اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - سقوط الذنوب بالاستغفار للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - سقوط الذنوب بالاستغفار - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
فطر الله تعالى الخلق على الخطأ والوقوع في الآثام، وجعل الاستغفار منهم موجباً لسقوط الذنوب، والعبد إذا أذنب فإن ذنبه مهما بلغ ما هو إلا شيء، والله عز وجل وسعت رحمته كل شيء، وباب التوبة لا يغلق حتى تقوم على العبد إحدى القيامتين، ولا يمل الله عز وجل من كثرة توبة عبده، بل هو أشد فرحاً بها من رجل فقد راحلته بأرض فلاة، فلما يئس منها إذا به يجدها قائمة فوق رأسه.
باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة
الاستغفار مهم جداً في مغفرة الذنب، والاستغفار في حد ذاته توبة من الله عز وجل.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن محمد بن قيس -وهو المعروف بـالقاص ، وهو من أهل المدينة، وكان قاصاً في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى- عن أبي صرمة المازني الأنصاري -وهو صحابي مختلف في اسم أبيه- عن أبي أيوب ] . وهو أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد بن كليب ، من كبار الصحابة، حضر بدراً، ومات غازياً الروم سنة خمسين هجرية، وله منقبة عظيمة جداً وهي: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر من مكة إلى المدينة نزل في بيته.قال: [ أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم) ].
 كتمان العلم مخافة اتكال الناس على سعة رحمة الله من هدي السلف رحمهم الله
وفعل أبي أيوب الأنصاري هذا وهو على فراش الموت فعل غير واحد من الصحابة، كـأبي هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومعاذ بن جبل ، وأبي ذر وغيرهم، فقد كان عندهم من العلم ما كتموه طيلة حياتهم، حتى إذا أشرف أحدهم على الموت حدث به تأثماً، وليس كتمان العلم جائزاً مطلقاً، كما أن إفشاء العلم ليس جائزاً مطلقاً. فهدي العلماء أن العلم لا يبث إلا في أهله وفيمن يستحق، فلا يعلم كل أحد، وإنما يعلم من يصون هذا العلم، علماً وعملاً واعتقاداً، أما المستهزئون فإنهم لا يتعلمون، بل لا ينفعهم العلم، وهؤلاء سقط الناس ورعاعهم الذين لا يقدرون العلم والعلماء، وعليه فما قيمة أن يعلموا العلم؟ قال مالك يوصي بعض طلاب العلم لما ودعه مسافراً: أوصيك أن تأخذ العلم من أهله وأن تضعه في أهله.أي: خذ العلم من العلماء، وضعه في أقوام هم له أهل، وإنها وصية غالية جداً، لا يعلم معناها إلا مالك ومن كان على شاكلة مالك، رحم الله جميع علمائنا.كذلك: حديث أبي هريرة الطويل في صحيح مسلم ، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة : (اذهب خلف هذا الحائط، فمن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة، فكان أول من وجده: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: قال لي النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا هريرة ! اذهب خلف هذا الحائط فمن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة. فقال أبو هريرة : فضربني عمر ضربة خررت منها على استي، وقال: لا تفعل، فذهب أبو هريرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: قد فعلت ما قلت يا رسول الله! وقد حصل من أمر عمر كذا وكذا، وكان عمر في إثره، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عمر ! ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله! مخافة أن يتكلوا، دع الناس يعملون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعهم يعملون) .