إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 435-437

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 435-437للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام بحيث لا يضر بأركان الصلاة وواجباتها، وذلك مراعاة لحال الناس من المأمومين من كبار السن والصغار والمرضى والعمال ومن في حكمهم، ولما في ذلك من تحصيل مصلحة اجتماع الناس على صلاة الجماعة وعدم اختلاف قلوبهم.

    1.   

    شرح حديث: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف ..)

    اليوم عندنا عدة أحاديث:

    أولها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إذا أم أحدكم الناس فليخفف, فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة, فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء )، والحديث متفق عليه.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في كتاب الأذان، باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء.

    ورواه مسلم أيضاً في صحيحه في كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام.

    ورواه أيضاً أهل السنن: رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة.

    والنسائي أيضاً في الإمامة، باب ما يجب على الإمام.

    وأحمد في مسنده .

    ورواه أيضاً مالك في الموطأ، في كتاب الصلاة، باب العمل في صلاة الجماعة.

    ورواه البغوي والشافعي والبيهقي وعبد الرزاق وابن حبان .. وغيرهم، هذا ما يتعلق بتخريج الحديث.

    معاني ألفاظ الحديث

    أما ما يتعلق بمعانيه:

    فقوله: ( إذا أم أحدكم الناس ) أي: صلى بهم إماماً، وهم وراءه مأمومون، سواء كان ذلك في فرض أو في نفل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خص شيئاً من شيء، فيدخل فيه الإمامة في الصلوات المفروضات، كما يدخل فيه الإمامة في السنن والنوافل، التي تستحب لها الجماعة؛ كصلاة التراويح مثلاً.. ونحوها، هذا هو الأصل، وسوف يأتي مزيد بيان.

    قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( فليخفف )، قال: ابن دقيق العيد في شرح العمدة : إن التخفيف هو من الأمور الإضافية، يعني: أنها من الأمور النسبية التي تختلف من حال إلى حال.

    ثم قال رحمه الله: فقد يكون الشيء تخفيفاً بالنسبة إلى قوم، وتطويلاً بالنسبة لآخرين، ثم قال: وقول الفقهاء رحمهم الله: إنه لا يزيد في التسبيح على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود؛ إن هذا لا يخالف ما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك، لماذا؟ قال: لأن الصحابة رضي الله عنهم كان عندهم من حب الخير، والرغبة فيه، وفي إطالة الصلاة ما ليس عند غيرهم، فكان التخفيف في حقهم ربما تطويلاً لحق من جاء بعدهم.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، قال: والأولى في ذلك -أي: في حد التخفيف- هو ما روه أبو داود وابن ماجه والنسائي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال: ( يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم )، وفي رواية: ( واقدر بأضعفهم )، يعني: اجعله قدراً أو مقداراً، ( واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )، والحديث سبق معنا تخريجه، وهو حديث حسن الإسناد، وأصله في صحيح مسلم .

    والشاهد منه: قوله صلى الله عليه وسلم: ( واقدر بأضعفهم ) أو: ( واقتد بأضعفهم )، فهو دليل على حد التخفيف، وأنه يراعى فيه أضعف المأمومين؛ من هرم كبير السن، أو مريض، أو ضعيف في أصل خلقته، أو محتاج.. أو ما أشبه ذلك.

    وفي بعض أحاديث الباب، وبعض شواهده ما يدل على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالتخفيف، قال: ( أيكم أم الناس فليخفف )، ثم علل هذا الأمر بوجود الضعيف، والصغير والكبير، والمريض أو السقيم، وذي الحاجة، فدل على أن حق الإمام مراعاة ضعف المأمومين، بل مراعاة أضعفهم.

    ولهذا روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي مسعود رضي الله عنه: ( أن رجلاً قال: يا رسول الله! والله إني لأتأخر عن صلاة الغداة )، صلاة الغداة هي صلاة الفجر: ( إني لأتأخر عن صلاة الغداة؛ من أجل فلان مما يطيل بنا، قال أبو مسعود

    : فوالله ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد منه غضباً يومئذٍ، قال عليه الصلاة والسلام: إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليتجوز -أي: يخفف صلاته- فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ).

    وهكذا أيضاً جاء في صحيح البخاري عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز؛ كراهية أن أشق على أمه ) صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أنس نحو حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

    فدل ذلك على حد التخفيف، وأنه ينبغي أن يخفف الإمام تخفيفاً يراعي فيه حال أضعف الناس، حتى في شئونهم الدنيوية الخاصة، وحتى في أمورهم الشخصية، وحتى فيمن لا تلزمهم الجماعة أيضاً، كالنساء والصبيان، ولهذا قال: (وفيهم الصغير) يعني: الصبي، (والكبير) يعني: الهرم المسن، شريطة ألا يخل ذلك بواجبات الصلاة وأركانها.

    قوله عليه الصلاة والسلام: ( فإن فيهم الصغير )، وفي رواية: ( وفيهم الضعيف )، وجاء في رواية: ( الكبير )، وفي رواية: ( السقيم )، وفي أخرى: ( المريض )، وهما بمعنى.

    وفي رواية عند الطبراني قال: ( والحامل والمرضع ).

    وفي رواية عنده أيضاً قال: ( والعابر السبيل )، ومعناها: إما المسافر، أو المار بالمسجد إلى حاجة فحبسته الصلاة، فجلس ينتظرها في المسجد.

