إسلام ويب

بلوغ المرام - كتاب الطهارة [5]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد منّ الله على عباده بإنزال الماء طاهراً ومطهراً فلا يسلب طهوريته استعمال المرأة له في رفع الحدث أو العكس على الراجح من أقوال أهل العلم.

    1.   

    شرح حديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل, اللهم انفعنا بما علمتنا, وعلمنا ما ينفعنا, وزدنا علماً وعملاً يا كريم.

    وبعد:

    فها نحن عدنا والعود أحمد, ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم التفقه في الدين, والنهج على سنة سيد المرسلين, عليها نحيا وعليها نموت إلى يوم الدين.

    وقفنا عند الحديث السابع على حسب ترقيمات بعض الكتب, والقصد من شرحنا لهذا هو تعويد طالب العلم على دراسة بعض الأسانيد, ومعرفة الكلام على الأحاديث, ومعرفة طريقة المتقدمين رحمهم الله في ترجيحهم للأحاديث, وكذلك معرفة طرق الاستدلال الفقهي التي كان عليها أئمة الهدى, ولهذا كان الخلاف عند المتقدمين أقل من الخلاف عند المتأخرين, والأدلة عند المتقدمين أقل من الأدلة الواردة عند المتأخرين؛ ولهذا كان من الأهمية بمكان أن نفهم طريقة الأئمة في الاستدلال, ونقرأ الأحاديث الأربعة التي سوف نشرحها هذه الليلة.

    يقول الحافظ رحمه الله: [ وعن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعاً ), أخرجه أبو داود و النسائي وإسناده صحيح.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها ), أخرجه مسلم . ولأصحاب السنن: ( اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فجاء ليغتسل منها، فقالت له: إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب ) وصححه الترمذي و ابن خزيمة ].

    تخريج حديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل...) ودرجته

    الحديث الأول: (عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعاً ) أخرجه أبو داود و النسائي وإسناده صحيح), الحديث أيضاً أخرجه الإمام أحمد و أبو داود و النسائي و الطحاوي و البيهقي كلهم من طريق داود بن عبد الله الأودي عن حميد الحميري , أنه لقي رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة وأنه قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم .. ) الحديث, وهذا الحديث بهذا الإسناد اختلف أهل العلم فيه, فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه.

    فمن من صححه من أهل العلم الإمام النووي في المجموع وقال: صحيح الإسناد, وصححه أيضاً الحميدي , و الحميدي هذا هو محمد بن فتح الحميدي صاحب الجمع بين صحيح البخاري و مسلم , وليس هو الحميدي قرين الإمام أحمد و ابن المديني , فـالحميدي هذا سمع أن ابن حزم رحمه الله وهو في بلاد الأندلس يضعف هذا الحديث, فكتب إلى ابن حزم وهو في المشرق وابن حزم في المغرب, كتاباً يبين له صحة هذا الخبر, وأن داود هذا هو داود بن عبد الله الأودي .

    يقول الذي نقل هذا الخبر وهو ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: ولا أدري أرجع ابن حزم إلى ما قال الحميدي أم لا؟

    وممن صححه الحافظ ابن حجر , فإنه قال في البلوغ: (وإسناده صحيح), وقال في الفتح: ورجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية.

    وممن ضعفه من أهل العلم الإمام أحمد بن حنبل , فإن الميموني نقل عن أحمد أن الأحاديث الواردة في النهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة, أو أن تتوضأ المرأة بفضل الرجل كلها مضطربة, لكن صح عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عبد الله بن سرجس .

    إذاً الإمام أحمد يضعف جميع الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك, ويراها الإمام أحمد أحاديث مضطربة.

    وقد أعل الحديث أيضاً الإمام البيهقي بأنه مرسل, قال: لأن حميد الحميري لم يسم صحابيه, وهو وإن كان مرسلاً لكنه مخالف للأحاديث الصحيحة, ثم ذكر أن داود بن عبد الله الأودي لم يحتج به البخاري و مسلم , وهذا التضعيف من الإمام البيهقي على طريقة بعض أهل الحديث؛ إذ يرون أن الصحابي إذا لم يسم في الحديث فإن الحديث يكون مرسلاً, وإذا سمعت أو قرأت حديثاً عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث عند هؤلاء مرسل, ويتوقفون فيه, كما هي طريقة الإمام البيهقي .

    وقد تكلم الأئمة على هذه الطريقة منهم ابن دقيق العيد , فإنه ذكر أن غاية ما فيها أن الصحابي لم يسم, وليس بحجة إذا علمنا أن جميع الصحابة عدولاً, فإذا كان الصحابة كلهم عدول فلا يضر أن نعرف الصحابي أم نجهله, وعلى هذا فهذه الطريقة عند الإمام البيهقي ومن سار على منهجه هي اختلاف كما نسميه: اختلاف مصطلحي, لكنها لا تعني بالضرورة ألا نحتج بالخبر.

    ثم إن قوله: إن داود بن عبد الله الأودي لم يحتج به البخاري و مسلم , فمن المعلوم أن ثمة أحاديث لم يحتج بها البخاري و مسلم , لا من حيث المتن, ولا من حيث الرجال, ومع ذلك صححها الأئمة, ولأجل هذا تعقب الإمام ابن دقيق العيد هذا الأمر.

