إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - سقوط الذنوب بالاستغفارللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فطر الله تعالى الخلق على الخطأ والوقوع في الآثام، وجعل الاستغفار منهم موجباً لسقوط الذنوب، والعبد إذا أذنب فإن ذنبه مهما بلغ ما هو إلا شيء، والله عز وجل وسعت رحمته كل شيء، وباب التوبة لا يغلق حتى تقوم على العبد إحدى القيامتين، ولا يمل الله عز وجل من كثرة توبة عبده، بل هو أشد فرحاً بها من رجل فقد راحلته بأرض فلاة، فلما يئس منها إذا به يجدها قائمة فوق رأسه.

    1.   

    باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة

    الاستغفار مهم جداً في مغفرة الذنب، والاستغفار في حد ذاته توبة من الله عز وجل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن محمد بن قيس -وهو المعروف بـالقاص ، وهو من أهل المدينة، وكان قاصاً في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى- عن أبي صرمة المازني الأنصاري -وهو صحابي مختلف في اسم أبيه- عن أبي أيوب ] . وهو أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد بن كليب ، من كبار الصحابة، حضر بدراً، ومات غازياً الروم سنة خمسين هجرية، وله منقبة عظيمة جداً وهي: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر من مكة إلى المدينة نزل في بيته.

    قال: [ أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم) ].

    بيان أهمية الاستغفار

    والتقدير: فيستغفرون الله فيغفر لهم، ولولا أن الله تعالى يغفر الذنب لما سمى نفسه (غفوراً)، ولما سمى نفسه (تواباً)، وغير ذلك من الأسماء التي تفيد في معناها ولفظها أن الله تعالى يقبل العذر ويغفر الذنب، فلو لم يكن غفوراً فكيف يغفر؟! ولو لم يذنب العبد فما الذي يغفره الله عز وجل؟ وإذا كان العبد لا يذنب فلم يستغفر إذن؟

    إنما استغفر الأنبياء لوقوعهم في الهفوات، وأنها في حقهم -كما يقول بعض أهل العلم- كالكبائر في حق سائر الناس؛ لأنهم يستشعرون عظمة من عصوه أكثر من غيرهم، ولذلك: (كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستغفر الله تعالى في اليوم الواحد أكثر من سبعين مرة)، وفي رواية (كان يستغفره مائة مرة) .

    ولا تعارض بين الروايتين، فالذي يستغفر في اليوم أكثر من سبعين يمكن أن يصل استغفاره إلى مائة مرة.

    وهنا بيان أهمية الاستغفار، وبيان أهمية تسمية الله عز وجل نفسه بالغفار، أو الغفور، أو التواب، أو الرحيم، وغير ذلك من الأسماء.

    وهذا حديث عظيم جداً في باب الرجاء، فالعبد مهما أذنب فإن ذنبه لا يعدو كونه شيئاً، والله تعالى وسعت رحمته كل شيء، لكن لا أعطي بطاقة أو رخصة في الوقوع في الذنب، صغيراً كان أو كبيراً، ولكني أقول: إن العبد في لحظة غفلة وتسلط الشيطان إذا وقع في ذنب فيجب عليه أن يبادر ويسارع للاستغفار والتوبة.

    ومن قبل قلنا: إن التوبة ليست كلاماً ولا ضحكاً ولا استهزاءً، وإنما التائب من ينفطر قلبه، ويغتم غماً يكاد الناظر إليه يقول: هذا يئس من رحمة الله، ولا معاودة لذنب، حتى وإن عاد فإنه يعزم على ألا يعود، فإن عاد بقدر الله عز وجل -وأرجو ألا يكون هذا احتجاجاً بالقدر على المعصية؛ لأن هذا من مسالك وعقائد الفرق الضالة- ووقع في الذنب مرة أخرى في لحظة غفلته وتقصيره، فإنه يلزمه أن يتوب من هذا الذنب الثاني، وهكذا إن وقع في الذنب مرة أخرى، فلا يمل من الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل وإن كثرت ذنوبه.

    قال: [ حدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب المصري - حدثني عياض ، وهو ابن عبد الله الفهري ، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي صرمة ، عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم) ].

    أي: لو لم تذنبوا لأهلككم الله عز وجل، وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.

    قال: [ حدثني محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني - عن جعفر الجزري -وهو ابن برقان أبو عبد الله الرقي- عن يزيد بن الأصم -وهو أبو عوف البكائي ، كوفي، نزل الرقة فنسب لها- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) ].

    فالذي أبهم في رواية أبي أيوب الأنصاري صرح به في هذه الرواية؛ فهو لم يذكر استغفاراً في رواية أبي أيوب ، وهنا في رواية أبي هريرة ذكره صراحة؛ حتى لا يحملن أحداً عدم وجود الاستغفار في رواية أبي أيوب اعتقاد أن الله تعالى يغفر لهم بغير أن يستغفروا أو بغير أن يتوبوا، فالله عز وجل جعل مثل هذا في مشيئته، فلا يعلم أحد أيغفر له أم لا يغفر له؟

    أما من استغفر الله من الذنب -وهو دليل التوبة وقائدها ورائدها إلى الله عز وجل- غفر له، وهذا وعد الله تبارك وتعالى، ووعده لا يتخلف، بخلاف وعيده الذي توعد به العصاة من الموحدين، إذ هو داخل في مشيئته، إن شاء عذب وإن شاء غفر.

    كتمان العلم مخافة اتكال الناس على سعة رحمة الله من هدي السلف رحمهم الله

    وفعل أبي أيوب الأنصاري هذا وهو على فراش الموت فعل غير واحد من الصحابة، كـأبي هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومعاذ بن جبل ، وأبي ذر وغيرهم، فقد كان عندهم من العلم ما كتموه طيلة حياتهم، حتى إذا أشرف أحدهم على الموت حدث به تأثماً، وليس كتمان العلم جائزاً مطلقاً، كما أن إفشاء العلم ليس جائزاً مطلقاً.

