إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 37-أ

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 37-أللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت صفة الوضوء كاملة في الأحاديث الصحيحة الثابتة في السنة النبوية، ومن تلك الأحاديث الجامعة لصفة الوضوء حديث عثمان رضي الله عنه، فهو حديث عظيم وهو أصل في الوضوء وأحكامه، فقد نقل عثمان رضي الله عنه وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما رآه، وفي آخره ذكر فضل الوضوء وفضل الصلاة بعده، مما يدل على عظيم فضل الوضوء وأجره وثوابه.

    1.   

    شرح حديث عثمان في صفة الوضوء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما اليوم فعندنا حديث هو أصل من أصول الأحاديث في الوضوء، وهو حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    عن حمران : ( أن عثمان رضي الله عنه دعا بوضوء ).

    حمران بضم الحاء هو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وكان قد سباه خالد بن الوليد في بعض مغازيه, ثم أعتقه عثمان رضي الله عنه.

    ( أن عثمان دعا بوضوء ) الواو هاهنا مفتوحة كما سبق مراراً، والمقصود بالوضوء هاهنا هو الماء الذي يتوضأ به.

    ( فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر ) المضمضة هي: إدخال الماء إلى الفم وتحريكه ثم مجه، وهي معروفة.

    (واستنشق): الاستنشاق أيضاً معروف وهو: أن يجذب الإنسان الماء إلى داخل الأنف عن طريق النفس .

    (واستنثر): الاستنثار هو: إخراج الماء من الأنف، وهذا التعريف للاستنثار هو الذي عليه جماهير العلماء من أهل اللغة والمحدثين وغيرهم، أن المقصود بالاستنثار: هو إخراج الماء ونثره من الأنف.

    ( ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمني إلى المرفق ثلاث مرات ) والمرفق: هو العظم الناتئ في أعلى الذراع .

    ( ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ) والكعبان: هما العظمان الناتئان عند ملتقى القدم بالساق، وفي كل رِجْلٍ كعبان، ( ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ).

    (نحو) معناها: مثل وضوئي هذا، ولا وجه لتكلف أن لنحو معنىً آخر غير معنى مثل، يعني: أن نحو قريباً، إنما المقصود مثل وضوئي هذا كما صح في رواية أخرى في الصحيح أنه قال: ( توضأ مثل وضوئي هذا ). والحديث له زيادة تركها المصنف وهي لا تتعلق بأحكام الوضوء، وإنما هي زيادة نافعة على كل حال.

    حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم كما يروي عثمان : ( من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ).

    وقوله: ( لا يحدث فيهما نفسه ) تحديث النفس يقصد به الوساوس والخواطر التي تهجم على النفس، والمعنى أنه لا يقر هذه الوساوس ولا يسترسل مع هذه الخواطر التي ترد عليه بل يدفعها.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( غفر له ما تقدم من ذنبه ) المعنى والمقصود بذلك أي: من الصغائر، أما الكبائر فإنها لا تمحى إلا بالتوبة؛ ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عثمان كما في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من عبد مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا غفر له ما تقدم من ذنبه ما لم تغش كبيرة ) وفي رواية مسلم : ( ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله ) وقوله: (ما لم يؤت كبيرة) يعني: ما لم يعط أو يقع في كبيرة، كما في قوله تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا [الأحزاب:14].

    فوائد الحديث

    والحديث حديث عثمان

    رضي الله عنه هو أصل في الوضوء وأحكامه، وفيه فوائد كبيرة ونافعة جداً نبدأ بها ثم أمر على إحدى المسائل الخلافية فيه. فمن الفوائد الظاهرة منه: مشروعية غسل الكفين في بداية الوضوء، وأن ذلك سنة، حيث إنه ذكر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل كفيه ثلاث مرات )، وهذا سنة باتفاق أهل العلم كما ذكر النووي

    ، ولم يخالف في ذلك إلا الزيدية، ويجب أن يُعلم أن غسل الكفين هاهنا في بداية الوضوء ليس المقصود به غسلهما بعد الاستيقاظ من النوم وقبل إدخالها في الإناء؛ لأن هذه مسألة أخرى ورد فيها أحاديث كثيرة، وذكر جمع من أهل العلم أنها واجبة، أن هذا الغسل واجب، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله في ما يستقبل إن مد الله في العمر. إنما المقصود غسل الكفين في بداية الوضوء لغير المستيقظ، وإن كان بعض الفقهاء لا يفرقون بينهما، فقد رأيت في بعض كتب الفقهاء ككتاب الإشراف للقاضي عبد الوهاب المالكي

