إسلام ويب

قضايا مهمة في حياة الأمةللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفرد المسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، وتجب عليه واجبات عظيمة، وعليه القيام بمسئوليات جسيمة تجاه نفسه وتجاه مجتمعه، وتجاه إخوانه المسلمين، وتجاه أمته الإسلامية جميعاً.

    في هذا الموضوع قضايا مهمة في حياة الفرد المسلم عليه أن يقوم بواجبه نحوها وأن يستشعر عظمتها.

    1.   

    اللقاءات مشاعل على طريق التوجيه والإرشاد

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وصفوته من رسله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلوات الله وسلامه عليه؛ ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصلوات الله وسلامه عليه؛ ما تعاقب الليل والنهار، وصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار، المهاجرون منهم والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الأحبة في الله! إنها لفرصة مباركة ومناسبة سعيدة أن يمن الله علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك بكم في رحاب هذا البيت المبارك من بيوت أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:36-37].

    ألا ما أمتع هذه اللقاءات! وما أجمل هذه المناسبات؛ لأنها مناسبات تقوم على أساس التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، تقوم على أساس غذاء القلوب، وتحقيق الخير لأنفسنا ولمجتمعنا ولأمتنا؛ لأننا جمعياً ندرك عظم المسئولية الملقاة على عواتقنا، وما هذه اللقاءات المباركة؛ إلا مشاعل على طريق التوجيه والإرشاد، بها تشحذ الهمم وتقوى العزائم، وبها يحس المسلم أن عليه واجباً عظيماً مع إخوانه المسلمين وتجاه إخوانه في الله في كل مكان؛ لأن الدين هو الذي يجمعنا، وآصرة الإسلام هي التي تربطنا قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] وقال سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )

    وقال الشاعر:

    إن يختلف ماء الوصال فماؤنا     عذبٌ تحدر من غمام واحد

    أو يختلف نسب يؤلف بيننـا     دينٌ أقمناه مقام الوالد

    فليست العبرة بالأنساب والأحساب، وليست العبرة بالروابط المادية والعلاقات القبلية وإنما القضية قضية إخوة إسلامية تجمع الناس؛ وإن تباعدت أقطارهم، ونأت ديارهم واختلفت أجناسهم قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    ألا ما أحوج القلوب! وما أشد حاجة النفوس؛ إلى أن ترتوي بنمير هذه اللقاءات المباركة، وترتشف من معين هذه المناسبات والجلسات الإيمانية، بعد أن حاولت الحياة المادية أن تحول بين القلوب وبين ربها بذكر الله، وبطاعة الله، وبما يقرب إلى الله تبارك وتعالى.

    وحقاً أيها الإخوة! إن القرائح لتتبارى، وإن المشاعر لتتجارى في هذا اللقاء الطيب المبارك، وما غمرني به أهل هذه المدينة المباركين، الذين حرصوا -وفقهم الله- على تكرار الدعوة المرة تلو المرة، فجزاهم الله خيراً على حسن ظنهم بأخيهم، وبارك الله جهودهم، وما ذلك إلا لأن في هذه المدينة رجالاً يحملون الخير لأنفسهم ولبلادهم ولمجتمعهم، يريدون أن يتحقق في هذه اللقاءات الخير والنفع والتعاون على البر والتقوى، وأن تتلاشى الفوارق، وأن تزول ما في النفوس من غل أو أحقاد أو حسد أو بغضاء، وأن تغسل الذنوب بماء التوبة المباركة، وماء المحاسبة للنفوس حتى يكون المسلم قائماً بدينه كما شرع الله عز وجل.

    فشكر الله لمحافظ هذه المحافظة، ولأعيانها ولرجالها ولعلمائها ولدعاتها ولشبابها ولنسائها ولكل الحاضرين فيها ما غمروني به من حسن الاستقبال من الحفاوة والإكرام مما أراني لست بقمين له، ولا أرى إلا أني أقول لهم في الله: كبيرهم لي أبٌ، وصغيرهم لي ابنٌ، ومساويهم لي أخ؛ أحبه وأحرص على أن أصله وأزوره لأن العلاقة في الله ولله وبالله.

    لست شاعراً وإنما المشاعر تفرض علي في هذا اللقاء الطيب المبارك، في هذا الجمع الذي أراه مد بصري، في هذا البيت من بيوت الله الذين اجتمعوا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتحقق فينا وفيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم -وفي رواية- يذكرون الله عز وجل إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) فنسأل الله ألا يحرمنا وإياكم هذا الثواب، ووالله إن خصلة من هذه الخصال العظيمة؛ لتعدل الدنيا وما فيها، ماذا نريد بعد أن تنزل السكينة؟ وماذا نريد بعد أن تغشانا الرحمة، وأن تحفنا الملائكة، وأن يذكرنا الله فيمن عنده، بعدما ساد القلق والاضطراب والاكتئاب كثيراً من أحوال المسلمين مع الأسف الشديد؟

    سلام من المولى البر الرحيم     على الفضلاء في روابي تميم

    والتحايا معطرات بالشذا العميم     لـحوطة محاطة بالجود والتكريم

    والدعوات ترى من الحرم العظيم     لبلاد أنجبت رأس باز كريم

    والشهم بن فواز فاز بالسبق الهميم     وهكذا الكل في العزم والتصميم

    وصلِّ إله العرش في التختيم     على المصطفى الداعي إلى الدين القويم

    1.   

    قضايا مهمة في حياة الفرد المسلم

    أيها الإخوة! قضايانا المهمة على ضوء القرآن والسنة، قضايانا المهمة التي تحتاجها الأمة كثيرة جداً، الفرد المسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، تجب عليه واجبات عظيمة، وعليه القيام بمسئوليات جسيمة تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه إخوانه المسلمين وتجاه أمته الإسلامية جميعاً.