    فهدي العلماء أن العلم لا يبث إلا في أهله وفيمن يستحق، فلا يعلم كل أحد، وإنما يعلم من يصون هذا العلم، علماً وعملاً واعتقاداً، أما المستهزئون فإنهم لا يتعلمون، بل لا ينفعهم العلم، وهؤلاء سقط الناس ورعاعهم الذين لا يقدرون العلم والعلماء، وعليه فما قيمة أن يعلموا العلم؟

    قال مالك يوصي بعض طلاب العلم لما ودعه مسافراً: أوصيك أن تأخذ العلم من أهله وأن تضعه في أهله.

    أي: خذ العلم من العلماء، وضعه في أقوام هم له أهل، وإنها وصية غالية جداً، لا يعلم معناها إلا مالك ومن كان على شاكلة مالك، رحم الله جميع علمائنا.

    كذلك: حديث أبي هريرة الطويل في صحيح مسلم ، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة : (اذهب خلف هذا الحائط، فمن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة، فكان أول من وجده: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: قال لي النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا هريرة ! اذهب خلف هذا الحائط فمن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة. فقال أبو هريرة : فضربني عمر ضربة خررت منها على استي، وقال: لا تفعل، فذهب أبو هريرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: قد فعلت ما قلت يا رسول الله! وقد حصل من أمر عمر كذا وكذا، وكان عمر في إثره، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عمر ! ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله! مخافة أن يتكلوا، دع الناس يعملون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعهم يعملون) .

    أيضاً: قوله عليه الصلاة والسلام لـأبي ذر : (يا أبا ذر ! اذهب فقل للناس: من كان يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله موقناً بها قلبه فبشره بالجنة) .

    فقال أبو ذر عند موته: حدثني النبي صلى الله عليه وسلم بحديث كتمته عنكم، وما أحدثكم إلا تأثماً، أي: مخافة الوقوع في إثم كتمان العلم.

    إذاً: العلم يكتم أحياناً لمصلحة مخافة أن يتكل الناس على أحاديث الرجاء أو آيات الرجاء، كما أن العلم لا بد من بثه في وقت معين إذا تعين ذلك، وربما هؤلاء سمعوا أحاديث من النبي عليه الصلاة والسلام لم يسمعها غيرهم، فتعين عليهم البلاغ، لكنهم كتموا هذا العلم وقتاً من الزمان؛ مخافة اتكال الناس على سعة رحمة الله، فيدعون العمل، ثم إنهم حدثوا به في وقت غلب على ظنهم أنهم بعد هذا الوقت يموتون ويموت معهم العلم الذي كتموه؛ لأنه ليس مع غيرهم، فحدثوا به مخافة الوقوع في الإثم.

    قال النووي: إنما كتموه أولاً مخافة اتكالهم على سعة رحمة الله تعالى، وانهماكهم في المعاصي، وإنما حدث به عند وفاته لئلا يكون كاتماً للعلم، وربما لم يكن أحد يحفظه غيره، فتعين عليه أداؤه، وأصبح فرض عين عليه أن يؤديه وأن يحدث به، وهو نحو قوله في الحديث الآخر: وأخبر بها معاذ تأثماً عند موته. أي: خشية الإثم بكتمان العلم.

    1.   

    باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا

    الإنسان مطلوب منه أن يكثر من التفكر، والتدبر، واستحضار مراقبة الله عز وجل، وغير ذلك من الأعمال التي من شأنها أن تصون سيره إلى الله عز وجل، وتثبته على الطريق حتى لا ينحرف عنه، لكن هذا ليس في كل وقت؛ لأن هذا لو كان في كل وقت فلربما أدى إلى يأس وقنوط العبد من رحمة الله تعالى.

    الأمر الآخر: أن ذلك سيشغله عن طلب معاشه، ورعاية من يعولهم، وربما كان العبد صاحب رقة قلب فينفطر قلبه وفؤاده من خشية الله عز وجل، فيؤدي به إلى القنوط واليأس من رحمة الله.

    شرح حديث: (يا حنظلة ساعة وساعة)

    قال: [ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وقطن بن نسير ، أخبرنا جعفر بن سليمان -وهو الضبعي البصري - عن سعيد بن إياس الجريري ، عن أبي عثمان النهدي -وهو عبد الرحمن بن مل- عن حنظلة الأسيدي قال: -وكان من كتاب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم- (لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة ؟ قلت: نافق حنظلة ، قال: سبحان الله! ما تقول؟ -يعني: ما هذا الكلام الذي تقوله يا حنظلة ؟- قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين -يعني: حتى كأننا ننظر إليها رأي العين- فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات -أي: باشرنا وجامعنا وقبلنا ولعبنا مع الأزواج والأولاد، وانشغلنا بطلب معاشنا وغير ذلك من متاع الدنيا- فنسينا كثيراً -أي: مما كنا نذكره ونتفكر فيه ونتدبره ونستحضر عظمته في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام- قال أبو بكر : فو الله! إنا لنلقى مثل هذا -أي: أنني أشكو مما تشكو منه، وأجد ما تجده أنت من نفسك- فانطلقت أنا وأبو بكر - هذا كلام حنظلة - حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ -أي: ما هذا الكلام الذي تقوله، وما دليل النفاق الذي تزعمه وتدعيه؟- قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيراً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ! ساعة وساعة) ثلاث مرات ].

    إن عامة الناس يفهمون أن الساعة التي هي لله هي: الصلاة والصيام وغير ذلك من الأعمال، والساعة التي هي للقلب هي: الساعة التي يعصي فيها، ويرفث فيها، ويفسق فيها، وينحرف عن الصراط المستقيم، إن هذا ليس هو المقصود من هذا الحديث، وإنما المقصود من هذا الحديث: روحوا القلوب؛ لأن القلوب تمل، فلو أن عبداً يقرأ القرآن في كل لحظة، فإنه لا بد أن يمل، لكن لو أنه انتقل من القرآن إلى السنة، أو من السنة إلى الصلاة، أو من الصلاة إلى الصيام، أو من الصيام إلى الزكاة، أو من الزكاة إلى الحج، أو من الحج إلى قضاء مصالح المسلمين، فينتقل من طاعة إلى طاعة، فإنه لا يمل، لكن أن يقوم على طاعة واحدة دائماً وأبداً فإنه سوف يمل منها؛ لأن القلوب بشرية فطرت على الملل، ولذلك ينبغي على المسلم أن ينوع في طاعة الله عز وجل، فينتقل من طاعة إلى طاعة، ومن حسنة إلى ما هو أحسن منها، ومن عمل دون إلى عمل أعلى في مرضات الله عز وجل، فالنفس تنفر من القيام والدوام على العمل الواحد، حتى وإن كان هذا العمل هو قراءة القرآن الكريم، أو هو النظر في سنة النبي الأمين عليه الصلاة والسلام.

