إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - مقدمة الكتاب [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعظم الأدلة والبراهين التي يجب على كل مسلم تعلم عقيدته من خلالها كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة، ثم إجماع السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، ومن كان معه هذا المنهج فإنه لا يحتاج إلى أن يبتدع في دين الله عز وجل؛ لأن عنده الأصل الأصيل في التشريع، أما من كان شاكاً في أمره، فإنه يترك اليقين للشك، ويذر الهداية للعمى، وهذا هو حال أهل البدع في كل وقت وحين.

    1.   

    مقدمة المصنف رحمه الله تعالى لكتابه شرح أصول الاعتقاد

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    ففي الدرس الماضي انتهينا من الكلام عن الكتاب وعن المؤلف كذلك، ووعدنا بأن ندخل في الموضوع مباشرة، والمقدمة التي كتبها الإمام مقدمة طويلة جداً، وفيها فوائد عظيمة، خاصة أنه بين فيها بعض معالم أهل السنة والجماعة، وبعض معالم أهل البدعة والضلالة، وهذه المسألة في غاية الأهمية، إذ إن العلم بها لابد وأن يحفظ صاحبه في مسيره إلى الله عز وجل.

    قال الكاتب في المقدمة بعد أن ذكر راوي هذه النسخة وسند الكتاب: قال هبة الله أبو القاسم: [الحمد لله الذي أظهر الحق وأوضحه، وكشف عن سبيله وبينه، وهدى من شاء من خلقه إلى طريقه، وشرح به صدره، وأنجاه من الضلالة حين أشفا عليها -أي: حين أقدم عليها وكاد أن يهلك- فحفظه وعصمه من الفتنة في دينه، فأنقذه من مهاوي الهلكة، وأقامه على سنن الهدى وثبته، وآتاه اليقين في اتباع رسوله وصحابته ووفقه، وحرس قلبه من وساوس البدعة وأيده، وأضل من أراد منهم وأبعده، وجعل على قلبه غشاوة وأهمله، في غمرته ساهياً، وفي ضلالته لاهياً، ونزع من صدره الإيمان، وابتز منه الإسلام، وتيهه في أودية الحيرة، وختم على سمعه وبصره، ليبلغ الكتاب فيه أجله، ويتحقق القول عليه بما سبق من علمه فيه من قبل خلقه له وتكوينه إياه، ليعلم عباده أنه إليه الدفع والمنع، وبيده الضر والنفع، من غير غرض له ولا حاجة به إليه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، إذ لم يطلع على غيبه أحداً، ولا جعل السبيل إلى علمه في خلقه أبداً، لا المحسن استحق الجزاء منه بوسيلة سبقت منه إليه، ولا الكافر كان له جرم أو جريرة حين قضى وقدر النار عليه]. هذا كلام جميل جداً في القدر، فهو يريد أن يقول: إن المحسن لما استحق الجنة لم يستحقها بإحسانه، وإنما بفضل الله عز وجل، وكذلك الكافر استحق عذاب الله بعدله.

    قال: [فمن أراد أن يجعله لإحدى المنزلتين -الجنة أو النار- ألهمه إياها، وجعل موارده ومصادره نحوها -أي: يسره لما خلق له، إما الجنة وإما النار- ومتقلبه ومنقلبه ومتصرفاته فيها، وكده وجهده ونصبه عليها؛ ليتحقق وعده المحتوم، وكتابه المختوم، وغيبه المكتوم -كما قال تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشورى:18]، -وقال-: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257].

    ونشهد أن لا إله إلا الله وحده الذي لا شريك له، يحيي ويميت وينشئ ويقيت، ويبدئ ويعيد، شهادة مقر بعبوديته، ومذعن بألوهيته، ومتبرئ عن الحول والقوة إلا به.

    ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه إلى الخلق كافة، وأمره أن يدعو الناس عامة؛ لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين].

    بيان أن أول واجب على المرء هو معرفة الله وتوحيده

    قال: [أما بعد: فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين]. أي: أن أول واجب يجب على المسلم أن يتعلمه هو: أن يتعلم عقيدته، وهذا هو منهج الصحابة كما ثبت عن جرير البجلي رضي الله عنه أنه قال: كنا نتعلم الإيمان أولاً، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيماناً.

    وقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا نؤتى الإيمان أولاً، ثم نؤتى القرآن، فإذا قرأناه علمنا حلاله وحرامه، وزواجره وأوامره ونواهيه، ووقفنا عند ما يجب علينا أن نقف عنده منه، ولقد أدركنا أقواماً قد أوتوا القرآن قبل الإيمان، فإذا قرءوه فإنهم لا يعلمون حلاله ولا حرامه، ولا يعلمون زواجره ولا أوامره ولا نواهيه، ينثرونه نثر الدقل. أي: يقرءونه دون أن يخرجوا منه بفائدة إيمانية. لذا فإن المرء لو تعلم الإيمان أولاً فلا بد وأن يقف عند كل نص في دين الله عز وجل، سواء كان هذا النص من كتاب أو من سنة أو إجماع أو قياس صحيح سليم.

    ولذلك ترى الرجل الذي تربى على الإيمان سرعان ما يبادر إذا وصل إلى سمعه أمر من أوامر الله، أو نهي من نواهي الله عز وجل، فيسارع ويبادر إلى اعتقاد هذا الأمر وتعظيمه؛ لأنه من حرمات الله عز وجل، ويبادر إلى تنفيذه إن كان أمراً، أو ينتهي عنه إن كان نهياً، بخلاف الذي أوتي العلم قبل الإيمان. أي: أن هناك أناساً عندهم علم كثير جداً، لكن ليس عندهم إيمان، فهذا يجعلهم في حيرة وتردد وشك باستمرار كلما ألقي على أسماعهم وقلوبهم أمر من أوامر الله أو نهي من نواهي الله عز وجل، ولذلك إذا لم تؤت الإيمان أولاً فاعلم أنك تحتاج مع كل أمر ونهي إلى من يذكرك بتعظيم أمر الله وحرماته وشعائره، حتى تتهيئ نفسيتك لقبول هذا الأمر والانتهاء عن هذا النهي، أما لو أن هذه القواعد الإيمانية موجودة من الأصل فأنت لا تحتاج مع كل أمر لمن يذكرك بوجوب تعظيم حرمة الله عز وجل عليك؛ لأن وجوب تعظيم حرمة الله من أعظم شعب الإيمان، فأنت إذا كنت تعلمت القرآن، وقد أوتيت الإيمان أولاً، فلا تلبث أن تسمع بالأمر أو النهي فتبادر إلى التنفيذ دون الحاجة إلى من يذكرك. أي: تشعر أن عندك خشية لله عز وجل، فإذا سمعت أنه أمر بأمر تقول: سمعاً وطاعة لله، ولا تجادل ولا تناظر ولا تلاجج ولا تجادل ولا تحاجج؛ لأن الأصول عندك ثابتة، وهي: السمع والطاعة لله عز وجل، وهما ثمرتا الإيمان بالله عز وجل وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولذلك هناك فرق كبير جداً بين رجل عالم يشار إليه بالبنان لا إيمان عنده؛ فإنه يحتاج مع كل نص إلى مقدمة ومؤخرة، ومن يروضه على قبول هذا الأمر، ثم هو في النهاية يصرف هذا النص عن ظاهره ليهرب من العمل، ليهرب من مقتضيات هذا النص.

    وأخ صغير يبلغ من العمر عشرين سنة أو أقل من ذلك، لكنه تربى على الإيمان، فسرعان ما يسمع بالآية أو سرعان ما يسمع بالحديث فيقول: والله دون هذا النص دمي، ولابد من تطبيقه والعمل به. فما الذي دفع الشيخ أن يرد هذا الأمر؟ وما الذي دفع هذا الشاب الصغير لقبول هذا الأمر والقتال دون تنفيذه؟ إنه إيمان هذا الشاب بالله عز وجل الذي نتج عنه تعظيم شعائر الله وحرماته، وضعف إيمان ذلك العالم النحرير.

    مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة

    قال: [وكان من أعظم مقول -أي: من أعظم الأدلة والنصوص- وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار المتقين].

    فتأمل هذا المنهج لأهل السنة في الاستدلال، بينما منهج المبتدعة غير منهج أهل السنة، فهو يريد أن يقول: إن من أعظم الأدلة والبراهين التي يجب على المسلم أن يتعلم عقيدته من خلالها هي: كتاب الله، سنة الرسول، أقوال الصحابة.

    لكن لا يوجد أحد أو جماعة أو فرقة أو طائفة من أهل البدع من تعتمد على أقوال الصحابة، وإنما هم يقولون: يكفي كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع هذا يقولون: الأصل عندنا في الاستدلال: العقل، ثم القرآن من بعده والسنة، وما وافق العقل من القرآن والسنة أخذناه، وما لم يوافق العقل من القرآن والسنة أولناه وأخرجناه عن ظاهره حتى يوافق العقل، فجعلوا العقل هو الميزان الأعظم الذي تقاس عليه الأمور، والذي يجب أن تنضبط عليه نصوص الكتاب والسنة.

    ونحن نقول: إذا خالف العقل النقل أخذنا بالنقل، والعيب والقصور في العقل، بينما أهل البدع يقولون -خاصة المعتزلة-: الأصل في الاستدلال العقل. فإذا خالفه النقل فيكون العيب في النقل! لكنهم لا يستطيعون أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأنهم يعرفون أنها مكفرة، لكنهم يقولون: إذا تعارض النقل مع العقل فلابد من تأويل النقل حتى يوافق العقل.

    إذاً: الميزان الأعظم عندهم: العقل. والميزان الأعظم عند أهل السنة: هو النقل. وهذه أول فائدة.

    الفائدة الثانية: أنهم لا يحتجون بأقوال الصحابة قط، بل قاموا على الصحابة وكفروهم وبدعوهم، وشهروا السيوف في وجوههم، وقد حصل هذا من الشيعة والخوارج وغيرهم، بينما موقف أهل السنة والجماعة معلوم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وما جرى بينهم من فتنة. فهذه لا ينبغي أبداً ذكرها على سبيل التنقص بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). فهذا النص بظاهره وبغير شرح يلجم المرء إلجاماً، فلا يتكلم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلمة سوء واحدة، والذي يتكلم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة على سبيل التنقص، إنما يدل على مرض ونفاق ودخن في قلبه أبداه الله على فلتات لسانه.

    وهنا نقول: إن منهج الاستدلال عند أهل السنة: كتاب الله المبين، ثم قول الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قول الصحابة الأخيار المتقين.

    قال: [ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون]. سواء كان إجماع الصحابة، أو إجماع من أتى بعدهم. [ثم التمسك بمجموعها]. أي: التمسك بهذه الأدلة التي هي الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وما أجمع عليه السلف الصالحون. [والمقام عليها إلى يوم الدين]. أي: لا يبرح المرء ولا ينفك أن يحتج وأن يلجأ إلى هذه الأدلة.

    قال: [ثم الاجتناب عن البدع]. أي: أن الذي معه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس الصحيح لا يحتاج إلى أن يبتدع في دين الله عز وجل، فهذه الأدلة كلها قد شملت أمور المسلم الحياتية والمعادية، فلماذا يبتدع في دين الله عز وجل؟ ولذلك البدعة مناقضة ومناهضة ومجهضة للسنة، فما أحدثت بدعة إلا وأميتت وطمست سنة، ولذلك أحسن الإمام هنا عندما قال: أدلة احتجاج أهل السنة هي كذا وكذا وكذا.

    ثم قال: [والاستماع إليها مما أحدثها المضلون] أي: اجتناب الاستماع إلى ما أحدثه المبتدعة؛ لأن كل بدعة ضلالة، وكل مبتدع ضال. أي: منحرف عن الطريق السوي.

    قال: [فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة، والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون]. لم نسمع قط أن هناك صحابياً عقلانياً، وهم الذين خوطبوا بهذا الكتاب العظيم! فلم يقل منهم أحد: عقلي مقدم على كلام الله عز وجل.

    قال: [ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين، واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين، ثم من اقتدى بهم من أئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين]. أي: أن هناك أئمة كثيرين جداً خاصة في أبواب الاعتقاد، فنحن عندما نحتج لمنهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال نقول كلام مالك خاصة في الأسماء والصفات، فقد سئل مالك عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنده بدعة. فهذا القول كلنا نحفظه أنه من قول مالك ، في حين أنه ليس من قول مالك أصلاً، وإنما هو قول شيخه ربيعة الرأي. أي: أن ربيعة الرأي هو الذي علم مالكاً هذا الأصل وهذا المنهج وهذا الإجمال في الاعتقاد. وكذلك لم يكن هذا من كلام ربيعة ، وإنما هو كلام أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي عليه الصلاة والسلام. إذاً: معناه: أن مالكاً قد أخذ هذا العلم عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    قال: [ثم من اقتدى بهم من أئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين، واجتهد في سلوك سبيل المتقين، وكان مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

    فمن أخذ في مثل هذه الحجة، وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة؛ أمن في دينه التبعة في العاجلة والآجلة]، أي: من كان هذا نهجه وهذه أدلته وحججه فلابد وأن يأمن الشر في الدنيا والآخرة.

    قال: [وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، واتقى بالجنة التي يتقي بمثلها؛ ليتحصن بجملتها، ويستعجل بركتها، ويحمد عاقبتها في المعاد والمآب إن شاء الله].

    1.   

    نتائج تحكيم العقل في أمور الشريعة

    قال: [ومن أعرض عنها وابتغى في غيرها مما يهواه -أي: يحب أن يميل إليه بهواه- أو يروم سواها مما تعداه؛ أخطأ في اختيار بغيته وأغواه -أي: وقع في الغواية والضلال- فسلكه سبيل الضلالة، وأرداه في مهاوي الهلكة فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسوله بضرب الأمثال، ودفعهما بأنواع المحال، والحيدة عنهما بالقيل القال مما لم ينزل الله به من سلطان، ولا عرفه أهل التفسير واللسان، ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان، ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان، فقد استحوذ عليه الشيطان، وأحاط به الخذلان، وأغواه بعصيان الرحمن حتى كابر نفسه بالزور والبهتان.

    فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب]. أي: أن أحدنا لو تفكر في الكون، فمرد ذلك كله إلى قدرة الله وعظمة الله وقوة الله، لكن هذا المسكين إنما يفكر في ذلك بعقله هو، فهو إذا سلك هذا المسلك فهو في النهاية لابد وأن يقبح القبيح؛ لأنه يعتمد على عقله، فيجعل الحسن والقبح مداره على العقل، فما كان عنده قبيحاً قبحه، وما كان عنده حسناً حسنه، وإن كان القبيح عنده عند الله حسن، وإن كان الحسن عنده عند الله قبيح.

    قال: [فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب وفهمه المقلوب بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن بظنه، أو بانتساب الظلم والسفه من غير بصيرة إليه، أو بتعديله تارة]، فهو يقول: هذا سفه، ولا يمكن أن يكون الله قد فعل هذا.