    الفرد لا يعيش لنفسه، وإنما يعيش ليحمل دعوة، ويحمل هماً ويحمل رسالة وواجباً عظيماً، خلقه الله عز وجل من أجل تحقيقه، وأوجده في هذه الدنيا لكي يقوم به قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    أما والله لو علم الأنام     لما خلقوا لما غفلوا وناموا

    لقد خُلِقوا لأمر لو وعته     عيون قلوبهم تاهوا وهاموا

    أيها المسلمون! أيها الإخوة في الله! إن هناك عدداً من القضايا المهمة التي يجب على كل مسلم أن يقوم بها، وأن يحملها، وأن يستشعر عظمتها، وقيامه بالواجب تجاهها.

    قضية العقيدة والتوحيد

    أهم هذه القضايا على الإطلاق وأعظمها باتفاق: قضية العقيدة، قضية التوحيد، إفراد الله للعبادة، من أجل ذلك خلقنا، ومن أجل التوحيد أوجدنا قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *

    الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8].

    إن حق ربنا تبارك وتعالى علينا لعظيم، وإن واجبنا تجاهه سبحانه وتعالى لكبير وكبير، يقتضي تحقيق العبودية له سبحانه، ألا ننصرف إلى غيره كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {احفظ الله يحفظك }.

    يا من ألوذ به فيما أؤمله     وأستجير به مما أحاذره

    لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره     ولا يهيضون عظماً أنت جابره

    فالله عز وجل هو المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، وهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان:30]

    فهل ترى أن المسلمين اليوم أو أن كثيراً منهم حققوا ما من أجله خلقوا؟

    إن كثيراً من الناس ضعف إيمانهم وضعفت عقيدتهم وتساهلوا بأمر توحيدهم، كثير منهم يتوجهون إلى غير الله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف }.

    إننا -أمة الإسلام- أمة عقيدة وأمة رسالة، يجب علينا القيام والاضطلاع بهذه القضية المهمة التي هي قضية الوحدانية لله، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما يستحقه سبحانه وتعالى، وما يجب على المسلم تجاه الإيمان بالله سبحانه بأركانه الستة المعروفة، والقيام بمراقبة الله وحده قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] والقيام بإخلاص الدين له قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].

    يجب على المسلم أن يستشعر معية الله ورقابته له سبحانه:

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة     النفس داعية إلى العصياني

    فاستحي من نظر الله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    لما حققت الأمة هذه الحقيقة العظيمة دانت لها أمم العالم شرقيه وغربيه، ولما أن قامت بتحقيق الوحدانية لله دكت جيوشها معاقل الكفر والطغيان في كل مكان، هزت عروش القياصرة، وكسرت الأكاسرة وحطمت رايات الوثنية، والإلحاد والبعد عن الله عز وجل وضروب الجاهلية:

    بمعابد الإفرنج كان أذاننا     قبل الكتائب يفتح الأمصارا

    كنا جبالاً فوق الجبال وربما     صرنا على متن البحار بحارا

    لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها     سجداتنا والحرب تقذف نارا

    ولما مرت السنون، وخفت القلوب، وضيع كثير من المسلمين أمر دينهم؛ هانوا عند الله، هانت عندهم شريعة الله؛ فهانوا عند الله إلا من رحم الله قال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، إلا من عصم الله.

    فعلينا أيها الإخوة أن نعلم أن هذه القضية قضية العبودية لله، قضية الوحدانية لله، هي القضية الكبرى، وهي المهمة العظمى التي يجب علينا أن تكون حياتنا ومماتنا كلها في سبيل تلك القضية المهمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    تحقيق العقيدة الصحيحة بالشروط الشرعية

    ومن القضايا التي ينبغي أن تقوم بها الأمة وأن تعتني بها الأمة: أن تحقق هذه العقيدة الصحيحة وهذه العبادة بشروطها الشرعية، التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم، ودلت عليها نصوص القرآن والسنة، من شرط الإخلاص لله والتوجه له سبحانه، والحذر من الرياء والسمعة، وضروب الشرك بالله عز وجل، وأن تكون الأعمال على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، مقتفىً فيها آثاره وهديه عليه الصلاة والسلام وهو القائل: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد } والقائل عنه سبحانه وتعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]

    الإقبال على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

    القضية الثالثة: أن هذه العقيدة، وهذه العبادة؛ لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق العلم النافع، لا بد أن تعنى الأمة بالعلوم النافعة.

    وأهم العلوم: الإقبال على كتاب الله، هذا الكتاب العظيم الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، قال فيه سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15-16].

    هذا القرآن العظيم الذي كتبت الخيرية لمن أقبل عليه وعلمه وتعلمه، ففي الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه } وفي كتاب الله عز وجل النور المبين والهداية في جميع جوانب الحياة، والسعادة والسلامة والقيادة والريادة والشهادة على العالم وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143]

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضل القرآن كما في صحيح مسلم : {أيكم يريد أن يغدو إلى بطحان أو إلى العقيق -من أودية المدينة - فيرجع بناقتين كوماوين سمينتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: يا رسول الله! كلنا يريد ذلك، قال: لَأَنْ يغدو أحدكم إلى بيت من بيوت الله فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين كوماوين سمينتين عظيمتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، وعدادهن من الإبل } فينبغي أن نقبل على كتاب الله، أن نتدبره كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]

    فتدبر القرآن إن رمت الهدى     فالخير تحت تدبر القرآن

    وما حصل الضلال في الأمة وتفرقت شيعاً وأحزاباً؛ إلا لما أعرض كثير من الناس عن القرآن، يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[ تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ]].