    فلا بد أن تروح على قلبك ساعة، وهذا الترويح إنما يشمل معافسة الزوجة، ومداعبة الأولاد، والانشغال بالدنيا، وطلب المعاش وغير ذلك، حتى وإن شعر أنه قد نسي ما كان آنفاً تذكر الآخرة، وتدبر في أحوالها وشئونها.

    أما عمل الدنيا وطلب المعاش فإنه لا يمنع المرء أن يكون ذاكراً لله، ليس فقط بلسانه، وإنما بقلبه وبعمله وفكره وعقيدته، فالمرء إذا انطلق إلى زرعه أو حائطه، أو صناعته، أو تجارته، فإنما يراعي فيها حق الله، ويراعي فيها الحلال والحرام، وهذا الإنسان لم يخرج عن ذكر الله، وإن لم يذكره بلسانه، لكن لو رأى في تجارته شيئاً حرمه الله، أو كرهه الله، استبعده عن تجارته، وهذا نوع من ذكر الله عز وجل.

    وكذلك إذا داعب أولاده، فخرج أحدهم عن حد الاعتدال والاستقامة بكلمة أو فعل، ذكره أن هذا مخالف للشرع، وأدبه بالرجوع عن هذا إلى طاعة الله عز وجل، ولذا فليس ذكر الله تعالى أن يجلس الإنسان في مكان ويلزمه فيسبح، أو يحمد، أو يستغفر، أو يكبر، أو يهلل، بل العمل بالشرع أولى من القول بالشرع، يعني: أن تعمل على مقتضى الذكر خير من أن تذكر بلسانك؛ لأنك قد ترجمت هذا الذكر القولي إلى عمل، والعمل هو المراد من القول، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما قال لنا أقوالاً المراد منها العمل بها، ولا يلزم كل مسلم أن يكون عالماً، لكن يلزم المسلم أن يعمل بما بلغه من العلم، حتى القراء يقولون: العمل بالقرآن فرض عين، بخلاف العلم بالقرآن فهو فرض كفاية، يذكرون هذا في كتب الأحكام والتجويد، يقولون: العلم بالتجويد فرض كفاية، والعمل بالتجويد فرض عين.

    ولذلك أنت الآن ربما تقرأ القرآن صحيحاً عن طريق التلقي، أو تتلقى القرآن على يد شيخ، فتقرأ القرآن بالأحكام، لكن لو قيل لك: لم كانت الغنة هنا؟ ولم كان الإظهار هنا؟ ولم كان الإقلاب هنا؟ والإخفاء هنا؟

    وأنت لا تدري ولا تعرف القواعد والأحكام، لكنك تقرأ قراءة صحيحة؛ لأنك تلقيتها حفظاً، وهكذا.. فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة، لكن هل يلزمهم معرفة أسباب الصحة والفساد؟ لا يلزمهم ذلك؛ لأنه فرض كفاية على علماء الأمة، أو على الأمة عموماً.

    شرح بعض مفردات حديث حنظلة

    قال: [ حدثني إسحاق بن منصور -وهو المعروف بـالكوسج البغدادي، تلميذ أحمد بن حنبل - أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه، حدث عن سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكر النار - أي: ذكرنا بالنار - قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة ، فقال: مه -كلمة استنكار تقولها العرب، وكأن النبي يقول له: أنت لم تقع في النفاق- فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة ! ساعة وساعة، ولو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق) ].

    يعني: لو أن قلوبكم إذا ذكرت تذكرت كما لو تذكرت في مجلس الذكر، فلا يضركم أن تنشغلوا عن الذكر في غير مجالس الذكر، ولا يضركم أن تنشغلوا عن الذكر بمعافسة الزوجة والأولاد، وطلب المعاش وغير ذلك، لكن إذا لم تتأثر قلوبكم بالذكر والموعظة في مجلس الذكر، فتكون مصيباً إن اتهمت نفسك، أما لو كان قلبك يرق من الموعظة ويتأثر بكلام الله وبكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وذكر الجنة والنار، وغيرها من الأخبار، فإن هذا يدل على سلامة القلب، وعلى إيمان القلب.

    أما أن تخرج بهذا الجو النفسي من مجلس الذكر، وتطالب قلبك بأن يصحبك في كل وقت بهذه الحالة، فإن هذا ليس في مقدور أحد، ولذلك لم يقدر عليه أفضل الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والنبي عليه الصلاة والسلام قد بشر بأنه لو كان كذلك في مجلس الذكر دون غيره من بقية المجالس لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات.

    قال: [ حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا سفيان -وهو الثوري - عن سعيد الجريري عن أبي عثمان النهدي ، عن حنظلة التميمي الأسيدي الكاتب -أي كاتب الوحي- قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار.. فذكر حديثهما ].

    قال الإمام النووي في قول حنظلة : (عافسنا)، معناه: حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا -أي: طلبناها- والضيعات: جمع ضيعة، وهي معاش الرجل من مال، أو حرفة، أو صناعة.

    وروى الخطابي هذا الحرف (عانسنا) ومعناه: لاعبنا -وعانسنا من العنوسة وهي اللعب- ورواه ابن قتيبة بالشين المعجمة، قال: ومعناه: عانقنا، والأول هو المعروف وهو أعم.