    وبداية المجتهد لـابن رشد

    وغيرهما: أنهم أدخلوا البحثين هذين في مبحث واحد، بحث غسل الكفين في بداية الوضوء، مع بحث غسل الكفين بعد الاستيقاظ من نوم الليل لمن أراد إدخالهما في الإناء، والكلام الآن هو عن غسل الكفين لمن أراد الوضوء، ولم يكن مستيقظاً من نوم ليل، فهذا الغسل سنة باتفاقهم، ولم يخالف في ذلك إلا الزيدية، وهذا خلاف لا يعبأ به؛ لأن أهل البدع لا يعتد بخلافهم. ثم قوله: (ثم غسل وجهه) هذا دليل على مشروعية غسل الوجه في الوضوء، وهو واجب فرض باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ))[المائدة:6]. قوله قبل ذلك: (ثم تمضمض واستنشق واستنثر) هذا دليل على مشروعية المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وسأتطرق له بعد قليل إن شاء الله، سأتطرق لهذه المسألة بالتفصيل. ثم فيه دليل على وجوب غسل اليدين قوله: (غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك) وغسل اليدين فرض باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: (( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ))[المائدة:6]. وفيه دليل على مشروعية مسح الرأس؛ لقوله: (ثم مسح برأسه) وهو أيضاً فرض باتفاقهم، لقوله تعالى: ((وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ))[المائدة:6]. وفيه دليل على أن المشروع في الرأس المسح وليس الغسل؛ لقوله (ومسح برأسه). وفيه دليل على غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء، وهو أيضاً فرض باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: (( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ))[المائدة:6]. وسيأتي أيضاً مزيد من الكلام حول هذه المسألة. وفيه دليل على مشروعية الترتيب في الوضوء؛ لأنه رتب هذه الأفعال بقوله: (ثم) (تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه)، فدل على مشروعية الترتيب في أفعال الوضوء، وهذه المسألة إن شاء الله أيضاً ستأتي فيما بعد. وفيه دليل أيضاً على مشروعية الموالاة بين أفعال الوضوء؛ لأن الظاهر من فعله صلى الله عليه وسلم أنه لم يفصل بين هذه الأعمال بفاصل. وفيه دليل على فضيلة الوضوء. وفيه دليل على أنه يشرع للإنسان أن يصلي عقب كل وضوء ركعتين، وهذا من أين يؤخذ؟ يعني: من أي موضع من حديث الباب؟ يؤخذ من الزيادة وهي قوله: (ثم صلى ركعتين). وفيه دليل على مشروعية الخشوع واستحضار القلب في الصلاة؛ وذلك لقوله: ( لا يحدث فيهما نفسه ) وأنه رتب الجزاء العظيم وهو غفران الذنوب على ألا يحدث الإنسان نفسه، وحديث عثمان

    الذي أشرت إليه في مسلم

    أنه قال: ( ثم يحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ). وفيه دليل على سعة رحمة الله تبارك وتعالى، وأنه يغفر الذنوب جميعاً، وأنه هو الغفور الرحيم.

    أقوال العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل

    أما المسألة التي نتباحث فيها الآن بالتفصيل، فهي مسألة: حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، فإن حمران يروي عن عثمان : أنه تمضمض واستنشق واستنثر، وعثمان رضي الله عنه قال: ( إنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئه هذا ).

    ولذلك اختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء وفي الغسل على ثلاثة أقوال أو ثلاثة مذاهب:

    القول الأول: وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأدلته

    القول الأول: أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء وفي الغسل، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث، مذهب الإمام أحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم، أنهما واجبان في الوضوء والغسل، واستدلوا بأدلة، منها قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، قالوا: والفم والأنف داخلان في الوجه، فغسلهما واجب لقوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]؛ لأن من تمام غسل الوجه أن يتمضمض المرء ويستنشق، وقد أمر بذلك في الآية (فاغسلوا).

    ومن أدلتهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر -أو ثم ليستنثر- ومن استجمر فليوتر ).

    فالأمر بجعل الماء والاستنثار ثابت، وكما سبق في أكثر من موضع أن الأمر يقتضي الوجوب، فدل على وجوب المضمضة.

