إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء - حديث 535-538

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء - حديث 535-538للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرعت صلاة الاستسقاء لتأخر الغيث وشدة حاجة المسلمين إليه، بل ضرورتهم إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، فأمرهم الله سبحانه أن يدعوه ويضرعوا ويرفعوا حاجتهم إليه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام إذا اشتدت بهم الأمور لجئوا إلى الله سبحانه فيغيثهم بإحسانه وجوده.

    1.   

    شرح حديث: (خرج النبي ... فصلى ركعتين كما يصلي في العيد ..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    رقم هذا الدرس: (188)، من سلسلة شرح بلوغ المرام، وهذا يوم الأربعاء (15) من شهر جمادي الأولى من سنة (1426هـ).

    باب صلاة الاستسقاء: وفي صلاة الاستسقاء حوالي أحد عشر حديثاً، سوف نأتي اليوم على أربعة أحاديث منها تقريباً، وبإذن الله تعالى نكمل الباقي في يوم غد.

    الحديث الأول منها كما يقول المصنف رحمه الله: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد؛ لم يخطب خطبتكم هذه )، يقول المصنف: رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان .

    تعريف الاستسقاء

    أولاً: فيما يتعلق بالاستسقاء، معناه في اللغة: هو طلب السقيا، طلب الماء.

    وفي الشرع: هو طلب الغيث من الله عز وجل إذا قحط المطر وأجدبت الأرض، وقد ورد في السنة الاستسقاء على ثلاثة أنحاء:

    الأول: وهو المشهور؛ أن يخرج الإمام والناس إلى مصلى العيد أو الصحراء، ويخطب بهم ويصلي ويدعو، وهذا ما سوف نعرض له اليوم.

    الثاني: أن يخرج بهم ويدعو من غير صلاة، وهذا أيضاً ورد عن جماعة من الصحابة، وهو ثابت.

    الثالث: أن يدعو بمناسبة، مثل أن يدعو في وقت صلاة الجمعة، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس رضي الله عنه، وكل هذه الصيغ فيها طلب الاستسقاء وطلب الغيث.

    تخريج الحديث

    في حديث ابن عباس رضي الله عنه أولاً: عندنا ما يتعلق بالتخريج:

    فالمصنف يقول: رواه الخمسة، وسبق معنا أن الخمسة هم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، فهؤلاء الخمسة.

    الأربعة أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، رووا حديث ابن عباس في أبواب صلاة الاستسقاء.

    والإمام أحمد رواه في مسنده في مسند ابن عباس رضي الله عنه.

    والحديث أيضاً رواه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم وأبو عوانة والبيهقي والدارقطني وغيرهم.

    في سند الحديث قصة، وهي عن هشام بن إسحاق بن أبي كنانة عن أبيه قال: أرسلني أحد الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن صلاة الاستسقاء، فقال ابن عباس : ما له لا يسألني؟ ثم قال له ابن عباس : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً ) إلى آخر الحديث.

    وكان هذا الأمير هو الوليد بن عقبة، وربما لم يسأل ابن عباس بسبب جفوة بينهما، فأحب أن يسأله بطريق غير مباشر.

    وفي هذا الإسناد هشام بن إسحاق كما ذكرت لكم، وقد وثقه ابن حبان ذكره في الثقات، وسئل عنه الإمام أبو حاتم الرازي صاحب الجرح والتعديل فقال: شيخ، وهي عنده من أدنى درجات التعديل، ولذلك يمكن أن يقال: إن هشاماً هذا فيه جهالة يسيرة، وإن كان روى عنه أهل السنن .

    وأما أبوه فهو ثقة، ولذلك صحَّح هذا الحديث جمع كما ذكره المصنف رحمه الله عن الترمذي وأبي عوانة، والحاكم، وكذلك صححه ابن حبان وابن خزيمة حيث خرجاه في صحيحيهما.

    معاني ألفاظ الحديث

    ألفاظ الحديث:

    قوله رضي الله عنه: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم )، يعني: خرج إلى المصلى، والمقصود: خروجه إلى الصحراء، فإن صلاة الاستسقاء غالباً ما تكون في مصلى العيد؛ لكثرة الناس إليها، وتوحدهم .

    ( متواضعاً )، التواضع: هو أن يضع الإنسان من قدر نفسه، والمقصود هنا: الانكسار لله سبحانه وتعالى؛ لأنه هو اللائق بحال الحاجة والمسألة والدعاء.

    ( متبذلاً )، التبذل له في اللغة معنيان، نريد أن نعرف أيهما المراد في الحديث:

    من معاني التبذل: تواضع الإنسان في ملبسه، أي: أن يلبس الإنسان ملابس رثَّة غير معتنىً بها، لا يختار الملابس الجميلة، وهذا معروف عند أهل اللغة، يقولون: فلان خرج متبذلاً أو خرج في ثياب البذلة، ثياب البذلة يعني: الثياب التي يشتغل فيها، إذا كان الإنسان متبذلاً في بيته مثلاً: يقوم ويقعد ويضاحك الأطفال، ويدخل ويخرج ويتعرض لأشياء كثيرة تؤثر على ثيابه، فهذه تسمى ثياب البذلة، أو ثياب المهنة التي يشتغل فيها، بخلاف (البدلة)، نحن نقول أحياناً: البدلة، ونعني بالبدلة: أن يكون عند الإنسان قطعتان من الثياب إزار ورداء، ويكونان بصفة واحدة، يعني: يكون بينهما تشاكل -في الإزار والرداء- وهذا ما كان يسمى عند السابقين بالحلة، خرج أبو ذر وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فهذه حلة، أما البذلة فالمقصود بها: ثوب المهنة.

    المعنى الثاني في التبذل: الإنسان الذي لا يتصاون عن المعصية، يعني: إذا كان الإنسان مجاهراً بالخطأ والمعاصي وتجده مثلاً: لا يبالي بالناس يقال: فلان متبذل.

    باليقين المقصود في هذا الحديث أيهما؟ المقصود الأول، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج في ثياب مهنته، ولم يعتن بلبس أحسن الثياب؛ لأنه هو المناسب لمقام التضرع وإظهار الحاجة والافتقار.

    قوله: ( متخشعاً )، والخشوع مأخوذ من السكون، تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً [فصلت:39]، وفي الآية الأخرى: هَامِدَةً [الحج:5]، فالخاشع هو الساكن، هذا معناه هنا، معنى الخشوع هو السكون، وهو أيضاً مناسب للمقام.

    ( مترسلاً )، الترسل هو الهدوء وعدم الاستعجال أو السرعة، فهذا المعنى.

    ( متضرعاً )، التضرع هو الدعاء وإظهار الحاجة والمسكنة .

    فذكر ابن عباس رضي الله عنه هذه الصفات الخمس التي كلها تدل على أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذل وانكسار لله سبحانه وتعالى، ولم يعتن كما هي الحال مثلاً في العيد بلبس أحسن الملابس، وإن كان يشرع للإنسان أن تكون ثيابه حسنة ونظيفة ولو لم تكن ثياباً عالية وراقية، وكذلك أن يكون بدنه طيباً وخالياً من الروائح، ولهذا يقول كثير من الناس باستحباب الغسل للتجمعات العامة كالعيد والكسوف والاستسقاء وغيرها.