    فالقرآن القرآن يا أمة القرآن! علينا أن ننشأ عليه وأن نتعلمه، وأن نتدبره، وأن نسير على هديه، وأن نحل حلاله، وأن نحرم حرامه، وأن نؤمن بمتشابهه، وأن نعمل بمحكمه، وأن تكون حياتنا كلها مبنية على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لتتحقق لنا السعادة.

    وليست السعادة بالأموال ولا بالمناصب ولا بالمراتب ولا بالقصور؛ وإنما السعادة بتقوى الله، بالإقبال على الله:

    ولست أرى السعادة جمع مال     ولكن التقي هو السعيد

    وتقوى الله خير الزاد ذخراً     وعند الله للأتقى مزيد

    إلا إنما التقوى هي العز والكرم     وحبك للدنيا هو الذل والسقم

    وليس على عبد تقي نقيصة      إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

    وأيضاً يجب العناية بالعلوم النافعة: علم الكتاب، وعلم السنة، وعلم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم الأحكام، وعلم التفسير، وكل العلوم النافعة التي تصل الإنسان بربه وتعلمه الطريق الصحيح، وتبين له المحجة حتى لا يقع في الضلال والتخبط والضياع والتدهور، الناس موتى وأهل العلم أحياء:

    أبا بكر دعوتك لو أجبتا     إلى ما فيه خيرك لو عقلتا

    إلى علم تكون به إماماً     تطاع إذا أمرت وإن نهيتا

    يجب علينا أيها الإخوة أن نعنى بالعلم، وليس المراد العناية بالعلم أن نخرج جميعاً علماء أمثال الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الإسلام، ولكن ينبغي على المسلم أن يسير في حياته على هدى، وأن يسأل عما يشكل عليه، وأن يتعلم أمور دينه.

    لو أن إنساناً يريد أن يشتري قطعة أرض، أو يشتري سيارة، أو يتزوج امرأة؛ لسأل عنها وجلس فترة طويلة يبحث ويحقق وينقب ويدقق؛ لأجل أمر من أمور الدنيا، فما بالكم بأمر الدين أيها الإخوة؟ ينبغي علينا أن نعنى به بحيث لا يقع الإنسان فيما حرم الله.

    ويجب على المسلم أن يحل ما أحل الله، ويسير على هدي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الذنوب والمعاصي والمخالفات في أمر الله عز وجل هي السبب فيما أصاب الأمة من وهن واضطراب وتخلف وتدهور وشقاق، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] تساهل كثير من الناس بأمور الدين، تساهلوا بأمر توحيد الله عز وجل، يذهب بعضهم حين ضعف إيمانهم إلى السحرة والمشعوذين والكهنة والمنجمين، ويظنون أن أحدا

    قضية العمل الصالح

    قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110]

    وتلك هي القضية الرابعة: قضية العمل الصالح بعد قضية العلم والإيمان والتوحيد والاعتقاد، أن يعمل المسلم الصالحات، وأن يستغل وجوده في هذه الحياة التي هي دار ابتلاء ودار امتحان قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2] وليس أيكم أكثر عملاً، وإنما لابد أن يكون العمل حسناً موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والإيمان والعمل الصالح هما سببا السعادة والأمان والاطمئنان قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] وقال سبحانه وتعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]

    ومن العمل الصالح: أداء الصلوات المفروضة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة } وقال صلى الله عليه وسلم: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر }.

    كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [[من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -يعني الصلاة مع الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ]].

    الله أكبر! هذه هي همة الصحابة وهمة السلف في المحافظة في هذه الصلوات الخمس، فما بال هذه الصلوات اليوم طاش ميزانها، وخف معيارها ومثقالها عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم مع الأسف الشديد:

    نحن الذين إذا دُعوا لصلاتهـم     والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

    جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا     في مسمع الروح الأمين فكبرا

    هذه الصلوات التي من حافظ عليها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، هي أول ما يسأل عنه العبد، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر والعياذ بالله.

    فعلينا عباد الله! وعلينا إخوة الإسلام! يا من شرفنا الله بهذا الدين! أن نعنى بعموده، أن نعنى بركنه الركين بعد الشهادتين، أن نقيم هذه الصلوات بخشوعها، بأركانها، بواجباتها، بمستحباتها، بالجماعة في بيوت الله عز وجل التي ما بنيت إلا لهذا.

    فعلينا أيها الإخوة أن نقوم بهذا الأمر وأن نتواصى به، الأب يتفقد أبناءه، والمدرس يتفقد تلاميذه، وهكذا الأم في بيتها تتفقد أبناءها وبناتها، وكذلك المسلم أياً كان موقعه قال صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته }.

    قضية الأخلاق والسلوك

    القضية الخامسة: قضية الأخلاق والسلوك، وما ينبغي على المسلمين أن يتحلوا به من الشمائل الحسنة، والأخلاق الطيبة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: {ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق } ويقول صلى الله عليه وسلم: {إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم } ولما { سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل لكنها قد عدمت الأخلاق بإيذائها جيرانها، وعدم كفها أذاها عن أقاربها قال صلى الله عليه وسلم : هي في النار } والعياذ بالله.

    علينا أيها الإخوة أن نعنى بشأن حقوق إخواننا المسلمين، وأن نعلم أننا في مجتمع المسلمين يجب علينا أن نعنى بحقوق بعضنا على بعض قال صلى الله عليه وسلم: {حق المسلم على المسلم ست: ومنها رد السلام وإجابة الدعوة وقبول النصيحة وتشميت العاطس واتباع الجنائز } ومنها أن يكف المسلم أذاه عن إخوانه المسلمين، وأن يقوم بالإحسان إلى والديه، وأهله، وزوجه، وأبنائه، وأقاربه، وإلى إخوانه المسلمين، وألا يكون في صدره غل ولا حقد ولا حسد على أحد من إخوانه المسلمين.

