إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [12]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاة العشاء لها وقتان: اختياري، واضطراري، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبلها والحديث بعدها لحكم وأسرار عظيمة، أما وقت صلاة الفجر فيبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

    1.   

    تابع وقت صلاة العشاء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    اللهم انفعنا بما علمتنا, وعلمنا ما ينفعنا, وزدنا علماً وعملاً يا كريم! اللهم اجعلنا ممن رسخت في العلم قدمه, وجبل على اتباع الكتاب والسنة لحمه ودمه يا رب العالمين, وبعد:

    فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً, وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً.

    وحمداً لله على نعمة توفيق العبد على الفقه في الدين, فإن الفقه في الدين من أعظم ما يمن به الله سبحانه وتعالى على عبده, ونحمد الله سبحانه وتعالى أولاً وآخر. هذا هو يوم السبت الخامس والعشرون من شهر ذي الحجة لعام 1430هـ.‏

    تحديد وقت صلاة العشاء الاضطراري والاختياري

    كنا قد وصلنا في شرحنا على كتاب الروض المربع إلى أواخر مسألة وقت العشاء, وقد ذكرنا أن أهل العلم اختلفوا هل للعشاء وقت واحد أم وقتان, وبم ينتهي الوقت سواء كان وقتاً واحداً أو وقتين؟ هل بثلث الليل الآخر, أم بمنتصف الليل، أم بوقت آخر.

    وقد ذكرنا أن الذي يظهر والله أعلم أن العشاء له وقتان: وقت اختيار، ووقت ضرورة, وأن وقت الضرورة ينتهي في الفجر, وقلنا: إن هذا هو قول أكثر أهل العلم كما حكى ذلك غير واحد من أهل العلم كـابن المنذر , وأن هذا هو قول أكثر الصحابة كما حكى ذلك أبو العباس بن تيمية في كتابه القواعد النورانية, واستدللنا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى نام أهل المسجد -ومعنى أعتم: أي ذهب عامة الليل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بأصحابه وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي), فقول عائشة : (حتى ذهب عامة الليل), دليل على أنه قد ذهب ما زاد عن النصف, فهذا يدل على أنه وقتها, وكذلك ما أشار إليه الإمام ابن المنذر , وحكاه أكثر من واحد من أهل المصنفات عن أبي هريرة و ابن عباس و عبد الرحمن بن عوف في المرأة التي طهرت قبل الفجر أنها تصلي المغرب والعشاء, وهذا دليل على أن العشاء لم ينته وقته, والله تبارك وتعالى أعلم.

    وقلنا: إن وقت الاختيار ينتهي إلى منتصف الليل لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم : ( ووقت صلاة العشاء إلى أن ينتصف الليل ).

    وقد ذكرنا آثار الصحابة في هذا الباب منها أثر ابن عباس الذي رواه ابن المنذر عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: ( وقت المغرب إلى العشاء, ووقت العشاء إلى الفجر ), وقلنا: إن في سنده ضعفاً، حيث أن فيه ليث بن أبي سليم .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويليه وقت العشاء إلى طلوع الفجر الثاني وهو الصادق, وهو البياض المعترض بالمشرق ولا ظلمة بعده، والأول مستطيل أزرق له شعاع ثم يظلم, وتأخيرها إلى أن يصليها في آخر الوقت المختار وهو ثلث الليل أفضل إن سهل، فإن شق ولو على بعض المأمومين كره, ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها إلا يسيراً أو لشغل، أو مع أهل، ونحوه ].

    المؤلف هنا ذكر أن الحنابلة ذهبوا إلى أن للعشاء وقتين: وقت مختار، ويرون أنه ينتهي إلى ثلث الليل وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة, وهو قول جديد عن الشافعية, واستدلوا بما جاء في حديث عمر : ( حتى نام الناس والصبيان ), وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة عند ثلث الليل الآخر ), وثلث الليل الآخر أزيد من النصف, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ) دليل على أن الأفضل تأخيرها إلى ذلك الوقت, وقلنا: إن هذا هو مذهب المالكية, وأنه قول جديد عند الشافعية, وذهب ابن حزم وبعض مشايخنا المعاصرين إلى أنه ينتهي إلى منتصف الليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : ( ووقت صلاة العشاء إذا انتصف الليل ).