    قال: ( فصلى ركعتين كما يصلي في العيد )، قوله: (كما يصلي في العيد) هذه تحتمل وجهين:

    تحتمل صفة الصلاة، وأن يكون صلى كصلاة العيد. يعني: يكون كبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً.

    وتحتمل أن تكون تأكيداً لكون الصلاة ركعتين فقط، يعني: كصلاة العيد من حيث العدد.

    (لم يخطب خطبتكم هذه)، وهذا أيضاً يحتمل وجهين:

    الوجه الأول: أنه لم يخطب، فيكون ابن عباس أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ولم يخطب.

    والوجه الثاني: أن لا يكون ابن عباس قصد نفي الخطبة، ولكن قصد نفي الخطبة المعهودة، وهذا أقرب، خصوصاً أن الرسالة كانت لأمير، وبالذات للوليد بن عقبة، فأراد ابن عباس أن يقول: إن تطويلكم وتشقيقكم للكلام فيما لا فائدة منه ولا جدوى من ورائه فيه إشغال للناس بما لم تأت به السنة، وإنما يقتصر في الخطبة على الدعاء والتضرع وما كان مناسباً للمقام.

    (ورواه الخمسة) ذكرنا ما معنى الخمسة.

    أقوال العلماء في مشروعية صلاة الاستسقاء

    حديث ابن عباس رضي الله عنه فيه أكثر من مسألة:

    المسألة الأولى: ما يتعلق بصلاة الاستسقاء، ما هو حكمها؟

    وفي صلاة الاستسقاء قولان مشهوران:

    القول الأول: استحباب صلاة الاستسقاء وأدلته

    الأول: قول جمهور أهل العلم، مذهب الصحابة رضي الله عنهم وجمهور التابعين والأئمة المتبوعين، ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ أنه يستحب أن يصلي للاستسقاء صلاةً على وفق ما ورد في السنة بعد ارتفاع الشمس مثل صلاة العيد، ويدعو بها.

    وأدلة هذا القول باستحباب صلاة الاستسقاء كثيرة:

    منها حديث الباب -حديث ابن عباس رضي الله عنه- وقد ذكرنا من خرجه ومن صححه، وهذا الحديث فيه التصريح والنص بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الاستسقاء، ودعا وتضرع لله عز وجل، إضافة إلى الصلاة كما سوف نذكره.

    أيضاً من أدلة مشروعية صلاة الاستسقاء: ما رواه الشيخان عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وليس هو صاحب الأذان : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم إلى المصلى فاستغفر، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ).

    وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم يروى عن عباد بن تميم عن أبيه، وهو بكل حال في الصحيحين، أحياناً يقال: حديث عباد بن تميم، فبعض الناس يظن أن هذا حديث وهذا حديث وهما في النهاية حديث واحد، هو حديث عبد الله بن زيد بن عاصم .

    طبعاً حديث عبد الله بن زيد بن عاصم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج، وفيه أنه صلى، وفيه أنه استغفر، والاستغفار إشارة إلى الدعاء والسؤال، فهذا أيضاً دليل على مشروعية صلاة الاستسقاء.

    الدليل الثالث: ما رواه الشيخان أيضاً -البخاري ومسلم - عن عبد الله بن يزيد الخطمي رضي الله عنه: ( أنه خرج هو والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، فقام عبد الله بن يزيد على رجليه من غير منبر واستغفر، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ).

    وهذا الحديث أيضاً دليل على ما دل عليه حديث عبد الله بن زيد، ففيه أن هؤلاء الصحابة وهم عبد الله بن يزيد الخطمي والبراء بن عازب وزيد بن أرقم خرجوا بالناس -يعني وليس هم فقط- وإنما المقصود مع أهل العراق، وأنهم صلوا ودعوا.

    فهذه الأحاديث وغيرها كثير يدل على مشروعية الخروج لصلاة الاستسقاء.

    وطبعاً الباب فيه أحاديث كثيرة، لكن نحن ذكرنا أصحها مثل هذه الأحاديث.

    أيضاً: حديث عائشة -وسوف يأتي بعد قليل- وهو عند أبي داود، وفيه الدعاء والذكر الطويل، فهو دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم واعدهم يوماً يخرجون فيه، ثم خرج إلى المصلى وصعد المنبر وذكر الله تعالى، ثم تضرع وسأل الله نزول الغيث.

    فهذه أربعة أحاديث كلها إما أحاديث في الصحيحين، أو أحاديث لا بأس بإسنادها، تدل على مشروعية الاستسقاء، وهذا ما ذهب إليه جماهير أهل العلم كما ذكرنا.

    طبعاً توجد أحاديث أخرى مثل أحاديث عن أبي هريرة وعن حريث بن عمرو وعن عائشة رضي الله عنها، لكن في أسانيدها ضعف؛ ولهذا أضربت عنها؛ لأن ما ذكرناه يغني.

    القول الثاني: عدم مشروعية صلاة الاستسقاء وأدلته

    القول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة والنخعي، قالوا: بأنه لا يشرع صلاة الاستسقاء، قالا: بأنه لا يشرع للاستسقاء صلاة.

    واحتجا أولاً بالقرآن كما في قصة وسورة نوح، أنه قال: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12]، ولم يذكر فيها الصلاة، وإنما ذكر الاستغفار.

    فقالوا: يمكن أن يخرج ويستغفر ويدعو ولا يصلي، ونحن ذكرنا أن هذه هي إحدى الصيغ الواردة، لكن لا يمنع ثبوت هذه الصيغة من ثبوت غيرها، إذاً هذا هو دليلهم الأول.

    كذلك استدلوا بحديث أنس في صلاة الجمعة، وهو في الصحيحين: لما جاء أعربي في الأسبوع الأول وقال: ( يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه واستسقى، فنشأت سحابة مثل الترس حتى عمت، ولم يأت أحد إلا حدث بالمطر والجود، فلما كان من الأسبوع الثاني جاء رجل وقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا -يعني: السماء- فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، فكان صلى الله عليه وسلم لا يشير بيده إلى جهة إلا زال السحاب وتفرق، فطلعت الشمس ).

    فقالوا: هذا دليل أيضاً على أن الاستسقاء ليس له صلاة تخصه، وإنما يكون في الجمعة وغيرها.

    كذلك استدلوا بأحاديث مشابهة لحديث أنس عن جابر وابن عباس وآبي اللحم وغيرهم في مثل ما سبق، وقد ذكر العيني في شرح البخاري نحواً من ستة عشر حديثاً وأثراً عن بعض الصحابة تدل على ما ذكرناه من أنه يخرج يدعو ولا يصلي.

    والراجح في هذه المسألة ما هو؟

    مداخلة:...

    الشيخ: نعم، الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور: من أنه يستحب أن يخرج الإمام ويصلي بالناس ويدعو، وهذا لا يعارض أن يدعو في الجمعة أو غيرها، أو يخرج أحياناً فيدعو من غير صلاة، فهذه كلها أضرب وطرائق في السنة.

    هذه المسألة الأولى ما يتعلق بحكم صلاة الاستسقاء.

    صفة صلاة الاستسقاء

    هناك مسألة أخرى مهمة، وهي صفة صلاة الاستسقاء:

    بعدما تبين أنها مشروعة ومستحبة، يأتي السؤال: ما هي صفتها؟ وهذه فيها إشكال كبير في الواقع، ما هي صفة صلاة الاستسقاء؟

    أولاً: صلاة الاستسقاء ركعتان باتفاق العلماء، بإجماعهم أنها ركعتان.

