إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - حديث 622-623

شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - حديث 622-623للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للزكاة أحكامها المفصلة في الشريعة الإسلامية، ومن جملة تلك الأحكام ما تضمنه حديث معاذ بن جبل في فرض الزكاة للفقراء في أموال الأغنياء وما يتصل بذلك من محل توزيع الزكاة ونقلها، وما تضمنه حديث أبي بكر في كتاب الصدقة المبين لزكاة الإبل والغنم وأنصبتها، وشروط المأخوذ منها، وزكاة خلطتها، وغير ذلك من أحكامها.

    1.   

    شرح حديث: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب..)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونصلي ونسلم على خاتم رسله وأفضل أنبيائه، سيدنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعليكم وعلى جميع المسلمين والمؤمنين، رقم هذا الدرس (205)، والتاريخ هو التاسع من جمادى الآخرة من سنة (1428هـ)، ضمن سلسلة شرح بلوغ المرام، وقد تحدثنا أمس عن الزكاة، مقدمات حولها، تعريف الزكاة، أدلة وجوبها، معناها، الحكم من الزكاة لمؤديها ولآخذها وللمجتمع، العقوبات على تارك الزكاة، شروط وجوب الزكاة، وذكرنا خمسة شروط منها، واليوم نبدأ بالحديث الأول والثاني من أحاديث الباب.

    الحديث الأول في الكتاب ورقمه (599)، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن، فذكر في الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( إنك تأتي قومًا أهل كتابٍ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ). والحديث متفق عليه.

    في هذا الحديث عدة مسائل:

    تخريج الحديث

    المسألة الأولى: ما يتعلق بتخريج الحديث: فالحديث متفق عليه كما ذكر المصنف، فقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه، رواه في كتاب الزكاة، ورواه أيضاً في كتاب المغازي، وفي كتاب التوحيد، كعادة البخاري في تكرار الحديث، وأخذ أجزاء متفرقة منه بغرض التفقه منها.

    وقد رواه مسلم أيضاً في كتاب الإيمان، لما فيه من ذكر الإيمان بالله في أوله: ( أن يؤمنوا بالله )، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه كلهم في كتاب الزكاة .

    إذاً: يصح أن نقول عن هذا الحديث: إنه حديث رواه الستة، وهو مصطلح يطلقه المصنف رحمه الله على الصحيحين والسنن الأربع، فالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه؛ يعبر عنه عادة بأنه رواه الستة، فإذا أضيف إليهم الإمام أحمد قيل: رواه السبعة.

    وهذا الحديث أيضاً رواه الإمام أحمد، فيصح أن يقول المصنف عنه بدلاً من قوله: متفق عليه، يصح أن يقول: رواه السبعة.

    وقد روى الحديث أيضاً ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والدارمي، وأبو عوانة في مسنده وغيرهم من الأئمة، فهو حديث صحيح مشهور.

    معاني ألفاظ الحديث

    المسألة الثانية في الحديث: ما يتعلق بألفاظه وغريبه؛ فإن في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً )، بعثه أي: أرسله. وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم أرسله أميراً وحاكماً ووالياً على أهل اليمن . وقيل: لا، بل بعثه قاضياً، وكان معه في بعض ذهباته أبو موسى الأشعري كما هو معروف حينما قال: ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً

    وأبا موسى

    إلى اليمن فقال لهما: تطاوعا ولا تختلفا، وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا
    ).

    ومعاذ بن جبل هو من شباب الصحابة رضي الله عنهم، من شباب الأنصار فهو أنصاري، وقد ذهب إلى اليمن وبقي بها زمناً طويلاً، ثم ذهب إلى الشام، ومات بها على ما هو معروف، وآثاره في اليمن خالدة، آثاره في إسلام الناس وآثار البناء والمسجد الذي بناه رضي الله عنه وأرضاه، وكان بعث النبي صلى الله عليه وسلم له إلى اليمن في سنة عشر من الهجرة.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنك تأتى قومًا أهل كتاب) المعنى: أن فيهم أهل كتاب، ليسوا كلهم، فإن اليمن كان فيها أهل كتاب من اليهود والنصارى، وكان فيها الوثنيون وغيرهم، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) يعني: تأتي بلداً فيه بعض أهل الكتاب، وأهل الكتاب هو مصطلح شرعي نبوي بل قرآني يقصد به أهل الكتابين غالباً وهم اليهود والنصارى، كما يقول ربنا سبحانه: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156]، والمعنى أنهم أهل كتاب سماوي؛ لأن عندهم التوراة والإنجيل، وهم أيضاً أهل كتابة وعلم خلاف العرب الأميين، الذين كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، فكانت الكتابة فاشية عند اليهود والنصارى بحكم وجود الكتب السماوية عندهم، والعرب كانوا لا يعرفون الكتابة غالباً إلا عن طريقهم، كما قال الشاعر العربي:

    كما خط الكتاب بكف يوماً يهودي يقارب أو يزيل

    فكانوا يعرفون الكتابة عن طريق أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) وفي ذلك إشارة إلى أهمية فقه الإنسان بمن يدعوهم، وأن الناس ليسوا سواءً، فدعوة الكتابي غير دعوة الوثني، غير دعوة البوذي، غير دعوة الملتبس الأمر عليه، غير دعوة المسلم المقصر أو البعيد، لابد من معرفة ذلك، فبينه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) يعني: أمره صلى الله عليه وسلم بأن يبدأهم بدعوة التوحيد، وذلك لأنها هي معقد الإيمان، والتي لا يقبل من أحد عمل إلا بها، فهي البوابة إلى الدخول في الإسلام؛ ولذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بها.

    قال: (فإن هم أطاعوا لذلك) يعني: آمنوا به، واعترفوا به، وأقروا به، ونزلوا عنده، وهذا يشمل أمرين:

    يشمل أولاً : الاعتراف برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول إلى الناس كافة.

    ويشمل ثانياً : عقد العزم على اتباعه حتى لو قصر أو فرط، أما لو اعترف به دون أن يكون عنده نية طاعة فهذا لا يعتبر طاعة؛ ولهذا لما جاء اليهوديان كما في سنن الترمذي وأصله في صحيح مسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه أسئلة كثيرة جداً، ففي آخرها: ( قاموا إليه وقبلوا يديه ورجليه، وقالوا: نشهد أنك لنبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فما منعكم أن تسلموا ؟ قالوا: إننا قد وعدنا بنبي يبعث في بني إسرائيل، ونريد أن نتبعه ).

    فلم يكن اعترافهم بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة كافياً في الطاعة.

    إذاً: قوله: ( فإن هم أطاعوا لذلك ) يعني: أقروا به والتزموه.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً )، والصدقة هي الزكاة يقيناً، فالمقصود هنا الزكاة المفروضة كما بينا، وهكذا لغة القرآن يعبر بالصدقة عن الزكاة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ[التوبة:60].

    ( تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) ( على فقرائهم) هذا فيه إشارة إلى صنف واحد من أصناف أهل الزكاة وهم الفقراء، وإن كان الله تعالى ذكر في القرآن الكريم أصناف أصحاب الزكاة الثمانية، فهذا لمجرد التمثيل، وأيضاً قوله: ( على فقرائهم ) يقصد به في ظاهر الحال فقراء البلد، وقد تمسك به من قال: بأن الزكاة لا تنقل من بلد إلى بلد كما سوف نبينه.

    ثم قال: ( وإياك وكرائم أموالهم ) (وإياك) هذه أداة تحذير، يعني: احذر، ( كرائم أموالهم )، ولابد أن تكون الواو معها، (وإياك وكرائم أموالهم) والكرائم: جمع كريمة، وهو النفيس الغالي من المال، يعني: إذا أخذت الزكاة منهم فلا تذهب إلى أطيب المال، وأفضله، وأنفسه، وأغلاه، فتأخذ منه الزكاة، لا، ولكن خذ الزكاة من جنس المال، إن كان طيباً كله فخذ الطيب، وإن كان وسطاً فخذ الوسط، وإن كان المال كله مراضاً أو صغاراً أو ضعافاً فخذ من سائره، هذا هو المعنى في قوله: (وإياك وكرائم أموالهم) يعني: لا تأخذ في الزكاة طيب المال، ولكن خذ من جنس المال.

    ثم قال: ( واتق دعوة المظلوم )، يعني: تجنبها بترك الظلم، فلا تكن أنت الظالم وهو المظلوم، فتقوى دعوة المظلوم، أي: ألا تفعل ظلماً يوجب أن يدعو المظلوم عليك:

    أما والله إن الظلم شؤم وما زال المسيء هو الظلوم

    إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم

    ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غداً عند المليك من الملوم

    فقال: (اتق دعوة المظلوم) وهذا شيء عجيب! هو أرسله أميراً أو أرسله قاضياً، وفي ذلك إشارة إلى أن الأمير والقاضي قد يقع منهم ظلم لكثرة ما يترافع إليه الناس، ولسعة سلطانه على الناس، فأوصاه بهذه الوصية الفاذة الشادة الجامعة: (واتق دعوة المظلوم)، وفي بعض الألفاظ قال: ( ولو من كافر )، وهذه عند الإمام أحمد في مسنده، ( ولو من فاجر )، ويغني عن هذه الزيادة قوله صلى الله عليه وسلم: ( فإنها ليس بينها وبين الله حجاب )، يعني: ليس بينها وبين الله مانع يمنع من قبولها، أي: لا مانع أبداً من قبول دعوة المظلوم عند الله، وهذا معناه أياً كان هذا المظلوم، فلا شيء يمنع من نفاذ دعوته، ووصولها إلى الله عز وجل، وإجابة الله تعالى لدعائه.

    أقوال العلماء في حكم نقل الزكاة من بلد إلى آخر

    المسألة الثالثة في الحديث: مسألة حكم نقل الزكاة من بلد إلى بلد، هل يجوز نقل زكاة البلد إلى بلد آخر؟

    طبعاً هنا المقصود بالبلد المدينة، وليس الأمر متعلقاً بالدولة؛ لأن بلاد الإسلام كانت في ذلك الوقت كلها بلداً واحداً، وهكذا عبر العصور الإسلامية في عصور الخلافة الأموية والعباسية كانت كلها بلداً واحداً، يعني:لم تكن شعوباً مختلفة مثل ما يعرف اليوم مصر، العراق، سوريا، لبنان، السعودية، لا، وإن سميت بهذه الأسماء أو بعضها إلا أنها كانت واحدة من حيث التبعية السلطانية السياسية، إنما المقصود بالبلد المدينة أو مجموعة القرى المتقاربة، هذا هو المراد به.

    وقد أجمع العلماء على أنه يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إذا استغنى أهل البلد الذي فيه الزكاة، فهذا مما لا يدخل في الخلاف، كما أنه يمكن أن نقول: أجمعوا أيضاً على أنه إذا كان بلد الزكاة فيه حاجة شديدة فلا يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر غير محتاج، يعني: لا يجوز أبداً أن تنقل زكاة أهل الصومال إلى بلد إسلامي في رغد من العيش، أو زكاة النيجر مثلاً أو البلاد التي فيها مجاعة، فهذا مما لا يدخل -والله أعلم- في أصل الاختلاف، وإنما الأمر فيما إذا كانت الأوضاع عادية.

    وقد اختلف العلماء في مسألة نقل الزكاة على أقوال: ‏

    القول الأول: عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر وأدلته

    القول الأول منها: أنه لا يجوز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، بل يجب صرفها في البلد الذي يكون فيه المال ويكون فيه صاحب المال، وهذا قول المالكية والحنابلة.

    واحتجوا بحديث الباب، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) مرجع الضمير إلى البلد الذي بعث إليه؛ ولذلك قالوا: لا يجوز أن يتجاوز بها فقراء البلد أنفسهم.

    وهكذا أيضاً مما يدل على ذلك حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ( أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو الذي يأتي على الصدقة، مبعوث الصدقة، الساعي- فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائنا فيردها في فقرائنا، قال: وكنت غلامًا يتيمًا فأعطاني قلوصًا منها )، هذا أبو جحيفة، والحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    فحديث أبي جحيفة يدل على ما دل عليه حديث معاذ بن جبل من وجوب إعادة الزكاة في فقراء البلد ذاته ونفسه.

    القول الثاني: جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر وأدلته

    القول الثاني في المسألة : أن ذلك جائز، أنه يجوز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، وهذا قول للشافعية يعني: هو أحد أقوال الشافعية، وهو أيضاً قول للمالكية، واختاره الإمام البخاري صاحب الصحيح أنه لا بأس أن تنقل زكاة البلد إلى بلد آخر.

    واحتج هؤلاء: أولاً: بعموم النصوص الآمرة بالزكاة، مثل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بني الإسلام على خمس، وذكر منها: إيتاء الزكاة ).

    أو غير ذلك من النصوص التي فيها الأمر بإخراج الزكاة أو بإيتاء الزكاة أو بإعطاء الزكاة في القرآن أو في الحديث، ولم يحدد أنها تعطى في البلد ذاته، فقالوا: هذا دليل على أنه إذا أدى الزكاة في البلد أو في غير البلد أن ذلك سواء، هذا دليل.

    ومن أدلتهم أيضاً: قصة طاوس بن كيسان، وقد روى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول لأهل اليمن: (ائتوني بثياب لبيس أو خميص هي أرفق عليكم وخير لأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام)، فقالوا: إن هذا النص دليل على أن معاذاً كان يأخذ الزكاة من أهل اليمن، ويطلب منهم أن يعطوه ثياباً أو شيئاً من هذا القبيل، وأنها أرفق بهم، ويذهب بها إلى المدينة يوزعها على فقراء المدينة، وهذا الأثر عن طاوس في قصة معاذ ذكره البخاري في صحيحه معلقاً، وفي سنده انقطاع بين طاوس ومعاذ، فهو مما يطلق عليه أنه مرسل، يعني: ليس متصل الإسناد، وبهذا أعله قوم.