    واعلم أن قوله: (ولا يمكن أن يكون الله فعل هذا به). هذا ذر للرماد في العيون، وإلا فهو يريد أن ينكر وأن يعترض على الله عز وجل في مملكته وفي تدبيره وخلقه، ولذلك هو يعترض ثم يقول: لا يمكن أن يفعل الله هذا. لكن ماذا تقول أنت؟ أنت أولاً استبعدت قدرة الله عز وجل، ثم تريد بهذا الاستبعاد -بزعمك- أن تنزه الله عنه، وفي الحقيقة أن الله هو الذي خلق ذلك. كما قالت المعتزلة: القرآن مخلوق؛ لأن القرآن شيء. فلما قام أهل السنة ونزهوا الله تبارك وتعالى ونزهوا صفاته أن تكون مخلوقة، قام عليهم المبتدعة من باب الذب عن الله وعن خلقه؛ لأن القرآن عندهم مخلوق. فلما قال أهل السنة بغير مقالة المعتزلة حرشوا بأهل السنة عند السلاطين. وهذا معلم ثان من معالم أهل البدع، فضلاً عن بعدهم وتحكيمهم لعقولهم في دين الله وفي شرع الله، فإنهم كذلك يحرشون بأهل السنة والجماعة عند السلاطين.

    أما المعلم الثالث فهو: عداؤهم المستمر وبغضهم الدفين لأهل السنة والجماعة، وتحريشهم بأهل السنة عند السلاطين، وانحرافهم عن المنهج القويم.

    قال: [وفهمه المقلوب: بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن يظنه، أو بانتساب الظلم والسفه -إليه سبحانه- من غير بصيرة أو بتعديله تارة]، كلمة (أو بتعديله) هي قولهم: (من العدل كذا). وأنتم تعرفون أن العدل هو أحد أصول المعتزلة، والمعتزلة لهم خمسة أصول منها: العدل، والتوحيد، -انظروا هذا الكلام الجميل- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذه من أصول المعتزلة، فأنت لما تسمع هذا تقول: هؤلاء المعتزلة أهل توحيد! وأهل عدل! وأهل أمر بمعروف ونهي عن منكر! فلماذا هم مختلفون مع أهل السنة والجماعة؟

    الجواب: لا. العدل عندهم غير العدل عند أهل السنة، والتوحيد عندهم غير التوحيد عند أهل السنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط عندهم غير ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند أهل السنة، وسنتعرض لهذا كله عند الكلام عن طائفة المعتزلة.

    ومن أصولهم أيضاً: قولهم بالمنزلة بين المنزلتين في شأن مرتكب الكبيرة.

    قال: [أو بتعديله تارة كما يخطر بباله، أو بتجويره كما يوسوسه شيطانه، أو بتعجيزه عن خلق أفعال عباده... فهو راكض ليله ونهاره -أي: المبتدع- في الرد على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والطعن عليهما].

    تأويل المبتدعة للنصوص وصرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم

    إذاً: المعلم الرابع لأهل البدع: تأويل النصوص. بمعنى: صرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم، بينما أهل السنة والجماعة يأخذون النص على ظاهره وعلى مراد الله عز وجل، ويأخذون أقوال النبي عليه الصلاة والسلام على مراد النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أهل البدع يقولون: لابد من تأويل هذه النصوص حتى توافق أصولهم! فمثلاً: المعتزلة جعلوا لهم أصولاً تميزوا بها عن الحسن البصري وغيره، وجعلوا كل الأدلة الشرعية تعرض على هذه الأصول، فإذا وافقت هذه الأصول سمي عندهم ديناً, وما خالف هذه الأصول وجب ليه وتطويعه ليوافق عقولهم.

    مجادلة أهل البدع بالباطل

    قال: [فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والطعن عليهما، أو مخاصماً -لهذه الأدلة- بالتأويلات البعيدة فيهما]، أي: الذي هو صرف النص عن ظاهره.

    قال: [أو مسلطاً رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة؛ حتى يتفق الكتاب والسنة على مذهبه، وهيهات أن يتفق]. لأن هذا كلام اللطيف الخبير، وهذا كلام المخبول الضال، فكيف نطوع كلام الله عز وجل بكلام عبد قصير النظر وقصير العقل؟!

    قال: [ولو أخذ سبيل المؤمنين وسلك مسلك المتبعين لبنى مذهبه عليهما واقتدى بهما، ولكنه مصدود عن الخير مصروف]. أي: لما علم الله تبارك وتعالى سلفاً وأزلاً أن هذا العبد بعينه سيختار الضلال على الهدى، وسيعمى بعد بصيرة، هيأه ويسره لما خلق له.

    قال: [فهذه حالته إذا نشط للمحاورة في الكتاب والسنة]. أي: أنه يخاصم ويجادل، ولن يحتج أبداً بأقوال أهل السنة، ولذلك عندما تناقش شخصاً من المبتدعة سيقول لك: قال الله وقال الرسول، لكن عندما تقول له: ما قول ابن كثير في هذه الآية؟ يقول لك: من ابن كثير هذا؟!

    وهذا منهج أهل البدع، لكن نحن لو ناقشناهم وحاورناهم فسنقول: هذه الآية قال فيها ابن كثير كذا، والطبري قال فيها كذا، والقرطبي قال فيها كذا، وابن تيمية قال كذا. إذاً: نحن متبعون، وهؤلاء سلفنا، فنحن نحتج بأقوال الله عز وجل بفهم سلفنا رضي الله عنهم، أما هم فيأخذون فقط من الكتاب والسنة، فإذا وافق الكتاب عقولهم ابتداءً أخذوا به، أما لو خالف الكتاب عقولهم ردوه، وفي الغالب يخالف؛ لأنه لا يتفق كلام الله عز وجل مع كلام شخص مجنون مهبول؟! إذاً: فنحن نريد أن نقول: إن أقوال المبتدعة هي التي تخالف أصولهم. وهم يقولون: كلام الله مخالف لأصولنا. فهم جعلوا أصولهم هي الأصل، وكلام الله هو الذي يجب أن يقاس لا أن يقاس عليه، فلما استصعبوا موافقتهم للكتاب والسنة لجئوا إلى التأويل والتحريف لكلام الله وكلام رسوله حتى يوافق أصول مذهبهم.

    قال: [فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما بالجحود والإنكار]. ومعلوم أن هؤلاء المعتزلة ردوا نصف السنة وزيادة؛ لأنها ضعيفة، ولأنها لا تثبت من جهة أنهم زادوا شرطاً في قبولهم للسنة لا يعرفه أهل السنة، ألا وهو: موافقة السنة للعقل إما تصريحاً أو تأويلاً، فإذا لم توافق السنة عقولهم لا تصريحاً ولا تأويلاً -أي: بعد ليها- فهي مردودة عندئذ، ولذلك هم يقولون دائماً: ليس معقولاً أن النبي قال كذا. لكنهم اجتهدوا على الكتاب فأولوه. أي: أولوا فيه كل ما خالفهم أو خالف أصولهم. أي: ليس معقولاً أن يقولوا لنا: ليس معقولاً قال ربنا كذا؛ لأن الله قد قال، وهذا المصحف بين أيدينا، فهم على استحياء شديد، فلا يستطيعون أن يردوا القرآن الكريم، لكن السنة عليها مطاعن كثيرة جداً، وقد جعلوا أصلاً لا يعرفه أهل السنة وهو موافقة السنة للعقل، فلما خالفت السنة عقولهم الحقيرة ردوا معظمها، ولذلك يقول: [فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما -أي: على الكتاب والسنة- بالجحود والإنكار، وضرب بعضها ببعض من غير استبصار]. يأتون بالأحاديث التي ظاهرها التعارض فيضربوا بعضها ببعض، ومعلوم أن من أصول أهل السنة والجماعة في تأويل هذه النصوص التي ظاهرها التعارض: الصيرورة إلى النسخ إذا لم يكن الجمع ممكناً، بينما هذا المبتدع يأتي لك بحديث يأمر بشيء، وحديث ينهى عن نفس الشيء، فيقول: أيعقل -ودائماً تسمع بهذه الكلمة من أهل البدع- أن النبي قال في الأمر الواحد بالأمر والنهي، أو في الشيء الواحد بالأمر والنهي؟! لا. ليس معقولاً. إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا ولا قال ذاك. وإن كان أحدهما يوافق العقل قالوا به ويبطلون الثاني.