    وممن ضعفه أيضاً: ابن حزم رحمه الله, فإنه ظن أن داود الأودي هذا هو داود بن يزيد الأودي ؛ لأنه ورد في بعض الروايات عن داود الأودي عن حميد , فظن ابن حزم أن داود هذا هو داود بن يزيد الأودي , و داود بن يزيد الأودي ضعيف؛ فلأجل هذا حكم على هذا الحديث بالضعف, والصحيح أن داود هذا هو داود بن عبد الله الأودي كما ذكر ذلك الإمام أحمد في مسنده, و أبو داود في سننه.

    إذاً تضعيف الحديث بــداود ليس بذاك, وإذا أخذنا الحديث بهذا التفصيل فربما نقويه, لكننا إذا أخذناه بطريقة العموم فإننا سنضعفه, وهذه طريقة عند الأئمة, حيث إنهم إذا أرادوا أن يبحثوا عن حديث لا ينظرون إليه بالتفصيل, رجلاً ثم رجل, ولا هل سمع فلان من فلان أم لا؟ حتى ينتهي, ولكن لهم طرق في التصحيح والتضعيف أخرى, فأحياناً وهي بدايات التعليم ينظرون إلى الرجال, فإن سلموا ينظرون إلى صحة سماعهم, فإن سلموا, ينظرون في أخطائهم عمن رووا عنه, ومخالفتهم للثقات, فإن سلموا ينظرون إلى الحديث برمته؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: الأحاديث الواردة في النهي أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة, وأن تتوضأ المرأة بفضل الرجل كلها مضطربة, وحكم الإمام أحمد بهذا؛ لأنه أخذ الأحاديث الواردة في النهي, والأحاديث المجوزة, فحكم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون قد حكم بحكمين لم يعلم أيهما منسوخ.

    أو يقال: إذا افترضنا تصحيحنا للحديث أن نحمل أحاديث النهي على أنها ناسخة لأحاديث الجواز؛ لأن أحاديث النهي ناقلة عن الأصل, وأحاديث الجواز مثبتة للأصل.

    ومعنى ناقلة عن الأصل: لأن الأصل براءة الذمة, فإذا جاءت أحاديث تخالف هذه البراءة حكمنا على أنها هي الناسخة, وهي طريقة علماء الأصول, وأقول: إن الطريقة هذه ليست بمتينة عند أئمة الحديث؛ لأن الحديث ليس كقوالب نأخذها, بل إنها مثل النفس, لا بد أن تتعامل مع كل حديث بنفسية معينة, وطريقة معينة, ولهذا الذي يظهر والله أعلم أن الحديث هذا في سنده إشكال؛ وذلك لأن مثل هذا الحديث مما تتوفر الدواعي لنقله وتعم البلوى به, فإذا جاءنا داود بن عبد الله وإن كان حسن الحديث, وتفرد بذلك عن الأئمة, وكذلك حميد الحميري , وقد روى صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أحد عشر صحابياً, ثم يأتي بهذه الرواية, فهذا يجعل في النفس منها شيئاً, فربما يخطئ الراوي بسبب كثرة المحفوظ, أو بسبب الظن أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم, وليس الوهم من الصحابي ولكن من التابعي؛ ولهذا قال الإمام أحمد : لكن صح عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, بل قال في رواية: صح عن أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة في ما خلت به.

    شواهد حديث: (نهى النبي أن تغتسل المرأة بفضل الرجل...)

    إذاً: للحديث شواهد:

    الشاهد الأول: ما رواه الدارقطني عن شعبة ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أنه قال: ( تتوضأ المرأة وتغتسل بفضل غسل الرجل وطهوره, ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها ), وهذا الحديث إسناده صحيح, وقد صححه الإمام أحمد , وقد روي مرفوعاً ولا يصح, ولا داعي للإطالة في تضعيف المرفوع, لكن الحديث خطأ كما حكم على ذلك الإمام البخاري والإمام أحمد و الدارقطني .

    الشاهد الثاني: ما أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه , وعلى هذا فنقول على مصطلح الحافظ ابن حجر :

    أخرجه الخمسة, وهو ما رواه هؤلاء الخمسة من طريق شعبة عن عاصم الأحول , قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري , وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة ), وهذا الحديث ضعفه الإمام البخاري , وقال: إن أبا حاجب وهو سوادة بن عاصم لا أراه يصح سماعه عن الحكم , ولكن الإمام أحمد صحح أنه من قول الحكم بن عمرو الغفاري .

    وضوء المرأة بفضل الرجل

    أما الكلام على الحديث من الناحية الفقهية, فالحديث فيه مسائل:

    المسألة الأولى: استدل بهذا الحديث قوم على منع وضوء المرأة بفضل الرجل, يعني: أن الرجل لو توضأ بإناء وحده, ثم جاءت زوجته بعد ذلك, فإنه لا يجوز لها أن تتوضأ بهذا الماء؛ لأنه فضل عن وضوء الرجل, وقد قال به جماعة من أهل العلم, ورويت كراهته عن أبي هريرة كما قال ذلك بعض أهل العلم.

    ونقل ابن رشد عن قوم أنهم كرهوه, ونقل بعضهم الإجماع على الجواز, كما حكى النووي اتفاق الفقهاء على ذلك, والذي يظهر أن الاتفاق ليس في هذه الصورة, ولكن الاتفاق في أن يغترفا جميعاً؛ ولهذا كان الترمذي رحمه الله دقيقاً حينما قال: وهو قول عامة الفقهاء, أنه لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد, وأما الاشتراك فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك, كما حكاه الإمام أحمد و أبو العباس بن تيمية و الطحاوي وغيرهم.