    وقال آخرون: إن المقصود بما كان يطلبه من أهل اليمن الجزية، وليس الزكاة.

    والأقرب: أن الأمر لم يكن متعلقاً بالجزية، وإنما كان متعلقاً بالزكاة، وأيضاً أن الحديث وإن كان مرسلاً إلا أنه يعتضد بالعمل، فإن العمل كان على ذلك، وهذا هو الدليل الثالث في جواز إخراج الزكاة أن الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يأتون بصدقاتهم أحياناً إلى المدينة النبوية، كان الأعراب وغيرهم يأتون بصدقاتهم إلى المدينة النبوية لكثرة من يكون فيها من المحتاجين والفقراء كأصحاب الصفة وغيرهم.

    والدليل الرابع : أن ذلك هو عمل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن ذلك: [ أن عمر كان يبعث إلى الأنصار خصوصاً في زمن المجاعة، ويقول: أدركونا.. أدركونا، فيبعثون بصدقاتهم وزكواتهم إلى المحتاجين في المدينة وما حولها ].

    إذاً: القول الثاني أن صرف الزكاة في غير البلد لغير فقراء البلد جائز.

    ويمكن أن أضيف دليلاً خامساً لم أر من ذكره بخصوص هذه المسألة، وهو: قول النبي صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه: ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )، والحديث الآخر في الصحيح أيضاً: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) .

    فهذا يتعزز به في جواز نقل الزكاة إلى بلد آخر.

    القول الثالث: جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر مع الكراهة

    القول الثالث: أن ذلك جائز ولكنه مكروه، وهذا مذهب أبي حنيفة والليث بن سعد من فقهاء المدينة، والحسن البصري وغيرهم، وكأنهم أرادوا بهذا القول أن يجمعوا بين أدلة القائلين بالمنع وأدلة القائلين بالجواز كما أسلفنا.

    القول الرابع: جواز نقل الزكاة لولي الأمر أو نائبه

    القول الرابع: وهو قول الشافعية أن ذلك جائز لولي الأمر، يعني: يجوز للحاكم أو الإمام أن ينقل الزكاة لما يرى من المصلحة في ذلك، أما إذا كان مخرج الزكاة هو صاحب المال فليس له أن ينقلها.

    الراجح في مسألة نقل الزكاة من بلد إلى آخر

    والذي يظهر ويترجح من هذه المسألة والله أعلم: أن الأولى أن تصرف الزكاة في بلد المال الذي هو فيه، لحاجة الناس، ولمعرفة الناس بهذا المال، فتتطلع نفوسهم إليه، فهذا هو الأولى، ولكن يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر إذا كان في ذلك مصلحة أو كان له حاجة، بل قد يكون نقلها أحياناً أولى، مثل ما إذا كان أهل البلد حاجتهم ليست بذاك، ويوجد في بلاد أخرى من هو أحوج، فإنه حينئذٍ يكون نقلها أولى وأدعى إلى تحقيق مقصد الزكاة.

    ومثل ذلك أيضاً: إذا نقلها لأقارب محتاجين، وقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الزكاة على القريب: ( إنها صدقة وصلة )، كما في حديث ابن مسعود وأم سلمة وغيرهما.

    فإذا كان نقلها لأقارب محتاجين ولو كانوا في غير البلد، ومثل ذلك أيضاً: إذا كان هناك مجاعة، فيتعين نقلها مثل وجود وحصول المجاعات الموجودة اليوم في العالم الإسلامي، وقد أشرنا إلى طرف منها أمس في الصومال، أو في بنجلاديش، أو في أفغانستان، أو في غيرها من بلاد المسلمين التي تعيش حالة من الفقر وشظف العيش والمجاعة.

    ومثل ذلك إذا كان نقلها لما هو أنفع، مثل نقل الزكاة لطلبة العلم، والمقصود بطلبة العلم سواء كانوا طلبة علم شرعي يتعلمون القرآن والحديث والسنة ويعلمون الناس، أو كانوا طلبة علم دنيوي مما يحتاج إليه الناس، فإن الإسلام أيضاً يحرض المسلمين على أن يتعلموا، وأن يكونوا علماء في الطب، وفي الهندسة، وفي الإدارة، وفي الاقتصاد، وفي غيرها، حتى لا يكونوا عالة على غيرهم، أو يصبحوا جهالاً في عالم لا يعترف إلا بالمعلوم.

    إذاً: إذا كان نقل الزكاة لمثل هذه المقاصد والأغراض فهو جائز.

    فوائد الحديث

    النقطة الرابعة في حديث ابن عباس رضي الله عنه، هي: الفوائد المستنبطة من الحديث، وقد أشرت إلى طرف منها أثناء العرض:

    من فوائد الحديث: فضيلة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأنها مهمة الأنبياء والمرسلين والصحابة والعلماء.

    ومنها: قضية البداءة بتعليم الإيمان، والدعوة إليه، والتحريض عليه؛ لأنه لا يصح عمل إلا به.

    ومنها: قضية التدرج، والتدرج أمر ثابت في كل شيء، النبي صلى الله عليه وسلم أثبته هنا في الدعوة، مع أن الدين كان كاملاً لما بعث معاذ بن جبل في السنة العاشرة، وإنما تدرج في دعوتهم، فهكذا اليوم نحن ينبغي أن نتدرج في دعوة الناس؛ لأنك إذا أعطيتهم الأوامر كلها دفعة واحدة ربما ثقلت عليهم وعجزوا عنها وتركوها، ولا شك أن ثمة فرقاً بين الركن وبين الواجب وبين المستحب؛ ولذلك فإن الداعية عليه أن يتدرج في إيصال الدعوة إلى الآخرين.

    ومن ذلك: معرفة أحوال المدعوين.

    ومنها: وجوب الزكاة، وأنها من أركان الإسلام.

    ومنها: أن الزكاة ينبغي أن تصرف للمستحقين من أهل البلد.

    ومنها: تحريم الظلم، وبيان مغبة عاقبته.

    ومنها: دعوة المظلوم، وأنها تستجاب.

    ومنها: وجوب العدل حتى مع غير المؤمنين. وفوائد الحديث كثيرة هذه بعضها.

    1.   

    شرح حديث أبي بكر في مقادير الزكاة

    ننتقل بعد ذلك للحديث الآخر، وهو حديث أنس رضي الله عنه، في الواقع هذا الحديث طويل بعض الشيء، ولكننا إن شاء الله نؤمل أن الله سبحانه وتعالى يعيننا على إنجازه أيضاً في هذه الليلة.

    حديث أنس رضي الله عنه ( أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، وفي كل خمس شاة ) إلى آخر الحديث، وسوف نعرض له بعد قليل.

    تخريج الحديث

    أيضاً: عندنا في هذا الحديث مباحث، منها: ما يتعلق بتخريج الحديث.

    أولاً: ما يتعلق بالتخريج، فهذا الحديث كما أشار المصنف رحمه الله في آخره تقريباً في الصفحة الثانية، قال: رواه البخاري .

    فقد روى البخاري هذا الحديث في صحيحه وفرقه في عشرة مواضع كعادته، منها: موضع في كتاب الزكاة.