    وقوله: ( ذا الحاجة ) ربما يشمل كل هؤلاء أو جلهم، وربما يحمل قوله: ( ذا الحاجة ) على معنى خاص، فمن يكون عنده حاجة خاصة تستدعي أن يخفف الصلاة، أو تشغل قلبه عن الصلاة، أو يكون في إطالة الصلاة تفويتاً لحاجته، أو حبساً له عنها.

    قوله: ( فيهم السقيم )، وقوله: ( الضعيف )، هل هما بمعنى واحد؟

    عرفنا أن السقيم والمريض معنى واحد، لكن مرة قال: (المريض) ومرة قال: (الضعيف) هل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق؟

    الكبير يدخل في الضعيف. لا بأس، يعني: نقول: بين المريض والضعيف فرق، حيث إن كلمة: (الضعيف) أشمل، فيدخل فيها المريض فهو ضعيف، ويدخل فيها الكبير أيضاً فهو ضعيف، ويدخل فيها ضعيف البنية في أصل الخلقة، ولو لم يكن ذلك لمرض ولا لكبر، فقوله: (الضعيف) أشمل منهما، أشمل من كلمة (السقيم) أو (المريض)، وأشمل من كلمة (الكبير).

    قوله عليه الصلاة والسلام: ( فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء )، كما قال هاهنا، هذه رواية مسلم : ( فليصل كيف شاء ).

    أما رواية البخاري فإنه قال: ( فإذا صلى وحده فليطول ما شاء ).

    وقد استدل بهذا على جواز إطالة الصلاة، مهما شاء المصلي أن يطيل، لكن ينبغي أن يكون ذلك مرهوناً بالنسبة للمنفرد يعني، ينبغي أن يكون ذلك مرهوناً، بأن لا تخرج صلاة الفريضة عن وقتها؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي قتادة : ( إنما التفريط على من لم يصل الصلاة، حتى دخل وقت الصلاة الأخرى )، فدل على أنه لا يسع قادراً أن يؤخر الصلاة، حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى، والحديث رواه مسلم وقد سبق أيضاً.

    وقال بعضهم: لا بأس أن يطول الصلاة، حتى لو دخل وقت الأخرى، حتى يعني: خرج وقت الصلاة الأولى، ودخل وقت الصلاة التي بعدها، واستدلوا بقوله: ( فليطول ما شاء )، كما استدل بعضهم أيضاً بالأثر الصحيح الذي روي عن أبي بكر رضي الله عنه: (أنه صلى صلاة الفجر فأطال، فقالوا: يا خليفة رسول الله! كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين، أو لم نكن عنها غافلين)، فقالوا: هذا دليل على أنه حتى لو طلعت الشمس، وخرج الوقت، فإن ذلك لا يضر.

    والصواب: أنه ينبغي أن يفرق بين حال وحال، فلو كان الإنسان دخل في الصلاة في وقتها المعتاد، لم يكن يسعه شرعاً أن يطيل الصلاة حتى يخرج وقتها، ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه؛ لا عن أبي بكر ولا عن غيره، فهذا شيء.

    أما لو أنه أخر الصلاة لعذر، كأن يكون نائماً لم يستيقظ إلا قبيل طلوع الشمس، أو ناسياً، أو ما في حكمهما، ثم دخل في الصلاة، فإنه حينئذ يصليها بهيئتها المعتادة، ولا حرج عليه حتى لو خرج الوقت، لم؟ لأنه حينئذ ابتدأ وقت الصلاة منذ ذكر، أو منذ استيقظ؛ لحديث: ( من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها ).

    فوائد الحديث

    فوائد الحديث: ‏في الحديث فوائد، منها: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، كما قال النووي

    رحمه الله في تبويبه على مسلم

    : في تمام، أي: تخفيفاً لا يضر بأركان الصلاة وواجباتها. وفيها مشروعية مراعاة حال الناس في ذلك من المأمومين، وخاصة ضعفائهم، كالكبار والصغار والنساء والمرضى والعمال، ومن في حكمهم، ويستوي في ذلك الجماعات كلها كما أسلفت، سواء كانت فريضة أو نافلة؛ لأن العلة عامة. لكن هاهنا سؤال: أيهما أولى بمراعاة حال المأمومين الفرض أو النفل؟ الفرض أولى؛ لأن الفرض حتم واجب على كل أحد، فلا ينفع أحداً إلا أن يصليه، أما النفل فإن بإمكان المشغول أو المريض أو العاجز ألا يصليه أصلاً؛ لأنه ليس بواجب عليه، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً: ( أنه طول في صلاة الكسوف والخسوف، حتى قرأ قدر سورة البقرة، ثم ركع ثم قام وقرأ الفاتحة، وقرأ سورة أخرى نحوها، أو أقصر منها )، وإن كان هذا استثناء فيما يتعلق بصلاة الكسوف والخسوف، ولكنه من المعلوم أنه بالنسبة للنوافل، فإن الأمر فيها أيسر ولو أطال بعض الشيء، وإن كانت مراعاة حال المأموم مشروعة حتى في النوافل؛ لأن ذلك يجمع قلوبهم على الصلاة، ويحثهم عليها، ويشجعهم على المداومة، ولكن الاهتمام بذلك في الفرض أولى؛ لأنه لا يسع أحداً ترك الفريضة. قال الإمام الترمذي

    رحمه الله في جامعه قال: وهذا -يعني: مراعاة التخفيف- قول أكثر أهل العلم، وكلام الترمذي