    وضوء الرجل بفضل المرأة

    المسألة الثانية: استدل بهذا الحديث قوم على منع وضوء الرجل بفضل المرأة, يعني: لو أن امرأة توضأت بإناء, ثم جاء زوجها بعد ذلك, فإنه لا يتوضأ بهذا الماء, والآن ربما تكون هذه المسألة بسيطة وغير متصورة عندنا؛ لأننا نتوضأ عن طريق الصنبور, أما من قبل فكانت المياه تجلب إلى البيوت وتوضع في الطست أو في القدور, ثم تأتي المرأة وتغرف وتتوضأ, ثم يأتي الرجل من بعدها فهل له أن يتوضأ بفضلها أم لا؟

    القول الأول: وقد ذهب إليه عامة أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية, وهو رواية عند الإمام أحمد, اختارها أبو العباس بن تيمية رحمه الله: أن وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة ولو خلت به جائز, وأن الأحاديث الواردة في المنع منه لا تصح, على خلاف عندهم, هل يجوز مع الكراهة أم من غير كراهة, واستدلوا على ذلك بأحاديث, والغريب أن جميع الأحاديث التي استدل بها الطرف الأول والطرف الثاني كلها لا تصح، فاستدلوا بالحديث الأول: حديث ابن عباس كما في صحيح مسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة ), وهذا الحديث كما قلت: أخرجه مسلم في صحيحه, وقد تكلم فيه أهل العلم كما سوف يأتي بيانه, حتى لا نستغرب كيف يكون في صحيح مسلم وتكلم فيه العلماء؟

    الحديث الثاني: ما أخرجه أهل السنن من حديث ابن عباس أيضاً, قال: ( اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة, فجاء يغتسل منها, فقالت: إني كنت جنباً, فقال صلى الله عليه وسلم: إن الماء لا يجنب ), وفي رواية: ( إن الماء لا ينجسه شيء ), وهذا الحديث صححه الترمذي و ابن خزيمة كما يقول المصنف وسيأتي بيانه مفصلاً.

    وموقف هؤلاء الأئمة من الأحاديث الدالة على النهي على موقفين:

    الموقف الأول: القول بتضعيف الأحاديث الدالة على النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة, وعلى هذا فلا إشكال, وهذه لا إشكال فيها.

    أما الموقف الثاني: القول بصحة هذه الأحاديث, فحملوا أحاديث النهي على الكراهة, وهذه طريقة أهل الحديث والصحابة, كما حكى ذلك كبار المتقدمين, كـالخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: فإنه إذا ورد حديث بالجواز, وحديث بالنهي دل على أن النهي ليس للتحريم, وإنما هو للكراهة, وأن الجواز لا يدل على التحريم, وأنه فعل للحاجة؛ لأنه لو كان محرماً لما جاز إلا لضرورة؛ لأنه لا محرم مع الاضطرار ولا واجب مع العجز.

    الطريقة الثانية للذين قالوا بصحة الحديث: قالوا: نحمل الأحاديث على ما سال من أعضاء المرأة, لا على ما بقي من الإناء بعد الوضوء, فما سال من أعضاء المرأة ماء مستعمل, وأما ما فضل فإنه ليس بماء مستعمل, وهذه طريقة الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية؛ إذ يرون في الماء المستعمل أنه لا يرفع الحدث, والذي يظهر والله أعلم: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة كما ظهر لكم.

    القول الثاني في المسألة: حرمة وعدم صحة وضوء من توضأ بفضل وضوء المرأة فيما خلت به, وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه, وهو قول سعيد بن المسيب , وقال أحمد : هو قول عبد الله بن سرجس و الحكم بن عمرو الغفاري و أم سلمة , بل قال أحمد : أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك, أي: مثل قول عبد الله بن سرجس .

    والحنابلة يقولون: ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث. والذي حملهم على المنع هي آثار عن الصحابة, وهذه طريقة عند الإمام أحمد , وهو أنه رحمه الله إذا صحت الآثار عن الصحابة في مسألة فإنه يأخذ بها ولو خالفت القياس, وهذا من أصول الإمام أحمد , وأما طريقة الأئمة وإن نقل عنهم أنهم يأخذون بأقوال الصحابة, لكنهم يرون أن أقوال الصحابة إذا اختلفت فإنه لا يعمل بها, أو لم يثبت عندهم أنها صحت عنهم, وإلا فإن ابن تيمية نقل عن الأئمة أنهم كانوا يعظمون الأحاديث, حتى إن أبا حنيفة كان يترك القياس الجلي إذا صح عنده خبر عن الصحابة, فكيف عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولهذا لم ير بأساً في الوضوء من النبيذ؛ لأنه روي عن ابن مسعود , ويرى أن الضحك في الصلاة يبطل الوضوء؛ لأنه روي عن ابن مسعود , مع أن هاتين المسألتين مخالفة للقياس.

    إذاً الأئمة أحياناً لم يثبت عندهم قول الصحابي.

    وهذا مما تفرد به أحمد رحمه الله فإنه لا يكاد يوجد قول عن الصحابة ولا عن كبار التابعين إلا و أحمد رحمه الله يعمل به, رضي الله عنهم أجمعين, وعلى هذا فالذين قالوا بالمنع أخذوا إما بصحة الأحاديث, وإما بأن هذا القول هو قول أكثر الصحابة.