    ورواه أيضاً أبو داود في الزكاة، وابن ماجه والنسائي في كتاب الزكاة أيضاً.

    وقد رواه أحمد في مسنده، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم.

    وهذا حديث مشهور، حتى قال الإمام أحمد : عندي أنه ليس في الزكاة حديث أحسن منه.

    وقال الإمام ابن حزم رحمه الله أيضاً: هذا حديث عظيم أصل في وجوب الزكاة وأنصبائها.

    وقال ابن عبد البر : إن هذا الحديث هو كالمتواتر لشهرته.

    وقد توارد إطباق العلماء وثناؤهم على هذا الحديث، وهو عبارة عن كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم مات قبل أن ينفذه، فلما تولى أبو بكر أرسل أنس بن مالك على صدقات البحرين، فأعطاه هذا الكتاب، وأمره أن يعمل به، فهو كتاب، وهو كذلك مروي بالنقل والنص والرواية والمشافهة، فليس وجادة، يعني: كتاباً فقط، وإنما هو كتاب منقول برواية الثقات.

    وقد أعله بعض أهل العلم، كما نقل عن علي بن المديني : إن هذا الحديث ليس بشيء، ولا يثبت في أنصباء الزكاة شيء، وأعل الدارقطني بعض طرقه.

    ولكن الواقع أنه حديث محفوظ صحيح الإسناد، تلقاه الأئمة والعلماء بالقبول، وهو كتاب جيد بل هو من أعظم وأدق وأضبط الكتب التي نقلت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء أيضاً في موضوع الزكاة كتاب عند آل عمر بن الخطاب، وكتاب عند آل عمرو بن حزم في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، وكلها فيها ذكر لموضوع الزكاة.

    معاني ألفاظ الحديث

    النقطة الثانية: ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    ففيه: (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له) يعني: كتب لـأنس بن مالك، وفي الواقع أن هذا الكتاب -كما قلنا- هو كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم، وواضح أيضاً من سياقه حينما قال: ( هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم )، فهذا دليل على أنه أمر مرفوع وليس اجتهاداً من أبي بكر الصديق ولا رأياً له، وإنما هو تشريع وحكم مرفوع، فقال: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين) يعني: فريضة الزكاة.

    ثم ذكر رضي الله عنه في هذا الحديث قال: ( في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم ) يعني: فيما يتعلق بنصاب الإبل، بدأ بنصاب الإبل، إذا كانت الإبل أربعاً وعشرين فأقل، فالزكاة فيها من الغنم، فقوله: (الغنم) يعني: هذا خبر للمبتدأ، الذي فيها هو الغنم، زكاتها الغنم (في كل خمس شاة) يعني: الخمس فيها شاة، العشر شاتان، خمس عشرة ثلاث شياه، عشرون أربع شياه، أربع وعشرون أربع شياه أيضاً.

    وما بين كل رقم والثاني هذا يسميه العلماء الوقص، فالوقص هو ما بين الرقمين، وهو في بهيمة الأنعام مما لا تجب فيه الزكاة، يعني: سواء كان عند الإنسان خمس من الإبل أو تسع، فإنه ليس عليه إلا شاة واحدة، فإذا كانت عشراً أصبحت شاتين، سواء كان عنده عشر أو أربع عشرة، عليه شاتان فقط، خمس عشرة تصبح ثلاثاً، حتى لو زادت ست عشرة، سبع عشرة، ثماني عشرة، إلى تسع عشرة فهي ثلاث، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه، وهكذا..

    هذا يسمى الوقص، ما بين الدرجتين يسمى الوقص.

    ( فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض ) وهذا القدر الذي سبق متفق عليه عند العلماء، أن الإبل فيها الغنم إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين أصبحت زكاتها من الإبل وهي بنت مخاض، إلا ما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنه يرى في خمس وعشرين خمساً من الغنم)، وهذا قول ضعيف، ولعله لا يثبت عن علي، وقد وقع الاتفاق بعد ذلك على خلافه، فلا يعلم به قائل.

    إذاً: إذا وصلت الإبل إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض أنثى إلى خمس وثلاثين.

    وبنت المخاض هي: الناقة التي أمها ماخض، يعني: أمها قابلة للحمل، يعني: حامل أو يمكن أن تحمل، وما هو بالضرورة أن تكون حاملاً الآن؛ ولذلك يعبرون أن بنت المخاض هو ما تم لها سنة.

    إذاً: قوله: (ففيها بنت مخاض) ما تم له سنة، وسميت بنت مخاض؛ لأن أمها ماخض، يعني: حامل أو محتمل أن قد تهيأت للحمل، فإن لم تكن -يعني: إن لم يكن عنده بنت مخاض أنثى- فابن لبون ذكر، وابن اللبون تم له سنتان، ولذلك سمي ابن لبون؛ لأن الأم التي كانت العام الماضي ماخضاً ماذا صار لها هذه السنة؟ ولدت وأصبحت ترضع، فسميت البنت بنت لبون، وهذا يكون بعد سنتين عادة يعني، فهو ما تم له سنتان.

    فإذا لم يجد بنت مخاض في الخمس وعشرين إلى خمس وثلاثين أخرج بدلها ابن لبون ذكراً، وهذا دليل على أن المفضل هنا في الإبل: الأنثى أو الذكر؟ أيهما أفضل؟ الأنثى، ولذلك إذا لم يجد بنت المخاض بنت سنة أخرج بدلها ذكراً كم له سنتان، يعني: أنه أكبر وأقوى وأثمن.

    ( فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى )، بنت اللبون قلنا عمرها كم؟ سنتان.

    ( فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين )، لاحظ الآن الأوقاص، كم عددها؟ كم الذي بين كل وقص والثاني؟

    في أول الأمر قال: عشر. يعني: خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين، كانت عشراً، (فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين) هذه عشر أيضاً، (فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين) انتقل الوقص وأصبح خمسة عشر، ( فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل ).

    حقة. يعني: هي التي استحقت أن تركب، ويحمل عليها، أصبحت قوية.

    وقوله: (طروقة الجمل) المقصود السفاد، أنها تتهيأ لذلك ولو لم يحدث، لكنها أهل لذلك، وهذا الأمر في العادة متسلسل، أول شيء بنت مخاض: عمرها سنة، ثم بنت لبون عمرها سنتان، ثم بعد ذلك حقة طروقة الجمل عمرها ثلاث ودخلت طبعاً في الرابعة.

    ( فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ) لاحظ هنا الوقص لا يزال خمسة عشر ( ففيها جذعة ) والجذعة هي: ما سقط سنها وكم عمرها حينئذ؟ أربع سنوات، وطعنت ودخلت في السنة الخامسة.

    ( فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل ) وهذا كله منصوص عليه؛ ولهذا هذا القدر من أنصباء الإبل فيما يتعلق بالزكاة ثابت بالإجماع وبالنص النبوي الصريح الصحيح عليه.