    وفي حديث عبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة قال: فلم يجبه, ثم أمر بلالاً أن يؤذن في أول الأوقات, فلما كان من الغد أمره أن يؤذن في آخر أوقات الصلاة), وقال: ( عند ثلث الليل ), ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون ثلث الليل الأول؛ لأنه لو كان كذلك لكان أول وقت العشاء, إن لم يكن في بعض الأوقات بعده.

    وعلى هذا فالذي يظهر أنه أول ثلث الليل الآخر؛ ولهذا قال: (عند ثلث الليل الآخر), فإذا انتهى الثلث الثاني انتهى الوقت؛ لذا قال: (عند ثلث الليل الآخر).

    والذي يظهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عند ثلث الليل الآخر), وقوله: (عند منتصف الليل), أن وقت الأفضلية هو ما بينهما, حتى نجمع بين الأحاديث ولعل القول بوقت الاختيار هو آخر منتصف الليل وعند ثلث الليل الآخر هو الأقرب؛ لأنه يصدق عليه أن يقال له: عند ثلث الليل الآخر, والله تبارك وتعالى أعلم.

    لكنه ليس في ثلث الليل الآخر.

    أما وقت الضرورة فالحنابلة والأئمة الثلاثة يرون أنه إلى طلوع الفجر, وهذا الذي يظهر والله تبارك وتعالى أعلم, وقد كنت أرى قول ابن حزم لسنين عديدة إلى أن ظهر لي والله تبارك وتعالى أعلم قبل سنين قليلة ثلاث أو أربع قول الأئمة الأربعة, وكنت دائماً أقول: إذا كان للصحابة أو للأئمة الأربعة قول, فإن الحق لا يكاد يعدوهم, بل إذا ثبت عندي أن الصحابة أفتوا بذلك, ولم يخالفهم أحد علمت أن ذلك حجة ظنية, فلم أتركها ما حييت, لكن الذي جعلني أقول بخلاف ذلك في السابق أن الأحاديث الواردة عن الصحابة فيها ضعف, كحديث أبي هريرة و عبد الرحمن بن عوف و ابن عباس , وإلا فلو صحت هذه لم أكن لأعدوها, وقد يشكل على ذلك مع ضعفه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ( ووقت صلاة العشاء إذا انتصف الليل ), ولكن الجمهور في كتبهم كالحنابلة والشافعية والمالكية يستدلون بحديث أبي قتادة : ( أما إنه ليس في النوم تفريط, إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ), قالوا: فهذا دليل على أن الأوقات متصلة ولم يخرج بالإجماع إلا ما بين الفجر إلى الظهر, ولكن هذا الدليل فيه نظر؛ لأنه ليس بظاهر, لكن حينما علمنا بحديث عائشة رضي الله عنها, كما في صحيح مسلم : ( أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام من في المسجد, فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ثم قال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).

    قال ابن المنذر : فكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في هذا الوقت هذا دليل على أنه أكثر من الثلثين؛ ولأنه حينما صلى فيه دل على أنه وقتها, وهذا الذي يظهر والله تبارك وتعالى أعلم, وقلنا: إنه ظاهر قول الصحابة حينما أفتوا في المرأة التي طهرت قبل الفجر أن تصلي المغرب والعشاء, فكونهم أمروها أن تصلي العشاء دل على أنه وقتها وإن كانت الأحاديث الواردة في هذا الباب فيها ضعف, فيما بلغنا من الأسانيد.

    قول المؤلف: (وهو البياض المعترض في المشرق ولا ظلمة بعده، والأول), يعني: البياض الأول وهو الفجر الكاذب, (مستطيل أزرق له شعاع ثم يظلم), الفرق بين: البياض الأول، والبياض الثاني أن البياض الثاني يسمى الفجر الصادق, والبياض الأول يسمى الفجر الكاذب.

    إذاً البياض الأول شكل وطريقة بياضه مثل ذنب السرحان وهو ذنب الثعلب, وذنب الثعلب طويل على شكل بيضاوي ما بين الشرق والغرب, ولهذا يعقبه بعد ذلك ظلمة. أما البياض الصادق أو الفجر الصادق فهو بياض عام ما بين الشمال إلى الجنوب من جهة الشرق؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث سمرة: ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال , ولا البياض المعترض هكذا وأشار بيده جهة أمام ), أي: مد كفه عليه الصلاة والسلام أمامه, مشيراً إلى القبلة.