    وأما قوله: (نافق حنظلة) فمعناه: أنه خاف أنه منافق، حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقاً، فأعلمهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك، أي: أنهم غير مكلفين بأن يعيشوا دائماً -حتى في طلب معاشهم- كما لو كانوا يعيشون في مجلس الوعظ والذكر، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يبكي أحياناً ويضحك أحياناً، فهل يضحك إنسان يرى النار رأي العين؟ لا يمكن قط، لكن رحمة الله عز وجل تدرك جميع الخلق من المؤمنين الموحدين، فينسون ما يكدر عليهم معاشهم وحياتهم، حتى يتسنى لهم طلب الحياة والمعاش، وإلا لو كان منظر النار لا يغيب قط عن عين أحد لما انتفع بنفسه، ولما انتفع بقلبه، ولذا كان من رحمة الله عز وجل بالإنسان أنه ينسى أحياناً المواعظ حتى ينشغل بما تعين عليه في وقته.

    لكن لو أن إنساناً في مصنع أو على مكينة أو على كمبيوتر أو أي شيء من الأعمال، وصورت له النار، أو سمع موعظة بليغة جداً أثرت في قلبه، فربما عطلته عن العمل لفرط شفافيته ورقته، وآخر: يأتي فيشكي أنه لا يستطيع أن يأتي زوجته، أو يداعب أولاده، ولا أن يعمل في العمل وحياته كلها مكدرة مقلوبة رأساً على عقب؛ لأنه يخاف الله ولم يتصور أنه لا يغفر ذنبه، فهذا إنسان في طريق اليأس من رحمة الله عز وجل.

    وأما قوله: (فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة . فقال: مه) قال القاضي : معناه الاستفهام، أي: ما تقول؟ والهاء هنا هاء السكت، قال: ويحتمل أنها للكف والزجر والتعظيم لذلك، يعني: كأنه أراد أن يقول له: اسكت فلم تنافق.

    1.   

    باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه

    قال: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا المغيرة يعني الحزامي -وهو ابن عبد الرحمن المدني - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي) ].

    أي: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه هو؛ لأنه قال: كتب في كتابه، فأضاف ضمير الغائب إلى الكتاب، فدل على أن الكتاب هو كتاب مخصوص بالله عز وجل.

    وهذا الكتاب مكتوب فيه (إن رحمتي تغلب غضبي) .

    قال: [ وحدثني زهير بن حرب ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: سبقت رحمتي غضبي) ].

    هذان الأمران: السبق والغلبة، موصوف بهما رحمة الله عز وجل.

    قال: [ حدثنا علي بن خشرم ، أخبرنا أبو ضمرة -وهو أنس بن عياض المدني - عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن عطاء بن ميناء ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق) ].

    أي: فرض، وقد ورد (قضى) في القرآن والسنة ثلاث عشرة مرة، لكل واحدة منها معنى يخصه، ويحدد هذا المعنى من خلال السياق.

    قال: [ (لما قضى الله الخلق - أي: لما خلق الله الخلق، وفرغ من خلق الخلق - كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده -أي: فهو عنده فوق العرش-: إن رحمتي تغلب غضبي) ].

    قال: [ حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب -قد قلنا مراراً: يونس إذا كان بين ابن وهب والزهري فهو يونس بن يزيد الأيلي - أن سعيد بن المسيب أخبره، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) ].

    نقل كلام الإمام النووي في معنى صفة الغضب والرضا وبيان الخطأ فيه

    قال العلماء في الحديث الأول: (إن رحمتي تغلب غضبي)، وفي رواية: (رحمتي سبقت غضبي): غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادته الإثابة للمطيع، ومنفعة العبد تسمى رضا، ورحمته وإرادته عقاب العاصي وخذلانه تسمى غضباً، وإرادته سبحانه وتعالى صفة له قديمه يريد بها جميع المرادات.

    قالوا المراد بالسبق والغلبة هنا: كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه.

    هكذا قال الإمام النووي نقلاً عن العلماء، وهذا النقل إنما هو نقل عن علماء الأشاعرة، لذا فليس هذا الكلام هو معتقد أهل السنة والجماعة، فالمعلوم أن الله تبارك وتعالى يغضب غضباً حقيقياً يليق بجلاله وكماله، والمعلوم أن الله تعالى يرحم عباده رحمة لا يعلم كنهها إلا الله عز وجل، أما نحن فقد أيقنا أن الله تعالى يغضب ويرضى ويسخط، ولا يستلزم إيماننا بهذا مشابهة غضب الله بغضب خلقه، ولا رحمة الله تعالى برحمة خلقه، ولا فرح الله تعالى بفرح خلقه، ولا رضا الله تعالى برضا خلقه، وقد قلنا: إن اختلاف صفات الله عز وجل عن صفات المخلوقين ما هو إلا فرع لأصل وهو اختلاف الذات، فلما اختلفت ذات الله تعالى عن ذوات المخلوقين لا بد أن تختلف الصفات، فليست ذاته كذوات المخلوقين، وبالتالي فإن صفاته ليست كصفات المخلوقين.

    ثم إن صفات الله سبحانه وتعالى لا توهم التشبيه ولا التمثيل لصفات المخلوقين، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة من جهة النقل عنهم، أما من جهة العقل فما المانع أن نسلم لله عز وجل بما أثبته لنفسه؟ فنكتفي فقط بأن الله تعالى يغضب، ولا يستلزم الغضب في حق الله تعالى انفعالات نفسيه، وإنما ذلك في العبد، فتجعل المرء يتهور، أو يأتي بسفه أو بشيء من هذا، لكن الغضب في حق الله ليس كذلك، وكذلك الفرح: (لله تبارك تعالى أفرح بتوبة عبده من أحدكم من لقاء دابته التي ضلت طريقها) ، فهل فرح الله عز وجل هو نفس فرح العبد؟ لا، وكذلك رحمة الله تبارك وتعالى لعباده ليست كرحمة العباد بعضهم لبعض، فإذا اختلفت الذات فلا بد وأن تختلف الصفات.

    وأما قوله: (والمراد بالسبق والغلبة هنا: كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه).