    قال: [واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار، وأخذ في الهزو -أي: في الاستهزاء- والتعجب من غير اعتبار، استهزاءً بآيات الله وحكمته].

    وهذه قصة تبين ذلك: فقد ركبت مع شخص أعرفه منذ زمن، ثم قال لي: أتذكر تلك القضية القديمة التي كانت في سنة تسعة وثمانين أو في سنة تسعين؟ فقلت: نعم، أذكرها، وهي قضية أختك عندما قال لها زوجها: لا يحل لكِ أن تتصرفي في مالكِ إلا بإذني. ثم قال: أتذكر الموضوع؟ فقلت له: أذكره. وقلت له: وأذكر يومها أنني أحلتك على سنن ابن ماجه وشرح السنة للبغوي، فقال لي: حصل ذلك. ثم قال لي: تصور أن فلاناً قال كذا وكذا. فقلت له: وأنا أقول بهذا القول الآن كما قلت به سلفاً، أن المرأة لا يحل لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها وإن كان الإسلام حفظ الذمة المالية لكلا الزوجين -أي: أن هذا المال مال المرأة، وهذا المال مال الزوج- لكن للقوامة التي هي للرجل على المرأة، ولضعف المرأة في عقلها وسفهها، واكتمال الرجل في ذلك، وجب على المرأة دواماً للعشرة أن تلجأ إلى زوجها، وألا تنفق من مالها -لا أقول: من ماله، وإنما من مالها- في حضرة زوجها إلا بإذنه، ولا يمكن أن تستمر العشرة إذا أصبحت المرأة تتاجر كما تريد، إلا أن يكون ذلك بإذن الزوج، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما عند ابن ماجه : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنفق من مالها بغير إذن زوجها). قال: ولكن هذا النص على سبيل الندب لا الوجوب. فقلت له: بل على سبيل الوجوب. ثم قلت له: كيف يكون للندب والرسول قد قال: (لا يحل). أي: يحرم على المرء. ثم قلت له بعد ذلك: من الذي قال بالندب؟ فقال: أنا كنت أتصور هذا. أي: أنه لم يرجع إلى كلام الشراح ولا كلام أهل العلم، وإنما هو متصور بعقله هكذا، وهذا ليس بمنهج أهل السنة. ثم بعد ذلك قلت له: إن هناك دليلاً آخر، فقال: ما هو؟ فقلت له: قول الله عز وجل: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5]. يقول ابن عباس رضي الله عنهما بسند صحيح: السفهاء هم النساء والأطفال.

    فضحك ضحكة باستهزاءٍ شديد التفت إليها كل من في السيارة. فقلت له: علام تضحك يا أخي؟ فقال: معقول ابن عباس يقول ذلك؟! وحتى لو ابن عباس قال ذلك فهو رجل من عامة الأمة!

    فانظر إلى الفرق بين المحترمين وغير المحترمين، وانظر إلى الفرق بين المؤدبين من طلاب العلم وبين من يبحث عن بغيته ويريد أن يصل إلى ما يمليه عليه هواه، ولو رد في ذلك الكتاب والسنة وأقوال السلف فهو يريد أن يصل إلى أن يأخذ الذهب من أخته بغير إذن زوجها، مع أن صهره لو أحب أن يأخذ ذهب امرأته لطلقها، لذا فأصحاب البدع متبعون للأهواء، وأهل السنن متبعون للآثار، وهذا فرق عظيم جداً بين أهل السنة وبين أهل البدعة.

    وهذا كلام السلف، وكلام السلف كله بركة -أي: الذي وافق فيه الكتاب والسنة- وهذه أصول ومعالم على الطريق لأهل السنة ولأهل البدعة.

    وهذا الكلام الآتي كله أجمله وأستنبط منه وأرد عليه؛ لأن هذا لا يخرج أبداً عن المنهج العقلي.

    تقديم المبتدعة لأقوال الرجال على النصوص الشرعية

    قال: [وضرب بعضها ببعض من غير استبصار، واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار، وأخذ في الهزو والتعجب من غير اعتبار بآيات الله وحكمته، واجتراء على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وقابلها برأي النظام والعلاف والجبائي وابنه الذين هم قلدة دينه]. أي: أساتذة المذهب العقلي. فيرد على النصوص بأقوال الفلاسفة، بأن يقول: كيف يقول ربنا ذلك؟! إن النظام قال كذا! وعلي الجبائي قال كذا. ويرد على الأصول الأصيلة عندنا بأقوال الرجال، ومعلوم أن الأصل عند أهل السنة هو أننا لا نعرف الحق بالرجال، وإنما نعرف الرجال بالحق. وهذا منهج أصيل، بينما أهل البدع يقولون: يعرف الحق من خلال الرجال، فإذا وافق الحق أقوال الرجال فهو حق، وإذا خالف فأقوال الرجال هي الحق، وهذا منهج الفلاسفة.

    وما جهل المعتزلة بالكتاب والسنة وغيرهم من أهل البدع والانحراف والضلال جميعاً، وانحرافهم وفساد قلوبهم إلا لأنهم تنكبوا طريق السلف في منهج الاستدلال.

    قال: [قوم لم يتدينوا بمعرفة آية من كتاب الله في تلاوة أو دراية، ولم يتفكروا في معنى آية ففسروها أو تأولوها على معنى اتباع من سلف من صالح علماء الأمة إلا على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرت أقدامهم في طلب سنة أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة، فيعد رأي هؤلاء حكمة وعلماً وحججاً وبراهين]. أي: أن رأي الرجال عندهم هو الحكمة وهو الدليل وهو البرهان.

    قال: [ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشواً وتقليداً وحملتها -أي: حملة الكتاب والسنة- جهالاً وبلهاً، ذلك ظلماً وعدواناً وتحكماً وطغياناً].

    1.   

    موقف المبتدعة من أهل السنة خصوصاً وأهل الإسلام عموماً

    تكفير المبتدعة لجملة أهل الإسلام

    قال: [ثم تكفيرهم للمسلمين بقول هؤلاء إذ لا حجة عندهم بتكفير الأمة إلا مخالفتهم قولهم من غير أن يتبين لهم خطأهم في كتاب أو سنة].

    أي: أنهم يكفرون بالجملة، ويقولون: المجتمع كله كافر، بينما أهل السنة والجماعة لا يكفرون الناس ولا الطوائف ولا الفئات ولا الجماعات ولا غيرهم، بل إنهم يتحرزون كل التحرز من تكفير الفرق التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لذا عندما تقرأ كتاب: (الفرقان بين الحق والباطل) لشيخ الإسلام ابن تيمية يدخل في نفسك أن شيخ الإسلام ابن تيمية متسامح جداً، ومبالغ مع هؤلاء الناس؛ لأننا لم نترب تربيته، ولو تربينا تربية فستكون أصولنا هي أصوله، لكن عندما يسأله رجل في هذا الكتاب فيقول: كافر دخل الإسلام على مذهب الخوارج، فما حكم ذلك؟ فيجيب شيخ الإسلام قائلاً: الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على رسوله الذي اصطفى.