    ومن أدلتهم بل من أقوى أدلتهم: حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )، والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والشافعي والدارقطني والبيهقي وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم، وهو حديث صحيح، صححه أهل العلم بالحديث، صححه البيهقي .. صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والترمذي وابن حجر والنووي والبغوي وغيرهم، فهو حديث صحيح، وفيه الأمر بالمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، والمعنى: أن الصائم يستنشق دون أن يبالغ في الاستنشاق، بل ورد في رواية أبي داود لحديث لقيط وإسنادها صحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إذا توضأت فمضمض ).

    إذاً: ننظر في حديث لقيط، حديث لقيط يستدل به على وجوب المضمضة وعلى وجوب الاستنشاق، من أين نأخذ وجوب المضمضة من حديث لقيط؟

    من رواية أبي داود للحديث أنه قال: ( إذا توضأت فمضمض )، أما الاستنشاق فيؤخذ من الرواية الأخرى وهي: ( وبالغ في الاستنشاق )؛ لأن فيها أمراً بالمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، والمعنى أن الصائم يكتفي بالمضمضة التي هي غسل الفم، ولا يلزم.. بل لا يشرع له أن يبالغ في ذلك.

    ومن أدلتهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمضمضة والاستنشاق )، والحديث رواه الدارقطني والبيهقي وهو ضعيف . والصواب أنه مرسل من حديث عمار بن أبي عمار : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمضمضة والاستنشاق ) وإذاً فما حكم هذا الحديث؟

    ضعيف؛ لأنه مرسل، والمرسل كما سبق مراراً من أقسام الحديث الضعيف.

    ومن أدلتهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم حافظ على المضمضة والاستنشاق في جميع أحواله، ولم ينقل عنه أنه أخل بهما مرة واحدة، كما ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد وابن القطان، وقد وردت صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم عن نحو اثنين وعشرين من أصحابه عليه الصلاة والسلام، منهم عبد الله بن زيد ومنهم عثمان وأنس وعائشة، وذكر هؤلاء الحافظ ابن دقيق العيد في كتابه إحكام الأحكام، وذكرهم أيضاً الحافظ ابن حجر في كتابه الدراية في تخريج أحاديث الهداية، فجميع من روى صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يذكر أنه أخل بالمضمضة ولا بالاستنشاق ولا مرة واحدة.

    والواقع أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وهذه فائدة أصولية أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، يعني: الفعل المجرد من النبي صلى الله عليه وسلم -وإن تكرر وإن استمر- لا يدل إلا على السنية، فهو بمجرده لا يدل على الوجوب، ولابد من أن يعتضد بقول يدل على أن هذا الفعل واجب على الأمة، هذه أدلتهم أو بعض أدلتهم على القول بوجوب المضمضة والاستنشاق.

    القول الثاني: استحباب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأدلته

    أما القول الثاني في المسألة: فهو أن المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء وفي الغسل، وهذا مذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث بن سعد والطبري وغيرهم، ومما يلاحظ أن هؤلاء الأئمة كلهم أصحاب مذاهب مشتهرة مستقلة، وإن كانت مذاهب بعضهم قد اندرست أو كادت، فـالطبري له مذهب وله أتباع يسمون بالجريريين، فلان الجريري أي: أنه على مذهب محمد بن جرير الطبري في الأحكام والفروع، وكذلك الأوزاعي هو إمام أهل الشام، ويوجد من يقول بمذهبه في الشام والأحساء وغيرها، وكذلك الليث بن سعد هو إمام متبوع وصاحب مذهب.

    فهؤلاء الأئمة قالوا: بأن المضمضة والاستنشاق في الوضوء وفي الغسل سنة، واستدلوا بأدلة منها:

    ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عشر من سنن المرسلين -وذكر منها- المضمضة والاستنشاق ) (عشر من سنن المرسلين) فهذا دليل على أن المضمضة والاستنشاق سنة؛ لأنه صرح بأنها سنة، ولكن هذا الدليل عليه اعتراضات قوية منها: ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه بلفظ (عشر من سنن المرسلين) وإنما ورد بلفظ: (عشر من الفطرة) وهو بهذا اللفظ (عشر من الفطرة) في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، وفي سنن أبي داود عن عمار وعند الحاكم والبيهقي عن ابن عباس موقوفاً عليه من قوله هو رضي الله عنه، في تفسير قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124]. فذكر أنها هي هذه العشر.

