجمع الأمة على ترك ثنتين من الكفارات هي خيرت بثلاث كفارات، فالتخيير للأمة في الاختيار وليس في الترك المطلق في القراءات؟ بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: ( فبأيتها قرأ القارئ فمصيب )، أو ما حكاه عن جبريل عليه السلام أنه إذا اختار من هذه الأحرف السبعة وقرأ بها فقد أصاب، لكن أن يترك شيئاً من الأحرف السبعة تركاً مطلقاً فهذا لا تدل عليه نصوص الأحرف السبعة إطلاقاً، فالمؤلف بعد أن بين لنا أن القرآن نزل بألسنة العرب، وأن ألسنة العرب المراد بها أن تتفق في المعنى وتختلف في الألفاظ، ثم بين بعد ذلك أننا لا نجد في القراءة التي بين أيدينا مثل ما اختاره في الأحرف السبعة، فاستدل بدليل عقلي وهو بما أن القرآن قد جمع في عهد عثمان واتفقت الأمة على هذا المجموع، فالأمة التي اتفقت على هذا المجموع تركت هذه الأحرف، ثم قاس ذلك بالكفارات الثلاث: العتق والإطعام والكسوة، لكن أولاً: هذا قياس مع الفارق.

    ثانياً: أنه لا يجوز للأمة أن تترك ثنتين من الكفارات وتجمع على تركها.

    ثالثاً: أن الأمة إنما خيرت في الاختيار، ولم تخير في الترك المطلق أي: أنها تأخذ شيئاً وتترك الباقي تركاً مطلقاً، لا في الأحرف السبعة ولا في غيره ما يقع في دائرة الاختيار.

    [ فإن قال: وما العلة التي أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية؟ قيل: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي بسنده عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه زيد قال: ( لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة، دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر فقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافت الفراش في النار، وإني أخشى ألا يشهدوا موطناً إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن وينسى، فلو جمعته وكتبته. فنفر منها أبو بكر وقال: أفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتراجعا في ذلك، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت . قال زيد : فدخلت عليه و عمر محزئل ) ].

    (محزئل) بمعنى: منضم بعضه إلى بعض.

    [ ( فقال أبو بكر : إن هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه، وأنت كاتب الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقني لا أفعل، قال: فاقتص أبو بكر قول عمر و عمر ساكت، فنفرت من ذلك وقلت: نفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إلى أن قال عمر كلمةً: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ قال: فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شيء، والله ما علينا في ذلك شيء. قال زيد : فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدم، وكسر الأكتاف والعسب ) ].

    عمر لما أراد أن يحتج لهذا الفعل قال: (وما عليكما لو فعلتما ذلك)، مع أن أبا بكر و زيد اعترضا بأن هذا الفعل لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، معنى قول عمر: أي ليس هناك مخالفة صريحة لأمر ولا لنهي منه صلى الله عليه وسلم.

    [ ( فلما هلك أبو بكر ، وكان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدة، فكانت عنده، فلما هلك، كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة كان غزاها في فرج أرمينية، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان ، فقال: يا أمير المؤمنين! أدرك الناس، فقال عثمان : وما ذاك؟ قال: غزوت فرج أرمينية، فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، فيكفرهم أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام، قال زيد : فأمرني عثمان بن عفان أكتب له مصحفاً، وقال: إني مدخل معك رجلاً لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي، فجعل أبان بن سعيد بن العاص ، قال: فلما بلغا إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ [البقرة:248]، قال زيد : فقلت: التابوه. وقال أبان بن سعيد : التابوت، فرفعنا ذلك إلى عثمان ، فكتب التابوت، قال: فلما فرغت عرضته معه عرضة، فلم أجد فيه هذه الآية مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، إلى قوله: وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23]، قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت فكتبتها، ثم عرضته عرضةً أخرى، فلم أجد فيه هاتين الآيتين لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ [التوبة:128] إلى آخر السورة، فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضاً، فأثبتها في آخر براءة، ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورةً على حدة، ثم عرضته عرضةً أخرى فلم أجد فيه شيئاً، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته إياها، فعرض المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء، فردها إليها، وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة، فأعطاهم إياها، فغسلت غسلاً ) ].

    هذا الحديث ذكر الحافظ: أنه أغرب عمارة بن غزية في أنه رواه عن الزهري ، فقال: عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه. ولو كان عن خارجة ، عن أبيه، فسيكون متصلاً، ولكن الصحيح أنه عن الزهري ، فهو مرسل قطعاً.

    [ وحدثني به أيضاً يونس بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا نعيم بن حماد ، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عمارة بن غزية ، عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ، عن أبيه زيد بن ثابت بنحوه سواء.

    قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال حدثنا ابن علية ، قال: حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض. فبلغ ذلك عثمان ، فقام خطيباً فقال: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافاً، وأشد لحناً، اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماماً. قال أبو قلابة: فحدثني مالك بن أنس ، قال: كنت فيمن يملى عليهم، قال: فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله أن يكون غائباً، أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها، حتى يجيء أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف، كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم.