    وهذا منصوص في حديث ابن عباس وفي حديث عبد الله بن زيد، وفي حديث عبد الله بن يزيد الخطمي، وفي حديث أبي هريرة وغيرهم، فهم مجمعون على أن صلاة الاستسقاء ركعتان، لكنهم مختلفون جداً في صفة هذه الصلاة، وهو اختلاف محدود -تقريباً- في موضوع التكبير.

    ولذلك كان القول الأول: أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، يكبر فيها سبع تكبيرات في الأولى بعد تكبيرة الإحرام، وخمساً في الثانية، وهذا مذهب الإمام الشافعي وأحمد في أحد قوليه وفي ظاهر مذهبه، وأصحاب أبي حنيفة كـأبي يوسف ومحمد بن الحسن والظاهرية وغيرهم.

    واستدل هؤلاء بحديث ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ( فصلى ركعتين مثل صلاة العيد ).

    وقالوا: إن ابن عباس صرح بأنهما ركعتان، ولم يكن بحاجة إلى تأكيد أنهما كصلاة العيد إلا أنه يقصد معنىً زائداً، وهو أنها كصلاة العيد في صفتها بالتكبيرات.

    وفي الباب أحاديث واهية لا يحتج بها.

    القول الثاني: أن صلاة الاستسقاء كالصلاة العادية، يعني: أنها ركعتان ولا زيادة فيها بالتكبير، بل يكبر تكبيرة واحدة للإحرام، وهذا أيضاً هو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب المالكية وبعض أئمة الحديث.

    ودليلهم على أنه يصلي ركعتين كالنافلة من غير زيادة تكبير:

    أولاً: حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين فإنه قال: ( ثم صلى ركعتين )، ولم يذكر زيادة على ذلك، وهو بدون شك أصح من حديث ابن عباس ؛ لماذا؟ لأنه متفق عليه، بينما حديث ابن عباس قلنا: إن فيه هشام بن إسحاق وفيه جهالة يسيرة.

    فحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، وفيه أنه قال: ( ثم صلى ركعتين )، وهذا نوع من البيان في وقت الحاجة، فهو إجمال يدل على أنه ليس في الركعتين زيادة على ما هو معروف، وإلا لبينه رضي الله عنه.

    وهكذا أيضاً قصة عبد الله بن يزيد والبراء وزيد بن أرقم ؛ فإنه صلى ركعتين، ولم يذكر أنه كبر فيهما، والحديث أيضاً أقوى من حديث ابن عباس ؛ لأنه متفق عليه.

    ولذلك ذهب داود الظاهري إلى التخيير، وقال: إن هذا سنة وهذا سنة، فإن شاء كبر في صلاة الاستسقاء وإن شاء صلى ركعتين من غير تكبير، والأمر في ذلك واسع؛ لأن التكبير حتى في العيد سنة، إن فعله فحسن، وإن تركه فلا شيء عليه.

    وفيما يتعلق بصلاة الاستسقاء فإنه لم يثبت دليل خاص صريح في التكبير، وأقوى ما تمسك به هؤلاء هو حديث ابن عباس في قوله: ( كصلاة العيد ).

    وهذا الاستدلال قلنا: يستشكل من ناحيتين:

    أولاً: أن الأحاديث الأخرى أقوى منه، يعني: حديث ابن عباس قلنا: إن فيه ضعفاً يسيراً؛ لأن هشام بن إسحاق فيه جهالة يسيرة، هذا الوجه الأول.

    الوجه الثاني: أنه ليس صريحاً أيضاً في التكبيرات؛ لأنه قال: ( كصلاة العيد )، فيحتمل أن يكون مقصوده تأكيد أنهما ركعتان، ويحتمل مثلما قال أبو عمر : أن يكون مقصوده مثل صلاة العيد في الوقت؛ أنها بعد ارتفاع الشمس أو ما شاء الله، أو يحتمل أن يكون في قدر الصلاة وطولها، أو فيما يقرأ، فليس صريحاً في التكبيرات.

    ولهذا نقول: إن الأقرب والله أعلم، أنه لا يشرع أو لا يثبت في صلاة الاستسقاء تكبير، ولكن لو كبر فالتكبير ذكر، ولو جهر الإمام بالتكبير وكبر الناس وراءه فلا حرج في ذلك، خصوصاً وأن هذا قول جماعة كثيرة من أهل العلم كما ذكرنا.

    فوائد الحديث

    في هذا الحديث أيضاً مجموعة من الفوائد، حديث ابن عباس

    رضي الله عنه. منها: أولاً: مشروعية الخروج للاستسقاء، وهذا محل إجماع كما ذكره ابن رشد

    وغيره، محل إجماع حتى عند أبي حنيفة

    رضي الله عنه، فهو يرى الخروج ولكنه لا يرى خصوص الصلاة. ومن فوائد الحديث: صلاة الاستسقاء، وأنها ثابتة كما هو قول الجمهور أيضاً. وفيه: صفة الخروج للاستسقاء، وأنه يستحب للناس أن يخرجوا بسكينة وانكسار، وتواضع وتخشع، وتضرع وتبذل. ويمكن أن يؤخذ منه دليل لبعض الفقهاء فيما ذكروه من مشروعية التقدم بعمل صالح قبل الاستسقاء، فإن كثيراً من الفقهاء ذكروا أنه يستحب أن يصوم قبله، وآخرون ذكروا أنه يستحب أن يتصدق قبله بما تيسر. ولا شك أن الصوم مشروع والصدقة مشروعة في العموم، وأيضاً التقديم بين يدي سؤال الله عز وجل بمثل هذه الأعمال الصالحة، فهو أمر حسن وإن لم يثبت بخصوصه شيء. أيضاً من الفوائد: بيان أسباب إجابة الدعاء، فإن الدعاء عبادة: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ))[غافر:60]، وأعظم أسباب الإجابة في الدعاء هو صدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وصدق الانكسار بين يديه، ولهذا كان الله عز وجل لا يخيب سؤال المستغيثين المضطرين، حتى إنه يجيب سبحانه دعاء المشركين أحياناً إذا كانوا في الضرورة لصدق لجوئهم إليه، (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ))[العنكبوت:65]. فمن أعظم بل أعظم أسباب إجابة الدعاء الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى بالقلب، والاضطرار إليه. وكذلك من أسباب الإجابة أن يدعو الإنسان وهو موقن بالإجابة، ومؤمِّل لله عز وجل. من الفوائد أيضاً: أن صلاة الاستسقاء ركعتان، وقد ذكرنا الإجماع على ذلك. منها: مشروعية تخفيف الخطبة، من أين عرفنا هذا؟ من قوله: ( لم يخطب مثل خطبتكم هذه )، فهذا دليل على مشروعية تخفيف الخطبة في الاستسقاء، بل قال كثير من أهل العلم: إنه لم يثبت للاستسقاء خطبة، بمعنى: أن كلمة (خطبة) لم تثبت في شيء من النصوص في الاستسقاء، وإنما ورد فيه ماذا؟ استغفر ودعا، في حديث عائشة

    رضي الله عنها ذكرت ماذا قال، إنما لفظ (خطبة) لم يثبت في شيء من الروايات. فنقول: إنها خطبة ولكنها خفيفة وقصيرة، وغالب ما فيها هو الدعاء والمسألة، ولهذا ابن عباس

    قال: ( لم يخطب مثل خطبتكم هذه ). أيضاً من الفوائد: أن الاستسقاء صلاة جهرية، وسوف يأتي هذا في حديث عبد الله بن زيد

    ، ولكن نأخذ من هذا كونها صلاة جهرية، أنها صلاة نهارية تؤدى في النهار قبل الزوال عند جماهير أهل العلم، وأن لها خطبة يسيرة، وما كان له خطبة فالصلاة فيه جهر أيضاً.