    إذاً: الحديث صح مرفوعاً عن عائشة وعمار وموقوفاً على ابن عباس بلفظ: (عشر من الفطرة)، وهذا لا دليل فيه لهم؛ لأن سنن الفطرة قد تكون واجبة، كما في إعفاء اللحية فهو من سنن الفطرة وهو واجب، ووردت فيه نصوص صريحة، فكونها من سنن الفطرة ليس فيه دليل لهم على أنها سنة، هذا الجواب الأول.

    الجواب الثاني: أن يقال: على فرض ثبوت لفظ (من سنن المرسلين) فإن المقصود بالسنة هاهنا الطريقة، وليس المقصود السنة بالمعنى الفقهي الاصطلاحي، وهي ما أمر به على سبيل الندب لا على سبيل الإلزام والوجوب لا؛ لأن هذا الاصطلاح اصطلاح فقهي متأخر، ولا يحمل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم على الاصطلاح الذي حدث بعده عليه الصلاة والسلام، وإنما المقصود بالسنة هاهنا الطريقة، وهي أعم من أن تكون واجبة أو مستحبة، فكل هدي الأنبياء والمرسلين هو من سنتهم وطريقتهم، سواء في ذلك الواجب أو المستحب أو غيره، والشاعر يقول:

    فلا تعجبن من سنة أنت سرتها فأول راضٍ سنة من يسيرها

    إذاً: السنة هاهنا الطريقة.

    وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في الصلوات الخمس وأدائها في جماعة قال: [ إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى -وقال في آخر الأثر- ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ] وذكر بعض الشراح: أنها (لكفرتم) ولكن ما وقفت عليها في كتب السنة.

    المقصود قوله: (لضللتم) فهل يوصف بالضلال من ترك سنة ليست بواجب؟ لا، إذاً دل على أن صلاة الجماعة سنة وأنها واجب، يعني: أن ابن مسعود وصف الجماعة بأنها سنة وهو يعني: أنها واجبة، وإنما هي سنة، بمعنى طريقة كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    إذاً حديث: ( عشر من سنن المرسلين ) مردود من وجهين:

    أولاً: أنه لا يصح بهذا اللفظ.

    وثانياً: أنه على فرض صحته فالمقصود بالسنة الطريقة، هذا دليلهم الأول.

    ومن أدلتهم أنها لم تذكر في القرآن الكريم، والجواب عليه -ما سبق- أنها داخلة في قوله: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وحتى لو لم تكن داخلة، فإن السنة تأتي بأحكام لم ترد في القرآن الكريم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا إني أُوتيت القرآن ومثله معه ) والله عز وجل يقول: وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].

    ومن أدلتهم ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (المضمضة والاستنشاق سنة)، وهذا الأثر رواه الدارقطني، وهو ضعيف كما ذكر ابن حجر في التلخيص الحبير.

    القول الثالث: وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل وسنيتهما في الوضوء، وأدلته

    القول الثالث في المسألة: هو مذهب أبي حنيفة والثوري حيث قالوا بالتفصيل، قالوا: المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل سنة في الوضوء.

    ننظر الآن ما أدلتهم على هذا التفصيل، ما أدلتهم على هذا القول وهذا التفصيل؟

    الدليل الأول

    استدلوا بأدلة منها ما ذكره بعض فقهاء الأحناف عن ابن عباس أنه قال في المضمضة والاستنشاق: [ هما فرضان في الجنابة سنة في الوضوء ]، وهذا الأثر بهذا اللفظ بحثت عنه فما وجدته، ولكن ذكر صاحب كتاب: إعلاء السنن وهو للتهانوي، وهذا كتاب جمع فيه مصنفه الأحاديث التي استدل بها الحنفية لمذاهبهم وأقوالهم الفقهية، وهو كتاب ضخم جامع، ذكر فيه رواية أبي حنيفة : [ أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن من ترك المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة فأمره أن يعيد ]، وهذا ليس فيه دليل لما ذهبوا إليه؛ لأن القول بوجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة أمر مسلم لهم، وإنما الذي ينازعون فيه هو الشق الثاني وهو أنهم يقولون: إنها سنة في الوضوء.

    الدليل الثاني

    ومن أدلتهم أيضاً ما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ترك موضع شعرة من الجنابة عذبه الله بالنار كذا وكذا، قال علي رضي الله عنه: فمن ثم عاديت شعر رأسي )، يعني: أنه كان يحلقه خوفاً من الوعيد المذكور في هذا الحديث.

    ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم هدد من ترك موضع شعرة من الجنابة فلم يغسلها بالوعيد الشديد، الذي عبر عنه علي بقوله (كذا وكذا)، وكأنه لم يحفظه رضي الله عنه بالدقة فعبر بقوله: (كذا وكذا) أو لغرض آخر، والأنف فيه شعر، فدل على وجوب غسل هذا الشعر الموجود بالأنف، وأن من تركه دخل في هذا الوعيد المذكور في هذا الحديث، هذا وجه استدلالهم به.

    وأولاً: أشير إلى درجة هذا الحديث، فقد ذكرت أن الحديث خرجه أبو داود عن علي رضي الله عنه، وهو من رواية حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب .

    و عطاء بن السائب هذا يقول العلماء: إنه اختلط، هو ثقة لكنه اختلط في آخر عمره، فمن روى عنه قبل الاختلاط فروايته صحيحة، ومن روى عنه بعد الاختلاط فروايته مردودة .

    تعريف المختلط وحكم حديثه

    إذاً: لابد أن نعرف أيضاً فائدة اصطلاحية وهي ما يتعلق بالاختلاط والمختلطين، فالاختلاط: هي أن الراوي يصيبه شيء من الذهول والغفلة والنسيان، أو الخلل في آخر عمره ويصبح عنده شيء من التخليط والغلط فيما يروي، وغالب ما يصيب كبار السن كما هو معروف، وقد يصيب الصغار أحياناً ؛ ولذلك العلماء يقولون: فلان صدوق اختلط بأخرة أو اختلط بآخره أو بأُخرة، اختلط بأخرة أو بآخره أو بأُخرة، يعني: في آخر عمره، وقد يقال أحياناً: اختلط في أوله. إنما المختلط في آخر عمره ما حكم حديثه؟

    حكم حديثه أنه إن تميز حديثه فعرف من روى عنه قبل الاختلاط، ومن روى عنه بعد الاختلاط، فإن ما روي عنه قبل الاختلاط مقبول ويؤخذ به، وما روي عنه بعد الاختلاط فهو مردود، لكن لو لم يتميز حديثه، ولم يعرف من روى عنه قبل الاختلاط، ولا من روى عنه بعده، فما حكم حديثه حينئذ؟

    حكمه نعم مردود لعدم تمييزه؛ ولذلك يقال أحياناً: فلان ثقة؛ ولكنه اختلط بأخرة فلم يتميز حديثه فترك؛ لأننا إذ لم نستطع تمييز الصحيح من الضعيف طرحنا حديثه كله جملة، هذا حكم حديث المختلط.

    إثبات صحة إسناد حديث علي: (من ترك موضع شعرة من الجنابة عذبه الله بالنار ...)

    فـعطاء بن السائب الآن وهو في إسناد حديث علي : ( من ترك موضع شعرة من الجنابة عطاء بن السائب اختلط, فما حكم حديثه؟ ينظر هل تميز أم لم يتميز؟ نعم تميز، فقد ذكر العلماء من روى عنه قبل الاختلاط ومن روى عنه بعد الاختلاط، وذلك في كتب التراجم كـتهذيب الكمال وتهذيب التهذيب وككتاب الكواكب النيرات، وهو كتاب مفيد ينبغي اقتناءه، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات لـابن الكيال، حيث ذكر الرواة الذين اختلطوا، وذكر من روى عنهم قبل الاختلاط، ومن روى عنهم بعده، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات .

    وحين تبحث في هذا الإسناد الذي بين يديك وهو حماد بن سلمة عن عطاء تجد أن بعض العلماء ذكروا أن حماد بن سلمة لم يذكر فيمن روى عنه قبل الاختلاط؛ ولذلك ضعفوا هذا الحديث، وهذا يفهم من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في التهذيب وغيره، بل ضعف الألباني حفظه الله هذا الحديث، ضعفه لماذا؟ قال: لأن فيه عطاء بن السائب وهو مختلط، وحماد بن سلمة لم يذكر فيمن روى عنه قبل الاختلاط، لكن الذي يظهر أن الصواب أن الحديث ثابت وأن حماد بن سلمة روى عن عطاء قبل الاختلاط، وقد بين ذلك الحافظ العراقي في التقييد وابن الكيال في الكواكب النيرات حيث نقل عن جمهور أهل الحديث أن حماد بن سلمة ...