    والذي يظهر والله أعلم: هو جواز الوضوء مما خلت به المرأة؛ لأن هذا مما تتوفر الدواعي إلى نقله, وكون الصحابة يتورعون لا يدل على التحريم.

    ولهذا كان ابن عمر يرى الجواز, وإن كان النقل عن ابن عمر ليس بقوي, لكن نقل عن ميمونة و ابن عباس وهي طريقة يفعلها بعض الأئمة, فإنهم يرون أن الصحابي إذا روى حديثاً على الجواز قالوا: وهو قول هذا الصحابي, وإذا روى حديثاً يدل على المنع قالوا: وهو قول الصحابي؛ لأنهم يرون من باب إحسان الظن أن الصحابي لم يكن ليخالف ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد علم أنه رواه, والذي يظهر كما قلت: هو الجواز, وإن ترك فحسن, لكن الكراهة حكم شرعي لا تثبت إلا بدليل شرعي, ولا دليل صحيح يصار إليه.

    والحنابلة يقولون: ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث. هذه العبارة فيها بعض مسائل:

    منها: ولا يرفع حدثاً, فلو كانت طهارة عن خبث, ما هي الطهارة عن خبث؟ أي: عن إزالة نجاسة, فلو خلت المرأة بهذا الماء لتزيل نجاسة فإنه يصح الوضوء منه؛ لأن الأصل أن ترفع به الحدث وليس الخبث.

    ومنها: أنها لو خلت لغير طهارة شرعية, مثل أن تخلو بالماء للتبرد, كأن اغتسلت للتبرد, فهذا لا يؤثر على الماء, ولو خلت لطهارة في معنى طهارة الحدث, مثل غسل الجمعة -إذا قلنا: أنه سنة- أو الاغتسال مع الوضوء, مع أن الوضوء هذا ليس لرفع حدث, ولكنه للتجديد المستحب, فهذا لو توضأ الرجل منه عند الحنابلة قالوا: يصح, ولو كانت طهارة لرفع حدث فله أيضاً حالتان:

    الحال الأولى: إن خلت به أول الوقت ثم رآها زوجها وهي تتوضأ فله أن يتوضأ من هذا الماء على مذهب الحنابلة؛ لأنها لم تخل به خلوة شاملة, ولو استمرت الخلوة من ابتداء الطهارة حتى أكملت طهارتها وقد خلت به لطهارة رفع حدث, ينظر في الماء, فإن كان الماء كثيراً فلا أثر أيضاً لخلوتها, وإن كان الماء يسيراً فيرفع حدث امرأة أخرى وصبي؛ ولا يرفع حدث رجل وخنثى.

    هذه بعض مسائل ذكرتها كي نعتذر للأئمة ونبين تقييدات الأئمة وفقههم رحمهم الله.

    إذاً الذي ينكر أصول الفقه عن الأئمة ويقول: ليس هناك شيء اسمه أصول فقه, نقول له: الإمام أحمد رحمه الله اشترط بهذه العبارة تسع جمل, إذاً أحمد يعمل بأصول الفقه بل إن مالكاً رحمه الله عندما جاء إلى حديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل في نعل واحدة ), قيل له: أرأيت لو مشى بنعلين, ثم انقطعت إحداهما؟ قال: لا يمشي عليها, فقيل له: لو مشى عليها ليصلحها؟ قال: يقف ويصلحهما جميعاً.

    وأذكر أن شيخنا عبد العزيز بن باز عندما جاء إلى هذا الحديث, قال له شخص: يا شيخ! ألبس واحدة إذا كان حراً؟ قال: حاول ألا تلبسها, قال: يا شيخ! هل هذا للتحريم أو للكراهة؟ فسكت الشيخ, ثم رفع رأسه وقال: إن استطعت ألا تعصي الله لحظة فافعل, فمن المعلوم أنك إذا مشيت ليس بمحرم, لكن هذا يدل على أن أولي الفطر والقلوب الحية تأبى أن تخالف أمر الشارع.

    اغتسال الرجال والنساء جميعاً من إناء واحد

    المسألة الثالثة: جواز اغتسال الرجال والنساء جميعاً من إناء واحد, وهذا أمر مجمع عليه, كما في صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنه قال: ( كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً ), وفي رواية عند الإمام أحمد : ( رأيت الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً من إناء واحد ), والعجب أن هذا الحديث استدل به بعض المعاصرين على جواز الاختلاط! وهذا في أول الإسلام, كما جاء في بعض الروايات, وأما بعد ذلك فلا, ودليل ذلك واضح, فقد جاء في الصحيحين من حديث أسماء ( أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! علينا الرجال عليك فاجعل لنا يوماً نأتيك فيه ), فكانت النساء لا تجتمع مع الرجال, فطلبن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهن يوماً يبين لهن فيه, فاجتمع بهن وأخبرهن بالحديث المعروف, وقد قالت عائشة رضي الله عنها في حق صفوان بن المعطل في قصة حديث الإفك, فقال: زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا حول ولا قوة إلا بالله- ولم ينظر إلي وكان يعرفني قبل نزول آية الحجاب, فهذا يدل على أنه كان الحجاب معروفاً، والله أعلم.

    1.   