أيضاً: قوله عليه الصلاة والسلام لـأبي ذر : (يا أبا ذر ! اذهب فقل للناس: من كان يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله موقناً بها قلبه فبشره بالجنة) . فقال أبو ذر عند موته: حدثني النبي صلى الله عليه وسلم بحديث كتمته عنكم، وما أحدثكم إلا تأثماً، أي: مخافة الوقوع في إثم كتمان العلم.إذاً: العلم يكتم أحياناً لمصلحة مخافة أن يتكل الناس على أحاديث الرجاء أو آيات الرجاء، كما أن العلم لا بد من بثه في وقت معين إذا تعين ذلك، وربما هؤلاء سمعوا أحاديث من النبي عليه الصلاة والسلام لم يسمعها غيرهم، فتعين عليهم البلاغ، لكنهم كتموا هذا العلم وقتاً من الزمان؛ مخافة اتكال الناس على سعة رحمة الله، فيدعون العمل، ثم إنهم حدثوا به في وقت غلب على ظنهم أنهم بعد هذا الوقت يموتون ويموت معهم العلم الذي كتموه؛ لأنه ليس مع غيرهم، فحدثوا به مخافة الوقوع في الإثم.قال النووي: إنما كتموه أولاً مخافة اتكالهم على سعة رحمة الله تعالى، وانهماكهم في المعاصي، وإنما حدث به عند وفاته لئلا يكون كاتماً للعلم، وربما لم يكن أحد يحفظه غيره، فتعين عليه أداؤه، وأصبح فرض عين عليه أن يؤديه وأن يحدث به، وهو نحو قوله في الحديث الآخر: وأخبر بها معاذ تأثماً عند موته. أي: خشية الإثم بكتمان العلم.
باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا
الإنسان مطلوب منه أن يكثر من التفكر، والتدبر، واستحضار مراقبة الله عز وجل، وغير ذلك من الأعمال التي من شأنها أن تصون سيره إلى الله عز وجل، وتثبته على الطريق حتى لا ينحرف عنه، لكن هذا ليس في كل وقت؛ لأن هذا لو كان في كل وقت فلربما أدى إلى يأس وقنوط العبد من رحمة الله تعالى.الأمر الآخر: أن ذلك سيشغله عن طلب معاشه، ورعاية من يعولهم، وربما كان العبد صاحب رقة قلب فينفطر قلبه وفؤاده من خشية الله عز وجل، فيؤدي به إلى القنوط واليأس من رحمة الله.
 شرح بعض مفردات حديث حنظلة
قال: [ حدثني إسحاق بن منصور -وهو المعروف بـالكوسج البغدادي، تلميذ أحمد بن حنبل - أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه، حدث عن سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكر النار - أي: ذكرنا بالنار - قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة ، فقال: مه -كلمة استنكار تقولها العرب، وكأن النبي يقول له: أنت لم تقع في النفاق- فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة ! ساعة وساعة، ولو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق) ]. يعني: لو أن قلوبكم إذا ذكرت تذكرت كما لو تذكرت في مجلس الذكر، فلا يضركم أن تنشغلوا عن الذكر في غير مجالس الذكر، ولا يضركم أن تنشغلوا عن الذكر بمعافسة الزوجة والأولاد، وطلب المعاش وغير ذلك، لكن إذا لم تتأثر قلوبكم بالذكر والموعظة في مجلس الذكر، فتكون مصيباً إن اتهمت نفسك، أما لو كان قلبك يرق من الموعظة ويتأثر بكلام الله وبكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وذكر الجنة والنار، وغيرها من الأخبار، فإن هذا يدل على سلامة القلب، وعلى إيمان القلب.أما أن تخرج بهذا الجو النفسي من مجلس الذكر، وتطالب قلبك بأن يصحبك في كل وقت بهذه الحالة، فإن هذا ليس في مقدور أحد، ولذلك لم يقدر عليه أفضل الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والنبي عليه الصلاة والسلام قد بشر بأنه لو كان كذلك في مجلس الذكر دون غيره من بقية المجالس لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات. قال: [ حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا سفيان -وهو الثوري - عن سعيد الجريري عن أبي عثمان النهدي ، عن حنظلة التميمي الأسيدي الكاتب -أي كاتب الوحي- قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار.. فذكر حديثهما ]. قال الإمام النووي في قول حنظلة : (عافسنا)، معناه: حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا -أي: طلبناها- والضيعات: جمع ضيعة، وهي معاش الرجل من مال، أو حرفة، أو صناعة. وروى الخطابي هذا الحرف (عانسنا) ومعناه: لاعبنا -وعانسنا من العنوسة وهي اللعب- ورواه ابن قتيبة بالشين المعجمة، قال: ومعناه: عانقنا، والأول هو المعروف وهو أعم.