    قال: ( حتى يكون هكذا ), وأشار سفيان الراوي بيديه ثم ضمهما جهة القبلة ثم فرشهما ذات اليمين وذات الشمال، يعني: يكون البياض من الشمال إلى الجنوب من جهة الشرق, وهذا دليل على أنه طويل.

    الفرق الثالث: البياض الأول تكون بعده ظلمة, وأما الثاني فيكون بياض وإشراق صبح بعده دون ظلمة.

    حكم تأخير صلاة العشاء إذا شق على المأمومين

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن شق ولو على بعض المأمومين كره), يعني: المذهب أن الأفضل التأخير, إلا إن شق على المأمومين فيكره, واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ), وعلى هذا فالذي يظهر أن الأفضل في صلاة العشاء مطلقاً هو التأخير لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة ), وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب تأخير العشاء.

    وأما إذا شق على المأمومين فيراعيهم, إذا اجتمعوا عجل, وإذا تأخروا أخر, لحديث جابر رضي الله عنه كما في صحيح مسلم أنه قال: ( وأما العشاء فكان يؤخرها أحياناً وأحياناً يعجل, كان إذا رآهم اجتمعوا عجل, وإذا رآهم تأخروا أخر ), ولكن في زماننا هذا الذي يظهر أن الصلاة على حسب الاتفاق من وزارة الشئون الإسلامية حتى يعلم الناس صلاتهم؛ لأن الناس اكتنفتهم مشاغل وأمور تختلف عن الزمن السابق, فإنهم في الزمن السابق كانوا إذا صلوا المغرب انتهت أعمالهم, كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ:10-11], أما اليوم فأصبحت عامة معاشات الناس في الليل, والله المستعان.

    فعلى هذا فالأصل التأخير إلا إذا كان هناك مشقة على المأمومين, أو اتفاق من قبل ولي الأمر، أو المصلين.

    الحكمة من النهي عن النوم قبل صلاة العشاء

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويكره النوم قبلها والحديث بعدها ], يكره أن ينام الإنسان قبل العشاء وبعد المغرب لأمور:

    أولاً: لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لقول أبي برزة الأسلمي: ( وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ), والحكمة هي الخوف من أن يغلبه نومه عن صلاة العشاء فيتركها ولا يصليها إلا بعد الفجر، أو في وقت الضرورة.

    الثاني: لعل من الحكم أيضاً: أن هذا الوقت وقت ذكر لله تعالى, وإقبال عليه, ولا ينبغي للإنسان أن يضيع هذا الوقت في غير العبادة والذكر والتسبيح, لما روى الإمام أحمد من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فلما صلى ذهب في ناحية المسجد فما زال يصلي حتى أذن العشاء ), وهذا الحديث إسناده لا بأس به إن شاء الله.

    فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أحياناً ما بين المغرب والعشاء, وقد فسر كثير من السلف كـالحسن البصري و علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وغيرهما وجاء في ذلك حديث ولكنه لا يصح, قول الله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16], هي الصلاة ما بين المغرب والعشاء.

    حكم الكلام اليسير بعد العشاء

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا يسيرا], يعني: يكره الحديث بعد العشاء إلا يسيرا؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ( رقدت في بيت ميمونة ليلة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ), يعني: أتيت, وقت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها؛ ( لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل ) فقبل أن يبلغ ذهب لينظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل, وهذا لكي نعلم همة الصحابة فهذه همتهم وهم صغار، فكيف كانت همتهم وهم كبار والله المستعان.

    قال: ( فتحدث مع أهله ساعة ثم رقد ) -وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث بعد العشاء مع أهله ويسمر معهم يسيرا.