    1.   

    شرح حديث: (شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر..)

    الحديث الذي بعده، حديث ابن عباس رضي الله عنه كان رقمه: (313)، وهذا حديث عائشة رضي الله عنها رقمه (514)، قالت: ( شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال ) إلى آخر الحديث.

    حديث عائشة رضي الله عنها هنا فيه عدد من المسائل:

    تخريج الحديث

    أولاً: فيه ما يتعلق بالتخريج، فإن المصنف في آخره قال: رواه أبو داود، وقال: غريب، وإسناده جيد.

    و أبو داود روى هذا الحديث في كتاب الجمعة، أبواب الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، وقال كما نقل عنه المصنف: إنه حديث غريب وإسناده جيد.

    أما كونه غريباً فلأن هذا الحديث لم يرد إلا بإسناد واحد وهو إسناد أبي داود، والعلماء يطلقون لفظ غريب على الحديث الفرد، يعني: الذي لم يرد إلا بإسناد واحد .

    والغرابة هل تجامع بالضرورة ضعف الحديث؟ يعني: هل يلزم أن كل حديث غريب فهو ضعيف، لا، وإن كان هذا هو الغالب، ولذلك بعض العلماء إذا قال: غريب، مثل الترمذي إذا قال: غريب وسكت، وكذلك أبو نعيم وغيرهم إذا قال غريب، فالغالب عنده أنه ضعيف، لكن إذا قال: غريب صحيح فهذا ممكن؛ لأن الغرابة تعني أن الحديث لم يأت إلا بإسناد واحد.

    وإذا كان رواة السند كلهم ثقات، والسند متصلاً فإنه يكون غريباً، ويكون في الوقت ذاته صحيحاً.

    ولهذا قال أبو داود : حديث غريب وإسناده جيد.

    والحديث أيضاً رواه غير أبي داود : رواه أبو عوانة في صحيحه، وهذا أيضاً تصحيح من أبي عوانة ؛ لأن مستخرج أبي عوانة يعد في الصحاح .

    ورواه ابن حبان في صحيحه، وهذا أيضاً منه تصحيح للحديث، والبيهقي والحاكم والطحاوي والطبراني وغيرهم.

    وبناءً عليه نقول: صحح الحديث جمع منهم: أبو داود أو حسنه، قال: جيد، ومنهم أبو عوانة وابن حبان والحاكم قال: حديث صحيح الإسناد، وغيرهم، وسنده كما قال أبو داود : سنده جيد.

    معاني ألفاظ الحديث

    ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله: ( شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )، شكا: من الألفاظ التي معناها واضح، لكن لو قلنا للواحد منكم ما معنى شكى؟ أكيد سيتحير كيف يعبر، ما معنى شكى؟

    الشكوى هي إخراج ما في النفس من ضيق.

    والشكوى هي أن يحدّث الإنسان غيره بما يجد في نفسه من ضيق، هذا أصل معنى الشكوى، وكونهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: رفعوا إليه شكواهم من القحط والجدب، وطلب السقيا من الله سبحانه وتعالى بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام.

    ( قحوط المطر ): أحياناً يعبرون بالقحوط وأحياناً بالجدب، عندنا القحوط والجدب نريد أن نعرف الفرق بينهما، حتى نعرف الكلمتين في الوقت ذاته، ما هو الفرق بين القحوط والجدب؟

    القحوط يتعلق بالمطر، إذاً القحوط والقحط هو الاحتباس، القحط هو احتباس الماء، هذا نقول قحط، ولذلك حتى لا ننسى دعنا نتذكر الحديث الذي: ( طرق النبي صلى الله عليه وسلم على أحد الأنصار فتأخر عليهم قليلاً ثم خرج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك أقحطت )، يعني: أقحطناك، يعني: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: طرقنا عليك الباب وأنت كنت في خلوة مع أهلك، فلم تستكمل وإنما توقفت، فسمي هذا: قحطاً أيضاً، لاحتباس الماء.

    إذاً: القحط معناه احتباس الماء، ولهذا شكوا إليه قحوط المطر، يعني: احتباسه.

    قوله: ( فأمر بمنبر ) والمنبر معروف، وهو مأخوذ من الانتبار وهو: الارتفاع، ومنه نحن نقول: الهمزة على نبرة أحياناً، يعني: مرتفعة وليست على السطر، ومنه الماء إذا نبر، يعني: ارتفع، فالمنبر معروف.

    ( فوضع له في المصلى )، وهذا دليل على أن الصلاة كانت خارج المدينة وليست في المسجد، فالمصلى هنا هو خارج المدينة، وهو مصلى العيد .

    ( ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس )، ما هو حاجب الشمس؟ انظر اللغة العربية وجمال اللغة وإشراقاتها بأن الإنسان كان عنده ذوق أدبي، ( حين بدا حاجب الشمس )، ما هو حاجب الشمس؟

    يعني: مثل حاجب الإنسان، الإنسان عنده حاجب الحاجب في أعلى الوجه، فكأن الشمس وجه جميل يطل عليكم، فإذا ظهر أول الشمس نقول: ظهر حاجبها، يعني: أول ما يبدو منها ثم تظهر، وذلك لأن أول ما يظهر من الشمس هو الحاجب.

    ( فقعد على المنبر )، وهذا إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قعد على المنبر ثم قام وخطب، وهذا هو الأقرب، أو يكون قعد عليه لسبب.

    قوله: ( فكبر وحمد الله ثم قال ) قوله: (كبر وحمد الله) يعني: قال: الله أكبر والحمد لله، وهذا إشارة إلى ما يسمى بخطبة الحاجة، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بها، فإنه كان يقول: ( إن الحمد لله نحمده ونستعينه ) إلى آخر الحديث.

    ثم قال: ( إنكم شكوتم جدب دياركم ).

    الآن أتينا للجدب، انتهينا من القحط والقحوط، وأتينا للجدب، الجدب إذاً متعلق بالأرض، وهو أن تمسك الأرض نباتها، يعني: تكون الأرض يابسة هامدة خاشعة، ليس فيها نبت فهذا هو الجدب.

    ( وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم )، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين -وفي قراءة: ملك يوم الدين وهذه ذكرها أبو داود

    - لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ).

    الغيث وهو المطر، ويسمى أيضاً النبات بالغيث من باب أنه سببه، كما يسمى السماء:

    إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا

    المعنى: نزل المطر وخرج النبات، فهذه الأشياء قد تسمى بأسماء أسبابها .

    قوله: ( واجعل ما أنزلت قوة وبلاغاً إلى حين ):

    البلاغ هو الشيء الذي يتبلغ به الإنسان، أي: يبلغ به ما يريد، إذاً (بلاغ) معناها: متاع، هذا أحد المعاني، يعني: أن يعطيك الإنسان طعاماً يوصلك إلى بلدك فقط، هذا يسمى بلاغاً، ولذلك نقول: يكفي الإنسان من الدنيا بلاغ، يعني: زاد مثل زاد الراكب، لا يبالغ ويكثِّر، يكفيه ما يوصله المحل .