وأما قوله: (نافق حنظلة) فمعناه: أنه خاف أنه منافق، حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقاً، فأعلمهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك، أي: أنهم غير مكلفين بأن يعيشوا دائماً -حتى في طلب معاشهم- كما لو كانوا يعيشون في مجلس الوعظ والذكر، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يبكي أحياناً ويضحك أحياناً، فهل يضحك إنسان يرى النار رأي العين؟ لا يمكن قط، لكن رحمة الله عز وجل تدرك جميع الخلق من المؤمنين الموحدين، فينسون ما يكدر عليهم معاشهم وحياتهم، حتى يتسنى لهم طلب الحياة والمعاش، وإلا لو كان منظر النار لا يغيب قط عن عين أحد لما انتفع بنفسه، ولما انتفع بقلبه، ولذا كان من رحمة الله عز وجل بالإنسان أنه ينسى أحياناً المواعظ حتى ينشغل بما تعين عليه في وقته.لكن لو أن إنساناً في مصنع أو على مكينة أو على كمبيوتر أو أي شيء من الأعمال، وصورت له النار، أو سمع موعظة بليغة جداً أثرت في قلبه، فربما عطلته عن العمل لفرط شفافيته ورقته، وآخر: يأتي فيشكي أنه لا يستطيع أن يأتي زوجته، أو يداعب أولاده، ولا أن يعمل في العمل وحياته كلها مكدرة مقلوبة رأساً على عقب؛ لأنه يخاف الله ولم يتصور أنه لا يغفر ذنبه، فهذا إنسان في طريق اليأس من رحمة الله عز وجل.وأما قوله: (فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة . فقال: مه) قال القاضي : معناه الاستفهام، أي: ما تقول؟ والهاء هنا هاء السكت، قال: ويحتمل أنها للكف والزجر والتعظيم لذلك، يعني: كأنه أراد أن يقول له: اسكت فلم تنافق.
باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه
قال: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا المغيرة يعني الحزامي -وهو ابن عبد الرحمن المدني - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي) ].أي: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه هو؛ لأنه قال: كتب في كتابه، فأضاف ضمير الغائب إلى الكتاب، فدل على أن الكتاب هو كتاب مخصوص بالله عز وجل.وهذا الكتاب مكتوب فيه (إن رحمتي تغلب غضبي) .قال: [ وحدثني زهير بن حرب ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: سبقت رحمتي غضبي) ].هذان الأمران: السبق والغلبة، موصوف بهما رحمة الله عز وجل.قال: [ حدثنا علي بن خشرم ، أخبرنا أبو ضمرة -وهو أنس بن عياض المدني - عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن عطاء بن ميناء ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق) ].أي: فرض، وقد ورد (قضى) في القرآن والسنة ثلاث عشرة مرة، لكل واحدة منها معنى يخصه، ويحدد هذا المعنى من خلال السياق.قال: [ (لما قضى الله الخلق - أي: لما خلق الله الخلق، وفرغ من خلق الخلق - كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده -أي: فهو عنده فوق العرش-: إن رحمتي تغلب غضبي) ].قال: [ حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب -قد قلنا مراراً: يونس إذا كان بين ابن وهب والزهري فهو يونس بن يزيد الأيلي - أن سعيد بن المسيب أخبره، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) ].