    في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: {يدخل الآن عليكم رجل من أهل الجنة } فدخل رجل من الأنصار تقطر لحيته من ماء وضوئه ويحمل نعليه رضي الله عنه وأرضاه، فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعاً وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبعه ورأى عمله وسكن عنده وأقام عنده ثلاثة أيام فلم يره كثير صوم ولا صلاة، فقال له: {يا هذا! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة. وقد أقمت عندك ولم أرك كثير صوم ولا صلاة فما بلغت هذا المنزلة؟ قال: هو ما رأيت غير أني أبيت وليس في قلبي غل ولا حقد ولا حسد على أحد من المسلمين }.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    واليوم ساد الشقاق والحسد والبغضاء، ساد كثيراً من الناس والمجتمعات والأسر لا لشيء إلا لأمر زهيد من أمور هذه الدنيا، فقد يقطع الناس أقاربه، وقد يجفوا أرحامه، وقد يسيء إلى جيرانه؛ لأجل أمر من أمور الدنيا التي لا تعدل شيئاً عند الله تبارك وتعالى، فينبغي علينا أيها الإخوة في الله أن يكون أمر الدين، وأمر الخُلُق، وأمر التعاون، وأمر أداء حقوق إخواننا المسلمين؛ يسمو عن الأمور الشخصية، وعن الأحقاد والحساسيات والأنانيات والأثرة وحب الذات؛ لأننا نحن أمة شرفها الله بهذا الدين وبهذا الإسلام الذي جمع الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف ديارهم وعلى اختلاف قبائلهم، وكان الإنسان يحب أخاه، وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وبلغ من حب أحدهم لأخيه المسلم أنه يتنازل عن ماله وعن شيء من زوجاته لأخيه المسلم.. الله أكبر! قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    ينبغي علينا أيها الإخوة أن نتحلى بالإيثار، وحب الخير لإخواننا المسلمين، وهذا شأن المجتمع المسلم يتعاون على البر والتقوى، يسعى كل واحد منهم لإصلاح حاله، وإصلاح حال إخوانه، لا يزيد في الفجوة، ولا يوسع الفتوق؛ وإنما يجمح الزلة ويغفر الخطيئة، ويغض الطرف عن أخطاء إخوانه المسلمين:

    إذا كنت في كل الأمور معاتباً     صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

    فعش واحداً أو صل أخاك فإنه     مقارف ذنب مرة ومجانبه

    إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى     ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

    وأمة الإسلام اليوم في عالم يموج بالمحن، ويطفح بالفتن والمغريات والصوارف عن دين الله عز وجل، أعداء الإسلام يجلبون بخيلهم ورجلهم على المسلمين، يسعون في تفكيك وحدتهم، وفي النيل من تماسكهم، ويثيرون بينهم كل أمر يضعف أخوتهم، وأخوة الإسلام أمرها عظيم؛ ولهذا كانت أعظم قضية حرص عليها الإسلام بعد كلمة التوحيد أن وحد الكلمة قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] ليس من مصلحة الأمة التفرق والاختلاف والتنازع والشقاق، لا بين عامة الناس، ولا بين الخاصة منهم كأهل العلم والفضل والدعاة إلى الله والساعين في الخير والإصلاح، بل يجب أن تكون القلوب واحدة وأن يكون الصف واحداً، وأن يسعى المسلم لتكميل إخوانه المسلمين، وألا ينظر بعين السوءات، ولا ينظر بعين تتبع العثرات، وإنما يحرص على كظم الغيظ وعلى الستر على إخوانه المسلمين، كما قال عمر رضي الله عنه: [[لا تحمل أخاك على المحمل السيئ وأنت تجد له في الخير سبعين محملاً ]].

    واليوم ما وجدت الشائعات، وزهد كثير من الناس بسلامة صدره لإخوانه في الله؛ إلا لما ضعف الولاء لهذا الدين، وضعفت عند كثير من الناس رابطة المحبة في الله والأخوة الإسلامية.

    قضية الدعوة إلى الله

    أيها الإخوة في الله! ومن القضايا المهمة التي ينبغي أن نعنى بها في هذا الدين قضية الدعوة إلى الله؛ لأن قضية الدعوة إلى الله هي مهمة الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين إلى قيام الساعة قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وقال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] وقال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125] وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    فينبغي علينا -أيها الإخوة- أن نحرص على أن تكون سفينة المجتمع سائرة في الطريق الصحيح حتى تصل إلى شاطئ الأمان وبر السلام، دون أن تعصف بها أمواج المحن والذنوب، ودون أن تطوح بها قاذفات الفتن وزوابع الشر وأعاصيف الباطل في وقت نشهد فيه أشرس هجمة ضد أخلاق المسلمين، وضد قيمهم ومبادئهم ودينهم في قنوات كثيرة وعبر وسائل متعددة.

    فعلينا أن نتصدى لهذه الحرب الضروس بالعقيدة، بالإيمان، بالوعي، بالعقيدة الصحيحة، بقوة الإيمان بالله تبارك وتعالى، باللجوء إلى الله عز وجل، بجمع الكلمة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرقه الشرعية، بالدعوة إلى الله بأسلوبها الحسن الذي يسعى إلى درء الباطل، وإلى نصرة الحق، وإلى السير في ذلك بأسلوب صحيح، بالرفق، بالصبر، بالحكمة؛ فـ{ الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه }، والعنف ما كان في شيء إلا شانه، وما نزع من شيء إلا زانه، {من يحرم الرفق يحرم الخير كله }.