    قوله: ( ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه ).

    قوله: (فلم يزل) ما معناها؟ فلم يزل يدعو، هذا صحيح، وأيضاً: يرفع، أي: فلم يزل يدعو ويرفع، يعني: يبالغ في الرفع؛ لأنه كلما ألح في الدعاء رفع يديه أكثر حتى رئي بياض إبطيه.

    والمقصود ببياض الإبط ما هو قريب من الإبط؛ لأنه عادة يكون أبيض من غيره، فلذلك هذا فيه إشارة إلى مبالغة النبي صلى الله عليه وسلم في رفع يديه.

    قوله: ( ثم حول إلى الناس ظهره )، يعني: استقبل القبلة وجعل ظهره إلى الناس.

    ( وقلب رداءه )، قلب الرداء يحتمل أمرين:

    إما أن يكون قلب الرداء بأن يضع الأسفل في الأعلى والأعلى في الأسفل، أو يضع الشمال على اليمين واليمين على الشمال.

    والأقرب منهما أن يضع الشمال على اليمين واليمين على الشمال؛ لأن وضع الأعلى على الأسفل والأسفل على الأعلى فيه نوع من المثلة -والله أعلم- والمنظر الذي قد لا يستحسنه الكثير من الناس، بينما قلب الرداء من اليمين إلى الشمال أيسر وأسهل، وليس فيه تغيير لما صنع الرداء من أجله.

    والرداء هو ما يلبس على النصف الأعلى من البدن، وكانت ملابس العرب متنوعة جداً، لكن من أشهر لباسهم الإزار والرداء على مثل ما يفعله الحاج والمعتمر -المحرم- اليوم، فيكون الإزار يغطي النصف الأسفل من البدن، والرداء يغطي النصف الأعلى، فيقلب الرداء ويجعل يمينه شمالاً وشماله يميناً.

    ( وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل وصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت ).

    مشروعية الخطبة لصلاة الاستسقاء

    في حديث ابن عباس أيضاً عندنا مسألة أو أكثر من مسألة، نأخذ منها مسألة الخطبة في صلاة الاستسقاء.

    واضح من الحديث السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، وما نقلته عائشة رضي الله عنها هو خطبة وإن كانت مختصرة وقصيرة، وقد تكون عائشة حفظت بعض الخطبة ونقلت، ولا يلزم أن يكون هذا هو كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

    الجمهور من العلماء قالوا: يخطب لصلاة الاستسقاء، خلافاً لـأبي حنيفة ؛ لأن أبا حنيفة لا يرى الصلاة أصلاً.

    أقوال العلماء في موضع خطبة الاستسقاء من الصلاة

    الجمهور الذين يرون الخروج للصلاة والخطبة يقولون: يخطب لصلاة الاستسقاء، لكنهم اختلفوا، وهو اختلاف أيضاً دقيق، وليس فيه أدلة حاسمة، وهو:

    هل خطبة الاستسقاء تكون قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ وبالمناسبة يوجد كتاب جيد في موضوع الاستسقاء هو هذا الكتاب عبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد ، هو كتاب قديم ولكنه متجدد الطبع وفيه بعض المباحث الحديثية والفقهية، وإن كان فيه شيء من التكرار؛ لكنه مختصر.

    نرجع لموضوع الخطبة: هل يخطب قبل الصلاة أو بعدها؟ هذه المسألة حقيقة نفس الشيء فيها إشكال؛ لأنه لا يوجد أدلة حاسمة في الموضوع.

    القول الأول: أن الخطبة بعد الصلاة وأدلته

    جمهور أهل العلم يرون أن الخطبة بعد الصلاة، يصلي ثم يخطب، وهذا مذهب الإمام مالك الذي رجع إليه واختاره بعد ذلك، والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية مشهورة عنه، بل قال ابن عبد البر : عليه جمهور الفقهاء، وهكذا قال النووي : إنه مذهب الجمهور.

    ودليلهم على أن الخطبة بعد الصلاة استدلوا أولاً: بحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواه ابن ماجه وأبو عوانة وابن حبان وغيرهم، قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فصلى بنا ركعتين ثم خطب )، فقدم هنا الصلاة على الخطبة كما هو الحال في صلاة العيد.

    وهذا الحديث فيه راو يقال له: النعمان بن راشد ، وهو صدوق له أوهام، ولذلك خطأه العلماء في هذا الحديث، فهذا الحديث ضعيف لحال النعمان بن راشد؛ وهذا الدليل الأول.

    الدليل الثاني: قالوا: قياساً على صلاة العيد؛ لأن الكسوف تشبه العيد مثلما قال ابن عباس : (كصلاة العيد)، فالاستسقاء تقاس على صلاة العيد من حيث إنها صلاة ليست بواجبة والخطبة ليست بواجبة أيضاً، فتقدم الصلاة فيها على الخطبة.

    الدليل الثالث: أنه نقل عن بعض الخلفاء أنهم كانوا يصلون أولاً ثم يخطبون ثانياً، وقد نقل عن ابن عباس كما عند الحاكم والبيهقي أنه قال: ( سنة الاستسقاء كسنة العيدين )، وهذا قد يفهم منه تقديم الخطبة على الصلاة.

    وهذا كما قلت: مذهب جماهير أهل العلم.

    وأيضاً من حيث العمل، عمل الناس الآن في الأمصار عليه أو لا؟ فالغالب.. بل من فجر التاريخ، يعني: من عهد التابعين أن أكثر الناس يصلون ثم يخطبون للاستسقاء، هذا القول الأول.

    القول الثاني: أن الخطبة قبل الصلاة وأدلته

    القول الثاني: العكس، يخطب أولاً ثم يصلي، مثل صلاة الجمعة.

    وهذا القول هو مذهب مالك القديم، كان عليه مالك ثم رجع عنه واختار القول الثاني، وهو مذهب الليث بن سعد إمام أهل مصر، حتى أن الليث بن سعد كتب رسالة للإمام مالك يعاتبه على أمور ومن ضمنها هذه المسألة، وكيف أن الإمام مالكاً أمر الأمير أن يصلي ثم يخطب؟ ويقول: إن الناس كرهوا ذلك، فكان الليث بن سعد يعاتب الإمام مالكاً .

    ونحن نقول: هذه من المسائل الفقهية الواسعة التي لا بأس بالمراجعة والتداول فيها، لكن كلٌّ مجتهد، وكلٌّ على خير وسنة.

    إذاً: هذا قول مالك القديم، وهو قول الليث بن سعد ، وهو إحدى الروايات أيضاً عن الإمام أحمد ، الإمام أحمد له في هذه المسألة يمكن أربع روايات، وهذا أيضاً مألوف.

    فهذا القول يقول: إنه يخطب أولاً مثل خطبة الجمعة ثم يصلي.

    وهنا الأدلة قوية منها: حديث عائشة وإن كان حديث عائشة قد لا يكون صريحاً.

    ومنها: حديث عبد الله بن يزيد الخطمي أنه خرج -و البراء بن عازب وزيد بن أرقم - فدعا بهم واستغفر وهو قائم على رجليه على غير منبر، ثم صلى ركعتين، هذا صريح في أن الدعاء قبل الصلاة أو بعدها؟ قبلها، (دعا ثم صلى ركعتين)، (ثم) هذه دليل على الترتيب.