    وبعد: فإن بعض الشر أهون من بعضه. فإن هذه الكلمة منهج عند ابن تيمية. والآن الشيعة انتشروا انتشاراً رهيباً في بلاد أوروبا وأمريكا، ولهم تأثير ملحوظ هناك من خلال نشاطهم وعملهم هناك، فإن هم أتوا بشخص كافر كفراً أصلياً وقالوا له: لابد أن تسلم من أجل دخول الجنة والنجاة من النار، ومن أجل كيت وكيت، فأسلم الرجل، وهو لا يعرف سنة ولا بدعة ولا دليلاً ولا شيئاً من هذا القبيل بالمرة، وإنما أقنعوه بحب النبي، وحب آل البيت، وحب القرآن وحب ربنا، ومن أجل أن يدخل الجنة، ومن أجل كيت وكيت، وقالوا له: لا يطلب منك أكثر من ذلك، فتصلي وتصوم رمضان وتتبع الإمام وتنتظر المهدي المنتظر، وتتزوج بما شئت من النساء، فيقول: والله إن هذا الإسلام جميل جداً، وسهل وحلو، وعلى الأقل الواحد يعيش بالهناء، وفي النهاية سيكون شيئاً ينتظره اسمها: الجنة.

    فـابن تيمية سئل عن مثل هذا فقال: خير للمرء أن يموت على بدعة من أن يموت على الكفر البواح. فبالله عليك لو سئلت هذا السؤال أيكون جوابك نفس جواب ابن تيمية ؟! أبداً، وإنما ستقول: الاثنين سواء، فدعه يبقى على كفره أحسن. بل لو سئلت أنه على مذهب التصوف الذي هو الزهادة، وليس التصوف الذي هو التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، لقلت مثل ذلك.

    إذاً: من معالم أهل البدع: أنهم يقومون قومة رجل واحد على المجتمع المسلم فيكفرونه، وأنتم تعرفون جماعة التكفير والهجرة عندما ظهرت سنة (1974م)، وقبل ذلك بقليل لما ظهرت هذه الجماعة كان أعظم شعار لها هو تكفير المجتمعات كلها، وفي سنة (1983م) جاء شخص منهم إلى الأردن، وقد كنت في مصر سنة (1984م)، جئت من أجل أن أستقر، ولم أجلس عشرين يوماً حتى علمت أن الاستقرار مستحيل، فعدت مرة أخرى، فدخل علي البيت يوم أن كنت في الأردن، وكان عندي أخي، وهو شديد جداً.

    والمهم أنه قال له: هذا بيت أبي الأشبال، فقال له: نعم. ودخل ولم يلق السلام بالمرة. ثم قال له: أأنت أبو الأشبال ؟ قال له: لا. أبو الأشبال في مصر ولعله يأتي بعد عدة أيام. ثم قال له: إذاً أنت أخوه؟ قال له: نعم. قال له: نسمع أنك سفيه ولا يمكن التفاهم معك، فأنا سأنصرف حتى يأتي أبو الأشبال من مصر.

    والمهم أنه قال له: كنت أريد معرفة رأيك في المجتمع الأردني، فقال له: مجتمع مسلم ونظيف ومحترم جداً. فقال له: لكن أنا على غير ذلك. فقال له: أنت على ماذا؟ قال: على تكفيره. قال: ومن أنت حتى يكون لك رأي؟ فقال: وأنت من؟ قال: على الأقل من أهل السنة. قال له: لا. فنحن أهل السنة.

    ثم قال له: وإن عندي أدلة تثبت أن هذا المجتمع كافر. أي: أن النبي تكلم عن الأردنيين، وأتى له بحديث مكذوب، فقال له أخي: أين هذا الحديث؟ فقال له: في مسلم. قال له: صحيح مسلم لم يطبع في الدنيا إلا أربع طبعات وهن عندي، فأخرج لي الحديث منهن، وأخي شديد وعنيف، فقد أحضر سكينة وغرزها في الطاولة وقال له: رأسك أو الحديث، وظل يبحث ويقلب في صحيح مسلم ، ويمسك هذه الطبعة ويترك هذه، ولم يحصل على الحديث حتى أذن الظهر، ثم قال له أخي: اخرج وصل، ثم عد مرة أخرى لتبحث عن الحديث، وكان باب المسجد أمام باب البيت، ولم يكن بينهما إلا الشارع، فقال الرجل: أنا لا أصلي مع الكفار. فقال له: ومن الكفار؟ فنظر وقال له: هؤلاء الناس الراكعون! إنها جرأة وأي جرأة، ومنهج خرب لأهل البدع. ثم قال له: اجعلني أبحث على الحديث حتى تأتي من الصلاة، فقال له أخي: لا، فأنت لا تؤتمن على دينك، ولا آمنك على هذه المجموعة من الكتب، اخرج إلى الخارج مثل الكلب إلى أن أذهب وأصلي ثم آتي. هكذا قال له. ولما خرجوا من الصلاة لا أعرف ما الذي حصل بالضبط، المهم أنه حصل ضرب شديد، فاجتمعوا عليه وأمسكوا به إخوة المسجد أصحاب السنة، ومسحوا به الأرض، وأنا جئت من مصر بعد هذا الحادث بحوالي أسبوع، فنزلت على أحد أصدقائي في الميدان العام في عمان؛ لأنه كان يسكن معي، فأردت أن أزوره، وخاصة أني لست مستعجلاً على زوجتي وأولادي، فنزلت عليه وقال لي: أنا أدعوك إلى الغداء في المطعم بجوار المصنع الذي أعمل فيه. فقلت له: طيب. فدخلت المطعم وجلست على الكرسي، ثم دخل شخص وأول مرة أراه بلحية كثة وعمامة، وأخذ يمشي مشية مريبة وينظر إلي من أول دخوله المطعم، ثم جاء إلي وقال لي: كيف حالك؟ فقلت له: لماذا؟ وهل أحد يقول كيف حالك؟ فلما سمعني لم يرد علي، وجلس بعيداً عني بقليل، وعندما جاء صاحبنا الأخ عبد المنعم ما أن رآه في المطعم حتى قال لي: هل قال لك هذا الشخص أي شيء؟ فقلت له: والله ظل ينظر ويتفرس في، وقال لي: كيف حالك. فقلت له: لماذا؟ فقال عبد المنعم : إنه قد حصل كيت وكيت في الأسبوع الماضي، والشخص الثاني عندما عرف أنني أبو الأشبال جاء واعتذر عما بدر منه، وقال لي: أنا طامع فيك، فقلت له: أنا أعلم أنك من جماعة التكفير.

    والمهم أنني ذهبت به إلى الشيخ ناصر الدين الألباني، وخلال ثلاثة أيام كان الشيخ يناقشه بأدب شديد وهو يجهل على الشيخ، وكلما آتي أكلمه وأوصيه خيراً بالشيخ، يقول الشيخ: امنع الكلام، أنت أتيت به إلى هنا ويكفي، فيقول له الشيخ: هؤلاء الناس الذين يمشون في الشارع كفار؟ قال له: ولماذا الناس؟ أنت. فانظر إلى الجرأة، فاعتذر الشيخ وقال: هذا فراق بيني وبينك.

    فقلت له: تعال حتى أذهب بك إلى الشيخ أبي مالك محمد إبراهيم شقرة ، وهو شديد على أصحاب البدع، بينما الشيخ الألباني كان يصبر قليلاً على أصحاب البدع.