    فأولاً: هذا القياس غير صحيح؛ للاختلاف بين الخالق والمخلوق، وإذا سلمنا بأن هذا قياس صحيح فلا بأس أن نقول: إن هذا المعنى ينضم إلى المعنى الأصلي، فيكون الأصل عندنا أن الله تعالى يغضب كما يشاء، ويفرح كما يشاء، ويغفر كما يشاء، ويسخط كما يشاء، فنؤمن بهذا ولا نخوض فيه، ولا بأس أن نضم إلى هذا المعنى الأصلي -الذي هو أصل القضية عندنا فيما يتعلق بالصفات- معنىً آخر وهو: أن المراد بالسبق والغلبة هنا: كثرة الرحمة وشمولها، أي: أن رحمة الله تعالى أعظم وأكثر وأشمل من غضبه، فلا بأس بهذا المعنى خاصة وأن الأدلة أثبتت أن رحمة الله تبارك وتعالى أوسع من غضبه، وأن الله تعالى إذا وعد بالرحمة فإنه لا يخلف وعده، وإذا توعد بالعذاب فإن ذلك داخل في مشيئته، فقد تقع أو لا تقع، أي: قد ينفذها الله عز وجل، أو يعفو ويصفح.

    إذاً: رحمة الله تعالى أوسع وأشمل وأعم من غضبه، لكن كيف يغضب؟ وكيف يسخط؟ وكيف يرضى؟ الكيفية لا يعلمها إلا الله عز وجل، ولذلك يحذر من تأويل النص عن ظاهره، بل يجب الإيمان به كما جاء، وإمراره كما جاء، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة قاطبة، ولم يخالف في ذلك أحد منهم.

    شمول رحمة الله للخلق في الدنيا والآخرة

    قال: [ حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، قالوا: حدثنا إسماعيل (يعنون ابن جعفر ) عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرفي ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مائة إلا واحدة) ].

    أي: أن الله خلق الرحمة مائة جزء، وجزء واحد من هذه الأجزاء أنزله لتتراحم به الخلائق جميعاً، من إنسان، وحيوان، وطير، وجماد، وجن، وغيرها من الخلائق، فتصور أن مظاهر الرحمة في بني آدم وفي الجن وفي الحيوانات والطيور وغيرها كلها من آثار رحمة واحدة لله عز وجل، فما بالك بالتسعة والتسعين جزءاً الذي خبأه الله عز وجل ليرحم به عباده المؤمنين في عرصات يوم القيامة.

    فهو يوم وإن كان عصيباً من وجه، إلا أن رحمة الله سبحانه وتعالى تدرك الموحدين بما يفوق حد العقول، لكني لا أعطي بهذا أيضاً بطاقة أو رخصة للوقوع في الذنب والمعصية والآثام اتكالاً على رحمة الله عز وجل، فربما لا تدركك؛ لأنه ليس وعداً على الله عز وجل أن يغفر لكل عاص، وإنما كل عاص إن لم يتب فهو داخل يوم القيامة في مشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فلا تتكل على هذا، واعمل بما هو أحوط لك، وهو لزوم الطاعة.

    قال: [ حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام) ].

    حتى تعلم بشمول رحمة الله عز وجل للخلق، وهذا جزء واحد من مائة جزء، وأن الذين يتراحمون فيما بينهم بهذا الجزء ليسوا فقط بني آدم، وإنما الإنس والجن والبهائم والهوام.

    قال رحمه الله: [ (فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) ].

    قال رحمه الله تعالى: [ حدثني الحكم بن موسى ، حدثنا معاذ بن معاذ -وهو العمري - حدثنا سليمان التيمي -وهو سليمان بن طرخان التيمي- حدثنا أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة) .

    وحدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه -وهو سليمان بن طرخان التيمي المتقدم في الإسناد الأول- بهذا الإسناد ].

    وقوله: (طباق ما بين السماء والأرض) أي: مسيرة خمسمائة عام، وتصور أن هذا حجم الرحمة طولاً، أما عرضاً فإنها تملأ الأرض فلا تبقي منها شيئاً، وهذه رحمة واحدة من رحمات الله، فكيف ببقية رحماته سبحانه وتعالى؟!

    قال رحمه الله: [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل مائة رحمة، وأنزل واحدة فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة)، يعني: أكملها ببقية أجزاء الرحمة التسعة والتسعين.

    رحمة الله بعباده أعظم من رحمة الأم بولدها

    قال: [ حدثني الحسن بن علي الحلواني ، ومحمد بن سهل التميمي (واللفظ لـحسن ) حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان ، حدثني زيد بن أسلم المدني ، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه قال: (قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي أو تسعى إذ وجدت صبياً في السبي) ].

    أي: عندما جيء بسبايا الحرب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجد النبي عليه الصلاة والسلام امرأة من السبي تبحث في بقية المأسورين.

    قال: [ (فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ -يعني: هل تتصورون أن هذه المرأة يمكن أن تطرح وأن تلقي وتقذف بولدها في النار؟- قلنا: لا والله! وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعباده من هذه بولدها) ].

    أي: أن مغفرة الله عز وجل ورحمته أوسع من غضبه، ولذلك لا ينزل عقابه ابتداءً، وإنما يستعمل رحمته سبحانه وتعالى ويهديها عباده أولاً، ولا يعذب إلا من تعين في حقه العذاب.

    شرح حديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ...)

    قال: [ حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعاً، عن إسماعيل بن جعفر ، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل ، أخبرني العلاء ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد) ].

    أي: لو يعلم المؤمن الذي وجبت له الجنة ما عند الله من العقوبة ومن العذاب وما أعد لأهل النار فيها، ما طمع في جنة الله عز وجل، بل لتمنى أن ينجو من النار ومن العذاب، حتى وإن لم يدخل الجنة.

    قال: [ (ولو يعلم الكافر ما عند الله عز وجل من الرحمة ما قنط من جنته أحد) ].

    وهذا في حق الكافر، وهو على عكس ما هو في حق المؤمن.