 حكم من جهل صفة من صفات الله تعالى
وقالت طائفة: إن هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في حكم جاهل الصفة، وهذه مسألة اعتقادية بحتة، لكنها من فرعيات المعتقد لا من أصوله، فقال القاضي وابن جرير الطبري : الذي يجهل صفة من صفات الله عز وجل يكفر، والجمهور على أنه لا يكفر. وأبو الحسن الأشعري صاحب المذهب قديماً كان يذهب مذهب ابن جرير الطبري ، لكنه تحول عن هذا إلى مذهب بقية أهل السنة والجماعة، وقال: لا يكفر جاهل الصفة ولا يخرج عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وهذا مذهب كافة أهل السنة والجماعة، وإليه -كما ذكرنا- رجع أبو الحسن الأشعري واستقر قوله؛ لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق، قال هؤلاء: ولو سُئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قلة، أي: يريد أن يقول: إن أكبر شاهد على هذا الكلام واقع الناس، فلو أنك سألت الناس الآن عن صفات الله عز وجل لوجدت العالم بهذه الصفات قلة قليلة من الناس، وهذا يعني أن غالب الناس يجهلون كثيراً من صفات الله عز وجل، وبالتالي فلو قلتم: يكفرون، إذاً نحن نسألكم عن الصفات، وواقع كثير من الناس أنهم لا يعلمون صفات الله عز وجل، فهل الجهل بصفة من الصفات، أو باسم من الأسماء يكفر بذلك صاحبه؟ الجاحد لها يكفر؛ لأن جحود الاسم أو جحود الصفة كفر بالله عز وجل، أما الجاهل بها فإنه لا يكفر، وإن كان يجب عليه أن يتعلم صفات المولى عز وجل.وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة، وذلك حين كان ينفع مجرد التوحيد الذي يسميه العلماء: (التوحيد المجمل)، مع أنه لا يعرف شيئاً من الجزئيات والفرعيات التي هي من مقتضيات التوحيد، فربما قصر في كثير منها، لكنه على أي حال يأبى إلا أن يكون موحداً لله، بل ويحرص على ذلك، لكن حرصه لا يكفي حقيقة الواقع الذي يعيشه، وأنه في حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد ليس بشيء؛ لأنه يجهل معنى التوحيد ومقتضيات التوحيد، بل يفرط في كثير من شعب الإيمان.وزمن الفترة هو ما بين نبيين، بعد اندثار معالم وشريعة نبي، وقبل بعثة نبي آخر، وأهلها هم أهل فترة، فمن كان منهم على الحنيفية السمحة فهو من أهل الجنة، ومن كان منهم على غير ذلك فقد وقع الخلاف بين العلماء بناءً على خلافهم في أصله: هل هناك تكليف قبل ورود الشرع، أم التكليف بورود الشرع؟هذه مسألة محل نزاع بين الأصوليين، والراجح فيها: أنه لا تكليف إلا بشرع، لقول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن قوم شرعهم جواز العفو عن الكافر، وهذا كلام غير سديد ولا يصح؛ للمقطوع به في جميع الشرائع، وعند جميع العقلاء أن الكافر من كل فرقة وشريعة مخلد في النار، وأن النار لما خلقها الله عز وجل أعدها للكافرين، وليس للكافرين في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما للكافرين منذ أن خلق الله الخلق إلى قيام الساعة، ثم لماذا أرسل الله تعالى إليهم الرسل؟ أي: هذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر ما هي مهمته؟ وما جزاء من خالف هذا الرسول وعصاه ولم يطعه؟ وما جزاء من كفر بهذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر؟ لا يتصور هذا المذهب قط، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، وغير ذلك من الأدلة.وقيل: إن هذا الرجل قصد بذلك تحقير نفسه وعقوبتها، لعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى.