    فعلينا أن نسير في أمورنا في الإصلاح، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سار المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكما سار رسل الله، هذا نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يستعجل الثمرة، ولم يحرص على أن يقطف الثمرة مبكراً؛ وإنما حرص على أن يقوم بالدعوة وبالإصلاح، أبى الناس، أم أنابوا، حرصوا وأطاعوا، أم أبعدوا، وضلوا عن الطريق، والنتيجة ما آمن معه إلا قليل، وهكذا الداعي إلى الله عز وجل، عليه أن يحرص على الدعوة إلى الله بالحكمة وبالحسنى وبالأسلوب الحسن، بأن يكون قدوة صالحة أمام إخوانه المسلمين.

    وينبغي على الدعاة إلى الله، وعلى العلماء، وعلى المدرسين، وعلى الوجهاء، وعلى القضاة، وعلى أهل الحل والعقد في كل مجتمع؛ أن يكونوا قدوة صالحة لمن هم دونهم، وأن يقوموا بواجبهم فكلهم مسئول وكلهم مسئول عن رعيته.

    ومن القضايا -أيها الإخوة- قضايا التربية، تربية النفوس، تزكيتها، تصفيتها من أدران الذنوب والمعاصي، تربية الأبناء والأسر والزوجات والبنات على ما شرع الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] قال أهل العلم: أي أدبوهم وعلموهم.

    فيا أيها الأب المسلم! ويا أيتها الأم المسلمة! ويا أيها الزوج المبارك! ويا أيتها الزوجة الصالحة! إن عليكم مسئولية عظيمة تتعلق بالتربية.

    ويا أيها المدرسون! ويا رجال التعليم! ويا أيها الحريصون على الفكر والوعي وثقافة الأمة! أنتم مسئولون مسئولية كبيرة في الدعوة إلى الله وتربية الناس على الخير وعلى الفضيلة، وتحذيرهم من الشر والرذيلة.

    كثيرٌ من الناس اليوم بلي بأمور تخالف الإسلام، وتخدش الأخلاق، وقل الحياء عند كثير من الناس وعند كثير من النساء على سبيل الخصوص، وعند بعض الشباب، فعليهم أن يتقوا الله عز وجل، وعليهم أن يعلموا أن هذه الحياة ما هي إلا ساعات معدودة، وما هي إلا أوقات محدودة؛ فعليهم أن يزكوا أنفسهم ويحاسبوها ويربوها على شرع الله تبارك وتعالى.

    قضايا الشباب

    ومن القضايا التي ينبغي أن نخصها قضايا الشباب، وما ينبغي أن عليهم وما هو حقهم، وما واجبهم تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم، عليكم أيها الشباب المسلم المبارك أن تحمدوا الله عز وجل أن ولدتم ونشأتم في بيئة الإسلام، وفي بلاد الإسلام، وعليكم أن تقوموا بالاعتزاز بدينكم وعدم التقليد لأعدائكم والمحاكاة والتبعية، والتقليد لأعداء الإسلام كما هو واقع بعض الشباب هدانا الله وإياهم.

    وعليكم بأداء الصلوات، وببر الوالدين، وعليكم بالجلساء الصالحين، والحذر من قرناء السوء الذين يريدون أن يجروكم إلى المشكلات والمسكرات والمخدرات والجرائم التي تقضي على دينكم وإيمانكم وأخلاقكم بل وعلى حياتكم.

    قضايا خاصة بالمرأة

    ومن القضايا المهمة التي ينبغي أن تطرح: القضايا الخاصة بالمرأة من أداء رسالتها، والقيام بواجبها، فالمرأة لها رسالة في المجتمع وعليها واجب عظيم، هي الأم، والزوجة، والبنت، والأخت، هي درة مصونة وجوهرة مكنونة رفعها الإسلام وكرمها وشرفها بالحجاب، والعفاف، والحشمة، والبعد عن الرجال، والحذر من الخداع بدعاة المدنية الزائفة، ودعاة التحرر من الأخلاق والقيم.

    مدنية لكنها جوفـاء     وحضارة لكنها أفياء

    تدعو التهتك والسفور فضيلة     ونتاج ذاك الشر والفحشاء

    لا وازع يزع الفتاة كمثل ما     تزع الفتاة صيانة وحياء

    وإذا الحياء تهتكت أستـاره     فعلى الحياء من الحياة عفاء

    والأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعباً طيب الأعراق

    الأم أستاذ الأساتذة الأُلى     شغلت مآثرهم مدى الآفاق

    الأم روض إن تعهده الحيا      بالري أورق أيما إيراق

    المبادرة إلى معالجة الأخطاء وإصلاح الأوضاع

    أيها الإخوة! القضية الأخيرة أن نعلم أن الواجب علينا أن نبادر إلى تصحيح أحوالنا، وإلى معالجة أخطائنا، وإلى إصلاح أوضاعنا بما يقربنا إلى الله، إلى متى الغفلة عما شرع الله؟ إلى متى يستمر الإنسان حبيس شهواته وملذاته يركب كل رغباته وما يريده؟ ولو لم يسأل عن حل هذا الأمر وحرمته، فعليك أيها المسلم أن تعلم أن هذه الدار؛ دار ابتلاء وامتحان، وأن هناك موتاً سيجهز عليك، فعليك أن تستعد لهذا القادم الذي يريد أن يفاجئك في ليل أو نهار قال الله تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49].

    حكم المنية في البرية جـاري     ما هذه الدنيا بدار قرار

    بينا يرى الإنسان فيها مخـبراً     حتى يرى خبراً من الأخبار

    هو الموت ما منه ملاذ ومهرب     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب

    نأمل آمالاً ونرجو نتاجها     وعل الردى عما نرجيه أقرب

    ونبني القصور المشمخرات في العلا     وفي علمنا أنا نموت وتخرب

    إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا      في كل يوم واعظ الموت يندب

    فالله كم غادٍ حبيب ورائح     نشيعه للقبر والدمع يسكب

    نهيل عليه الترب حتى كأنه     عدو وفي الأحشاء نار تلهب

    وبعد الموت حشر ونشر وسؤال وعرض على الواحد القهار جل جلاله، فعلينا أن نعد للأمر عدته يوم تزلزل الأرض زلزالها، يوم تحدث أخبارها بأن تشهد على كل عبد أو أمة ماذا عمل على ظهرها تقول: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا.