    وقد ذُكر عن الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمته عندما كان قاضي القضاة في مصر: أنه مر في سوق التجار، فخرج إليه رجل يهودي كان يعمل في بيع السمن والزيت، ومعلوم أن مثل هذه الأعمال تتسخ ملابس وأبدان أصحابها، فخرج إليه ذلك اليهودي وقال له: يا قاضي القضاة! أنتم تزعمون أن نبيكم قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ، ألا ترى ما أنا فيه، وما أنت فيه؟! وكأنه أراد أن يقول له: هذه الحال الذي أنا وأنت فيه إنما يخالف خبر نبيكم صلى الله عليه وسلم، فقال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله: إن ما أعده الله لي إذا دخلت الجنة بالنسبة لي الآن في سجن، وما أعده الله عز وجل لك في الآخرة من عذاب فأنت بالنسبة له الآن في جنة، رغم منظرك ومخبرك، لكن أنت الآن في رحمة عظيمة جداً بالنسبة لما أعد لك في الآخرة؛ لأنك في الآخرة ستخلد في نار جهنم، فأنت الآن تعيش في ظل رحمة الله، تأكل، وتشرب، وتضحك، وتعمل كل شيء، أما في الآخرة فليس لك شيء من ذلك، فأسلم هذا اليهودي.

    شرح حديث الرجل الذي أسرف على نفسه وأوصى بنيه أن يحرقوه إذا مات

    قال: [ حدثني محمد بن مرزوق بن بنت مهدي بن ميمون ، حدثنا روح -وهو روح بن عبادة - حدثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه -يعني: إذا مت فحرقوه، فهو يتكلم بضمير الغائب- ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فو الله! لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا ؟ -أي: لم أمرت بنيك أن يحرقوك ثم يذروا نصفك في البر ونصفك في البحر؟- قال: من خشيتك يا رب! وأنت أعلم، فغفر الله له) ].

    أي: وأنت أعلم بأني أخشاك، فغفر الله عز وجل له ذنبه.

    قال: [ وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد (قال عبد : أخبرنا، وقال ابن رافع -واللفظ له-: حدثنا) عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، قال: قال لي الزهري : ألا أحدثك بحديثين عجيبين؟ قال الزهري : أخبرني حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرف رجل على نفسه -يعني: أفرط في المعاصي- فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فو الله! لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه به أحداً، قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله تعالى للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم -أي: بين يدي الله عز وجل- فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك) ].

    أقوال أهل العلم في تأويل حديث الرجل الذي أمر بنيه إذا مات أن يحرقوه

    قوله: (فوالله! لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين). هذا شك في قدرة الله عز وجل، وهو كفر بالإجماع، لكن العلماء قد اختلفوا في تأويل هذا الحديث:

    فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله؛ لأن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، والكافر مخلد في النار، فلا بد من صرف هذا إلى غير قدرة الله، وقد قال في آخر الحديث: أنه إنما فعل ذلك خوفاً من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله، كما أنه لا يغفر لكافر، والحديث يقول: (فغفر الله له بذلك)، أي: بسبب الخشية، والمؤمن لا بد أن يطير إلى الله بجناحي الخوف والرجاء، فإذا غلب الخوف على الرجاء أدى به إلى اليأس من رحمة الله، وإذا غلب الرجاء على الخوف أدى به إلى التسويف في العمل، اتكالاً على رحمة الله عز وجل، لكن لا بأس أن يزيد الخوف على الرجاء شيئاً يسيراً حتى يحمله في حال صحته على العمل، لكن ينبغي أن يغلِّب رجاء الله على رحمة الله عز وجل خاصة وهو في فراش موته، حتى يلقى الله تبارك وتعالى وهو طامع في جنته.

    لذا فالحديث له تأويلان:

    الأول: أن معنى (قدر) قضى، أي: لئن قضى علي ربي ليعذبني، وقدر بالتخفيف والتشديد، وهما بمعنى واحد.

    الثاني: أن (قدر) بمعنى: ضيق، أي: لئن ضيق الله عز وجل علي، كما في قوله تعالى: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:15-16]، أي: ضيق عليه رزقه.

    والمراد هنا في الحديث: لئن ضيق الله تعالى رحمته علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، وشاهدها في سورة الفجر: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16] وكذلك قول الله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، أي: فظن أننا لا نضيق عليه، وهذا بإجماع المفسرين.

    وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، والمقصود به القدرة، والرجل قال هذا الكلام وهو غير ضابط له، يعني: أنه في حالة ذهول وغفلة وخطأ جعلته يقول مثل هذا الكلام، وهو لا يقصد حقيقة المعنى، ولا معتقد صحة ذلك، وإنما كلام قاله في لحظة غفلة ودهشة، وتسلط الخوف والجزع عليه، بحيث ذهب توقعه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، بل هو أشد من الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها العبد كما هو معلوم من أقوال أهل العلم، وهو نحو قول القائل الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، فهذا الكلام كفر إن قصده صاحبه، لكن لما غلب عليه الفرح أذهله وأدهشه وغيب شيئاً من عقله، فقال كلاماً لم يقصد حقيقته، وإنما قصد خلاف ذلك، ومثله أيضاً: حديث الرجل الذي لم يعمل صالحاً قط، وهو في غير مسلم : (فلعلي أضل على الله)، أي: أغيب عنه، وهذا يدل على أن قوله: (لئن قدر الله) على ظاهره.

    وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالهم، ويسمونه: (مزج الشك باليقين) وهو باب من أبواب الفصاحة، فيمزجون الشك باليقين أحياناً، ولا يريدون حقيقة الشك، وإنما يريدون حقيقة اليقين، كقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24] ومعلوم أن قائل هذا: هم الأنبياء والمرسلون، فهل الأنبياء الذين قالوا هذا القول -الذي يدل بظاهره على الشك- قصدوا به الشك؟ وهل شكوا في أنهم على الهداية التامة وأنهم طائعون لرب العالمين؟

    الجواب: لا، وإنما هذا أسلوب بديع من أساليب العرب، ومن أساليب البلاغة والفصاحة في الكلام، فصورته صورة شك والمراد به اليقين, كما لو قال رجل محق في خصومة طلب إلى القضاء: اذهبوا بها إلى القاضي يقضي لي إن كنت مصيباً، أو يقضي علي إن كنت مخطئاً. مع أنه في حقيقة أمره موقن أنه لم يخطئ، لكن قوله: (إن كنت مخطئأً حكم علي، وإن كنت مصيباً حكم لي) كلام يوحي أنه في شك مما هو عليه، أمصيب هو أم مخطئ؟ مع أن اليقين عنده أنه مصيب.