    وعندما دخل على الشيخ دخل بتجهم، وجلس على الكرسي بدون سلام ولا كلام. فقال له الشيخ: كيف جلست من غير إذن؟ قف، فوقف ما يقارب ساعتين، طمعاً أن يأذن الشيخ له، فلم يأذن له، وبعدها أحس أنه متورط؛ لأننا دخلنا من باب ثم من باب ثم من باب ثم من باب، أي: إذا أحب أن يهرب فلن يستطيع، وإنما لابد أن يأخذ أحد بيده حتى يصل به إلى الشارع، فالغرف كبيرة جداً وضخمة، وبعد ذلك قلت له: يا شيخ! خلصنا من هذا البلوى، نريد أن ننتهي ونمشي. فقال له: يا بني ماذا تقول في المجتمع؟ قال له: كافر. فقال له: لماذا؟ قال: لأنه يوالي الطواغيت. فقال له: كلام جميل جداً. ثم قال له: من أين أنت؟ قال: من مصر. قال له: كيف جئت إلى هنا؟ قال له: ركبت الطائرة وأتيت. فقال له: الطائرة هذه من صنع من؟ قال: من صنع الكفار؟ قال له: ولماذا ركبتها؟ أليس هذا مظهراً من مظاهر الولاء عندك؟ قال له: نعم. قال له: فلم ركبتها؟ فوضع يده على رأسه. قال له: طيب، هذا الثوب الذي تلبسه من الذي صنعه؟ قال له: من صنع الكفار. قال: الكفار الأصليين الذين في أوروبا وأمريكا؟ قال: نعم. فقال له: فلماذا تلبسه؟ فسكت. فقال له: من الذي خاطه؟ والثوب ياباني الأصل أو غيره لا أعرف بالتحديد، فقال له: الكفار كذلك. فقال له: ولم تلبسها؟ ثم قال له الشيخ: دعك من هذا كله، فأنت عندما أحببت أن تأتي إلى هنا جئت على الطائرة أكان معك أوراقاً رسمية جئت بها، أم أنهم حملوك على الطائرة على اعتبار أنك علم من الأعلام؟! فقال: لا والله، فقد حصلت على جواز سفر، ثم قال له: ولماذا الجواز؟ ومن أين حصلت عليه؟ فقال: من وزارة الداخلية. قال له: أظن إن كان المجتمع كافراً، فوزارة الداخلية كفرها مقصود. فقال له: نعم. قال له: طيب، وكيف ذهبت إلى وزارة الداخلية؟ وكيف حصلت على الجواز؟ فقال له: صحيح والله! قال له: هاأنت تعاملت مع الكفار، والذي يتعامل مع الكافر عندك ماذا يكون؟ كافر أم ليس بكافر؟ فقال له: كافر. فقال له: أنا أريد أن أسألك سؤالاً: أنت الآن بالتحديد كافر أم لست بكافر؟ فقال: كافر.

    فتصور هذا! فهو في الحقيقة يعتبر منهجاً هشاً لا أساس له، ولذا فمن أعظم سمات أهل البدع: أنهم يقومون على مجتمعات المسلمين فيكفرونها بالجملة.

    قال: [وإنما وجه خطئهم عندهم -وجه خطأ أهل السنة عند أهل البدع- إعراضهم عما نصبوا من آرائهم لنصرة جدلهم -وليس لنصرة الحق، بل لنصرة الجدل- وترك اتباعهم لمقالتهم، واستحسانهم لمذاهبهم]. أي: أن هذه المجتمعات المسلمة كافرة عند أهل البدع؛ لأنها لم تتبن أصول أهل البدع، ولم تنتصر لها، ولم تستحسنها، وإنما استحسنت مذهب أهل السنة، ونصرته، وعملت به.

    قال: [فهو كما قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:8-9]].

    طعن المبتدعة في منهج أهل السنة والجماعة وأدلتهم

    قال: [ثم ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو] المعتزلة سموا أدلتنا حشواً وتقليداً، وسموا أهل السنة بالحشوية والمقلدة، وعليه فعندما تحتج بآية أو حديث فأنت قد أتيت بكلام ليس له أي داع، وإنما تحشو فقط، وتجمع الكلام الذي لا قيمة له ولا فائدة ولا طائل من ورائه، ومهما قلت: قال الله قال رسوله، فأنت تحشو الكلام حشواً دون فائدة؛ لأن الفائدة كل الفائدة عندهم -أي: المعتزلة- في الاتباع لأدلتهم.

    قال: [ولو كشف لهم -أي: السني- عن حقيقة مذاهبهم، كانت أصولهم المظلمة، وآراؤهم المحدثة، وأقاويلهم المنكرة، كانت بالتقليد أليق، وبما انتحلوها من الحشو أخلق، إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق، ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق موافق أو مخالف، إذ فخره على مخالفيه بحذقه، واستخراج مذاهبه بعقله وفكره من الدقائق، وأنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق؛ فليس بحقيق من هذه أصوله أن يعيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما، وأذعن لهما، واستسلم لأحكامهما، ولم يعترض عليهما بظن أو تخرص واستحالة أن يطعن عليه؛ لأن بإجماع المسلمين أنه على طريق الحق أقوم، وإلى سبل الرشاد أهدى وأعلم، وبنور الاتباع أسعد، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد، وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولاً، ولا الاعتصام بسنة رسوله إلا منكراً أو متعجباً، ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخراً مستهزئاً] فهذا هو الفرق بيننا وبين أهل البدع.

    قال: [لا شيء عنده إلا مضغ الباطل، والتكذب على الله ورسوله والصالحين من عباده].

    ولذلك لما سئل أيوب بن أبي تميمة السختياني عن أن ينظر في شيء من الرأي -والرأي ظلمة والحديث نهار- قال: لا أنظر فيه قط؟ قيل: ولم؟ قال: لأنني أكره أن أجتر كالحمار. أي: أكره أن أكون كالحمير، فأتشدق بكلام لا قيمة له.

    وفي رواية أخرى قال: لأنني أكره مضغ الباطل؛ لأن الرأي بخلاف الدليل، فالدليل نص والرأي رأي.

    قال: [وإنما دينه -أي: صاحب البدعة- الضجاج والنفاق، والصياح واللقلاق، قد نبذ قناع الحياء وراءه]. أي: يخلع قناع الأدب والحياء، ولذلك لا تجد واحداً من أهل البدع يناقش أهل السنة في كل زمن وفي كل مكان إلا ويجهل عليهم، ويسب ويشتم ويصيح ويجادل ويخاصم ويضجر، ويقول كلاماً يحرم قوله؛ لأن هذا من مبادئهم.

    أما أهل السنة فإن مبدأهم: قال الله وقال رسوله. هذه الكلمة عندما يسمعها المبتدع يتمنى أن تذبحه بسكين ولا تقول له: قال الله وقال رسوله. لأنه بعيد جداً عن هذا المنهج. لذا ما إن يسمع قال الله حتى يأتي بالغث وبالسمين، ولا يوجد عنده سمين حتى يأتي به، بل يأتي بكل الغث والنفاق والصياح وقلة الأدب.