    يوهم بأن هناك من خالف في ذلك، ولا أظن أن أحداً خالف في هذا، اللهم إلا أن ابن أبي شيبة

    بوب في مصنفه، باب من رأى التخفيف، فربما يوهم في التبويب أن هناك من رأى ضده، ولكنه لم يذكر أحداً رأى خلاف ذلك، بل نقل عن الصحابة والسلف نصوصاً في ذلك، أسوق بعد قليل شيئاً منها. هذا قاله الترمذي

    ، قال: أكثر أهل العلم يرون التخفيف، ولكن غيره نص على أن المسألة إجماع، كما قال ابن عبد البر

    ، قال: وهذا أمر مجمع عليه. وقال مرة: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم. ونحو ذلك قال الإمام العراقي

    في طرح التثريب : لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، يعني: في مشروعية التخفيف. وقد روى ابن أبي شيبة

    في ذلك نصوصاً، منها نص عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص

    عن أبيه رضي الله عنه: (أنه كان إذا صلى بالناس تجوز في صلاته وخفف، وإذا صلى في بيته طول، فقال له: ابنه مصعب بن سعد

    : هذا وأنتم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له أبوه: إننا أئمة يقتدى بنا)، أي: فنخفف مراعاة لحال المأمومين. وروى أيضاً عن أبي رجاء العطاردي

    وهو من التابعين، من المخضرمين، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، ولم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أبو رجاء العطاردي

    أنه قال: (رأيت الزبير

    رضي الله عنه صلى صلاة خفيفة، فقال له: أنتم يا أصحاب محمد أخف الناس صلاة، قال له الزبير

    : إنا نسابق فيها الوسواس)، أي: نصلي صلاة خفيفة نتقنها، ونستحضر القلب فيها، فنسبق بذلك وساوس الشيطان. ولما طعن عمر

    رضي الله عنه، صلى بهم عبد الرحمن بن عوف

    على ما هو معروف في الصحيح، فماذا قرأ عبد الرحمن بن عوف

    في الصلاة؟ قرأ أقصر سورتين في القرآن الكريم، (( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ))[النصر:1]، (( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ))[الكوثر:1]. قوله عليه الصلاة والسلام: (فليخفف): دليل على وجوب التخفيف؛ لأنه أمر والأمر يقتضي الوجوب، وهذا مذهب الظاهرية، وقال به جماعة من الفقهاء والسلف، أن التخفيف على الإمام واجب بقدر لا يشق على المأمومين، ولا يخل بالصلاة، فهذا هو الضابط العام، لا يطيل فيشق على المأمومين، ولا يتجوز في الصلاة تجوزاً يخل بواجباتها أو أركانها، هذا الضابط. ومثله كلام ابن عبد البر

    وابن بطال

    وغيرهما، فإنه يومئ إلى اختيارهم القول بالوجوب. أما الجمهور فيرون أن الأمر للاستحباب، ويحتجون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما أطال الصلاة. ومما ربما يشهد لقول الجمهور ما سبق قبل قليل، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: ( إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيل فيها )، فدل على أنه ربما نوى الإطالة في الصلاة، مع أنه وراءه جماعة، كما هو ظاهر في النص. من فوائد الحديث أيضاً: تحصيل أعلى المصالح ولو فات أدناها، ودفع أعلى المفاسد ولو ارتكب أخفها، فتحصيل مصلحة اجتماع الناس على الصلاة، وعلى الجماعة مثلاً، وعلى الإمام أيضاً، وعدم اختلاف قلوبهم عليه، وتأليف قلوبهم على الخير والإسلام والطاعة، مقدم على مصلحة إطالة الصلاة، حتى ولو كانت عبادة وزلفى وقربى إلى الله جل وتعالى، وهذه قاعدة عامة ينبغي أن يفقهها طلبة العلم: أن تأليف قلوب الناس، وجمع كلمتهم، وتحبيبهم إلى الخير، من أعظم مقاصد الشريعة، التي ينبغي السعي إليها. من الفوائد أيضاً: أن للمنفرد أن يطيل الصلاة كيف شاء فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أن يخشى خروج الوقت للفريضة كما سبق.

    1.   

    شرح حديث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً ..)

    الحديث الثاني: حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه -وهو بكسر اللام- قال: ( قال أبي: جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقاً، فقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم, وليؤمكم أكثركم قرآناً، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني, فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين )، والحديث رواه البخاري , وأبو داود , والنسائي .

    تخريج الحديث

    تخريج الحديث: رواه البخاري في كتاب المغازي، ورقم الباب ثلاثة وخمسون، ولم يسمه الإمام رحمه الله بشيء قال: باب.

    ولفظ البخاري فيه قصة عجيبة! قال عمرو بن سلمة : ( كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ -يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم- قال: فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك، فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كان وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومه بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً، قال: فنظروا! فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا عورة قارئكم؟ قال: فاشتروا فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص ).

    والحديث رواه أيضاً أبو داود في كتاب الصلاة، باب الأحق بالإمامة، وفي لفظ أبي داود قال بدل قوله: ( وأنا ابن ست أو سبع سنين ) أبو داود قال: ( وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين ).

    ورواه النسائي أيضاً في سننه في كتاب الإمامة، باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم، وقال فيه بالجزم: ( وأنا ابن ثمان سنين ).