    الحكمة من النهي عن كثرة الحديث بعد صلاة العشاء

    إنما نهي عن كثرة الحديث بعد العشاء لأمور:

    أولاً: خوفاً من أن يدع صلاة الفجر, وكثير من الذين ينامون بعد العشاء متأخرين لا يستيقظون لصلاة الفجر, ولهذا جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له الرجل ينام حتى يصبح), يعني: حتى يطلع وقت الإصباح فلا يصلي إلا بعد طلوع الشمس قال: ( ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ), ولو رأيت كثرة ما يبول الشيطان في أذني بعض الناس والله المستعان لأحزنك ذلك.

    ثانياً: خوفاً من أن يترك الإنسان الصلاة في وقت الفضائل وتوزيع الأرزاق هي صلاة قبل الفجر بسويعات, ومن سهر حرم ذلك.

    وقد كان كثير من السلف كما حكى ابن رجب في فتح الباري منهم أبو بكر و أبو هريرة و أبو ذر و أبو الدرداء و سعيد بن المسيب و الحسن البصري و محمد بن سيرين وخلق كثير غيرهم، يصلون الليل ويوترون قبل أن يناموا، وهذا أفضل لطالب العلم, فإن قام بعد ذلك قبل الفجر بساعة أو أقل أو أكثر استطاع أن يصلي ركعتين, ركعتين فيأخذ بالحزم, فهذا هو السبب في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدث مع أحد بعد العشاء إلا مع أهله, أو للضيف كما بوب على ذلك البخاري في صحيحه, فقال: باب كراهة الحديث بعد العشاء إلا مع أهله أو للضيف, وكأنه أشار إلى ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر بعد العشاء وأنا معه في أمر من أمور المسلمين ), وهذا الحديث رواه الإمام أحمد و الترمذي وإن كان في سنده بعض الكلام.

    حكم تأخير صلاة العشاء إلى بعد ثلث الليل الآخر

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويحرم تأخيرها بعد الثلث بلا عذر ]؛ لأنه وقت ضرورة هذا هو الراجح والله أعلم؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص و عائشة : ( إنه لوقتها ), وقوله: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة عند ثلث الليل الآخر ).

    1.   

    وقت صلاة الفجر

    قال المؤلف رحمه الله: [ويليه وقت الفجر من طلوعه إلى طلوع الشمس, وتعجليها أفضل مطلقاً, ويجب التأخير لتعلم فاتحة، أو ذكر واجب إن أمكنه تعلمه في الوقت, وكذا لو أمره والده به ليصلي به, ويسن لحاقن ونحوه مع سعة الوقت ].

    قول المؤلف: (ويليه وقت الفجر من طلوعه), يعني: من طلوع الفجر, فقد أجمع أهل العلم على أن وقت الفجر يبدأ من طلوع الفجر, يعني: من البياض المستطيل والمستطير ما بين الشمال إلى الجنوب. ولكن وقع في زماننا اختلاف في دخول وقت الفجر؟ وسبب الخلاف هو أن التوقيت الموجود عند الناس في توقيتاتهم مبني على عملية حسابية, ومن المعلوم أن العملية الحسابية تختلف في الغالب عن بعض الأوقات الأخرى؛ لأن الشارع علق صلاة الفجر على البياض, ولم يعلقه على أمر محسوس عيناً, فلم يعلقه كالصلوات الأخرى, على الشفق، أو غياب الشمس, أو زوالها نحو ذلك, وأرى والله تبارك وتعالى أعلم أنه لا ينبغي التكلف في مثل هذه المسألة, أعني بها طلوع الفجر, بل إني حينما ذهبت إلى بعض البلاد العربية القريبة من بلادنا المملكة العربية السعودية وجدتهم قد أتاهم مثل ما أتى بعض طلاب العلم من المبالغة في هذا الأمر, وأنا لا أقول: إنه لا ينبغي التحري, لكن لا ينبغي تضليل المصلين والمسلمين, ودعوى أن صلاتهم باطلة؛ لأن الله لم يكن ليجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم في زمن من الأزمان تتفق على الصلاة خارج الوقت، أو قبل الوقت فهذا بعيد كل البعد.