    تخريج حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة) ودرجته

    (وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة ), أخرجه مسلم ), هذا الحديث من الأحاديث التي تكلم الأئمة على مسلم بسبب إخراجه له في صحيحه؛ لأنه ليس كل حديث في مسلم , أو في البخاري مجمع على صحته؛ فالذي أجمع العلماء على صحته هو كل حديث لم يتكلم فيه العلماء المتقدمين, أما إذا جاءنا شخص فتكلم على حديث في البخاري أو مسلم ولم يسبقه أحد من الأئمة الكبار, فلا يقال لنقده: إنه صحيح.

    وقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وغالب ما انتقد على مسلم في صحيحه مائة ونيف حديثاً, والغالب قول غيره, وغالب ما انتقد فيه البخاري أربعين ونيفاً حديثاً, والغالب قول البخاري ؛ ولأجل هذا فاق الإمام البخاري صحة, والذي انتقد لا يلزم بالضرورة أن يكون النقد فيه صحيحاً.

    وعلى هذا فهذا الحديث مما انتقد فيه مسلم , والحديث يرويه عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس , قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة ), وقد رواه مسلم والدارقطني و أبو داود وغيرهم بلفظ عن عمرو بن دينار , وهذه العلة الأولى أنه قال: علمي والذي يخطر ببالي أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل ... ).

    إذاً عمرو بن دينار شك, هل هذا الحديث مرفوع أو غير مرفوع؟ وعلى هذا فضعف العلماء الحديث؛ لأجل التردد من عمرو بن دينار , ولا ينفع أن يأتي الحديث من غير تردد إذا كان الراوي عن عمرو بن دينار ضعيفاً, وعلى هذا فالحديث ضعيف؛ لأجل قول عمرو بن دينار : يخطر ببالي أن أبا الشعثاء حدثني؛ ولهذا روى الحديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس عن ميمونة بلفظ: ( كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يغترفا جميعاً ), وهذه المسألة ليس فيها خلاف, والمسألة التي ذكرها عمرو بن دينار (يخطر ببالي) فيها خلاف.

    إذاً الحديث الصحيح هو رواية سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس عن ميمونة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو وإياها من إناء واحد ).

    العلة الثانية: ليس فيها إشكال, وهي أن البخاري رحمه الله قال: اختلف على عمرو بن دينار , فبعض الرواة وهو أبو نعيم يجعله من مسند ابن عباس , فيقول: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان يغتسل هو وميمونة من إناء واحد ), وبعض الأئمة وهو مسلم يجعله من رواية ميمونة عن ابن عباس أن ميمونة أخبرته, فـالبخاري صحح الحديث على أنه من مسند ابن عباس , قال الحافظ ابن رجب : وليس كذلك, وقد أخطأ البخاري , وخالفه أكثر الحفاظ, يعني: خالفوا أبا نعيم فقد رواه مسلم و ابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عباس بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل ... ), وهذه طريقة عند الأئمة, وسيان روينا هذا أم ذاك فكلها لا تضر من حيث التضعيف.

    1.   

    تخريج حديث: (اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة) ودرجته

    الحديث الأخير: (ولأصحاب السنن: ( اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة, فجاء ليغتسل منها, فقالت: إني كنت جنباً, فقال: إن الماء لا يجنب ), وصححه الترمذي و ابن خزيمة ), هذا الحديث كما ذكر الحافظ : أخرجه أصحاب السنن, كلهم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس : ( اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ... ), وهذا الحديث فيه علل:

    العلة الأولى: أنه تفرد به سماك بن حرب , و سماك بن حرب تكلم فيه الحفاظ, فقال علي بن المديني : رواية سماك عن عكرمة مضطربة, يعني: سماك بن حرب من حيث هو حسن الحديث, لكنه إذا روى عن عكرمة فروايته مضطربة, ونقل الإمام أحمد عن شريك : أن سماك كان يلقن فيتلقن, فيقال له إذا روى عن عكرمة : قال ابن عباس فيقول: قال ابن عباس , يعني: أحياناً يرويه عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقال لـسماك : عن ابن عباس , فيقول: عن ابن عباس , فيحدث بعد ذلك: عن عكرمة عن ابن عباس , في حين أن عكرمة لم يحدث به عن ابن عباس , وهذا يدل على أن العالم أحياناً إذا كبر سنه يهم وهذا طبيعي, والغريب وهذا غريب جداً أن بعض طلاب العلم يريدون من طالب العلم ألا يخطئ, وإذا أخطأ والخطأ أحياناً يسيراً كأن يقول: والحديث أخرجه البخاري فيقولون: لم يخرجه البخاري فقط, بل أخرجه البخاري و مسلم وهذا خطأ, وإذا قال: أخرجه أهل السنن قالوا: لا، أخرجه مسلم في صحيحه, مع أنه لا يضر, والذي يضر هو أن تقول: حديث ضعيف, مع أن الأئمة قد صححوه, أو تقول: حديث صحيح والأئمة قد ضعفوه, إلا إذا سبقك أحد بهذا فالخطب يسير.