    معاني ألفاظ الحديث

    فيما يتعلق بألفاظ الحديث نمر عليها بسرعة:

    قوله: ( كنا بماء ممر الناس )، ماء: هنا زائدة، وهناك روايات أخرى، والمعنى: أنهم كانوا في طريق الناس إذا قدموا من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    قال: ( وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ )، أي: أنهم يسألونهم عن الخطب الذي نزل، وجعل الناس في أمر مريج.

    ( فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه أو أوحى إليه بكذا )، أي: فيقرءون ما أوحى الله إليه، فيقولون مثلاً: أوحى الله إليه بسورة اسمها: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، ثم يقرءونها فيحفظها الغلام.

    ( قال: فكنت أحفظ ذلك، فكأنما يقر في صدري )، لفظ: (يقر في صدري) روي في صحيح البخاري من ثلاثة وجوه:

    الأول: ( يقر في صدري )، بتشديد الراء، وهو من القر أو القرار، أي: يستقر في صدري.

    والرواية الثانية: ( يقرى )، بالألف المقصورة، وهو بمعنى: يضم ويجمع.

    والوجه الثالث أو الرواية الثالثة: بالهمز، (يقرأ) من القراءة، وهو معروف: ( فكأنما يقرأ في صدري ).

    وهناك رواية رابعة عند الإسماعيلي في مستخرجه : ( يغرى ) بالغين: ( يغرى في صدري )، وهي التي رجحها القاضي عياض، ومعناها: كأنما يلصق بالغراء في صدري فلا يزول.

    قال في بعض الروايات: ( وكنت غلاماً حافظاً )، فكان يحفظ القراءة من أول مرة يسمع فيها لفظها.

    قوله: ( وكانت العرب تلوّم بإسلامهم الفتح )، (تلوم) أي: تنتظر وتتربص، وفسره بقوله: ( يقولون: اتركوه وقومه، فإن ظهر فهو نبي صادق ).

    قال: ( فلما كانت وقعة أهل الفتح )، أي: فتح مكة، ومن المعلوم أنه لما فتحت مكة بادرت الأقوام بإسلامها، فكان فتح مكة عام ثمان من الهجرة، وكان عام الوفود هو العام التاسع، فجاءت وفود العرب من أنحاء الجزيرة العربية ؛ تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام.

    قوله: ( وليؤمكم أكثركم قرآناً )، أي: أكثركم جمعاً للقرآن وحفظاً له، كما في رواية أبي داود، وهذا يفسر ما جاء في حديث أبي سعيد، وأبي مسعود أيضاً: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، فمعنى: (أقرؤهم لكتاب الله)، يعني: أحفظهم، أكثرهم حفظاً للقرآن.

    الأقوال في مسألة إمامة الصبي المميز قبل البلوغ

    في الحديث مسألة: وهي إمامة الصبي المميز قبل البلوغ أبو ثمان سنين، وسبع، وتسع، وعشر، إذا كان لم يبلغ، ولكنه مميز يعرف الوضوء، ويعرف الصلاة، ويفهم الخطاب، ويرد الجواب، هل يجوز أن يؤم بالناس أو لا يجوز؟ في المسألة ثلاثة أقوال: ‏

    القول الأول: جواز إمامة الصبي المميز مطلقاً في الفريضة والنافلة وأدلته

    أولها: أن ذلك يجوز مطلقاً، يعني: في الفريضة والنافلة على حد سواء، وبه قال الإمام الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الآجري .. وغير واحد من الحنابلة.

    واستدل هؤلاء بأدلة:

    أولها: حديث الباب، حديث عمرو بن سلمة : فإن فيه: أنه قد أمّ قومه وهو ابن ست أو سبع أو ثمان، ولنأخذ بالرواية الأكثر التي هي: ( ثمان سنين )، وهي رواية في النسائي على الجزم، رواية: ( ثمان سنين )، فإن من المعلوم أن ابن ثمان سنين وإن كان مميزاً إلا أنه غير بالغ، وظاهر من سياق القصة أنه كان فعلاً في عقل الصغير، في مثل قوله لما أعطوه تلك البردة: (إنه ما فرح بشيء فرحه بتلك البردة) فأنت تقرأ مشاعر الصغير وتصرفاته ونظراته، وفي نفس الوقت تقرأ الذكاء والحدة والفطنة والحفظ، فهو مثلاً: يعقل أن الناس عندهم نازلة وخطب جديد وأمر غريب: (ما للناس؟ ما شأن الناس؟ ما هذا الرجل؟)، وكذلك يسألونه: (أوحي إليه بكذا؟) فيحفظ ما أوحي به إليه، وقد أتقن أمر الصلاة، وحفظ ماذا قال والده.. إلى غير ذلك، مما يدل على قوة وحدة ونبوغ، هذا فيما يتعلق بالقصة، تعليق على القصة.

    لكن وجه الاستدلال بالقصة يحتاج إلى نوع وقوف، قد لا يسمح الوقت بالاسترسال فيه وإن كان فيه فائدة عظيمة، استدل بهذه القصة من أكثر من وجه، على جواز إمامة الصبي المميز:

    الوجه الأول: قالوا: إن عمرو بن سلمة صلى بقومه في زمن النبوة والوحي ينزل، ولو كانت صلاته بقومه حراماً أو غير مجزئة لكان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنهي عن ذلك، فلما أقرهم الله -لاحظ!- فلما أقرهم الله تعالى على ذلك دل على جوازه.