    فأعد أخي المسلم للسؤال جواباً فوالله { لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه }.

    مصير المؤمنين الموحدين الطائعين المشمرين:

    يا سلعة الرحمن لست رخيصة     بل أنت غالية على الكسلانِ

    يا سلعة الرحمن هل من خاطب     فالمهر قبل الموت ذو إمكانِ

    يا سلعة الرحمن أين المشتـري؟     فلقد عرضت بأيسر الأثمانِ

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحد لا اثنانِ

    فعلينا -أيها الإخوة- أن نسعى إلى العمل الصالح الذي يقربنا إلى الله، وأن نبتعد عن أسباب الهلاك، وعن موارد العطب، وعن الأمور التي تقربنا إلى النار والعياذ بالله.

    أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للتوبة النصوح.

    من ذا الذي ما ساء قط     ومن له الحسنى فقط

    هاهو ربنا تبارك وتعالى ينادينا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهُِ [الزمر:53] ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل } وقال صلى الله عليه وسلم: {لَلهَ أفرح بتوبة عبده من رجل كان في أرض فلاة وأضل راحلته ثم وجدها وعليها طعامه وشرابه بعد أن أيس منها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح } فالله أرحم بعباده من الوالدة بولدها.

    هاهو سبحانه وتعالى يناديكم، عطاؤه جل وعلا ممنوح، وبابه مفتوح، وفضله يغدو ويروح، فأين المشمرون؟ إلى متى نستمر في الغفلة والبعد عن الله والإعراض؟

    يا من اغتر بشبابه! يا من اغتر بماله! يا من اغتر بصحته! أعد للأمر عدته:

    فالموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

    إن علينا وقد سمعنا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وأن نستجيب لأمر الله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] من تنفع فيه الموعظة؟ من يبدأ بعد أن يخرج منها في محاسبة نفسه، والتوبة إلى الله، وعرض نفسه ووقته أمام الهدي والميزان الشرعي، فما قصر فيه تاب إلى الله وأناب، وما تقرب فيه إلى الله زاد واستجاب قال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [الشورى:47] وهذا هو شأن المسلم يحاسب نفسه ويقومها على شرع الله.

    حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر على الله يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18].

    جعلني الله وإياكم من الهداة المهتدين، وجعلنا وإياكم بمنه وكرمه من أهل الخير والفضل والعلم والصلاح والإصلاح الذين ينفع الله بهم أنفسهم وينفع بهم مجتمعاتهم وأمتهم، شكر الله لكم حضوركم وإنصاتكم، ولا أكتمكم علم الله فرحتي واغتباطي وابتهاجي وسروري بهذا اللقاء الطيب المبارك، بما لا أستطيع أن أعبر عنه بما غمرت به من الفرح والابتهاج وكرم الضيافة وحسن الاستقبال مما حقيقة كنت لم أتوقعه، وأنا في الحقيقة أعتذر عن تقصيري ومماطلتي في زيارتي لكم، وأرى أن زيارتي لكم الآن وقد تحققت بحمد الله أنها من منطلق الواجب علينا، فهي والله ليست تفضلاً فالواجب عظيم والمسئولية كبيرة على أهل ال

    1.   

    الأسئلة

    استمرار اللقاءات وتواصلها بين الشيخ ومحبيه

    السؤال: أسئلة كثيرة وأوراقٌ عديدة تصدرت بحب أصحابها للشيخ في الله عز وجل ، ودعوته في البقاء في هذه المنطقة أياماً، أسئلة وأوراقٌ كثيرة أجبرتني على أن أذكر هذا الكلام فما تعليق فضيلة الشيخ؟

    الجواب: أولاً: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم متحابين، والله ما قيمة الدنيا كلها إن لم تكن المحبة في الله عز وجل هي التي تدفع إلى مثل هذه اللقاءات.

    وحينما يرى الإنسان العلاقات الشخصية والمادية بين الناس يجد أنها تثير كثيراً من المشكلات، وتزيد في تعقيد أمورهم وسوء العلاقات فيما بينهم، بينما المحبة في الله عز وجل: أن تحب المرء لا تحبه إلا لله، هذا من أعظم الأعمال، من أعطى لله، ومنع لله، وأحب في الله ، وأبغض في الله فقد استكمل الإيمان {المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي } {ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه } {حقت محبتي للمتزاورين فيَّ وللمتحابين فيَّ .... الحديث } أحبكم الله الذي أحببتمونا له وفيه.