    وكذلك ما بعده في قوله عليه الصلاة والسلام: ( فإذا زادت على عشرين ومائة ) زادت يعني: ولو واحدة، ( فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة ) هذه هي القاعدة، ما زاد على مائة وعشرين، يعني: مائة وإحدى وعشرون، فالقاعدة أنه في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.

    وفي الواقع أن هذا القدر وقع فيه شيء من الاختلاف، فإن جمهور أهل العلم وهو مذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة، يرون إعمال هذه القاعدة، أنه ما زاد على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة على ضوء النص السابق.

    وأما أبو حنيفة ومن وافقه فإنهم يرون أنه فيما زاد على مائة وعشرين تستأنف الفريضة من جديد، يعني في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وهكذا .. فخالفوا بعض المخالفة، ولكن المعمول به هو الأول، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، أنه ما زاد على مائة وعشرين، فالقاعدة: (في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة).

    بعد ذلك طبعاً نواصل في موضوع شرح ألفاظ الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: (ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها ) يعني: صاحبها، فهنا الصدقة تطوع وليست فريضة.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وفي صدقة الغنم، في سائمتها ) السائمة هي التي ترعى، فالسوم هو الرعي، وهذا موجود في القرآن الكريم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10] ( فيه تسيمون ) يعني: ترعون، وجاء في مواضع من القرآن ذكر التسويم، فالسوم هو: الرعي.

    إذاً قال: ( وفي صدقة الغنم، في سائمتها ) يعني: في الغنم التي ترعى ( إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ) إذاً: هنا تلاحظ أن الوقص في الغنم كبير جداً، ( فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة ) يعني: أربعمائة أربع شياه، خمسمائة خمس شياه، ستمائة ست شياه، سبعمائة سبع شياه، وهكذا (في كل مائة شاة) في كل مائة شاة شاة، وهنا تلاحظ- سبحان الله- أنه فيما يتعلق بالإبل، وكذلك البقر، البقر هنا لم تذكر لكن سوف تذكر في الحديث القادم، نثنيها في حديث معاذ، تقريباً نسبة الزكاة (2.5%) وهكذا في الورق وهو الفضة، نسبة الزكاة غالباً (2.5%)، لكن فيما يتعلق بالغنم النسبة (1%) تقريباً،نسبة الزكاة في الغنم (1%) وهذا أثار فضولاً، وينبغي أن الواحد يبحث؛ لأنه فيه أسرار، فبعض الباحثين قالوا: إن هذا من الإسلام لتشجيع الثروة الحيوانية خصوصاً في الغنم، أن الإسلام يتشوف إلى تشجيع الثروة، ومن هنا خفف وعاء الزكاة فيها، وهذا معقول في نظري، لكن يشكل عليه، أنه قد يقال: طيب! الثروة الحيوانية فيما يتعلق بالإبل والبقر أيضاً لماذا النصاب فيها ومقدار الزكاة ليس كالغنم وإنما هو أكثر؟

    فقد يجاب عن هذا: بأن الغنم في الغالب أنه يعرض لها المرض، وهذا ملاحظ الآن، فتجد الأمراض وشركات المواشي في كل مكان، التي تجلب من السودان ومن غيرها تواجه مشكلة كبيرة جداً في الأغنام بما في ذلك المعز؛ لأنها معدودة في الغنم أيضاً؛ لكثرة الأمراض وما يعتريها، والهلاك الذي يصيبها، وأيضاً كثرة الصغار فيها، وهذه علة أخرى؛ لأن الصغار معدودة ضمن النصاب، يعني: إذا وجد عند الإنسان نصاب، وزاد بالصغار فالصغار تعد ولكن لا يؤخذ منها الزكاة، يعني: تحسب عليه، ولا يقبل أن يخرج عناقاً صغيرة في الزكاة؛ ولذلك جاء في حديث عمر : ( اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم ).

    يعني: تحسبه عليه ولا تأخذها منه، هي معدودة ضمن القطيع، يمكن نقول: هذا عنده مثلاً أربعمائة شاة، قد يكون مائة منهن من السخال.

    وجمع عناق تجمع على أعنق أو عنوق، وهو التيس الصغير، والأنثى تسمى سخلة.

    فهي تكثر فيها الصغار؛ لأنها تلد أكثر من مرة، وفي البطن الواحد أكثر من سخلة وأكثر من عناق، فلذلك روعي في الشياه أن يكون نصابها أقل من غيرها من بهيمة الأنعام، وأقل من غيرها أيضاً من أنواع الأموال.

    وسوف يأتي طبعاً موضوع السائمة بعد قليل: ( فإن زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة ) يعني: تسع وثلاثون ليس فيها صدقة .. زكاة ( إلا أن يشاء ربها ) يعني: من عنده صدقة ليست واجبة.

    قال: ( ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ) يعني: هذا دليل على منع الحيل، وهو دليل أيضاً على أن الشراكة أو الخلطة تؤثر في مال الزكاة، فهنا قوله: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع) فسرها الإمام مالك رحمه الله وجماعة بأن المقصود أنه إذا كان ثلاثة مثلاً كل واحد منهم عنده أربعون شاة، ما الواجب عليهم؟

    كل واحد عليه شاة، فإذا عرفوا أن المصدق سوف يأتي قاموا وخلطوا شياههم جميعاً وعدوها رعية واحدة، كم يكون عددها؟ مائة وعشرين. كم فيها؟ شاة، إذاً: هذا ممنوع؛ لأن فيه هروباً من أداء الزكاة، فهذا معنى قوله: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع) طبعاً هذا جمع المتفرق.

    (تفريق المجتمع) مثلاً: لو فرضنا أن عندهم أربعين شاة أو خمسين شاة، وهذه فيها الزكاة، فإذا جاء المصدق فرقوها وصارت عشرين وعشرين، بحيث أنه لا يكون فيها زكاة خشية الصدقة، هكذا فسرها الإمام مالك رحمه الله، وللشافعي تفسير آخر أشمل وأجود، وهو أنه يقول: خشية الصدقة لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع لا من قبل المالك ولا من قبل المصدق نفسه؛ أحياناً الساعي الذي بعث في الزكاة يمكن أن يجمع مالين ليزيد النصاب، أو يفرق مالين حتى يزيد النصاب أيضاً، فيأخذ من هذا ومن هذا، فيمنع الساعي من الجمع أو التفريق، كما يمنع المالك أيضاً وهو المتصدق من الجمع والتفريق، وإنما تؤخذ الصدقة من المال كما هو.

    ( وما كان من خليطين ) الخليط هو المخالط للآخر، يعني: خلطوا أموالهم، والخلطة نوعان، والله سبحانه ذكر الخلطة في القرآن الكريم: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ[ص:24] يعني: بالمال، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ص:24] الخلطة نوعان:

    النوع الأول: خلطة شراكة، وهي أن يكون المال مشاعاً مشتركاً بين اثنين، يعني: اشتريت أنت وزميلك رعية من الغنم بالنصف بينكما، أو ورثت أنت وأخوك رعية من الإبل بالنصف بينكما دون أن تحددوا ما لهذا وما لهذا، فهذه خلطة، وهي خلطة شراكة أو مشاعة.