    إذاً: هذا الوجه يكون استدلال بإقرار من؟ بإقرار الله تعالى على هذا الفعل، الذي حدث في زمن النبوة، والاستدلال بإقرار الله أصل لم يتكلم عنه غالب الأصوليين، ولعل أول من ذكره أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي منكراً له، ثم ذكره ابن دقيق العيد في شرح العمدة مستغرباً له أيضاً، ثم ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله في المسودة في أصول الفقه وقال به، وتبعه عليه الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين، وقرر هذا الأصل، وتابعه على ذلك أيضاً الصنعاني في سبل السلام.

    فقالوا بهذا المبدأ: وهو أن إقرار الله في زمن النبوة حجة، وأما جمهور الأصوليين فلم يذكروا ذلك.

    قال: ( كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن )، هكذا ساق المقدسي في العمدة الحديث، وعلى قاعدته فإن هذا الحديث متفق عليه؛ لأنه يشترط ألا يخرج في العمدة إلا المتفق عليه.

    وبناءً عليه شرح العلماء بما فيهم الإمام ابن تيمية وابن القيم وابن دقيق العيد والصنعاني .. وغيرهم، شرحوا هذا الحديث على أن هذا كله من كلام جابر : (كنا نعزل والقرآن ينزل)، والعزل معروف، أي: أنه إذا جامع زوجته أو أمته أنزل خارج فرجها؛ لئلا يكون ثمة حمل، قال: (والقرآن ينزل، لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن)، فاحتج جابر بهذا على جواز العزل، بأنه فعل في زمن النبوة ولم ينزل قرآن ينهى عنه.

    والواقع أن الاستدلال بهذا الحديث ليس بجيد، فإن الصوب أن كلام جابر ينتهي عند قوله: (كنا نعزل والقرآن ينزل)، أما كلمة: (لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) فهذه مدرجة من كلام سفيان بن عيينة، كما نص على ذلك مسلم في صحيحه، وكما هو موجود في غالب أو جل أو كل المسانيد.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله قال: وزاد إبراهيم بن موسى في روايته عن سفيان : أنه قال حين روى هذا الحديث: أي: (لو كان حراماً لنزل فيه)، وقد أخرج مسلم هذه الزيادة، وهذا دليل على أن مسلماً قد تفرد به عن البخاري، وقد أخرج مسلم هذه الزيادة عن إسحاق بن راهويه عن سفيان فساقه بلفظ: (كنا نعزل والقرآن ينزل. قال سفيان : لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)، انتهى، قال الحافظ رحمه الله: فهذا ظاهر في أن سفيان قاله استنباطاً.

    وأوهم كلام صاحب العمدة ومن تبعه أن هذه الزيادة من نفس الحديث فأدرجها، وليس الأمر كذلك، فإني -يقول ابن حجر - تتبعته من المسانيد، فوجدت أكثر روايته عن سفيان، لا يذكرون هذه الزيادة، وشرحه ابن دقيق العيد على ما وقع في العمدة .. إلى آخر كلام الحافظ ابن حجر .

    والغريب أن الصنعاني رحمه الله مع أنه في سبل السلام وافق ابن القيم رحمه الله، وقال بذلك الاستدلال، إلا أنه في حواشيه على إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام وهي حواشي مفيدة طبعت باسم: العدة مفيدة جداً، في الحواشي، قال كلاماً من جنس كلام الحافظ ابن حجر هنا، يقتضي أن الزيادة من عند سفيان بن عيينة، وأنها ليست من كلام جابر، وبناءً عليه فلا حجة فيها .

    ونقول: حتى لو كانت الزيادة هنا من كلام جابر، فإنها لا تدل على أن إقرار الله في زمن النبوة حجة وشريعة؛ لوجوه:

    منها أولاً: أنه اجتهاد صحابي، وقد يكون خالفه غيره.

    ومنها ثانياً: أنه قد يكون لا يعني بالقرآن المصحف، وإنما يعني مطلق الوحي، فيكون احتجاجاً حينئذ بإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس بإقرار الله عز وجل، ولذلك نظائر معروفة.

    وثمة وجوه أخرى، على كل حال. هذا هو الوجه الأول.

    وبالمناسبة، فإن في هذه المسألة: مسألة إقرار الله تعالى في زمن النبوة، فيها رسالة للدكتور عبد الحميد أبو زيد مطبوعة بهذا العنوان: إقرار الله تعالى في زمن النبوة، وهي رسالة جيدة في بابها .

    الوجه الثاني للاستدلال بحديث عمرو بن سلمة : أن يقال: إنما يستدل بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن الشيء إذا فعل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينكره، كان الغالب علمه بذلك، فيحمل هذا على المرفوع، فإذا قال الصحابي كنا نفعل كذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو كنا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام نقول كذا.. أو ما أشبه ذلك، فهذا في حكم المرفوع عند جماهير علماء المصطلح، قال ذلك: الحاكم أبو عبد الله بن البيع في كتابه علوم الحديث، وابن الصلاح، والعراقي، وابن حجر .. وغيرهم من أهل العلم، ولا أظن خالف في ذلك إلا أبو بكر الإسماعيلي، فإنه لا يرى أنه في حكم المرفوع، وهو قول ضعيف، والجماهير على أن قول الصحابي: كنا نفعل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أو في عهده.. أو ما أشبه ذلك، أنه محمول على المرفوع حكماً، ومثله هذا الحديث، فإنه من المقطوع به أن ذلك كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء جماعة من الصحابة صلى بهم هذا الإمام، فيبعد والله أعلم أن يخفى ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن يفتاتوا عليه بمثل هذا الأمر دون علمه، أو أنهم رأوا أن هذا موافق لسنته.