    وهؤلاء المبتدعة لهم منهج في النقاش والجدل الذي لا ينتبه له يخذل دين الله عز وجل، ولذلك أهل البدع يحب أن يناقش في الظلام، وهذه أيضاً علامة من علاماتهم، فلا يحب أن يناقش على ملأ أبداً، فتقول له: أتريد مناقشتي؟ فيقول: نعم، وذلك في مكان لا يرانا فيه أحد، فتقول الذي عندك وأقول الذي عندي، فيحب أن يعرف ما الذي عندك حتى يرد عليك بعد ذلك، وحتى يرتب أموره ويخرج البلاء المتراكم الذي في قلبه وفي عقله، ويسجلها على أشرطة، وبعد ذلك يرد بها عليك، أو يأخذ حجتك من غير سماع أهل الحق لها، ثم يبطلها ويأتي بأدلته العقلية والنقلية الملوية ويلفقها وينمقها، ثم يدفع بها، ولذلك فإنه يحب أن يبدأ هو بالكلام وبعد ذلك لا يسمح لك بالكلام، فيظل يتكلم لمدة ساعتين حتى يمل المستمعون، ولا تبقى معه ذاكرة تستوعب كلام أهل الحق، وفي الأخير يختم كلامه فيقول: بعد الذي سمعته مني أتريد الكلام يا أخي؟ اذهب الله يسهل لك. فيقوم من ذلك المجلس ويمشي، فيكون المهزوم في هذه الجولة السني، لذا على السني أن يكون ذكياً، فيحدد وقتاً للسؤال والجواب، ومثال ذلك: مناظرات رجل اسمه أحمد ديدات ، فقد كان المناظر نفسه يقطع الإجابة من النصف؛ لأن الوقت قد انتهى، ثم يحول الدفة إلى الثاني، أما أنك تترك الشخص يتكلم بالساعتين والثلاث ويخرج كل أصوله ويحشد بها القلوب والأذهان والأسماع، ثم في الأخير يضحك عليك ويتركك ويمشي، ويكون المستمع بعد ذلك ليس عنده أدنى استعداد أن يسمع. بذلك يكون قد غلبك!!

    اتهام المبتدعة لأهل السنة بالجهل وعدم فقه الواقع

    قال: [وإنما دينه الضجاج والنفاق والصياح واللقلاق، قد نبذ قناع الحيا وراءه، وادرع سربال السفه -أي: لبس درع السفه- فاجتابه، وكشف بالخلاعة رأسه، وتحمل أوزاره وأوزار من أضله بغير علم ألا ساء ما يزرون، فهو كما قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت:12-13].

    فهو في كيد الإسلام وصد أهله عن سبيله، ونبز أهل الحق بالألقاب: أنهم مجبرة، ورمي أولي الفضل من أهل السنة بقلة بصيرة، والتشنيع عند الجهال بالباطل، والتعدي على القوام بحقوق الله والذابين عن سنته ودينه. فهم كلما أوقدوا ناراً للحرب -أي: لحرب أوليائه- أطفأها الله، ويسعون في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين].

    أيضاً: من علامات ومعالم أهل البدع: أنهم يتهمون أهل السنة والجماعة بالجهل والغياب عن الواقع، فأنت عندما تناقش شخصاً ممن سلك مسلكاً مغايراً لما عليه سلف الأمة وخاصة في الخروج على الإمام، والمسألة بينة وواضحة، وإن كانوا معنا على عقيدتنا، ولا خلاف بيننا وبينهم إلا في مسألة الخروج، ولذا لابد أن نميز ونفرق بين مسألة مبدأ التكفير ومبدأ الخروج، فالتكفير لا يستلزم الخروج، لكنهم ربطوا بين التكفير وبين الخروج، وقالوا: إذا كان فلان كافراً وجب الخروج عليه.

    وإننا نسأل الآن: ماذا جر الخروج على الأمة هنا وهناك؟ إنه لم يجر عليها إلا شراً، ولذلك نقول: إن الخروج ليس مذهبنا ولا مسلكنا ولا من أخلاقنا أبداً، وإن كانت مسألة التكفير تختلف فيها الأنظار، لكن الخروج لا يجوز قولاً واحداً؛ وذلك درءاً للمفسدة، وجلباً للمصلحة، وحقناً لدماء المسلمين، فضلاً عن تكافؤ القوى، وهو كلام قلناه ونقوله في كل مناسبة.

    لذا عندما تناقش أحد هؤلاء، وتقول له: الشيخ الفلاني أو العلامة الفلاني أو المحدث الفلاني يقول بعدم الخروج. سيقول لك: هذا رجل لا يعرف عن الواقع شيئاً! مع أنه رجل قضى حياته في واقع الأمة، وعلم تاريخ الأمة سلفاً وخلفاً، ومع ذلك يرمى من قبل أناس لم يبلغوا سن التكليف، ويقولون مثلاً: الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ الألباني هؤلاء علماء دفاتر، وعلماء أقلام، وعلماء تحقيق، وليس عندهم معرفة بالواقع! وهذا بلا شك انحراف عن المنهج القويم لأهل السنة والجماعة.

    إن عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة واحدة وليست عقائد متعددة، وهذه العقيدة ثابتة وليست متغيرة، وبالتالي فكل متغير إلى زوال، ويبقى هذا الأصل الثابت ثابت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    ثم إن كل العقائد التي أحدثت واخترعت وابتدعت قد فشلت في مواجهة عقيدة أهل السنة والجماعة، بدليل قول النبي عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). أي: أنهم ثابتون مستقرون على عقيدتهم التي تركهم عليها النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة -وهؤلاء هم أصحاب العقيدة الأولى- قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    فشل العقائد المبتدعة أمام عقيدة أهل السنة والجماعة

    قال: [ثم إنه من حين حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام، وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، وأشربت قلوبهم حبها، حتى خاصموا فيها بزعمهم تديناً أو تحرجاً من الآثار، لم تر دعوتهم انتشرت في عشرة من منابر الإسلام متوالية].

    أي: أن هؤلاء الشيعة جماعة مبتدعة ليسوا على الحق، ولم نر لدعوتهم انتشاراً في مصر وغيرها، بينما أهل السنة لهم انتشار في كل مكان وزمان؛ لأن هذا دين ربنا سبحانه وتعالى، فهو الذي ينشره وينصره ويؤازره بعباده الصالحين، فأنت عندما تنظر إلى أهل الحق في كل زمان ومكان تجدهم كثير، وأما أهل البدع فقلة لا يكتب لهم ولمنهجهم الانتشار والذيوع، ونحن في بعض الأحيان نهول الأمر جداً مخافة الانتشار، ولذا ليس هناك ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة خاطفة للجهال، والجهال في مصر كثير جداً، فقد يأتي إليك شخص ويجلس معك ويقول لك كلمتين فتقتنع بها، ثم بعد ذلك في المجلس الثاني يكلفك بأن تدعو بهذا الكلام غيرك، وهكذا البدعة تنتشر، لذا أول ما تظهر البدعة لابد أن تأخذ على رأسها بالنعال من أجل أن تردها إلى أصلها، ولذلك نحن في المنصورة أحد المحافظات فيها قرية أو قريتين انتشر فيها التشيع، والمنصورة هذه بلدي، وفيها الكثير من أصحابي أيام الجامعة، وقد ذهبت إليهم ووجدتهم متشيعين، فقالوا لي: والله يا أبا الأشبال! لقد خالفتنا. فقلت لهم: أنا لم أخالفكم، فأنتم الذين خالفتموني، فقد كنا معاً في المعتقد والمنهج. ثم قالوا لي: مع هذا نحن نحبك وأنت غير الناس. فقلت لهم: لا بأس، فهم يريدون أن يثبتوا أنه ليس هناك فرق بيننا وبينهم، وأنهم أناس مؤدبون ويحترمون المخالف، فقلت لهم: سأخطب الجمعة في المسجد الفلاني، وأريد أن أراكم هناك، فهم أحبوا أن يدللوا أنهم أحسن مني، وأنني لا أصلي وراءهم، لكنهم يصلون ورائي، فأتوا، فذكرت الشيعة من أجل الكلام الذي قلناه قبل سنتين، واختصرناه وأجملناه ووقفنا ساعتين إلا ثلث في الخطبة، وهم جلوس، فوجدت أن الناس لم يعجبهم الكلام على التشيع، بينما هؤلاء يعرفون القضية كاملة، بل عامة الناس الفلاحين الجالسين يقولون: كيف تقول يا رجل! على الخميني هذا الكلام؟ إن الخميني هو المخلص، وانظر ماذا عمل مع سلمان رشدي؟ ليس هناك أحد من بني آدم تكلم بكلمة واحدة، ولا وضع مليوني دولار لمن يأتي برأس سلمان رشدي إلا الخميني !