    النوع الثاني: يسمونها خلطة جوار، وهي: أن تختلط في المرعى، وتختلط في المورد التي ترد إليه، وقد يكون الراعي واحداً، ولكن كل إنسان له غنمه الخاصة المعروفة، هذه خلطة جوار.

    ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ) يعني: لو فرضنا أن الخليطين عندهما الرعية، فجاء المصدق وأخذ الشاة، والشاة لي، والواجب أن الزكاة علينا أنا وإياه، ففي الحالة هذه يفترض أن يكون بيني وبينك مراجعة بالسوية، بمعنى أن تدفع النصف، وأنا أدفع النصف إذا كانت الخلطة بالمناصفة.

    طيب! لو كان لك ثلث المال ولي الثلثان، تدفع أنت ثلث قيمة الشاة، وأنا أتحمل الثلثين، فهذا معنى قوله: (يتراجعان بينهما بالسوية)، وهكذا لو حصل ظلم من المصدق، فهذا الظلم لا يتحمله واحد منهما، وإنما يتحمله الخليطان بالسوية بينهما، فإن هذا مقتضى العدل.

    ( ولا يخرج في الصدقة هرمة ) والهرمة هي العجوز، الهرمة هي المسنة، هي الكبيرة، فهذه لا تخرج؛ ولذلك أقصى ما ورد في أسنان الإبل هو أربع سنوات، وهذه تسمى جذعة، هذا أقصى ما ورد، وقال بعضهم: إن هذا أعلى ما ذكر في أنصباء الإبل.

    فقال: ( لا يخرج فى الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ) (عوار) تقرأ بضم العين (عوار) أو بفتحها، وجهان، وإذا قيل: عوار فالمقصود أنها عوراء.

    وإذا قيل: عوار بفتح العين، فالمقصود أنها ذات عيب أي عيب كان.

    وما هو المقصود بالعيب هنا؟ هل هو العيب الذي لا تصح معه الضحية بها؟ أم هو العيب الذي ترد به في البيع؟

    الأقرب أن المقصود هنا العيب الذي ترد به في البيع، يعني: لو اشتراها ردها عليك، وقال: هذه فيها عيب، فهذه التي ترد في المبيع لا تقبل في الصدقة إلا إذا كان النصاب كله كذلك، فإن كان كله كباراً قبلت الهرمة، كله معيباً قبلت معيبة من سائره، كله صغاراً قبلت الصغيرة؛ لهذا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: صغيرة، وحمل هذا على مثل ما ذكرت.

    ( إلا أن يشاء المصدق ) يعني: المقصود هنا بالمصدق الذي هو الساعي، والمصدق هنا لم يقبلها بمجرد التشهي، إلا أن يوافق على ذلك من خلال معرفته أن النصاب وأن القطيع كله كذلك.

    ثم قال: ( وفي الرقة ربع العشر ) ما هي الرقة؟ الفضة الخالصة هي الرقة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة، المضروبة هي: الدراهم، وطبعاً أكثركم لا تعرفون هذا لأنكم تتعاملون بالدراهم الورق، العملة الورقية الورق النقد، لكن الناس كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير، وكانت الدراهم من فضة، والدنانير من ذهب، يعني مصنوعة من الفضة، أو مصنوعة من الذهب، فالدينار من الذهب، والدرهم من الفضة، فيقال: مضروب، يعني: أنه عملة مسكوك عليه العملة، وقد يكتب عليه أنه ضرب في عهد فلان، إما ملوك الروم أو غيرهم، وبنو أمية ضربوا، وغيرهم ضربوا، السكة تسمى السكة هذا هو المضروب.

    وغير المضروب هي الفضة الخالصة، يعني: مادة خام كما هي غير مضروبة.

    (وفي الرقة ربع العشر) يعني: واحد من أربعين، لأنه لو افترضنا أن عندك أربعين كم عشر الأربعين؟

    أربعة. عشر الأربعين أربعة على ما قالوا: حسبة بدو، كلنا بدو، عشر الأربعين أربعة، وربع الأربعة واحد، إذاً: ربع العشر واحد من أربعين، وهذا أحسن من أن تقول (2.5%) لماذا؟

    لأن (2.5%) في النهاية واحد من أربعين، اثنين من ثمانين (2.5%) أربعون وأربعون وعشرون، هذه مائة، أربعون فيها واحد، ثمانون فيها اثنان، وعشرون فيها نصف، اثنان ونصف.

    لكن لما تقول: واحد من أربعين يفهم أن كل أربعين فيها، بينما قد يظن بأنه لما يقال (2.5%) يظن أن فيه وقصاً، وأن ما دون ذلك ليس فيه زكاة.

    قال: ( وفي الرقة ربع العشر فإن لم تكن ) يعني: الرقة، الفضة ( إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة ) إذاً: الصدقة في كم؟ في مائتين، يعني: النصاب مائتان، وأقل نصاب الفضة مائتا درهم، وهذا نص عليه؛ ولذلك نصاب الفضة ثابت في الصحيح بخلاف الأنصبة الأخرى، نصاب الذهب مثلاً قد يكون فيه كلام كما سوف يأتي، نصاب الفضة أثبت وأصح، ولهذا من الفقهاء من يعتبر الأنصبة الأخرى بنصاب الفضة، فالمقصود هنا أن المقصود نصاب الفضة مائتان، قال: ( فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ) يعني: يتطوع من عند نفسه من غير وجوب.

    مسألة: من بلغت عنده من الإبل جذعة وليست عنده إلا حقة والعكس

    ( ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة ) أيهما أكبر الجذعة أم الحقة؟

    الجذعة أكبر. إذاً: هذا عليه جذعة وما عنده التي أصغر منها، ماذا يصنع؟

    يقول: ( فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا ) وهذا تعويض عن النقص، لأنه بذل أقل من السن الواجب عليه.

    طيب! لو افترضنا العكس: واحد واجب عليه حقة ولم يجد إلا جذعة، يعني: أكبر منها، وأعطى المتصدق حقة، ماذا يجب علينا؟ نأخذ منه الحقة ونعطيه شاتين أو عشرين درهماً من باب المساواة، إن أعطانا سناً أكبر رجعنا له عملية صرف، يعني نرد له شاتين إن وجدتا أو عشرين درهماً، وكذلك هو إذا أعطانا ما هو أقل مما يجب عليه جعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا.

    طيب! لو ما وجد إلا شاة واحدة وعشرة دراهم.

    فما فيه مانع، وهذا واضح، أنه من مقتضى الحكمة لو أعطانا شاة واحدة وعشرة دراهم فلا بأس بذلك.

    قال: ( ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين ) رواه البخاري .

    هذا ما يتعلق إذاً بألفاظ الحديث، وقد انتهينا منها إن شاء الله تعالى.