    ومنها: الحديث الذي ذكرته أكثر من مرة: حديث عبد الله بن زيد بن عاصم .

    تنبيه: والحديث الأول -حديث عبد الله بن يزيد - في الصحيحين!

    أيضاً حديث عبد الله بن زيد بن عاصم في الصحيحين، يعني: إذاً أحاديث قوية جداً.

    حديث عبد الله بن زيد بن عاصم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم إلى المصلى يستسقي فاستغفر ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة )، فهو صريح أيضاً في أن الاستغفار والدعاء وقع قبل الصلاة.

    الراجح في موضع خطبة الصلاة من الاستسقاء من الصلاة

    فهذان الحديثان دليلان على ما ذكرته، إضافة إلى حديث عائشة رضي الله عنها، وبناءً عليه يظهر لي أن هذا القول أقوى، أن الخطبة في الاستسقاء تكون قبل الصلاة مثل الجمعة؛ لأن الأحاديث التي فيها صريحة أولاً وصحيحة ثانياً.

    لكن هذا فيه شيء من الإشكال عندي؛ لأنه قد يقول قائل: ما دام أن الخطبة ليست واجبة كيف تكون قبل الصلاة، بينما الذي يظهر من استقراء الأحوال الأخرى أن الخطبة إذا كانت قبل الصلاة كان استماعها واجباً، وإذا كانت بعد الصلاة لم تكن واجبة، ومثل ذلك الجمعة والعيدين، فكيف نجيب عن هذا؟

    وقع في ذهني -والله وتعالى أعلم- أن نقول: وإن كان استماع الخطبة ليس واجباً إلا أن الناس أصلاً خرجوا للخطبة وما فيها من الدعاء والتضرع، والخطبة في الاستسقاء ليست خطبة وعظ محض، وإنما أكثرها دعاء وتضرع وسؤال، والناس إنما خرجوا لها، فلذلك كان مناسباً أن يبدأ بها؛ لأن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً أن يبدأ به ثم ينتقل إلى غيره.

    ونظير ذلك لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيت أنس بن مالك لما دعته جدته مليكة ليصلي في بيتهم، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم وكان عندها طعام، فالنبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ به قال لها: ( أين تحبين أن نصلي؟ فأشارت إلى مكان، فصلى فيه، ثم حبستهم على خزيرة أو على طعام أعدته لهم ).

    إذاً: نقول: تقديم صلاة الاستسقاء له وجه من النظر والفقه، والله أعلم، وذلك أن الخطبة المقصود بها الدعاء، والاستسقاء كله مرده إلى طلب السقيا، ولذلك كان مناسباً أن يبدأ بالخطبة وما فيها من الدعاء قبل الصلاة.

    القولان الثالث والرابع في موضع خطبة الاستسقاء من الصلاة

    إذاً: قلنا القول الأول: أنه يبدأ بالصلاة ثم الخطبة، وهذا قلنا: مذهب الجماهير.

    القول الثاني: أنه يبدأ بالخطبة ثم يصلي، وهذا قلنا: مذهب الليث ومالك في مذهبه القديم ورواية عن الإمام أحمد .

    القول الثالث: التخيير بينهما، أنه إن خطب قبل الصلاة فلا بأس وإن خطب بعدها فلا بأس، وهذه أيضاً إحدى الروايات عن الإمام أحمد ، وهو مذهب حسن ولو لم يأت فيه إلا التوسعة على الناس، وقبول آرائهم الفقهية المختلفة، بحيث إن صلى قبل الخطبة أو خطب قبل الصلاة لم يكن في ذلك بأس.

    القول الرابع: أنه ليس لها خطبة البتة، وهذه أيضاً رواية عن الإمام أحمد .

    فتلخص لنا أن المسألة فيها أربعة أقوال:

    إما أن تكون الصلاة قبل الخطبة، أو تكون الخطبة قبل الصلاة، أو يخير بينهما، أو أنه ليس لها خطبة، وأن لكل واحد من هذه الأقوال يوجد للإمام أحمد رواية فيها.

    عدد خطب الاستسقاء

    في موضوع الخطبة أيضاً عندنا مسألة أخرى: هل يخطب خطبة واحدة -يعني: موعظة- أو يخطب خطبتين كالجمعة؟

    القول الأول: أنها خطبة واحدة، وهذا اختيار الإمام أحمد رحمه الله أن الخطبة واحدة فحسب.

    والدليل على هذا القول حديث ابن عباس :

    أولاً: أنه قال: ( لم يخطب خطبتكم هذه )، فدل على أنها ليست كخطبة الجمعة، أو كما يرى أن الأمراء أحدثوه من تطويل الخطبة والفصل بينها.

    والدليل الثاني على أنها خطبة واحدة، وهو دليل قوي: أنه لم ينقل قط عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء أنه خطب، وإنما كان يدعو أو يستغفر أو يذكر الله تعالى كما في حديث عائشة رضي الله عنها وهو المقصود بالاستسقاء، ولذلك ذكرت قبل قليل: أن لفظ الخطبة لم يثبت في الاستسقاء وإن سمي خطبة في اللغة، إلا أن الإمام أحمد يرى أنها خطبة واحدة وهذا قول جيد وموافق لظاهر السنة.

    القول الثاني: أنه يخبط خطبتين، وهذا مذهب الجمهور، فهو مذهب الإمام مالك وقد سئل عنه، فقيل: أيجلس بين الخطبتين؟ قال: نعم، يجلس بين الخطبتين، وهو مذهب الإمام الشافعي ، بل هو مذهب فقهاء المدينة السبعة وغيرهم، وذلك قياساً على خطبة العيد فهي خطبتان، وقياساً على خطبة الجمعة.

    والقول الثالث: أنه يخير إن شاء واحدة، وإن شاء اثنتين، وهذا اختيار الطبري ، وهو أيضاً جيد؛ لأن فيه توسعة على الناس، فلو أن إنساناً خطب خطبتين لا نقول: إنه خالف السنة، وإنما نقول: هذا قول وذاك قول، وإنما عند التحرير والبحث نقول: الأدلة النقلية تدل على أن الاستسقاء لم يثبت له خطبتان كخطبة العيد أو الجمعة، وإنما هي خطبة واحدة، ولو خطب خطبتين كما عليه الناس الآن فلا نهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور، ونقول: ضاعت السنة وضاع الدين، بل نقول: الحمد لله، هذا ذكر لله، وهؤلاء قد تبعوا سلفاً من الأئمة وأهل العلم، ولا حرج عليهم في ذلك.

    فوائد الحديث

    من فوائد الحديث، حديث عائشة رضي الله عنها:

    أولاً: بيان سبب الاستسقاء، وهو قحط المطر وإجداب الأرض.

    ثانياً: مشروعية الخطبة كما ذكرنا وفصلنا.

    ثالثاً: استحباب تحديد موعد أو يوم يجتمع الناس فيه للصلاة.

    رابعاً: صلاتها في الصحراء، لقولها: (خرج صلى الله عليه وسلم).

    خامساً: أن وقتها كوقت صلاة العيد، وهذه فائدة في حديث عائشة خاصة؛ لقولها: ( حين بدا حاجب الشمس )، فهو دليل على أن وقتها كوقت صلاة العيد، يكون بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وقدرناه بما لا يزيد على عشر دقائق.