    أما الرغبة في البقاء فيعلم الله الذي لا إله غيره أني لما رأيت هذه الجموع الطيبة التي غص بها المكان، وكثرت هذه السيارات التي أتت من قريب أو بعيد، حتى لم يجد الناس فيها مكاناً ومآلا؛ إلا لأن الخير متأصل في النفوس ولله الحمد والمنة، وحب أهل هذه البلاد التي أفاض الله عليها بهذا الإسلام وهذا التلاحم وهذه المحبة، وهذه المودة، ما هذه المشاعر الطيبة التي يعجز التعبير عنها، قد تسبق الأدمع الكلمات حينما ترى هذا الإقبال الطيب المبارك، فلا حرم الله الإخوة المباركين في داخل المسجد وفي خارجه ثواب ذلك، ونسأل الله أن يثيبهم وأن يجعل ذلك في موازينهم وأن يكتب خطواتهم، يعلم الله أنني حريص غاية الحرص على أن أستمر معكم، ولو كنت أعلم لأطلت المدة لأني أرى أن هذا الجمع يحتاج إلى لقاءات أكثر، ويحتاج إلى جلسة أكبر؛ ولكن أعدكم إن شاء الله أن تكون اللقاءات مستمرة، وأن يكون التعاون والتواصل قائماً بيننا وبينكم، وأشكر لكم شكراً خاصاً من أهل حوطة بني تميم حرصهم، فقد وجدت فيهم حرصاً أستطيع أني أقول لم أجد مثله من الخير والحب والتواصل ، فلقد غمرت بشيء قد لا أستحقه ؛ لكن هذا من طيبهم وكرمهم، ومن حسن أخلاقهم وفقهم الله وبارك فيهم وأعدهم أن تتكرر الزيارة بإذن الله، مرات قادمة بإذن الله وتوفيقه ، وأسأل الله أن يهيئ ذلك في القريب العاجل بإذن الله.

    وسائل معينة على حفظ القرآن الكريم

    السؤال: أنا طالب أريد حفظ القرآن الكريم، فما الطرق الموصلة إلى ذلك؟ وما هو الوقت المناسب للحفظ؟ وما المنهج الذي كنت تسير عليه فضيلة الشيخ وأنت صاحب تجربة في ذلك؟

    الجواب: الله المستعان! يُشكر الأخ السائل على طرح هذا السؤال المهم، الذي أرجو أن يترجم واقعاً عملياً تطبيقياً وليس مجرد رغبات وأماني.

    حفظ كتاب الله عز وجل والإقبال عليه نعمة عظيمة ينبغي علينا أن نحرص عليه {من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف ولكن (ألف) حرف و(لام) حرف و(ميم) حرف } وما تعثرت مسيرة الأمة شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، وضلت في كثير من مناهجها؛ إلا لما أعرضت عن القرآن، وبني بعض أبنائها وشبابها على غير القرآن.

    فعليكم -أيها الإخوة- أن تقبلوا على القرآن، وعليكم أيها الشباب أن تحرصوا على الإقبال على القرآن، وأرجو أن نأخذه عهداً على أنفسنا أن نبدأ من هذه الليلة في أن نبادر إلى مشروع حفظ كتاب الله عز وجل، ولو أن يبدأ الإنسان بآية واحدة أو آيتين أو أكثر أو أقل، المهم أن تكون عنده هذه الهمة.

    أما أن يرغب بالأمر مجرد رغبة وأمانٍ؛ فالأماني رءوس أموال المفاليس، لابد أن يبادر الإنسان العزم.

    أول ما ينبغي على حافظ القرآن أن يخلص النية لله، يقرأ القرآن ابتغاء وجه الله، لا يقرأ ليقال قارئ وإنما يقرأ تعظيماً لمنزل هذا الكتاب سبحانه وتعالى وتقديراً له حق قدره تبارك وتعالى، ففضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.

    ثم عليك -أيها الأخ المبارك الذي تريد حفظ كتاب الله عز وجل- أن تخصص لك وقتاً لحفظ كتاب الله: ساعة بعد الفجر، أو بعد العصر، أو قبل النوم، أو أي وقت من الأوقات التي ترى أن ذهنك وعقلك فيها ونفسك فيه خالية من المشاغل، فعليك أن تخصص وقتاً تقرأ فيه كل يوم ورداً أو حزباً أو جزءاً من القرآن أو وجهاً أو صفحة أو نصف صفحة أو ما إلى ذلك على حسب جهدك، المهم أن تبدأ ولو بخطوة واحدة وقديماً قيل: مسافة المائة ميل تبدأ بخطوة واحدة.

    فلنبدأ ولنعلم أن الله سيعيننا فالله عز وجل قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] ومتى علم الله من عبده الخير أعانه ووفقه عليه.

    كذلك يجب أن يقرأ القرآن على قارئ، على مجود، على متقن، أن يكون هناك شيخ تقرأ عليه، والحمد لله جمعيات تحفيظ القرآن الكريم تكاد تكون ميزة من ميزات بلادنا شرفها الله وحرسها التي أنزل فيها هذا القرآن، فينبغي على أبنائنا وعلى شبابنا الرجال والنساء أن يلتحقوا بحلق وجمعيات تحفيظ كتاب الله تبارك وتعالى، وينبغي على الآباء أن يهتموا بهذا، بعض الناس يحرص على أن يكون ابنه بلبلاً في اللغة الإنجليزية -كما يقولون- أو حريصاً على العلوم العصرية، أو يأخذ دورات في الكمبيوتر والحاسب الآلي وما إلى ذلك لكن ابنه قد لا يحسن الفاتحة! ما هذا الانهزام أمام الاهتمام بكتاب الله تبارك وتعالى؟ وما هذا الانبهار وهذه الانهزامية أمام العلوم المعاصرة التي تريد أن تزاحم أفضل العلوم وأجل العلوم وأشرفها؟

    يا أيها الأب المسلم! أتزهد في هذا الثواب العظيم حينما ينادى عليك في درجات الجنة وتدعى وتلبس وتتوج تاج الكرامة وتاج الوقار لتنشئتك وتربيتك وتعليمك ابنك حفظ كتاب الله تبارك وتعالى؟

    أيسرك أن يكون ابنك من حفظة كتاب الله ورواد المساجد ومن الحريصين على الجلساء الصالحين؟ أم تريد أن يكون ابنك في الشوارع والأحياء والحارات يؤذي عباد الله، وأن يذهب مع عصابات الشر والجريمة والمسكرات والمخدرات؟

    فعلينا بالتنشئة القوية الحسنة الصحيحة على كتاب الله، ثم الحمد لله اليوم القرآن أمره ميسر، القرآن في كل بيت، الشريط القرآني في كل بيت، علينا أن نستمع وأن نقرأ وأن نحرص ولنثق بعون الله عز وجل وتوفيقه.