    وهذا ابن عباس رضي الله عنه عندما سأله الخوارج فقالوا له: هل رأيت أعبد منا يا ابن عباس؟ قال: نعم. النصارى أعبد منكم، فقد جلسوا في صوامعهم وانقطعوا للعبادة وتركوا الدنيا، ومع هذا كانوا كفاراً، فهل الأمر صحة وضعفاً، قبولاً ورداً يقاس بالعبادة أو يقاس بالعلم؟ الكلام في هذا كثير جداً.

    قال: [لم تر دعوتهم انتشرت في عشرة من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة، بل كانت داحضة وضيعة مهجورة، وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نائرة، ونصب الحق زاهرة، وأعلامها بالنصر مشهورة، وأعداؤها بالقمع مقهورة، ينطق بمفاخرها على أعواد المنابر، وتدون مناقبها في الكتب والدفاتر، وتستفتح بها الخطب وتختم، ويفصل بها بين الحق والباطل ويحكم، وتعقد عليها المجالس وتبرم، وتظهر على الكراسي وتدرس وتعلم، ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر].

    لذا فإن من أعظم معالم أهل البدع: التقرب من الوالي حتى يصلوا إلى البلاط الملكي، وبالتالي تكون البلد كلها معهم، ولذلك أهل البدع دائماً متصفون بالنفاق، إذ البدعة والنفاق عندهم متلازمان، فتجد أهل البدع في أول النهار يقبل يد ورأس الوالي، ويقولون: أنت المخلص وأنت الزعيم وأنت كذا وكذا، ثم بعد ذلك يجلس بجوار الوالي أو السلطان، ويضع الحاكم نعله على رأسه، ويرفعه على كل من خالفه من أهل السنة؛ لأن الغالب في الطرفين الفجور وترك السنن، وأهل السنة يقفون في وجه السلاطين والحكام والملوك والأمراء الذين ابتعدوا عن كتاب الله وعن سنة رسوله. ثم يقول لك: إن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بأهل السنة أعدائي، بينما هؤلاء أحبائي، ولسان حال السلطان: أتريد أن تجعل الرجل الذي يشتمني على المنبر مثل رجل كل يوم يقبل رأسي ويقبل حذائي؟ لابد أن يكون رجلاً محترماً مثل هذا الذي يقبل الرأس. ويقول: وهذا السني لم يعرف قيمتي، مع أنه لا يعمل ذلك حباً في الحاكم، وإنما يعمل ذلك حباً في نفع بدعته. فيأتي إليه ويقول: يا سعادة الباشا! والله نحن عندنا مسألة ونريد من حضرتك أن تتبناها؛ لأنك خير من يتبناها. فيقول الحاكم: وما هذه المسألة؟ فيقولون: القول بخلق القرآن، فالقرآن شيء، وربنا خالق كل شيء، فيقول الحاكم: ومن يخالفك في ذلك؟ فيقولون: المبتدع فلان وفلان، مثل: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. فيقول الحاكم: ائتوا به. فيسأله الحاكم: ماذا تقول في القرآن؟ فيقول الإمام: أنا أقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق. فأخذه الحاكم بالتعذيب والحبس.

    فأهل البدع على مدار التاريخ يحرصون على القرب من السلاطين؛ ليكونوا لهم قوة وحماية، لكن نحن لا يوجد عندنا هذا الذكاء؛ لأن الحق الذي معنا لا يسمح لنا بهذا الذكاء، ولا يسمح لنا بهذا النفاق والتملق للحاكم وغيره.

    قال: [ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر، أو بشيطان معاند فاجر، يضل الناس خفياً ببدعته، أو يقهر ذاك بسيفه وسوطه، أو يستميل قلبه بماله؛ ليضله عن سبيل الله حمية لبدعته، وذباً عن ضلالته؛ ليرد المسلمين على أعقابهم، ويفتنهم عن أديانهم بعد أن استجابوا لله وللرسول طوعاً وكرهاً، ودخلوا في دينهما رغبة أو قهراً، حتى كملت الدعوة واستقرت الشريعة].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    الحكم على حديث (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ...)

    السؤال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه) هل هذا حديث أم لا؟

    الجواب: ليس حديثاً وليس من دعاء السلف، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بغير ذلك، فقد كان يطلب من الله أن يرفع عنه البلاء، والبلاء من قدر الله عز وجل، ولما كان يدعو برفعه فهو يدعو الله عز وجل أن يرفعه وأن يمن عليه برفع قضائه الذي قدره عليه.

    بيان أن إلقاء السلام على المدخنين لا يعتبر إقراراً لهم على المنكر

    السؤال: هل إلقاء السلام على المدخنين يعتبر إقراراً للمنكر؟

    الجواب: لا يعتبر إقراراً للمنكر. لكن ما الذي يمنعك أن تلقي عليه السلام وأن تنصحه في الله عز وجل؟

    حكم أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها

    السؤال: هل يجوز أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها أم يقيم فقط؟

    الجواب: لا شك أن أرجح المذاهب في ذلك مذهب الشافعي ، وهو وجوب الأذان والإقامة لمن تخلف عن جماعة الإمام.

    رأي الشيخ في قراءة كتب الداعية (أحمد ديدات)

    السؤال: ما رأيك في قراءة كتب الشيخ أحمد ديدات ؟

    الجواب: أنا أذهب مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه القضية، والشيخ أحمد ديدات في وسط هذه البلاد يعتبر من فضل الله ورحمته بهذه الأمة، فقد قام بإظهار حجة الله عز وجل في هذه البلاد، ومع ذلك فعنده بعض الأخطاء، فأحياناً يوافق الكفار أو يوافق الرهبان على بعض المسائل المخالفة للعقيدة، وهو لو يعرف أن هذه مخالفة للعقيدة وللنبي عليه الصلاة والسلام ما قالها، وهذا ظننا فيه، مثال ذلك: قوله تعالى: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، فيثبت أنه ليس لله ولد من خلال التوحيد، ثم يهدم ذلك كله فيقول: وأما إذا كان من باب أننا من خلقه، وأننا من فضله ورحمته، وأننا نتنعم بنعمه، فحينئذ لا بأس أن نقول: نحن أبناء الله وأحباؤه! وإذا كان الأمر كذلك فنحن أولى بأن نكون أبناء الله وأحباؤه، وبذلك هدم السابق كله، وهدم التوحيد الذي قاله بأكمله، وعلى أية حال ربما هو تجوز في هذه المقولة، لكن ليست هذه هي المقولة الوحيدة التي تنكر على الشيخ، بل له مقولات كثيرة جداً تنكر عليه في الاعتقاد، ومنها أيضاً في الأحكام الشرعية.

    وظننا به أنه يجهل هذا كله، خاصة وأن الشيخ قد قضى حياته في بحث مسألة معينة، فهو ليس رجلاً عالماً كبيراً من علماء المسلمين مثل الأئمة الذين ضربوا بسهم في كل واد، وإنما ضرب بسهم عظيم في باب الاعتقاد، والرد على الملاحدة، والرد على اليهود والنصارى؛ ليبطل زعمهم ويرد على مفترياتهم، فهو يخطئ من حيث لا يدري، والرجل نحبه في الله، ونتمنى أن يسدد، وأن يتقبل الله تبارك وتعالى منه هذا الجهد الجهيد.

    أما أخطاؤه فبلا شك أنه لو تكلم في بلاد مسلمين بهذه الكلمة لوجد في المجلس الواحد ألف واحد يرد عليه، فإذا قال مثلاً في هذا المسجد: نحن أبناء الله وأحباؤه، فستجد من يرد عليه ذلك.