    فيحمل هذا على أنه إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحكم، وهذا وجه في الاستدلال حسن.

    إذاً: الوجه الأول: أن هناك من استدل في الحديث بإقرار من؟ بإقرار الله عز وجل، وهذا مدفوع بما ذكرنا.

    الثاني: أن يقال: الحديث مع ذلك دليل على جواز إمامة الصبي، لم؟ لأنه استدلال بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام، فهو في حكم المرفوع.

    إذاً: هذا هو الدليل الأول لمن قالوا بجواز إمامة الصبي في الفرض والنفل.

    الدليل الثاني: عموم الأحاديث التي فيها تقديم الأقرأ، كما في حديث أبي مسعود وهو حديث الباب: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب تعالى ).

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: ( وليؤمكم أكثركم قرآناً ).

    ومثله حديث مالك بن الحويرث : ( وليؤمكم أقرؤكم ).

    ومثله أيضاً: حديث أبي سعيد عند مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ).

    فقالوا: هذه النصوص عامة دلت على أن الأقرأ الأحفظ الأعلم هو الأحق بالإمامة، كبيراً كان أو صغيراً، ما دام عاقلاً مميزاً، هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: جواز إمامة الصبي المميز في النافلة دون الفريضة وأدلته

    الثاني: قالوا: تصح في النفل خاصة دون الفرض، وهذا مذهب الإمام مالك، وهو رواية مشهورة عن الإمام أحمد، اختارها أكثر الأصحاب من الحنابلة، وليس لهم في ذلك حجة ودليل، إلا أنهم قالوا: إن النفل أخف من الفرض، فمدخله ومكانه ومحله التخفيف، ولذلك تنعقد الجماعة في النفل بالصبي إذا كان مأموماً، يعني: لو صلى رجل كبير مع صبي خلف إمام في نافلة انعقدت بهم الجماعة، وأمكن مصافته، ولو صلى منفرداً مع الإمام لوحده انعقدت به الجماعة أيضاً في النافلة، فقالوا: النافلة مبناها على التخفيف.

    القول الثالث: عدم جواز إمامة الصبي المميز لا في النافلة ولا في الفريضة وأدلته

    القول الثالث: أنها لا تصح لا في الفرض ولا في النافلة، وبه قال أبو حنيفة .

    وأدلتهم:

    أولاً: حديث: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به )، وهو متفق عليه وسبق.

    وجه الدلالة من هذا الحديث: لأن صلاة الصبي ليست فرضاً؛ لأنه غير مكلف، فالصلاة في حقه نافلة، والكبير صلاته فريضة، فإذا صلى الصبي كان مفترض يصلي خلف متنفل، فهذا بناء على أصلهم أن المفترض لا يصلي خلف المتنفل، قالوا: لا يجوز لهذا: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به )، وهذا الاستدلال ضعيف؛ لما سبق أن قررنا أن صلاة المفترض خلف المتنفل صحيحة، وقد كان معاذ رضي الله عنه يصلي بقومه إماماً وهو متنفل، وهم في فريضة.

    وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به )، إنما هو في الأعمال الظاهرة؛ ولهذا فسره بقوله: (فإذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع، وإذا سجد، وإذا صلى قائماً، وإذا صلى قاعداً).. ففسر ذلك بالأعمال الظاهرة، أما الأشياء الخفية فلا مجال فيها؛ للقدوة، فقد يصلي الإمام فريضة ومن خلفه متنفلون، أو العكس، أو يصلي ظهراً ومن خلفه يصلون العصر أو العكس، فلا تعلق بنية بعضهم لبعض.

    الدليل الثاني: حديث علي رضي الله عنه عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح له شواهد عن عائشة وابن عباس .. وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق )، قالوا: فرفع قلم التكليف عن الصبي حتى يبلغ دليل على أن الصلاة خلفه لا تصح، وكيف يصلى خلف من رفع عنه القلم، فهو كالمجنون في عدم صحة الصلاة، وكأن هذا -والله أعلم- استدلال بما يسمى دلالة الاقتران، اقتران الصبي بالمجنون، وهذا ليس بلازم، فقرنهم في هذا الحديث بحكم أن القلم رفع عنهم، لا يعني أنهم يتساوون من كل وجه، والدليل على ذلك: أن المجنون مثلاً إذا أفاق من جنونه هل يلزمه إعادة الصلوات التي مضت به في جنونه؟ لا يلزمه بلا خلاف، لكن النائم إذا استيقظ ألا يلزمه أن يصلي ما فاته؟ بلى.

    إذاً: لا يلزم من ذكرهم للحديث أن يكونوا متساويين في الأحكام الشرعية، ولا تعلق لذلك بقضية الصلاة، بل إن الصبي تصح صلاته عندهم وعند غيرهم، والأصل أن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا أن يقوم دليل على غير ذلك.

    كما استدلوا بآثار عدة عن جماعة من الصحابة، منها: أثر رواه عكرمة عن ابن عباس أنه رضي الله عنه قال: ( يكره أن يؤم الغلام حتى يحتلم )، وفي رواية عن ابن عباس قال: ( لا يؤم الغلام حتى يحتلم )، وهذا الأثر رواه البيهقي والأثرم، وبوب عليه البيهقي في سننه : باب من لم ير الجمعة تجزي خلف الغلام حتى يحتلم، وقد جاء في ذلك آثار كما ذكرت عن جماعة من الصحابة.