    قال: وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، قال: قال ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري : أنه اجتمع لغزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة، فكتب حذيفة بن اليمان لما رأى اختلافهم في القرآن إلى عثمان ، فقال: إن الناس اختلفوا في القرآن، حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. قال: ففزع لذلك فزعا شديداً، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيداً بجمعها، فنسخ منها مصاحف، فبعث بها إلى الآفاق.

    قال: وحدثني سعيد بن الربيع ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، قال: ( قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع، وإنما كان في الكرانيف والعسب والسعف ).

    قال: حدثنا سعد بن الربيع ، قال: حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن صعصعة : أن أبا بكر أول من ورث الكلالة، وجمع المصحف ].

    كل هذه الآثار التي أوردها جواب عن قوله: فإن قيل: وما العلة التي أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الحروف أو الأحرف الستة؟ فاستشهد بحديث جمع عثمان .

    سبب جمع القرآن على حرف واحد

    [ وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتاب، والآثار الدالة على أن إمام المسلمين، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه جمع المسلمين نظراً منه لهم، وإشفاقاً منه عليهم، ورأفةً منه بهم، حذار الردة من بعضهم بعد الإسلام، والدخول في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم بمحضره وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن التكذيب بشيء منها، وإخباره إياهم أن المراء فيها كفر، فحملهم رحمة الله عليه إذ رأى ذلك ظاهراً بينهم في عصره، وبحداثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرف واحد، وجمعهم على مصحف واحد، وخرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه أن يخرقه، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها أمامها العادل في تركها، طاعةً منها له، ونظراً منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها، ولكن نظراً منها لأنفسها ولسائر أهل دينها، فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية ].

    ومن خلال أثر عثمان ، إذاً: فتركت القراءة بالأحرف الستة لأنه عزم على تركها إمامها العادل، وأجمعت الأمة على هذه العزمة، والقراءات الأخرى كما قال: (حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، لكن مع ذلك بين أنه من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها).

    وهنا سؤال: لو ثبت عندنا أن هذه القراءة صحيحة لكنها ليست مما هي في مصحف عثمان بناءً على رأي الطبري ، فهل يجوز القراءة بها أو لا يجوز؟ لأنه يقول: (فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية).

    فلو أردنا أن نناقش رأي المؤلف فنقول: إذا ثبتت القراءة فبناءً على هذا الرأي فإنه يجوز أن نقر بها لأننا نقول: ما دام ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقرأ بها حتى لو وقع الإجماع على أن هذه القراءة غير القراءة التي ألزم عثمان بأن يقرأ الناس بها، لكن نقول: إلزامه رضي الله عنه لا يمكن أن يهدر بقية الأحرف، وهذا الذي جعل بعض الأئمة ممن يرى أنه أنزل على حرف واحد، مثل شيخ الإسلام وغيره أن يقول إن القراءات الأخرى الشاذة التي صحت يجوز القراءة بها.

    شبهة أن الصحابة تركوا بقية الأحرف السبعة مع أن النبي قرأ بها

    [ فإن قال بعض من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضاً عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة، فإذ كان ذلك كذلك لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا، إذ كان الذي فعلوا من ذلك، كان هو النظر للإسلام وأهله، فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك ].

    يذكر المؤلف هنا أن الأمر بحفظ القراءات لم يكن أمر إيجاب وفرض، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الصحيح أن الأمة ملزمة بحفظ كتاب الله كاملاً بجميع أوجهه التي قرئ بها عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (إنما كان أمر إباحة ورخصة) ليس عليه دليل، بل أخذه؛ لأنه ذهب إلى هذا المذهب؛ ويريد أن يصل إلى أن ترك هذه الستة جائز، قوله: (لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقل الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة).

    فهذه القاعدة التي ذكرها هي متحققة فيما وصلنا من القراءات، بخلاف بقية الأحرف السبعة فهي عند الطبري متروكة. وقصد الطبري بالقراءات السبع مثل زقية، وهلم، وأقبل، وأمثالها، وليس المراد القراءات السبع والقراءات العشر المعروفة الآن.

    الفرق بين الحروف السبعة والقراءات السبع الموجودة

    [ فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر، مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ) بمعزل؛ لأنه معلوم أنه لا حرفاً من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة ].

    فالطبري رحمه الله يرى أن اختلاف وجوه القراءات التي بين يدينا من التذكير، والغيبة، والخطاب، أو من الإفراد والجمع، أو من الإعراب، مثل آدم وآدم، أو من أي وجه من وجوه القراءة الموجودة بين يدينا كلها لا علاقة لها بالأحرف السبعة، بمعنى أنه لو قرأ بالحرف الأول فهذه الأوجه موجودة لا تتغير، لو قرأ بالحرف الثاني فهذه الأوجه موجودة لا تتغير، ولهذا قال: (فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف) إلى آخره من وجوه القراءات، (مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ) بمعزل)، ومعنى كلامه باختصار أن اختلاف القراء شيء، والأحرف السبعة شيء آخر.