    ولهذا قال يحيى بن معين : ليس العجب ممن يخطئ, ولكن العجب ممن يخطئ فيذكر بخطئه فيصر, يعني: يصر على الخطـأ, ولهذا تعجب أحياناً من بعض طلاب العلم حينما يتحدثون عن الأئمة بأسلوب وكأن المسألة بسيطة, فإذا تكلموا عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي قالوا: يخطئ, وكلمة (يخطئ) بسيطة عندهم ولم يسألوا أنفسهم لماذا أخطأ سليمان بن داود فإنه إنما أخطأ لأنه ذهب إلى أهل البصرة في زيارة ولم يكن معه كتب, فطمع أهل البصرة أن يحدثهم؛ لأنه عالم كبير فحدثهم من حفظه, ليس ببلوغ المرام, وقد يعجز طالب العلم أن يخرج الحديث فيقول: أخرجه أبو داود أو الترمذي أما هو فحدثهم ستين ألف حديث, أخطأ فيها بأحاديث تكتب بالأصابع, ومع ذلك تجد بعض طلاب العلم يقول: أبو داود الطيالسي يهم, رحمه الله، وغفر الله لنا وله, وهذا عليه إشكالات كبيرة جداً, يعني: نعرف أن قدر الأئمة ووزن الأئمة، وقد كان عامر الشعبي يحدث فقال أحد طلابه: رحمك الله! أعد, يعني: حتى يكتب, فقال له: ما تقول؟ أعيد! والله ما كتبت سوداء في بيضاء, ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه جاهل لكان به عالماً, والله المستعان! ولهذا قال ابن تيمية: وإذا صحح الأئمة حديثاً ولم يأتنا هذا الحديث بإسناد صحيح فإننا نصححه؛ لأنه خفيت علينا أحاديث كثيرة.

    فـسماك بن حرب تكلم العلماء فيه, هذه العلة الأولى.

    العلة الثانية: قالوا: الاختلاف, فمرة يرويه سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس , ومرة يرويه عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم, فالعلة الأولى هي أن مجرد رواية سماك عن عكرمة ضعيفة, ولو لم يحصل اختلاف.

    والعلة الثانية: وجود الاختلاف, وسماك بن حرب له ثلاث حالات, وهذه الطريقة, أعني: النظر في الرجل, وتقسيم أحاديثه أول من أبرزها وأظهرها الإمام ابن رجب رحمه الله, فإنه يقسم حال الرجل, فيقول: سماك بن حرب إذا روى من غير طريق عكرمة فهو حسن الحديث.

    والحال الثانية: إذا روى عن عكرمة فقد اختلف العلماء فيه, فبعض العلماء يضعف رواية سماك عن عكرمة مطلقاً, كطريقة ابن المديني و النسائي و أحمد بن حنبل , يقول: اتقيه لحال سماك , وليس أحد يرويه غيره.

    الحال الثالثة وهي طريقة يعقوب بن سفيان وطريقة بعضهم: يقول: إن رواية سماك بن حرب عن عكرمة , إذا روى عن سماك شعبة بن الحجاج و سفيان الثوري و أبو الأحوص نقبلها؛ لأن سماكاً قد حدثهم من قديم حديثه, وإذا روى عنه غيرهم عن سماك عن عكرمة تركنا حديثه, وهذه ذكرها يعقوب بن سفيان ونسبها لــــعلي بن المديني , وعلي بن المديني ذكر في رواية أخرى أنها مضطربة مطلقاً, وهي طريقة النسائي .

    والذي يظهر والله أعلم: أن الحديث ضعيف, ولو روى عنه شعبة و سفيان و أبو الأحوص ؛ لأن الحديث هذا رواه عنه شعبة , ولكن اختلف على شعبة فيه, ورواه سفيان , ولكن الذي يظهر والله أعلم: أن رواية شعبة و سفيان و أبي الأحوص أحسن حالاً من غيرها, وإن كان الكل ضعيفاً.

    1.   

    الأسئلة

    ولعلنا نتكلم عن الأسئلة إن كان هناك أسئلة.

    حكم تكبيرات الانتقال في الصلاة

    السؤال: ماذا تقولون في حكم تكبيرات الانتقال هل هي واجبة أم مستحبة؟

    الجواب: تكبيرات الانتقال فالذي يظهر والله أعلم أنها واجبة؛ لما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإذا كبر فكبروا, ولا تكبروا حتى يركع, وإذا رفع ) ... الحديث، فهذا يدل على أن التكبيرات واجبة, وأقل الأمر وغاية الأمر الوجوب ما لم يرد ما يخصصه أو يدل عليه بقرينة, ولا قرينة.

    منهج المتقدمين في التعامل مع الحديث الضعيف

    السؤال: ما منهج الأئمة المتقدمين في التعامل مع الحديث الضعيف؟ وهل كانوا يفرقون بين الحكم عليه من حيث السماع وبين العمل به والالتزام به؟

    الجواب: أولاً: ليجب أن نعلم أن الحديث الضعيف عند الأئمة على مراتب:

    المرتبة الأولى: هي التي نسميها الحسن لغيره, فالحسن لغيره من أقسام الحديث الضعيف عند الأئمة, وهذا يحتج به الأئمة, وربما سموا الحسن لذاته إذا اختلف على الراوي ضعيفاً وربما عملوا به.

    القسم الثاني: الحديث الضعيف الذي لا ينجبر, فهذا إذا وافق القياس أخذ به الأئمة عملاً لا احتجاجاً, هذا الذي يظهر والله أعلم.