    طيب. هذه ثلاثة أقوال، الراجح منها هو القول الأول، أن الصبي المميز يجوز أن يؤم للحاجة، كما في نظائر ذلك؛ فإنه إذا كان أقرأهم، ولم يكن في القوم من يفوقه في العلم والقراءة والمعرفة، فإنه يصلي بهم، كما كان الحال بالنسبة لـعمرو بن سلمة، فإن القوم كانوا حدثاء عهد بإسلام، ولم يكونوا يحملون شيئاً من القرآن إلا اليسير، فكان هو أحقهم بالإمامة وأجدرهم بها؛ لحفظه القرآن الكريم.

    فوائد الحديث

    من فوائد الحديث: إمامة الأقرأ، الأكثر قرآناً والأحفظ وأنه يقدم، وسوف يأتي لذلك مزيد تفصيل بعد قليل.

    ومن فوائده أيضاً: جواز إمامة الصبي المميز، إذا كان يعرف الوضوء والصلاة، ويؤتمن ويوثق به للحاجة .

    ومن فوائده: جواز مصافة الصبي أيضاً، يعني: أن تصف معه في صف، ولا يعتبر الذي يصف معه منفرداً .

    ومن فوائده: جواز أن يكون الصبيان في الصف، وأنه لا يوضع لهم صف خاص، كما قال به بعض الفقهاء، ولا دليل على ذلك، وإنما كانوا يصفون مع عامة المسلمين، في مواقعهم في الصفوف، وهذا مع أنه هو الأمر الواقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقيناً لا شك فيه، ولا يمكن غيره؛ لأن الصبيان كالكبار يأتون فرادى، ويأتي الصبي وبعده كبير وقبله كبير، فلا يمكن أن يوضع لهم صف منفرد، مع ذلك فإنه أضبط لصلاتهم، وأبعد عن التشويش واللعب والعبث، الذي يمكن أن يحصل من اجتماعهم .

    ومن فوائده: انعقاد الجماعة بالصبي، يعني: لو وجد إمام وصبي لانعقدت بهما الجماعة .

    ومن فوائده: أن انكشاف العورة عن ضرورة لا يبطل الصلاة، كما انكشفت عورة عمرو بن سلمة، فرأته هذه المرأة وقالت: (ألا تغطوا عنا عورة قارئكم) فاشتروا له هذه الجبة فألبسوه إياها، وقد احتج به من قال: بأن ستر العورة ليس من شروط الصلاة، وهو رواية في مذهب مالك، ورجحه الشوكاني فيما أذكر.

    ومن فوائده: جواز العطاء على الإمامة، فإنهم أعطوه هذه الجبة لإمامته لهم في الصلاة .

    ومن فوائده: صحة تحمل الكافر إذا أدى في حال إسلامه، يعني: صحة تحمله للعلم والحديث والرواية إذا أدى ما تحمله بعد إسلامه.

    من أين نأخذ هذه الفائدة؟

    أن عمرو بن سلمة حفظ القرآن قبل أن يسلم من هؤلاء الركبان، ثم دخل بعد الإسلام.

    1.   

    شرح حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ..)

    الحديث الثالث وبه الختام: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى, فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة, فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة, فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً -وفي رواية: سناً- ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه, ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه ). ‏

    تخريج الحديث

    صواب الحديث عن أبي مسعود وليس عن ابن مسعود، فالحديث من رواية أبي مسعود، وهو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه.

    الحديث رواه مسلم في كتاب المساجد، باب الأحق بالإمامة.

    ورواه الترمذي أيضاً في الصلاة، باب الأحق بالإمامة.

    وأبو داود في الصلاة، باب الأحق في الإمامة.

    والنسائي في كتاب الإمامة، باب الأحق في الإمامة.

    ورواه أيضاً الإمام أحمد، وابن خزيمة، والطبراني، وعبد الرزاق، والحميدي، وابن الجارود، والدارقطني، وأبو عوانة، والبيهقي، والحاكم، وابن حبان، والبغوي .. وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    فيما يتعلق بمعاني الحديث:

    قوله: ( أقرؤهم لكتاب الله تعالى ) ما معناها؟

    يعني: أجمعهم للقرآن، أكثرهم حفظاً للقرآن، كما سبق في الرواية: ( أكثركم قرآناً ).

    ( فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة ) يعني: بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه، والحلال والحرام.

    ( فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة ) أي: هجرة إلى الله تعالى ورسوله، والهجرة: من الهجر وهو الخروج من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.

    ( فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً ) (سلماً) أي: إسلاماً، أي: أقدمهم في الإسلام، أسبقهم إلى الإسلام.

    وفي رواية: ( سناً )، والمعنيان متقاربان؛ لأنهم قد يكونون كلهم متقدمين في الإسلام، فينظر الأسن بعد ذلك.

    والروايتان كلتاهما في صحيح مسلم : (سلماً)، و(سناً).

    ( ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ) أي: في بيته أو سلطته، فلا يؤَم الإمام أو الأمير في سلطته، ولا يؤَم صاحب المنزل في منزله إلا بإذنه، فالحق له، يتقدم هو ولو كان أقل جودة في القراءة مثلاً، أو يقدم من يختار، والأفضل في حقه أن يختار الأعلم والأقرأ عن غيره.