    وفيه: تحديد مضمون الخطبة في الاستسقاء، وأنها فيما يتعلق بحال الناس وتذكريهم بالله والرجوع إليه.

    وفيه: بيان أثر الدعاء، وما يترتب عليه من الإجابة، وهو من الأمور المعلومة شرعاً وفطرة وواقعاً، والمسائل القطعية الضرورية التي يعلم كل أحد بخاصة نفسه، أو في عامة من حوله أثر الدعاء في جلب الخير ودفع الشر.

    وفيه أن من أسباب الإجابة الإطماع في الله عز وجل، وتقوية الرجاء فيه، وهذا واضح في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( إن الله أمركم بالدعاء ووعدكم بالإجابة ) .

    وفيه: صيغة الدعاء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا، وهذه الصيغة إن حفظها الإنسان ودعا بها فهو خير وفضل، وإن لم يحفظها دعا بما كان في معناها، ولهذا جاء في الحديث: ( ثم ليتخير من المسألة ما شاء )، وفي لفظ: ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به ).

    وفيه أيضاً: تحويل الرداء أو ما يقوم مقام الرداء مثل الغترة. يعني: الإنسان مثلاً إذا كان يلبس الثوب لا يمكن أن يحول الثوب؛ لأنه يلبس من الجيب، أيضاً البشت لو كان على الإنسان بشت أو عباءة فإنه قد يحوله وقد يكون في تحويله مشقة على الإنسان، بينما إذا كان على الإنسان غترة فإن تحويلها أمر سهل، كل ما في الأمر ماذا؟ (المرزام) يكون بالمقلوب، وهذه أيضاً من الأمور المعهودة.

    وفيه: مشروعية التفاؤل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حول الرداء كان ذلك تفاؤلاً بتغير الحال وانقلاب الجدب إلى خصب، والقحط إلى خير وسقيا، فينبغي على الإنسان أن يكون متفائلاً في سائر أحواله.

    ومن فوائد حديث عائشة : تقديم الخطبة على الصلاة كما هو ظاهره.

    1.   

    شرح حديث: (فتوجه إلى القبلة يدعو ثم صلى ركعتين..)

    الحديث الخامس عشر بعد الخمسمائة: هو حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، يقول المصنف رحمه الله: وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: ( فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ).

    تخريج الحديث

    وهذا الحديث ذكرته قبل قليل بما يفترض أن يكون الإخوة أتقنوه وحفظوه, فهو في الصحيحين، هو عند البخاري في أبواب الاستسقاء، باب تحويل الرداء.

    وكذلك عند مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي في أبواب الاستسقاء، كيف يحول الرداء.

    أما عند النسائي فهو في أبواب الاستسقاء باب الجهر بالقراءة.

    وقد رواه أحمد وأبو عوانة ومالك في موطئه والدارمي والدارقطني والبيهقي وابن حبان وابن خزيمة وابن أبي شيبة والطبراني والطحاوي وغيرهم.

    كيفية تحويل الرداء عقب صلاة الاستسقاء

    مسألة تحويل الرداء أشرت إليها الآن ونعرض للخلاف فيها باختصار:

    القول الأول في تحويل الرداء أنه سنة، أنه يسن لهم عقب الاستسقاء وفي آخر الدعاء أن يحولوا الرداء، يعني: الإمام والمأموم، وهذا مذهب الجمهور، فهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والظاهرية وأهل الحديث وغيرهم.

    وحجتهم: حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه وهو في الصحيحين، وغيره مما يدل على هذا المعنى.

    القول الثاني: قالوا: لا يسن تحويل الرداء، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، قالوا: لأن تحويل النبي صلى الله عليه وسلم رداءه قد يكون لأن رداءه سقط فاستدناه النبي صلى الله عليه وسلم ولبسه بطريقة أخرى، وأن ذلك ليس له معنىً معلوم، يعني: ليس داخلاً في باب التعبد، وإنما هو أمر اتفاقي كما يقولون، يعني: ليس مقصوداً.

    ومن أدلتهم على ذلك قالوا: في حديث أنس في صلاة الجمعة، واستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحول رداءه.

    والجواب على قولهم إن هذا الأمر اتفاقي، نقول: هذا بعيد؛ لأن نقل الراوي أنه حول رداءه وهو شاهد الموقف أدرى بالمقام، ويدل على أن تحويل الرداء كان مقصوداً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وأما حديث أنس يوم الجمعة وعدم تحويل الرداء، فيجاب عليه أيضاً، كيف نجيب عليه؟ هاه

    مداخلة:...

    الشيخ: نقول أولاً: إن تحويل الرداء هو في صلاة الاستسقاء خاصة، وليس في أي استسقاء، فإذا استسقى في خطبة الجمعة لم يشرع له تحويل الرداء، هذا أولاً.

    ثانياً: ومما يجاب به أيضاً أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد ما دعا نزل المطر، وهنا لا يحتاج الأمر إلى تيمن أو تفاؤل؛ لأن الأمر والخير حصل فوراً.

    القول الثالث: أن تحويل الرداء هو للإمام خاصة وليس لغيره، يعني: يشرع للإمام دون المأمومين، وهذا مذهب الليث بن سعد .

    ومن حجتهم أنه لم ينقل أن الصحابة رضي الله عنهم حولوا أرديتهم، بل الروايات التي فيها أنه حول رداءه فحول الصحابة أرديتهم كلها روايات شاذة لا تثبت، فقالوا: كونه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عن الصحابة دليل على خصوصيته بالإمام.

    وقد نقل عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حول رداءه ولم يحول الناس أرديتهم.

    والذي نختاره هو القول الأول: أنه يشرع تحويل الرداء، وقلبه من اليمين إلى الشمال للإمام والمأموم.

    فوائد الحديث

    رابعاً: مما يتعلق بفوائد حديث عبد الله بن زيد :

    فيه أولاً: استحباب قلب الرداء وقد ذكرناه.

    فيه ثانياً: أن صلاة الاستسقاء ركعتان وقد ذكرناه أيضاً.

    فيه ثالثاً: مشروعية الجهر بصلاة الاستسقاء، وهي إجماع كما نقله ابن رشد : أن الفقهاء الذين يرون الصلاة مجمعون على الجهر فيها:

    أولاً: لأنها يجتمع فيها الناس.

    ثانياً: لأنها صلاة فيها خطبة.

    وثالثاً: للنقل فيها كما في حديث عبد الله بن زيد وعبد الله بن يزيد وغيرهم.

    ما يقرأ في صلاة الاستسقاء

    ماذا يقرأ في الصلاة؟

    لم ينقل شيء، فنقول: يقرأ بما شاء، ولو قرأ بما يقرأ به عادة في الاجتماعات كالجمعة والعيدين، مثل سبح والغاشية، أو (ق) و اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] كان ذلك حسناً؛ لأنها تشبهها من حيث الاجتماع.

    وبعض الفقهاء قالوا: يقرأ بسورة نوح؛ لأن فيها: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح:10]، وهذا نوع من الاستحسان، ولا بأس أن يقرأ إذا عنَّ له ذلك؛ لأنها من القرآن، والله تعالى يقول: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20]، لكن لا نقول: بسنية خصوص هذه السورة.