    وقد نقل هذا عن أبي داود والطحاوي ويحيى بن معين وحمزة الكناني وغيرهم، وهو ثابت بأسانيد صحيحة عن هؤلاء. إذاً: الحديث ثابت، والاحتجاج به وارد، ولكن نقول: غاية ما في هذا الحديث أنه يدل على وجوب الاستنشاق، وهذا مسلَّم.. إنما كون الاستنشاق سنة في الوضوء هل يفهم من الحديث؟

    لا يفهم؛ لأن الحديث تكلم عن الجنابة فحسب.

    الدليل الثالث

    ومن أدلتهم على أن المضمضة والاستنشاق واجب في الجنابة سنة في الوضوء: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة )، والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، ورواه البيهقي أيضاً، ولكنه لا يصح، رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحارث بن وجيه، وهو شيخ ليس بذاك، هذا قول الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحارث بن وجيه، وهو شيخ ليس بذاك.

    إذاً: الحديث غريب، يعني: تفرد به الحارث بن وجيه، وقد ضعفه الترمذي فقال: هو شيخ ليس بذاك، يعني: ليس بالقوي.

    وقال أبو داود : حديثه منكر وهو ضعيف، يعني: الحارث، وقال الشافعي : ليس بثابت، وقال البيهقي : أنكره أهل العلم بالحديث، كـالبخاري وأبي داود وغيرهم.

    إذاً: حديث أبي هريرة : ( تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة ) لا يصح؛ لأن فيه الحارث بن وجيه وهو ضعيف، والحديث منكر كما حكم عليه أبو داود والبخاري والبيهقي وغيرهم .

    ولو صح الحديث لكان لهم فيه بعض حجة قابلة للنقد؛ لأن قوله: ( ألا فبلوا الشعر ) قد يفهم منه الاستنشاق؛ لأن في الأنف شعراً كما سبق، وقوله: ( وأنقوا البشرة ) قد يفهم منه المضمضة؛ لأن في الفم بشرة، ولكن المعروف عند أهل اللغة أن البشرة هي ما باشر عينيك من جسد الإنسان، فظاهر الوجه يسمى بشرة، لكن تسمية داخل الأنف أو داخل الفم بشرة فيها نظر من حيث اللغة. وعلى كل حال الحديث ضعيف، ولا يشتغل بالكلام على استدلالهم به.

    الدليل الرابع

    ومن أدلتهم أيضاً: حديث أبي ذر رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الصعيد الطيب طهور المؤمن وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته )، والحديث رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه أبو حاتم، فالحديث صحيح لكن يقال فيه ما يقال في الأحاديث السابقة؛ لأن قوله: ( وليمسه بشرته ) قد يدل على أن المقصود استعمال الماء بالصفة الشرعية المعروفة، وعلى فرض أنه يدل على وجوب المضمضة والاستنشاق فهذا أمر لا ينازع فيه أيضاً، إنما يبقى أن قول أبي حنيفة ومن وافقه على أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الجنابة وسنة في الوضوء، يقال في هذا القول أن الجزء الأول منه -وهو أنهما واجبان في الجنابة- مسلم، والأحاديث التي استدلوا بها على هذا قوية وصحيحة، ويعضدها أيضاً أدلة القول الأول، أليس الآن القول الأول قول فقهاء أهل الحديث: أن المضمضة والاستنشاق واجب في الوضوء والغسل وذكروا أدلة؟

    إذاً: أدلتهم تعضد الشق الأول من مذهب أبي حنيفة ؛ أن المضمضة والاستنشاق واجب في الغسل، لكن أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء لم يثبت حتى الآن من أدلة أبي حنيفة رحمه الله، ولا من أدلة الفريق الثاني الذين قالوا: بأنهما سنة في الوضوء والغسل ما يعضدها.

    ولذلك فإن الراجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم- أن المضمضة والاستنشاق واجب في الوضوء وفي الغسل، لظاهر الآية الكريمة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، ولمحافظة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في جميع الأحوال ولم يخل به مرة واحدة، وللأدلة الصحيحة في ذلك، وقد سبق عرض هذه الأدلة في ذكر أدلة أصحاب القول الأول، وكذلك في ذكر أدلة أصحاب القول الثالث، كحديث أبي ذر مثلاً في أدلة الحنفية، وحديث علي رضي الله عنه وغيرهما.

    أما بقية المسائل الفقهية في الحديث المتعلقة بالوضوء، فإن شاء الله نتعرض في الدرس القادم لما تيسر منها، وبقيتها سترد في مواضع أخرى في الدرس القادم، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.