    وعليه فإن الإمام أحمد إذا سئل عن مسألة فقال: العمل على حديث فلان, فإن هذا دليل على أن أحمد يحتج به ويصححه, ولا يمكن أن يحتج أحمد بحديث يرى أنه ضعيف بمرة, وإذا نقل عنه مرة أخرى أنه يضعفه فإن له طريقتان: صحيحة وضعيفة, والذي حملنا على هذا هي طريقة أصحاب الإمام أحمد , فقد نقل أبو يعلى في العدة عن أحمد مسائل كثيرة يقول: وهذا دليل أن أحمد يحتج بهذا الحديث؛ ولهذا سأل عبد الله بن الإمام أحمد عن صيام أيام البيض؟ فقال الإمام أحمد : أذهب إليه, قال: عمن؟ قال: لحديث عبد الملك بن قتادة بن ملحان عن أبيه, أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان يحث على صيام أيام البيض ), وعبد الملك هذا قال فيه علي بن المديني : مجهول, وأحمد احتج به, فالإمام أحمد ذكر هذا الحديث ولم يذكر حديث أبي المليح عن أبيه, مع أن حديث أبي المليح عن أبيه وحديث أبي ذر كلها أحاديث تكلم العلماء فيها؛ لأنه يحتج بحديث عبد الملك مع علمه أن هناك أحاديث في صيام أيام البيض لكنه لم يحتج بها, فهذا يدل على أن أحمد يصحح هذا الحديث.

    حديث الولي: ( لا نكاح إلا بولي ), قال أحمد : حديث جابر يشد بعضه بعضاً, أذهب إليه, إذاً أحمد احتج به, فهو يصححه, وهذه طريقة أحمد , ومن قال من إخواننا الفضلاء -وهذه الطريقة تعودوا عليها وانتشرت مع الأسف- إن الأئمة لا يلزم من أخذهم بالحديث أنهم يصححوه, نقول: هناك فرق: هو أنهم إذا احتجوا بالحديث فإنه يدل على صحة الحديث عندهم, ولكنهم إذا ذهبوا إلى القول به فلا يلزم أنهم يصححوه.

    فالإمام أحمد رحمه الله يضعف الأحاديث الواردة في: ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ), ويرى في رواية وجوب التسمية, أو استحباب التسمية؛ لأن التسمية موافقة عنده لأقوال بعض الصحابة, فهل سئل عن التسمية, فقال: لحديث يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن أبي هريرة ؟ لا, إذاً هناك فرق.

    معنى كلمة (خلت) في حديث الاغتسال بفضل المرأة

    السؤال: ما معنى كلمة (خلت) في الحديث؟ وما هو الدليل فقد سمعت أن لها معنيين؟

    الجواب: الخلوة هي أن تتوضأ وحدها, والله أعلم.

    مدى صحة نسبة القول إلى الصحابي إذا روى ما يدل عليه

    السؤال: هل يصح نسبة الحكم إلى الصحابي إذا روى حديثاً يتضمن ذلك الحكم, وهل هناك تفصيل؟

    الجواب: هي طريقة يقولها بعض العلماء, وابن تيمية رحمه الله يقول: وأكثر ما ينسب إلى الصحابة ويقع فيه الخطأ بسبب أنهم يرون أن كل ما رواه الصحابي يقول به, فكون الصحابي ينسب إليه القول إذا روى الحديث محل نظر؛ لأن غالب الأحاديث التي يخالف فيها الصحابة, إما أنهم يرون أن الحديث مخصص, وإما أنهم يرون الحديث غير صحيح والله أعلم, وعلى هذا فلا ينبغي أن ننسب قولاً للصحابي إذا روى رواية فيه, خاصة أن أكثر الأحاديث فيها كلام.

    مدى وجوب الكفارة على من ظاهر زوجته ثم طلقها طلقة واحدة وراجعها

    السؤال: إذا ظاهر رجل من زوجته ثم طلقها طلقة واحدة, ثم رجع إليها, فهل تجب عليه الكفارة؟

    الجواب: نعم, تجب عليه الكفارة؛ لأنه قال منكراً من القول وزوراً.

    وهل ينطبق هذا الحكم إذا طلقها ثلاثاً ثم تزوجها رجل آخر، فطلقها, ثم رجعت إلى زوجها الأول؟

    الله أعلم, هذه المسألة تحتاج إلى بحث.

    إجابة من يرون استحباب الجماعة في المسجد على قصة ابن أم مكتوم وهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق

    السؤال: الحنابلة يرون استحباب الجماعة في المسجد, فكيف يجيبون على قصة ابن أم مكتوم , وحديث هم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق؟

    الجواب: أولاً: الحنابلة يرون وجوب الجماعة, ويرون استحباب الجماعة في المسجد, وليس هذا مذهب الحنابلة فقط, بل هو مذهب الأئمة الأربعة, وينظرون إلى حديث ابن أم مكتوم :

    أولاً: أنه تكلم في إسناده؛ ولهذا قال الإمام الترمذي : وليس في كتابي حديث أجمعوا على عدم العمل به إلا حديثين: حديث ابن أم مكتوم , وحديث جابر ( إذا شرب الخمر فاجلدوه, فإن شرب فاجلدوه, فإن شرب فاجلدوه, وفي الرابعة فاقتلوه ), وقد تكلم فيها العلماء.

    أما حديث الهم بالتحريق, فالذي يظهر والله أعلم: أنهم يقولون: (إلى قوم لا يصلون), لا يلزم أن يكون في المسجد فقط, فإذا صلوا جماعة أجزأهم، هكذا حملوه, والمسألة فيها آثار عن الصحابة تدل على جوازه, منها:

    ما رواه مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس بن مالك في بيته, وداره في جنب المسجد, فقال: أصليتم العصر؟ قلنا: إنما صلينا الظهر, قال: قوموا فأصلي بكم, فصلى بنا, ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق, يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان, قام فنقر أربعاً لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً ), فـأنس صلى الظهر وحده أو في بيته, والعصر صلاها في بيته جماعة.