    فيه أن التكبيرات في الاستسقاء ليست ثابتة؛ لأن عبد الله بن زيد لم يذكرها وكذلك عبد الله بن يزيد مثلما أسلفت.

    1.   

    شرح حديث: (وحول رداءه ليتحول القحط)

    أخيراً حديث الدارقطني ورقمه: (516)، يقول المصنف: وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر : ( وحول رداءه ليتحول القحط ). ‏

    تخريج الحديث

    وهذا الحديث رواه الدارقطني في سننه في أبواب الاستسقاء، والسنن غالب ما يذكر الدارقطني رحمه الله فيها على سبيل الإعلال، فهو يذكر أحاديث معلولة، ولهذا قال بعض العلماء فيه: إنه سنن علل وليس سنن عمل، ولذلك فهو ضعيف؛ لأنه مرسل، والمراسيل هي من أقسام الحديث الضعيف.

    والمرسل هو ما كان في آخر سنده انقطاع دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم. يعني: ما رواه التابعي أو من دونه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرسل، ولا نقول: ما سقط منه الصحابي، لماذا؟

    لأننا لو علمنا أنه لم يسقط إلا الصحابي لم يكن هذا ضاراً، والصحابة ثقات عدول، ولكن يحتمل أن يكون سقط تابعي آخر أو اثنان أو ثلاثة إلى سبعة كما يقول الحافظ ابن حجر في النخبة.

    شواهد الحديث

    إذاً كونه مرسلاً دليل على أنه حديث ضعيف، لكن له شاهد موصول حسن من حديث جابر رضي الله عنه بمعناه، وقد رواه البيهقي في سننه والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد، وكذلك الذهبي في تلخيص المستدرك قال: هذا حديث غريب عجيب صحيح، فحديث جابر يشهد لحديث أبي جعفر الباقر .

    ترجمة أبي جعفر الباقر

    من هو أبو جعفر الباقر؟

    هو محمد بن علي بن الحسين بن علي، يعني: جده هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:73]!

    و أبو جعفر الباقر من أئمة العلويين، وهو إمام هدى، تابعي ثقة فقيه فاضل، مات تقريباً سنة مائة وأربع وثلاثين، وله رواية في الصحيحين -في البخاري ومسلم - وغيرهما، وقد سأله جماعة فقالوا له: [ ما تقول في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟

    قال: إماما هدى، أتولى من تولاهما وأبرأ ممن سبهما، أو من عدوهما ].

    والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين البذاذة والبذاءة

    السؤال: أليست البذاذة حسنة على الإطلاق والبذاءة مذمومة؟

    الجواب: نعم، البذاءة مذمومة على الإطلاق، أما البذاذة فليست على الإطلاق، وفي الحديث: ( البذاذة من الإيمان )، وفي الحديث الآخر: ( إن الله جميل يحب الجمال، وإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ).

    فنقول: هذه من تنوع المسالك، وربك أنزل هذا الدين للناس كلهم وخلقهم مختلفي المشارب والطبائع، فمن الناس من يحب الزينة والجمال والحسن، وهذا نقل عن بعض الصحابة والأئمة، مثل الإمام مالك رضي الله عنه وغيره، وآخرون يحبون التواضع في الملبس كما نقل أيضاً عن صحابة آخرين كـأبي ذر مثلاً، وعن أئمة مثل: الإمام أحمد وغيرهم.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حال المرض

    السؤال: يقول: في صحيح البخاري أن عمر حين طعن وجلس في بيته دخل عليه رجل يجر ثوبه فقال: ارفع إزارك؟

    الجواب: نعم، هذا دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وليس في ذلك إشكال.

    حكم ضم الرافضة في أمة المليار مسلم

    السؤال: في مقالك: (أمة المليار) غموض، فأنت حين تتكلم على المسلمين هل الرافضة يدخلون في أمة المليار؟

    الجواب: يعني: لماذا فيه غموض الله يرضى عليك؟! أنا أفهم أنك قرأت في الإنترنت كلام فلان وفلان، أنا أريد أن يوجد من بيننا متخصص لا تطلب منه التفاصيل ولا تطلب منه الشروط، فنحن الآن مغرقون في البحث عن وسائل الاختلاف، ولا يخفى عليك -يا أخي الحبيب- ولا يخفى على أحد حاضر أو غائب أن أكثر الناس انشقاقية وانشطارية وقابلية للاختلاف من هم؟ -دعونا نكون صرحاء- هم المجموعات السلفية، فكثيراً ما يقع بينهم اختلاف عند أدنى الأسباب، وكل واحد منهم ينفي الآخر ويبعده.

    إذاً: دعونا يكون عندنا دروس ومقالات وأشرطة ومحاضرات ومجالس وتوجيه لتخفيف حدة التوتر وتربية الناس على السعة والسماحة، وإذا كان هناك إنسان آخر مثلاً يقول: أنا أريد أن أتخصص في بيان خطأ المخطئين والتحذير منهم وذمهم، فذلك له أيضاً، فالإنسان الذي يعمد تربوياً إلى نشر نوع من روح الأخوة بين المسلمين، هذا مبدأ مهم جداً وضروري، ولا ينبغي أن تقول: إن عندك غموضاً ولابد أن تذكر الشروط! لأنه لو جاء إنسان ويريد أن يدعو إلى وحدة المسلمين وتقاربهم، ثم بدأ يفصِّل وقال: لا نقارب كذا، ولا نقارب كذا، ولا نقارب كذا، ومن خالف وخالف وخالف، في النهاية سيكون كأنه بصم وأيد كل ألوان الاختلافات الموجودة داخل الصف الإسلامي، فهذه منهجية ينبغي التفطن لها.

    أما إذا كنت تبحث عن خصوص السؤال في موضوع ما سألت عن الرافضة هل يدخلون في أمة المليار؟ فليس عليك إلا أن تذهب إلى موقع الإسلام اليوم، وتنظر في أي سؤال وجه لنا وكتبنا عليه إجابة، أو في قناة فضائية وأجبنا عليه، أو بحث مطول في هذه المسألة ويزول عنك الغموض، أما فكرة أنك تريد أن نحصر هذه القضية في كل ما تحدثنا، فأظن أن هذا ليس بلازم، هذا ليس بصحيح.

    مؤلف قصيدة: (إلهي رأيتك إلهي سمعتك)

    السؤال: يقول: ذكرت قصيدة قبل أيام:

    (إلهي رأيتك

    إلهي سمعتك

    تعاليت لم ينبُ صوت بأذني)

    أين نجد هذه القصيدة؟

    الجواب: هذه القصيدة لشاعر مصري اسمه محمود حسن إسماعيل ودواوينه موجودة وإن لم تكن مشهورة.

    حكم الحنث في اليمين

    السؤال: ما حكم لو حلف إنسان ثم انقطع حلفه؟

    الجواب: يكفر، يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم.

    السنة فيمن رزق مولودة

    السؤال: عندما يرزق رجل بمولودة ما هو السنة معها؟

    الجواب: راجع كتاب تحفة المودود في أحكام المولود لـابن القيم .

    حكم النوم عرياناً

    السؤال: حكم النوم عرياناً؟

    الجواب: هذا مكروه.

    حكم من توفي وله متاع

    السؤال: رجل توفي ومضى على وفاته خمسة أشهر، وبيته مهجور ملابسه وأغراضه فماذا تنصحون؟

    الجواب: ينبغي على ورثته أن يتصرفوا بها.