    والإخوة الذين يخرجون للنظر في طلوع الفجر يظنون أنه أمر يمكن أن يقطع به الجميع وهذا لا يمكن, وهذا هو الذي أريد أن أبينه, فوقت صلاة الفجر بالخصوص علقه الشارع إلينا, ولم يعلقه على أمر لا يختلفون فيه, بل علقه على أمر يختلفون فيه, فجميع الصلوات معلقة على أمر لا يختلفون فيه, فالظهر إذا زالت الشمس, والعصر إذا كان ظل الرجل كطوله, والمغرب إذا غربت الشمس, والعشاء إذا غاب الشفق, على اختلاف في تحديد الشفق, هل هو البياض أو الحمرة؟ إلا الفجر فإن الله سبحانه وتعالى علقه علينا فقال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187], ولم يقل ربنا: حتى يبين, فعلقه إلينا, وهذا من أعظم الأدلة الدالة على أن وقت الفجر تختلف أنظار الناس، ومفاهيمهم وإدراكاتهم فيه؛ فلهذا قال الله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], فهذا يدل على أن بيانه ربما تختلف أنظار الناس فيه, وهذا الدليل الأول, على أن الفرق بين ربط الوقت بخمس عشرة درجة, أو ثلاث عشرة درجة, أو ثمان عشرة درجة كله يمكن أن يتنافى, ويمكن أن يجتمع. هذا الدليل الأول.

    فصلاة الناس في السابق كانت صحيحة, وتوقيتهم سابقاً كان صحيحاً.

    الدليل الثاني: أن الصحابة اختلفوا في دخول وقت الفجر ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال الراوي: وكان ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له: أصبحت, أصبحت ), ومعنى (أصبحت, أصبحت), أنهم يرون أن الفجر قد طلع, فيقولون: أذن يا ابن أم مكتوم ! فينتظر ثم يؤذن بعدما يقول الناس: أصبحت, أصبحت, فالصحابة الذين أمروا ابن أم مكتوم بالأذان يرون أن الوقت قد دخل, وبعضهم يرى أن الوقت لم يدخل, وإلا لما قالوا له ذلك, فهذا دليل على أنهم كانوا يختلفون في دخول وقت الفجر.

    الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى مرة الفجر في أول وقته، حتى إن من الصحابة من يرى أن الوقت لم يدخل بعد, دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى -واحفظوه فهو حجة على من يجادل كثيراً في مثل هذا, يقول أبو موسى: ( أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فسأله عن الوقت فلم يجبه, فلما كان الفجر أمر بلالاً أن يؤذن حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً, وقائلاً يقول: قد طلع الفجر, وقائلاً يقول: لم يطلع الفجر, ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم منهم ), والحديث كأنه يحكي زماننا هذا, وفيه دليل على أن البياض كان قليلاً في هذا الوقت مما جعلهم يختلفون.

    واستحضر في ذهنك أن الذين اختلفوا هنا لم يعيشوا في الشقق والقصور والبيوتات التي ربما لم ير أصحابها الفجر أصلاً, فهؤلاء عاشوا في البراري, يهتدون بالنجوم في طرقاتهم، ومع ذلك وقع عندهم اختلاف, ورسول صلى الله عليه وسلم كان أعلم منهم فأمر بلالاً حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً, مما يدل على أن البياض لا تستطيع أن تستحضره أو تصوره بالكمبيوتر وتقول للناس: انظروا البياض؛ لأن البياض ينتشر, فأحياناً يكون من جهة بياض, والجهة الثانية ليس فيها بياض؛ بسبب الغيوم، وظلمة الأفق، وبعد الشمس والجبال؛ لأن الأرض كروية ليست على سمت معين, فكل هذا يدل على أن الأوقات تختلف.

    فهذا يجعل الإنسان لا يستطيع أن يقطع بوقت معين للفجر.

    وفي مرة من المرات خرج بعض الإخوة لينظروا طلوع الفجر، فسألتهم: ما هو وقت صلاة الفجر؟ قالوا: إذا طلع الفجر, قلت: ما معنى طلع الفجر؟ قالوا: يعني: يطلع وينتشر بياض من هنا وهنا ونقول لمن يقول: راقبت دخول وقت الفجر من ستة أشهر، أو ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، أنت راقبته من نقطة معينة أم ذهبت في جميع اتجاهات المدينة في وقت واحد أو في ثلاثة أشهر معينة, شرق المدينة، وجنوبها وشمالها وغربها، وهل راقبت من جهة الشرق, يعني من آخر المدينة إلى أولها إلى وسطها وأنت تراقب الشمس, وهل خرجت من المدينة إلى منطقة أخرى قريبة من سطح الأرض؛ لأن خروج الشمس إلى مكان معين واحد في الجملة, وهل المنطقة التي راقبت منها تبعد عن سطح الأرض قليلاً أم كثيراً، فهذه كلها تدل على أن وقت الفجر يختلف من شخص لآخر.