    وروى مسلم في صحيحه من حديث علقمة و الأسود ( أنهما دخلا على عبد الله بن مسعود فقال: أصلى الناس خلفكم؟ قلنا: لا, قال: قوموا فأصلي بكم, قال: فقمنا, فصلينا من غير أذان ولا إقامة, فكنا خلفه, فأخذ أحدنا بيده, فأقامنا أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله ... ) الحديث, وبعضهم يقول: إن هذه الأحاديث إنما كانت في آخر عهد بني أمية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كيف أنتم إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها, أو يخنقونها إلى شرق الموتى, قال: فما تأمرنا, قال: صلوا الصلاة لوقتها, فإن أدركتموها معهم ... ), فهذا حال ثانية, وهذا القول جيد, والذي يبدو لي والله أعلم: هو القول بأن صلاة الجماعة فرض عين, وأما في المسجد فهي فرض كفاية, والله أعلم.

    وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يتركها دائماً أو غالباً, وأما إذا تركها دائماً فلا شك أنها معصية, وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله: أن الأئمة رحمهم الله الذين يقولون بالسنية لم يقصدوا أن من تركها مطلقاً لم يأثم, بل إنهم يقولون: إنه يأثم, وهذا القول ربما يكون قوياً, وهو جمع بين الروايات وغيرها, ومالك و أبو حنيفة و الشافعي و أحمد عليهم رحمة الله يرون الاستحباب, والذي يظهر: أن كونها فرض كفاية أقرب, و ابن تيمية و ابن القيم يرون أنها فرض عين في المسجد، والله أعلم.

    اغتسال المرأة بفضل الرجل

    السؤال: ما حكم اغتسال المرأة بفضل الرجل؟

    الجواب: الصحيح في اغتسال المرأة بفضل الرجل أن ذلك جائز, وادعى النووي الإجماع وليس ثمة إجماع والله أعلم.

    وهل قال أحد بتحريم ذلك؟

    روي الكراهة فقط والله أعلم, وهذا يجعلنا نقول: إن الحديث ضعيف, إذ كيف يعمل ببعض الحديث ويترك بعضه, والله أعلم.

    إجابة المؤذن حال قيامه للصلاة

    السؤال: هل يجيب الإنسان المؤذن في الإقامة للصلاة؟

    الجواب: العلماء اختلفوا في إجابة الإنسان المؤذن في الإقامة, والذي يظهر والله أعلم: أنه لا يجيب, والحديث الوارد عن أبي أمامة في سنن أبي داود في سنده ضعف، والذي يظهر: أنه لا يجيب, وقد نقل ابن رجب : أن أحمد كان إذا شرع المؤذن في الإقامة رفع يديه يدعو.

    مدى نقصان صلاة من تعمد ترك الجماعة في المسجد

    السؤال: من تعمد ترك الجماعة في المسجد, هل تنقص صلاته؟

    الجواب: نعم صلاته تنقص بلا شك؛ لأن صلاة الجماعة أفضل وفي المسجد أفضل, بل إن ابن مسعود يقول: ( ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الهدى, وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي تقام فيه الصلاة, ولو أنكم تخلفتم كما يتخلف هذا المنافق لتركتم سنة نبيكم, ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ), وهذا يدل على أن ابن مسعود الذي كان يترك الصلاة أحياناً يقصد به الترك المطلق, وهذا الذي يجعلنا نقول: إنها فرض كفاية, ولا يجوز أن يتركها مطلقاً أو غالباً, هذا الذي يظهر.

    مدى شمول أحكام المسجد للمصلى الذي تقام فيه الصلوات الخمس

    السؤال: لدينا مصلى في العمل نصلي فيه جميع الصلوات وله إمام, ولكنه خاص بالذين يناوبون في العمل, فهل يأخذ حكم المسجد, وهل المكث فيه بين صلاتي المغرب والعشاء يحصل به الأجر؟

    إذا كان مصلى فإنه لا يأخذ أحكام المسجد, ولكن هل يؤجر الإنسان إذا جلس بين الصلاتين؟ نعم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات, إسباغ الوضوء على المكاره, وكثرة الخطا إلى المساجد, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, فذلكم الرباط, فذلكم الرباط ).

    وإذا بني على أنه مسجد فإنه يأخذ أحكام المسجد ولو لم تصل فيه جميع الصلوات, بل ولو لم تقم فيه إلا صلاة الظهر فهو يأخذ حكم المسجد, وأما إذا لم يبن على أنه مسجد فإنه لا يكون مسجداً ولو صليت فيه جميع الصلوات, إلا أن يقول صاحبه: هو مسجد.

    اشتراط المؤجر على المستأجر عدم وضع دش في الشقة

    السؤال: هل يجب على من كان لديه شقة للإيجار السنوي أن يشترط على المستأجر ألا يضع دشاً في الشقة؟

    الجواب: يشترط عليه ذلك, وينصحه بين الفينة والأخرى, هذا الذي يسع الناس في هذا الزمان.

    لعلنا نقف عند هذا, والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994176402

    عدد مرات الحفظ

    717480851