    حكم من جهل صفة من صفات الله تعالى

    وقالت طائفة: إن هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في حكم جاهل الصفة، وهذه مسألة اعتقادية بحتة، لكنها من فرعيات المعتقد لا من أصوله، فقال القاضي وابن جرير الطبري : الذي يجهل صفة من صفات الله عز وجل يكفر، والجمهور على أنه لا يكفر.

    وأبو الحسن الأشعري صاحب المذهب قديماً كان يذهب مذهب ابن جرير الطبري ، لكنه تحول عن هذا إلى مذهب بقية أهل السنة والجماعة، وقال: لا يكفر جاهل الصفة ولا يخرج عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وهذا مذهب كافة أهل السنة والجماعة، وإليه -كما ذكرنا- رجع أبو الحسن الأشعري واستقر قوله؛ لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق، قال هؤلاء: ولو سُئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قلة، أي: يريد أن يقول: إن أكبر شاهد على هذا الكلام واقع الناس، فلو أنك سألت الناس الآن عن صفات الله عز وجل لوجدت العالم بهذه الصفات قلة قليلة من الناس، وهذا يعني أن غالب الناس يجهلون كثيراً من صفات الله عز وجل، وبالتالي فلو قلتم: يكفرون، إذاً نحن نسألكم عن الصفات، وواقع كثير من الناس أنهم لا يعلمون صفات الله عز وجل، فهل الجهل بصفة من الصفات، أو باسم من الأسماء يكفر بذلك صاحبه؟

    الجاحد لها يكفر؛ لأن جحود الاسم أو جحود الصفة كفر بالله عز وجل، أما الجاهل بها فإنه لا يكفر، وإن كان يجب عليه أن يتعلم صفات المولى عز وجل.

    وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة، وذلك حين كان ينفع مجرد التوحيد الذي يسميه العلماء: (التوحيد المجمل)، مع أنه لا يعرف شيئاً من الجزئيات والفرعيات التي هي من مقتضيات التوحيد، فربما قصر في كثير منها، لكنه على أي حال يأبى إلا أن يكون موحداً لله، بل ويحرص على ذلك، لكن حرصه لا يكفي حقيقة الواقع الذي يعيشه، وأنه في حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد ليس بشيء؛ لأنه يجهل معنى التوحيد ومقتضيات التوحيد، بل يفرط في كثير من شعب الإيمان.

    وزمن الفترة هو ما بين نبيين، بعد اندثار معالم وشريعة نبي، وقبل بعثة نبي آخر، وأهلها هم أهل فترة، فمن كان منهم على الحنيفية السمحة فهو من أهل الجنة، ومن كان منهم على غير ذلك فقد وقع الخلاف بين العلماء بناءً على خلافهم في أصله: هل هناك تكليف قبل ورود الشرع، أم التكليف بورود الشرع؟

    هذه مسألة محل نزاع بين الأصوليين، والراجح فيها: أنه لا تكليف إلا بشرع، لقول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن قوم شرعهم جواز العفو عن الكافر، وهذا كلام غير سديد ولا يصح؛ للمقطوع به في جميع الشرائع، وعند جميع العقلاء أن الكافر من كل فرقة وشريعة مخلد في النار، وأن النار لما خلقها الله عز وجل أعدها للكافرين، وليس للكافرين في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما للكافرين منذ أن خلق الله الخلق إلى قيام الساعة، ثم لماذا أرسل الله تعالى إليهم الرسل؟ أي: هذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر ما هي مهمته؟ وما جزاء من خالف هذا الرسول وعصاه ولم يطعه؟ وما جزاء من كفر بهذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر؟ لا يتصور هذا المذهب قط، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، وغير ذلك من الأدلة.

    وقيل: إن هذا الرجل قصد بذلك تحقير نفسه وعقوبتها، لعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى.

    1.   

    كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في التكفير والتفسيق والتبديع

    لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نافع جداً في هذا الحديث تكلم فيه عن التكفير والتفسيق والتبديع، فأراد أن يفرق بين الوعد والوعيد من جهة، والفارق الجوهري بين أن يقع العبد في الكفر وهو لا يقصد الكفر، والفرق بين الحكم العام والحكم الخاص، وضرب لذلك مثلاً بقضية خلق القرآن، ومعلوم قول أحمد بن حنبل : من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، ومع هذا وجد في زمانه من الأعيان ومن المعتزلة من قال بذلك، ولم يكفر القائل بذلك؛ لأن الكفر لا يكون إلا بتحقق شروط وانتفاء موانع، ففرق جوهري بين القائل وبين القول، فالقول قول كفر بلا شك، أما القائل فكونه يكفر أو لا يكفر مسألة تحتاج إلى تدبر وتفكر وتمحص واختبار لهذا القائل، وإقامة الحجة عليه: هل هو جاهل أو غافل أو ناسي أو سكران؟ وغير ذلك من الموانع التي منعت من إلحاق حكم الكفر بالقائل، وهذا لا يؤثر على كون هذا القول كفراً بواحاً، ولذلك ربما يصدر قولاً أو ترى عملاً هو في أصله مخالف للشرع مخالفة تؤدي إلى الكفر، أو تؤدي إلى البدعة، أو تؤدي إلى التفسيق، لكن لا يكون فاعل هذا الفعل كافراً، ولا مبتدعاً، ولا فاسقاً؛ لأنه يتصور أن عمله هو دين الله الذي نزل من السماء، فتصور أن البدعة سنة، ويحرص عليها أكثر من حرصه على السنة الصحيحة؛ لاعتقاده أن هذه هي سنة، وأن هذا هو دين الله تعالى، فلا يكفر ولا يبدع ولا يفسق؛ لجهله، ولغفلته، ولنسيانه، وللإكراه الذي وقع عليه.

    هذا هو ما دندن حوله شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول رحمه الله: مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي أو غير حنبلي، ولا انتصرت لذلك ولا أذكره في كلامي، بل لا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة، وقد قلت لهم غير مرة: أنا أمهل من يخالفني ثلاث سنين، إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته، فأنا أقر بذلك، وما أذكره إنما هو عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف، مع أني دائماً من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها يكون كافراً تارة، أو فاسقاً أخرى، أو عاصياً ثالثة.