    التنبيه على قضية الولاء والبراء

    السؤال: فضيلة الشيخ.. من القضايا المهمة في حياة الأمة قضية الولاء والبراء، لكن كثيراً من الناس تهاونوا في ذلك كثيراً، ومن أوضح مظاهر تلك القضية تفضيل العامل الكافر على العامل المسلم، فهل من توجيه؟

    الجواب: نعم. لا شك أن هذه القضية قضية الولاء والبراء من القضايا التي تعد من قضايا الاعتقاد ومن أصول الإيمان الذي ينبغي أن نعنى بها إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:55] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] فالولاية للمؤمنين، والمحبة والمودة إنما هي لإخوانك المسلمين الذين تجمعك بهم رابطة الإسلام، وينبغي أن يكون الولاء بين المؤمنين كما يكون العداء بين المحسنين والكافرين لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22] القضية قضية مهمة جداً كما أشار لها الأخ السائل وضرب لها مثلاً في قضية العمالة أو الخدم أو السائقين أو ما إلى ذلك، فالمسلم عليه أن يتقي الله في ذلك، وليعلم أنه مسئول أمام الله، عليك أن تحرص على أن تستقدم المسلمين؛ لتعينهم ولتواليهم ولتكون أخاً ومحباً لهم في الله ولا تقدموا غيرهم عليهم.

    ولما ضعف ولاء الناس بهذه القضية ولهذه القضية واهتمامهم بها؛ زهدوا في هذه القضية، بل لربما فضل بعضهم الكافر على المسلم بحجة أن الكافر قد ينتج أكثر، وأن بعض المسلمين يتساهلون أو قد يعطل العمل في أوقات الصلوات وما إلى ذلك.. أإلى هذا الحد وإلى هذه الدرجة يهون علينا أمر ديننا؟

    فينبغي عليك أيها الأخ المسلم أن تتقي الله عز وجل وأن تقيم الولاء لأهل الإيمان كما شرع الله، والبراء ضد أهل البغي والضلال والكفران فتلك قضية من أهم القضايا الاعتقادية. ويشكر الأخ السائل على طرحها؛ ولكن أيضاً أنا أقول: إن القضايا كثيرة جداً ولهذا قضايا الأمة القضايا الكثيرة المتشعبة في جوانب الحياة كلها، أنا أعترف أنني لم أتطرق إلى كثير منها، لكن هذا أهمها فيما أراه وإلا فهي كثيرة جداً وما ذكره أخونا من جملتها، والله المستعان.

    زيارة الشيخ إلى أفريقيا

    السؤال: كانت لكم منذ فترة قريبة زيارة موفقة إلى أفريقيا ، نرغب في أن تحدثونا عن حال المسلمين هناك.

    الجواب: أنا أرى ألا ننتقل من الحوطة إلى أفريقيا ، نريد أن لا تزاحم دولة أخرى أو بلدة أخرى وجودنا واهتمامنا في إخواننا في الحوطة جزاهم الله خيراً، وأنا أحيلك إلى شريط ألقي في الحرم الجمعة الماضية عن نفس الموضوع، ولعله يكفي ويشفي بإذن الله.

    جاءني أن كثيراً من الإخوة موفقين لهم جهود مباركة في هذا اللقاء الطيب المبارك، فالحقيقة إن كان الشكر يعجز أن يعم الجميع؛ فتدركون جميعاً أني إن لم أشكر كل واحدٍ منكم بنفسه فيعلم الله ما أكنه لكم من المشاعر والمحبة والتقدير ، الشكر مبرورٌ لله عز وجل أولاً وآخراً، وباطناً ظاهراً؛ على نعمة هذا اللقاء الطيب المبارك، ونسأل الله أن يكون اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، وأن يكون تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل الله فينا ولا معنا شقياً ولا محروما، كما نسأله تعالى ألا يفرق هذا الجمع المبارك إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور، إنه غفورٌ شكور، ثم الشكر لجميع الإخوة الذين حرصوا ومنهم الإخوة في مركز الدعوة، وفي مكتب الدعوة وفقهم الله، وفي المعهد العلمي أيضاً، وفي المدارس مدرسة المتوسطة الثانوية، ورجالاً أيضاً من الجنود المجهولين، ولا نحب نسميهم، فنعرف ونجزم أنهم لا يحبون أن نسميهم، فجزاهم الله خيراً؛ لكننا ندعو الله لهم، وكلكم يعرفهم، ونرجو أن يجتهدوا في الدعاء لهم، الذين حرصوا ووصلوا وسعوا وبذلوا جهدهم في هذا اللقاء الطيب المبارك فجزاهم الله خيراً ولا حرمهم ثوابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والحقيقة أنا لا أحب أسهركم، أنا لا أكون ثقيلاً في حسي وفي معناي، وإني لأجزم أنه من حرصهم وحرارة هذا اللقاء أنهم يريدون أن يستمروا إلى الفجر، ولو قيل لهم: استمروا إلى الفجر، لقالوا: نحن موافقون؛ لكن أيضاً لا أحب أن أثقل عليهم نتيح الفرصة لسؤال أو سؤالين في حدود ما يسمح به الوقت.

    أنا لا أريد أن أثقل عليكم؛ لأن الكلام إذا كثر أخشى أن ينسي بعضه بعضاً، والحقيقة أن الأسئلة الكثيرة لا يمكن أن تطرح كلها في مثل هذا اللقاء الطيب، ولا أحب الحقيقة أن أثقل، فوراءكم من وراءكم، وقد يكون وراءكم من يحاسبكم، أما أنا فليس لدي اليوم والليلة من يحاسبني.