    قال: ( ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه )، التَكرِمة بفتح التاء -كما ضبطها النووي رحمه الله وغيره- وكسر الراء، وبعضهم ضبطها بضم التاء: (تُكرمة)، لكن المشهور فتحها: (التَكرمة)، وهي الفراش الذي يكون خاصاً بالإنسان يقعد عليه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: من الأدب ألا تعقد على هذا الفراش الخاص بالإنسان، إلا بإذنه، ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا جاءه ضيف طرح له وسادته، التي كان يقعد عليها صلى الله عليه وآله وسلم، هذا فيما يتعلق بمعاني الحديث.

    فوائد الحديث

    فوائد الحديث:

    فيه: تقديم الأكثر حفظاً للقرآن؛ لقوله: (أقرؤهم لكتاب الله)، وقد اختلف أهل العلم: أيهما يقدم الأقرأ أو الأعلم؟ فقال بعضهم: يقدم الأقرأ على غيره، حتى على الأكثر فقهاً وعلماً، وهذا مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد، وهو وجه عند الشافعية أنه يقدم الأقرأ؛ لعموم النص، حتى ولو كان أقل فقهاً وعلماً، والقول الثاني للشافعية ومالك رحمهم الله جميعاً: أن الأفقه مقدم على الأقرأ، فيقولون: يقدم من كان أكثر فقهاً ومعرفة؛ لأنه يحتاج إلى أحكام الفقه في الصلاة، فقد يطرأ عليهم في الصلاة شيء يحتاج إلى معرفة الأحكام.

    ومما استدلوا به .. الأولون بطبيعة الحال استدلوا بالأحاديث التي سقناها الآن؛ حديث أبي مسعود مثلاً من أدلة الحنفية والحنابلة على تقديم الأقرأ، وحديث أبي مسعود هو حديث الباب. حديث مالك بن الحويرث : ( وليؤمكم أقرؤكم ).

    وحديث عمرو بن سلمة السابق.

    وحديث أبي سعيد الخدري سقناه الآن: ( وأحقهم أقرؤهم ).

    حديث أبي سعيد الخدري.

    هذه الأدلة استدلوا بها على تقديم الأقرأ مطلقاً.

    الفئة الثانية: مالك والشافعي ومن وافقهم ممن يقول: يقدم الأفقه، استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر، ومرة قدم عبد الرحمن بن عوف كما هو معروف في غزوة تبوك، ومن المعلوم أن القراء من الصحابة كانوا موجودين، وفيهم أبي بن كعب، وفيهم القراء من الأنصار الذي جمعوا القرآن أربعة أو خمسة، وفيهم: أبو موسى الأشعري وغيره، فقالوا: تقديم أبي بكر رضي الله عنه لأنه هو الأعلم والأفقه دليل على أنه يقدم، وحملوا الحديث على محمل عميق، فقالوا: إنما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )؛ لأنه في زمن الصحابة الأقرأ هو الأفقه، وهذا في نظري لا يخلو من تناقض؛ لأنهم استدلوا بتقديم أبي بكر على أنه يقدم الأفقه، ولو كان الأقرأ موجوداً، ولو كان من هو أقرأ منه موجوداً، ثم رجعوا فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام، إنما قال: ( يؤم القوم أقرؤهم )؛ لأنه في زمنه الأفقه هو الأقرأ، فعلى هذا يجب أن يكون أبو بكر هو الأفقه وهو أيضاً الأقرأ، فحينئذٍ لا يصح الاستدلال بتقديمه؛ لأنه هو الأفقه وهو الأقرأ، وهذا الاستدلال هو الموجود في كتبهم، كما في المجموع وشرح النووي، وسائر الكتب الفقهية المطولة.

    وهناك وجه ثالث عند الشافعية: أنه يقدم الأورع، الأكثر ورعاً في الصلاة.

    والصواب: أن الأصل وأن الصواب تقديم الأقرأ؛ لظاهر النص، إذا كان لديه من المعرفة بأحكام الصلاة ما يقيم صلاته، وقد يطرأ عارض يجعل غيره أحق منه بالإمامة، كأن يكون صاحب فضيلة ظاهرة كـأبي بكر رضي الله عنه، أو يكون سلطاناً أو إماماً، فإنه يقدم يقيناً، كما جاء في الحديث، حديث الباب نفسه: ( ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه )، أو أن يكون الحافظ للقرآن فاسقاً، فإنهم أجمعوا على كراهية إمامة الفاسق مع وجود البر التقي، أو أن يكون الأقرأ جاهلاً بالأحكام، وقد يترتب على جهله إخلال في الصلاة، فحينئذٍ يقدم الأفقه ولو كان أقل حفظاً، وهذا القول قد يكون قولاً مركباً من مجموع القولين، وهو المختار إن شاء الله تعالى.

    من فوائد الحديث: فضيلة حفظ القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم حافظ القرآن لهذه الشعيرة العظيمة، التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، ففيها فضيلة حفظ القرآن الكريم واستظهاره.

    ومن فوائده: حجية السنة وفضلها ووجوب العناية بها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فأعلمهم بالسنة ).

    ومن فوائده: فضيلة الهجرة والسبق إليها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( فأقدمهم هجرة ).

    ومن فوائده: مراعاة كبار السن واحترام الكبار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( فأقدمهم سناً ).

    ومن فوائده: عدم التقدم على السلطان أو صاحب المنزل إلا بإذنه.

    ومن فوائده: مراعاة الآداب العامة في الضيافة والقعود.. وما أشبه ذلك.

    ربما تكون في الحديث فوائد أخرى، نقتصر منها على ما سبق.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صل على محمد.