    بل قال ابن تيمية رحمه الله حاكياً عن بعض الفقهاء: إنه يمكن أن يؤمر الشخص الذي في أعلى الجبل ألا يصلي المغرب, بينما يؤمر منهم أسفل الوادي بصلاتها، ويفطرون كذلك قبلهم؛ لأن الأعلى يرى الشمس أما من في الوادي فلا يرونها.

    وهذا يدل على أن الذين يتكلمون كثيراً في صلاة الناس مخطئون بل بعضهم يقول: إن صلاة الناس باطلة، ونراهم أحياناً في رمضان لا يصلون مع الإمام بحجة أن الحرم يبكر في الصلاة, وربما صلوا مع الحرم تطوعاً لا فريضة, وكل هذا من التكلف الذي لا ينبغي, ومسألة ضبط الوقت بالتحقق واليقين لا مانع منها، فلا مانع أن نغير التقويم بحيث لا يختلف الناس هذا لا حرج فيه إذا رآه أهل الخبرة.

    لكن أن نجعل أوقات الصلاة السابقة باطلة هذا هو الخطأ؛ لأن وقت الفجر ليس كغيره من الأوقات كما مر معنا في الأحاديث.

    وقد ذكرت أربعة أدلة على ذلك:

    الدليل الأول قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187].

    والثاني: ( لا ينادي حتى يقول: أصبحت, أصبحت ).

    الثالث: حديث أبي موسى .

    الرابع: أن الذين يقولون: إن الوقت ما بين الماضي والحاضر أحياناً يصل إلى ثلث ساعة جوابه أن هذا ليس دائماً، بل ينقص معها في بعض أوقات الشتاء والصيف, وأنا أقول: يبعد هذا, لا أقول: بعداً قليلاً، بل بعداً كثيراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يقرأ ما بين الستين إلى المائة في صلاة الفجر )، يعني مثل سورة يوسف, وسورة النحل كما كان عمر يصنع.

    ( ثم يسلم يقول أبو برزة : وإن أحدنا لا يعرف جليسه ), يعني: أنه كان يصليها بغلس, بظلمة.

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد الأذان, وعلى هذا ستكون الإقامة بعد ربع ساعة أو أزيد قليلاً, لأنه يصلي ركعتين, ثم يتحدث مع عائشة , فإن وجدها نائمة نام, وكان إذا نام نفخ, وهذا لا يمكن أن يكون في خمس دقائق.

    وأما الذين يستدلون أن بين الأذان والإقامة خمس دقائق أو سبع دقائق أو عشر دقائق بحديث سهل بن سعد الساعدي في صحيح البخاري قال: ( كم كان الوقت بينهما قال: مقدار سورة تبارك ), فهذا في رمضان, عندما حكى قصة ( فمنا من أدرك الفلاح, ومنا من لم يدرك الفلاح ), أما الغالب فلا.

    فأقول: بعد عشر دقائق أو ربع ساعة صل على أذان بعض إخواننا, واقرأ ستين آية بترتيل, ثم سلم سترى إسفاراً أم غلساً؟

    تقول عائشة : (كان نساء مؤمنات يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلين الفجر, ثم يرجعن إلى بيوتهن متلفعات بمرطهن ما يعرفهن أحد من الغلس), والآن نصلي الفجر على وقتنا نصف ساعة وهم يقولون: إنه لم يدخل الوقت إلا قبله بعشر دقائق.

    نحن نقرأ بعد الأذان بوجهين في الصلاة، وأكثرهم يقرأ ثلاثة أوجه في الصلاة, ثم إذا خرجنا بعد الفجر مباشرة نرى إسفاراً فيبعد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج بغلس وأنت ترى الإسفار, فهذا يجعل المسألة ليست بهذه السهولة التي يظنها بعض طلاب العلم.

    أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994187542

    عدد مرات الحفظ

    717482070