    الخطأ في المسائل الخبرية مغفور

    كما قرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها في المسائل الخبرية القولية، أي: مسائل الغيب، من الجنة، والنار، والصراط، والحشر، والنشر، وعذاب القبر، وغير ذلك، والمسائل العملية المتعلقة بالتكاليف، والحلال والحرام من باب أولى، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يقل أحد منهم على أحد بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة من قرأ: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12] بضم التاء في (عجبت)، كما كان يقرؤها ابن مسعود رضي الله عنه، وأنكرها عليه شريح وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي -مع أن العجب ثابت لله عز وجل في كثير من النصوص- فقال: إنما شريح شاب يعجبه علمه، وعبد الله كان أعلم منه، وكما أنكرت عائشة وبعض الصحابة رؤية محمد عليه الصلاة والسلام لربه، وقالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لـابن عباس وللمخالفين معه: أنت مفترٍ على الله، وكما تنازعت مع بعض الصحابة في كلام الميت وكلام الحي، وفي تعذيب الميت، وغير ذلك من المسائل الفرعية العقدية، وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية ، مع أن أهل السنة متفقون على أن الطائفتين جميعاً مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغياً فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق، مع أن الحق كان مع علي، لكن لا يدعو ذلك إلى نسبة معاوية إلى الفسق؛ لأن الظن به أنه ما أقدم على قتال علي إلا مجتهداً أو متأولاً، ولا يلزم ذلك إصابته للحق.

    وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين بالكفر

    قال ابن تيمية: وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين -وهو هذا الذي اختلف فيه السلف- أي: أن إطلاق القول بالكفر والتعيين بالكفر أمر يجب التفريق بينهما، فالقول مثل: (لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين)، فهذا القول في حد ذاته كفر باتفاق؛ لأنه شك في قدرة الله، بل الإمام أحمد بن حنبل لما سئل عن القدر قال: إن الله على كل شيء قدير، ففرق بين أن هذا القول كفر، وبين تكفير قائله.

    ثم قال: وهذه أول مسألة من مسائل الأصول الكبار التي تنازعت فيها الأمة، أعني: مسألة الوعيد، فإن صفة الوعيد في القرآن مطلقة، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا فهو كذا، فإن هذه مطلقة عامة.

    ثم إن الشخص المعين يلغى حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة.

    فهو يقول لك: إن القول قول كفر، لكن قائل هذا القول ربما يكون له حسنات ماحية، أو بلاء وأمراض ومصائب نزلت عليه، فكلها من مكفرات الذنوب، أو شفاعة مقبولة يوم القيامة، أو غير ذلك، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام -وهذا عذر- فلا يعلم أحكام الإسلام، فلا يكفر لجهله، أو لأنه نشأ في بادية بعيدة عن العلم والعلماء، كما هو معروف الآن، تذهب أي قرية أو أي بادية من البوادي فترى هناك بدعاً كثيرة جداً، فتقول: يا إخواني! هذه بدعة وهذه سنة، فيقولون: هذا الكلام أول مرة نسمعه، بل يقولون: هذا دين جديد، ليس لنا به سابق عهد! وهو ليس بدين جديد، وإنما هو نفس الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم بجهلهم وبعدهم عن مواطن العلم والنور والهدى تصوروا أنه دين جديد.

    قال ابن تيمية: ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل الذي يسمع تلك النصوص أو سمعها لم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً في هذا التأويل.

    قال: وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين، حديث الرجل الذي قال لبنيه: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني)، وذكر الحديث، فهذا رجل شك في قدرة الله وإعادته إذا ذري في البر والبحر، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكنه كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر الله له بذلك الإيمان؛ لأن الخشية هي من شعب الإيمان، والرجل كان في أصله مؤمناً، فالله تعالى غفر له بأصل الإيمان، وتجاوز عنه بصفة القدرة له سبحانه.

    قال: والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثالث، وقال كذلك في المجلد الثاني عشر كلاماً طيباً، فهو يذكر كلاماً كالمقدمات في اسم المؤمن والكافر، ومن يصدق عليهم هذا الاسم.

    بيان سبب التنازع في مصطلح الإيمان والكفر ومن ينسب إليهما

    ثم يقول: وسبب هذا التنازع -أي: في مصطلح الإيمان والكفر ومن ينسب إليهما- تعارض الأدلة في الظاهر، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً، فتعارض عندهم الدليلان.

    إذاً: هو يريد أن يقول: إن كل أعمال هذا الرجل إيمان، وهو أحرص على الإيمان والإسلام والتوحيد منك، لكنه يقول كفراً، فتعارض عندهم ما عليه الرجل عامة، وما يقوله خاصة في قضية بعينها تستوجب الكفر، فلما تعارض عندهم عمله وقيامه على التوحيد بما بدر منه مما يناقض هذا التوحيد قالوا: من قال كذا فهو كافر. لفظ عام وشامل، والمستمع لهذه المقولة يعتقد أن هذا اللفظ شامل لكل من قال بذلك القول.

    ومن الخطأ أن يحلف الرجل فيقول: ورب القرآن الكريم. وهذا كفر، لأنه بقسمه هذا كأنه يقول: إن القرآن مخلوق، وهو في نهاية الأمر قول المعتزلة، مع أن القائل لا يكفر؛ لجهله.

    قال: ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات -أي: من قال: القرآن مخلوق- لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.

    ومنهم: يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل، مع أن الإمام أحمد بن حنبل يعلم يقيناً أن ابن معين لا يعتقد هذا القول، إذ كانت هذه فتنة وقع فيها من وقع، وصبر فيها من صبر، وكان أحمد بن حنبل يمنعه عن مجلسه بعد أن تلقى عنه علم الجرح والتعديل، فرفض أحمد بن حنبل أن يلقى يحيى بن معين في المجلس، أو أن يدخله عليه كضيف أحمد بن حنبل.