    معنى السوم

    ننتقل بعد ذلك إلى النقطة الثالثة، وهي ما يتعلق بزكاة السائمة، وقد أشرت إليه قبل قليل، وقلت لكم: إن السوم في لغة العرب يرجع -كما ذكر ابن فارس وغيره- إلى أحد معنيين: إما الرعي والطلب، وإما العلامة، ومنه الوسم، والذي يظهر لي أن الأصل هو الوسم، أن السوم هو التعليم، وهو وضع العلامة على الشيء، ومنه سمي الرعي؛ لأن الغنم حين الرعي تضع وسماً على الأرض فيما رعت وما لم ترع، تضع أثراً، فلذلك سمي ذلك سوماً، وفي القرآن الكريم: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] يعني: معلمين معروفين، وقد ورد أن قتيل الملائكة كان يعرف ببنانه فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12]، وكذلك في القرآن ذكر الله تعالى السوم في قوله سبحانه: فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10] إذاً: هذا هو السوم.

    أقوال العلماء في اشتراط السوم في وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام

    وقد اختلف العلماء: هل السوم شرط في وجوب الزكاة؟ وهذه مسألة مهمة، هل السوم شرط في وجوب الزكاة أو الرعي أم أنه ليس بشرط؟

    يعني: واحد عنده غنم في المزرعة أو في البيت يشتري لها العلف، وهي التي تسمى المعلوفة، فهل فيها زكاة أو ما فيها؟

    طيب! واحد عنده مجموعة من الإبل يستخدمها في النقل أو يستخدمها لأغراض مختلفة، وليس للنماء، فهل تجب فيها الزكاة أم لا؟

    هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين:

    القول الأول: اشتراط السوم في وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام وأدلته

    القول الأول: مذهب جمهور أهل العلم: أحمد بن حنبل، والشافعي، وأبي حنيفة، يعني: الأئمة الثلاثة، يقولون: لابد أن تكون بهيمة الأنعام سائمة.

    وبهيمة الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، والجواميس تدخل في البقر باتفاق العلماء، والمعز تدخل في الضأن، والغنم هي المعز والضأن.

    إذاً: جمهور العلماء يرون أنه لا زكاة في بهيمة الأنعام حتى تكون سائمة، بهذا الشرط: لابد أن تكون سائمة، وهذا هو القول المشهور عند السلف، حتى إن سفيان الثوري رحمه الله قيل له: هل في غير السائمة زكاة؟ قال: لا.

    قالوا له: إن الإمام مالكاً يقول: إن الزكاة في السائمة وغير السائمة، فاستغرب سفيان وقال: والله ما ظننت أحداً يقول بهذا القول!

    وهذا من سفيان رحمه الله يعني لعدم علمه بوجود من قال بهذا، وإلا فإن الإمام مالك أعظم وأجل منه، وكلهم أجلة وخيار، فليس المقصود الإنكار على الإمام مالك في مسألة قال بها وسبقه إليها من سبقه من أهل العلم، وله فيها حجته، وإنما المقصود أن هذا القول ليس مشهوراً ولم يكن بالقول المشهور، فالقول المشهور عند الصحابة والتابعين والأكثر من الجمهور هو: أنه لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام حتى تكون سائمة.

    واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: حديث الباب، فإن الكتاب الذي بعث به أبو بكر إلى أنس فيه أنه قال: (وفي الغنم في سائمتها) فقالوا: هذا دليل على اشتراط أن تكون سائمة.

    وهذا يسميه علماء الأصول مفهوم الصفة، يعني: وصف الغنم بكونها سائمة، فمفهوم الصفة معتبر بل هو أولى المفاهيم بالاعتبار عند العلماء، مثلاً لما يقول: في سائمة الغنم زكاة، معناه: أن الغنم تنقسم إلى قسمين: سائمة وغير سائمة، السائمة فيها الزكاة، هذا المنطوق والمنصوص عليه، طيب المفهوم ما هو؟ أن غير السائمة ليس فيها زكاة.

    إذاً: هذا مفهوم يسمى مفهوم الصفة، مفهوم المخالفة والصفة، وهو مفهوم معمول به عند الأكثر من الأصوليين ومعتبر في الشريعة؛ لأنه يبين العلة فمثلاً: لما الشرع ينهى عن الخمر ويذكر فيها الإسكار، هنا نعرف أن علة النهي هي وجود السكر، فيكون الحكم يدور مع العلة، فما أسكر كثيره فقليله حرام، فهكذا السوم هنا يدل على علة الوجوب، فيدور الحكم معها، هذا هو الدليل الأول.

    الدليل الثاني أيضاً: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( في كل سائمة من الإبل في كل أربعين بنت لبون ).

    فذكر السائمة أيضاً، وحديث بهز بن حكيم هذا رواه النسائي وأبو داود في السنن، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه جمع من أهل العلم، وأعله آخرون بكلام مشهور في رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ولكن هو يعتضد بالحديث الأول، وهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

    الدليل الثالث على اشتراط الرعي: هو ما ثبت عن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، أربعة من الصحابة ثبت عنهم أنهم يرون اشتراط السوم في بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم.

    الدليل الرابع: هو النظر، فإنهم قالوا: إن الزكاة أوجبها الشرع في الأموال النامية، الأموال المعدة للنماء، مثل: عروض التجارة، ومثل الخارج من الأرض، وغير ذلك من الأموال المعدة للنماء، فهذه الأموال التي هي بهيمة الأنعام إذا كانت ترعى فهي معدة للنماء، بخلاف ما إذا كانت معلوفة فإنها ليست كذلك، وهذا أيضاً نظر جيد.

    القول الثاني: عدم اشتراط السوم في وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام وأدلته

    القول الثاني: وهو مذهب الإمام مالك كما أشرت إليه: أنه يرى الزكاة في السائمة وغير السائمة، فتجب الزكاة عنده في المعلوفة أو العلوفة، وتجب الزكاة عنده في العوامل التي تستخدم مثلاً في النقل أو في الحمل أو في استخراج الماء أو في غير ذلك، وهذا القول لم ينفرد به الإمام مالك كما أشرت، وإنما نقل عن ربيعة بن عبد الرحمن ربيعة الرأي وهو شيخ الإمام مالك ومن فقهاء المدينة، ونقل أيضاً عن الليث بن سعد وهو من فقهاء المدينة، وهو أحد القولين المنسوبين لعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشدي، وقد اختار هذا القول الإمام ابن حزم في المحلى، وانتصر له كعادته.

    وحجتهم في ذلك: قالوا: إن الأصل وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام كلها، ولم يرد دليل على تخصيص السائمة من غيرها، أما حديث أبي بكر وهو حديث الباب، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الإبل لم يذكر السائمة، وإنما قال: ( في كل خمس شاة ) ولم يذكر أن تكون سائمة أو غير سائمة، وأما الغنم فإن قوله: (في سائمتها) فإن هذا الوصف وصف طردي وليس وصفاً احترازياً، وهناك فرق بين الوصف الطردي والوصف الاحترازي، الوصف الاحترازي: هو الذي يدخل شيئاً ويخرج شيئاً آخر، يعني: السائمة تجب فيها الزكاة، وغير السائمة لا تجب فيها الزكاة.