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في التكفير والتفسيق والتبديع
لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نافع جداً في هذا الحديث تكلم فيه عن التكفير والتفسيق والتبديع، فأراد أن يفرق بين الوعد والوعيد من جهة، والفارق الجوهري بين أن يقع العبد في الكفر وهو لا يقصد الكفر، والفرق بين الحكم العام والحكم الخاص، وضرب لذلك مثلاً بقضية خلق القرآن، ومعلوم قول أحمد بن حنبل : من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، ومع هذا وجد في زمانه من الأعيان ومن المعتزلة من قال بذلك، ولم يكفر القائل بذلك؛ لأن الكفر لا يكون إلا بتحقق شروط وانتفاء موانع، ففرق جوهري بين القائل وبين القول، فالقول قول كفر بلا شك، أما القائل فكونه يكفر أو لا يكفر مسألة تحتاج إلى تدبر وتفكر وتمحص واختبار لهذا القائل، وإقامة الحجة عليه: هل هو جاهل أو غافل أو ناسي أو سكران؟ وغير ذلك من الموانع التي منعت من إلحاق حكم الكفر بالقائل، وهذا لا يؤثر على كون هذا القول كفراً بواحاً، ولذلك ربما يصدر قولاً أو ترى عملاً هو في أصله مخالف للشرع مخالفة تؤدي إلى الكفر، أو تؤدي إلى البدعة، أو تؤدي إلى التفسيق، لكن لا يكون فاعل هذا الفعل كافراً، ولا مبتدعاً، ولا فاسقاً؛ لأنه يتصور أن عمله هو دين الله الذي نزل من السماء، فتصور أن البدعة سنة، ويحرص عليها أكثر من حرصه على السنة الصحيحة؛ لاعتقاده أن هذه هي سنة، وأن هذا هو دين الله تعالى، فلا يكفر ولا يبدع ولا يفسق؛ لجهله، ولغفلته، ولنسيانه، وللإكراه الذي وقع عليه. هذا هو ما دندن حوله شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول رحمه الله: مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي أو غير حنبلي، ولا انتصرت لذلك ولا أذكره في كلامي، بل لا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة، وقد قلت لهم غير مرة: أنا أمهل من يخالفني ثلاث سنين، إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته، فأنا أقر بذلك، وما أذكره إنما هو عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف، مع أني دائماً من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها يكون كافراً تارة، أو فاسقاً أخرى، أو عاصياً ثالثة.
 بيان سبب التنازع في مصطلح الإيمان والكفر ومن ينسب إليهما
ثم يقول: وسبب هذا التنازع -أي: في مصطلح الإيمان والكفر ومن ينسب إليهما- تعارض الأدلة في الظاهر، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً، فتعارض عندهم الدليلان.إذاً: هو يريد أن يقول: إن كل أعمال هذا الرجل إيمان، وهو أحرص على الإيمان والإسلام والتوحيد منك، لكنه يقول كفراً، فتعارض عندهم ما عليه الرجل عامة، وما يقوله خاصة في قضية بعينها تستوجب الكفر، فلما تعارض عندهم عمله وقيامه على التوحيد بما بدر منه مما يناقض هذا التوحيد قالوا: من قال كذا فهو كافر. لفظ عام وشامل، والمستمع لهذه المقولة يعتقد أن هذا اللفظ شامل لكل من قال بذلك القول.ومن الخطأ أن يحلف الرجل فيقول: ورب القرآن الكريم. وهذا كفر، لأنه بقسمه هذا كأنه يقول: إن القرآن مخلوق، وهو في نهاية الأمر قول المعتزلة، مع أن القائل لا يكفر؛ لجهله.قال: ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات -أي: من قال: القرآن مخلوق- لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.ومنهم: يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل، مع أن الإمام أحمد بن حنبل يعلم يقيناً أن ابن معين لا يعتقد هذا القول، إذ كانت هذه فتنة وقع فيها من وقع، وصبر فيها من صبر، وكان أحمد بن حنبل يمنعه عن مجلسه بعد أن تلقى عنه علم الجرح والتعديل، فرفض أحمد بن حنبل أن يلقى يحيى بن معين في المجلس، أو أن يدخله عليه كضيف أحمد بن حنبل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - سقوط الذنوب بالاستغفار للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net