    [ وقد أوجب صلى الله عليه وسلم بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب.

    فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟ قلنا: أما الألسن الستة التي قد نزلت القراءة بها، فلا حاجة بنا إلى معرفتها؛ لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها، مع الأسباب التي قدمنا ذكرها، وقد قيل: إن خمسةً منها لعجز هوازن، واثنين منها لقريش وخزاعة روي جميع ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية به عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله، وذلك أن الذي روى عنه أن خمسةً منها من لسان العجز من هوازن: الكلبي ، عن أبي صالح ، وأن الذي روى عنه أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة قتادة ، و قتادة لم يلقه ولم يسمع منه.

    حدثني بذلك بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر الخزاعي بسنده عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس قال: نزل القرآن بلسان قريش ولسان خزاعة، وذلك أن الدار واحدة.

    قال: وحدثني بعض أصحابنا بسنده عن أبي الأسود الدؤلي قال: نزل القرآن بلسان الكعبين: كعب بن عمرو ، و كعب بن لؤي . فقال خالد بن سلمة لـسعد بن إبراهيم : ألا تعجب من هذا الأعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين، وإنما نزل بلسان قريش؟ قال أبو جعفر : والعجز من هوازن: سعد بن بكر ، و جشم بن بكر ، و نصر بن معاوية ، وثقيف.

    وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف، إن كلها شاف كاف، فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، جعله الله للمؤمنين شفاءً يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم، من وساوس الشيطان وخطراته، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته ].

    ترك شيء مما قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم

    فإن قال قائل: هل يجوز لأحد من الأمة أن يترك شيئاً مما قرئ به عند النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فيقال: قطعاً لا يجوز لأحد من الأمة إذا ثبت أنه مما قرئ عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما كان من العرضة الأخيرة أن يتركه. والقرآن الذي بين يدينا من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] أو البسملة على من يرى أنها من الفاتحة إلى الناس هو العرضة الأخيرة التي ثبتت وقرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل وعارضه بها.

    وجمع أبو بكر الناس على مصحف، ولكن هذا الجمع كان المقصود منه جمع ألفاظ القرآن بأي سورة من السور،

    فكان الجمع في عهد أبي بكر كاملاً ثم في عهد عثمان راجعوا النص، وليس فيه جديد من جهة الجمع، وإنما هو نسخ لمصحف أبي بكر ، والذي بين يدينا من المصاحف التي كتبها عثمان هي الحجة، وهي التي نقيم عليها العمل، ولم يخالف في ما جمع في عهد عثمان أحد من الصحابة إلا ابن مسعود ، ولو كان كما يزعم بعض الرافضة أن القرآن فيه تحريف أو أنه سقط منه شيء لكان على الأقل مع ابن مسعود علي بن أبي طالب ، ولم يثبت عن علي بن أبي طالب أنه اعترض عن جمع القرآن بل كان يمدح عثمان بجمع القرآن.

    إمكانية ضبط القراءة من المصحف مباشرة

    فإن قال قائل: هل نستطيع أن نضبط القراءة من خلال المصحف؟

    فيقال: لا يمكن أن نضبط جميع القراءة، قد نضبط جزءاً كبيراً جداً منها، ولكن هناك كلمات لا يمكن ضبطها من خلال المرسوم، بل لا بد من أستاذ يقرئ.

    الأصل في القراءة المرسوم أم المحفوظ

    فإن قال قائل: فهل الأصل في القراءة هو المرسوم أو المقروء المحفوظ؟

    فيقال الأصل فيه هو المحفوظ، ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الأكثر في قراءة القرآن الحفاظ وكذلك في عهد أبي بكر وعهد عمر وعهد عثمان وعهد علي رضي الله عنهم جميعاً، حتى في عهد معاوية ، وعهد عبد الملك بن مروان ، والدولة العباسية؛ فنحن أمة القرآن اعتمادنا على المحفوظ وليس اعتمادنا على المكتوب المرسوم، فإذا كان اعتمادنا على المحفوظ فالمرسوم هو لضبط هذا المحفوظ فقط، وبناءً على ذلك فضبط المرسوم يعني ضبط المحفوظ بالرسم يكفي فيه الدلالة على اللفظ، حتى ولو كانت الدلالة احتمالاً.

    الخلاصة في المراد بالأحرف السبعة

    تستنبط من الاختلاف الموجود أن الأحرف السبعة هي الوجوه القرائية المختلفة التي قرأ بها الأئمة، بغض النظر عن تعدد هذه الوجوه، بمعنى قد يقول قائل: لو جمعنا هذه الوجوه سنجد أنها يمكن تصل إلى عشرين: التذكير، الإفراد والجمع، والغيبة والخطاب، والفك والإدغام، والإمالة وعدمها، فنقول: هذا صحيح، لكن لا يجتمع من هذه في الكلمة الواحدة إلا سبعة أوجه، وبما أننا لا نجد سبعة أوجه فإن الذي أمر بتركها هو الذي أنزلها، فتركها كان بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بفعل أحد من الناس.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3045836705

    عدد مرات الحفظ

    733191545