    أما الوصف الطردي: فمثل قوله: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38]، أو ضرب فلاناً بيده، أو -مثلاً-: مشيت برجلي إلى فلان ابن فلان. فيقولون: كونه ضرب بيده أو مشى برجله أو طار طائر بجناحه، هذا الوصف طردي، لا يدل على أن هناك احتمالاً آخر غير أن يطير بجناحه، أو يمشي برجله، أو يضرب بيده، فقالوا: هذا شيء طردي وليس احترازياً.

    الراجح من الأقوال في اشتراط السوم في وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام

    والراجح: هو مذهب الجمهور أن الزكاة تجب في بهيمة الأنعام، ولكن لا تجب إلا أن تكون سائمة.

    ولكن هذا السوم يراعى فيه ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، فلو كان إنسان يرعى شيئاً آخر غير بهيمة الأنعام فليس فيه زكاة مثل طيور الدجاج، ومثل الخيل. لو أن الإنسان عنده رعية من الخيل يرعاها، فهل فيها زكاة أم لا؟

    طبعاً هذه أيضاً مسألة أخرى فيها خلاف: أبو حنيفة يوجب في الخيل الزكاة، وقد خالفه في ذلك جمهور أهل العلم من الأئمة الثلاثة، بل خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فرأوا أن الخيل ولو كانت ترعى، ولو كانت سائمة فليس فيها زكاة, إلا لو كانت الخيل عروض تجارة، وهذه ملاحظة ينبغي أن تكون في البال، عروض التجارة تجب فيها الزكاة سواء كانت سائمة أو غير سائمة، لو واحد عنده حاجة معدة للبيع تجب فيها الزكاة لأنها عروض تجارة وليس لأنها بهيمة الأنعام أو خيل أو غير ذلك.

    إذاً: الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، فلا تجب الزكاة في غيرها، وقد استعرضت ما ورد في القرآن الكريم عن الأنعام، وبهيمة الأنعام فوجدت الله تعالى ذكر الأنعام أو بهيمة الأنعام في أكثر من ثلاث وثلاثين موضعاً، كما في سورة آل عمران وفي الأنعام وفي سورة النحل ويسميها بعضهم سورة النعم أو سورة النعم، وفي سورة يس أيضاً : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:71-73].

    إذاً: القرآن الكريم ذكر الله تعالى فيه الأنعام وبهيمة الأنعام، وامتن بها على الناس فيما يركبون، كما في سورة النحل، ذكر الله تعالى الإبل وغيرها، ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8]، فدل على أنها ليست من الأموال النامية التي تجب فيها الزكاة.

    الشرط الثاني: أن يكون السوم -يعني: الرعي- للنماء، أما لو كان يرعاها لغرض آخر كما ذكرنا مثل أخينا سعيد، رجل كريم وعنده رعية من الغنم يرعاها، بس يقول: إنه معدها للضيوف، متى يجيء ضيف حتى يذبح له، هل فيها زكاة هذه؟ ليس فيها زكاة؛ لأنها ليست معدة للنماء، وإنما معدة للسكين، للهلاك، فليس فيها نماء، وليس فيها زكاة، وهكذا لو كان يعدها للحمل، أو يعدها للنقل والانتقال، فليس فيها زكاة، وإنما تجب فيها الزكاة إذا كان السوم للنماء. ما معنى النماء؟ يعني: تولد ويبيع أولادها، ويأخذ لبنها، وقد يأخذ الدهن، وأيضاً يأخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها، كما ذكر الله تعالى مما أعد لذلك.

    الشرط الثالث: أن تكون ترعى أكثر الحول، كل الحول أو أكثره، ولا يضر نقص أسبوع أو أيام متفرقة، مثل الطالب لما يغيب بعض الأيام هناك نسبة معفو عنها، لكن لو أنه يطول مكثها ولا ترعى أكثر الحول فإن الحول ينقطع بذلك ويستأنف من جديد.

    إذاً: هذه هي المسألة الثالثة وهي زكاة السائمة.

    والخلاصة: أن بهيمة الأنعام لا تجب فيها الزكاة حتى تكون سائمة، وهذا قول الجمهور وهو الراجح بثلاثة شروط: أن تكون من بهيمة الأنعام، وأن تكون سائمة للنماء، وأن ترعى أكثر الحول.

    ثبوت نصاب الإبل

    النقطة الرابعة في الحديث: نصاب الإبل، وقد ذكرته قبل قليل خلال استعراض الحديث، وبينت أن نصاب الإبل ثابت بالنص النبوي، حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبإجماع العلماء عليه، لكن ما زاد على مائة وعشرين ذكرت أن فيه خلافاً يسيراً بين أبي حنيفة وبين الجمهور.

    ما يجب إخراجه من الضأن

    النقطة الخامسة في الحديث أيضاً: هو ما يتعلق بنصاب الغنم وقد بينته، وبقي أن أبين في موضوع الغنم ما يجب فيها، فإن ما يجب إخراجه من الغنم من الضأن هو الجذع عند الحنابلة والشافعية، وهو الأصح دليلاً، يعني: لا يخرج أقل من الجذع، والجذع عمره ستة أشهر، أما من المعز فإنه يخرج الثني، والثني عمره سنة، من المعز ما كان عمره سنة.

    فوائد حديث أبي بكر في مقادير الزكاة

    النقطة السادسة والأخيرة هي فوائد الحديث، وسوف أترك الفوائد التي مرت خلال العرض والدرس؛ لأنها واضحة، فمن فوائد الحديث:

    وجوب الزكاة في الإبل، وهو إجماع، وبيان أنصباء ذلك.

    وفيها: وجوب العدل في أخذ الزكاة، وعدم ظلم الفقير، أو ظلم الغني صاحب المال.

    وفيها: وجوب الزكاة في الغنم السائمة، وهو إجماع.

    وفيها: أن الزكاة لا تجب في بهيمة الأنعام حتى تكون راعية.

    وفي الحديث من الفوائد أيضاً: أن الخلطة تؤثر في المال، يعني: خلطة اثنين خصوصاً في بهيمة الأنعام عند جمهور أهل العلم خلافاً لـأبي حنيفة، يعني: إذا خلطت مالي ومالك يعتبر كالمال الواحد، ويعامل كالمال الواحد، فلو كان أصل المال مخلوطاً، يعني: عندي ستون شاة وعندك ستون شاة، وخلطتا معاً فهذا يؤثر في الخلطة، والخلطة تؤثر في الزكاة، لكن المنهي عنه في الحديث هو أن يفعل ذلك على سبيل الاحتيال، تهرباً من الزكاة، وإلا فالخلطة تؤثر في المال.

    وفيه: بيان ما يخرج في الصدقة، وأنه لا يجوز إخراج الهرمة، ولا المعيبة، ولا الصغيرة، إلا أن يكون النصاب كله كذلك.

    وفيه: وجوب الزكاة في الفضة وهو أيضاً إجماع، وكذلك الذهب وهو إجماع، وبيان نصاب زكاة الفضة، وهو مائتا درهم، وبيان مقدار ما يخرج وأنه ربع العشر، واحد من الأربعين.

    تقريباً هذه أهم فوائد الحديث.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.