إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. حسن أبو الأشبال الزهيري
  5. سلسلة شرح صحيح مسلم
  6. كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
  7. شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للذكر فضل عظيم عند الله تعالى، فإن الله يضاعف به الحسنات ويمحو به السيئات، والاجتماع على الذكر وتلاوة القرآن له أيضاً فضل عظيم وفوائد جمة، فهو سبب لتنزل الرحمات، وحضور الملائكة لتلك الجلسات، ومباهاة الله عز وجل ملائكته بأولئك القوم الذين انقطعوا لذكره، ومن أوى إليهم آواه الله، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

    1.   

    فضل التهليل والتسبيح والدعاء

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:

    ففي الدرس الماضي تكلمنا عن الباب العاشر وهو في فضل التهليل والتسبيح والدعاء، وفيه: [عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، وحطت عنه -أو ومحيت عنه- مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)].

    وفي رواية: قال: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحداً قال مثلما قال أو زاد عليه). والزيادة إما أن تكون في العدد أو في الوقت.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل) عليه السلام.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

    هذا آخر حديث في صحيح البخاري ، ختم به البخاري صحيحه، وفيه: من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتسبيحه وتوجيه الحمد إليه دون سواه سبحانه وتعالى. وفيه غير ذلك من الفوائد وقد ذكرناها في الدرس الماضي.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: [ (لئن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) ].

    وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: [ (أن أعرابياً قال للنبي عليه الصلاة والسلام: علمني كلاماً أقوله. قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. قال الأعرابي: هؤلاء لربي فما لي؟) ]. أي: هذه الكلمات مدح وثناء وتمجيد وتعظيم لله، فهذا حق الله علي، فماذا لنفسي ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ (قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني) ].

    وفي حديث سعد بن أبي وقاص أيضاً قال: [ (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ قالوا: يا رسول الله! كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة) ].

    1.   

    باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر

    الباب الحادي عشر: قال الإمام النووي: (باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر):

    شرح حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمداني -واللفظ لـيحيى - قال يحيى : أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير- عن الأعمش -وهو سليمان بن مهران الكوفي- عن أبي صالح] وهو ذكوان السمان ، فلقب بـالسمان ؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت من المدينة فيبيعه في الكوفة، فلقب بصنعته وعمله.

    [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)].

    هذا حديث عظيم، وهو أصل من أصول الإسلام، مطلعه يدل دلالة عظيمة صريحة أن الجزاء دائماً يكون من جنس العمل إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة). وفي رواية: (من كرب الدنيا والآخرة). يجعل الله تعالى جزاء تنفيس هذا العبد لكرب إخوانه أن ينفس عنه كربه أو كرب الدنيا والآخرة.

    وهذا المقطع من الحديث جليل القدر جداً؛ ولذلك لا يعرف معناه إلا من وقع في الكرب العظيم، أما من كان في حال السلامة والأمان فإنه لا يشعر بقيمة ولذة هذا الكلام، فإذا وقع الواحد منا في كرب عظيم لا مخرج له إلا أن يقيض الله تعالى له رجلاً ينفس هذه الكربة على يديه، فحينئذ يستشعر رحمة الله عز وجل، ورحمة الإسلام، وعظمة الإسلام، فلذلك كان غير واحد من السلف يقول: لئن أمشي في حاجة أخي لقضائها وتنفيسها أحب إلي من ألف ركعة. أي: من النوافل.

    ودائماً تفضيل الأعمال الصالحة على الصلاة يستثنى منه المكتوبات. وبعضهم يستثني منه الرواتب. أي السنن الراتبة. وإنما كلامهم -أي: مذهب الجمهور- في تفضيل الأعمال على الصلوات. أي: صلاة النافلة المطلقة بخلاف الفريضة وما يلزمها، وما شرع لها من صلاة راتبة قبلها أو بعدها.

    معنى قوله: (من نفس عن مؤمن كربة)

    قوله عليه الصلاة والسلام: (فمن نفس عن مؤمن) هذا قيد يخرج به غير المؤمن، وأنتم تعلمون أن الإيمان إذا أطلق يشمل معه الإسلام، وإذا إطلق الإسلام شمل معه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان والإسلام في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يدل عليه، كما سأل جبريل عليه السلام النبي عليه الصلاة والسلام: (ما الإسلام؟ قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).

    وفي حديث وفد عبد القيس الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما أنهم قالوا: (يا رسول الله! بيننا وبينك كفار مضر، ولا يمكن أن نصل إليك إلا في الأشهر الحرم فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا. قال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وتودوا الخمس من المغنم).

    فعرف النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان في هذا الحديث بما عرف به الإسلام في حديث جبريل، فدل هذا على أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يدل عليه، كما قال له: (وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره). مع أن مدلول الإيمان هنا وأصول الإيمان هنا لم تكن هي نفس أصول الإيمان في حديث وفد عبد القيس، بل جعل الإيمان في وفد عبد القيس هو الإسلام؛ لأنه لم يذكر الإسلام. فهذا يبين لنا معنى كلام الفقهاء: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في دليل افترقا في المدلول، وإذا افترقا في الأدلة شمل كل واحد منهما الآخر، وهذا معنى قولهم: (إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا). مثل المسكين والفقير، عند إطلاق المسكين يشمل معه الفقير، لكن إذا كان المسكين والفقير في نص واحد فالفقير له مدلول، والمسكين له مدلول آخر.

    قال: (من نفس عن مؤمن كربة). الكربة هي أي هم وحزن وغم يدخل على المرء، سواء كان ذلك في دينه أو في ماله أو في أهله أو في أولاده أو في عمله أو في أي شيء يتعلق بهذا المؤمن، وتقييد الدليل لهذا بالإيمان -أي: بالمؤمن- إنما هو احتراز من تفريج الكرب عن الكافر. فهذا فيه فضيلة تفريج الكرب عن أهل الإيمان والإسلام على السواء.

    قال: (نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة). والأمر شديد جداً، وربما لا نستشعر شدة الموقف إلا إذا كنا في موقف الحشد والحساب والجزاء.

    ولذلك جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجاء بالعبد يوم القيامة فيقف بين يدي الله عز وجل ليس بينه وبينه ترجمان، فتنشر له صحيفة مد بصره، قد ملئت بالسيئات، فالله عز وجل يقول له: عبدي! أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ والعبد يقول: نعم يا رب! نعم يا رب! حتى إذا ظن العبد الهلكة). أي: ظن أنه ليس بناج لكثرة ما سمعه مما قد عمله آنفاً في حياته الدنيا فيقول الله عز وجل -وهذا من فضل رحمته- (وأنا قد سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم).

    لكن هذا الدليل وغيره من أدلة الرجاء لا تجعل أحدنا يركن إليها؛ لأن الواحد منا لا يأمن مكر الله عز وجل، وإذا أخذك الله تعالى بفضله فهذا له سبحانه، وإذا أخذك بعدله هلكت، وهو غير ظالم لك، فاحذر أن يعاملك الله تعالى بعدله، كما ينبغي أن تعلم إذا كنت من أصحاب الكبائر فأنت في مشيئة الله إن شاء عذبك وإن شاء عفا عنك، ويكفيك وجلاً وخوفاً ورعباً أنك في مشيئة الله.

    معنى قوله: (من يسر على معسر يسر الله عليه)

    قال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) الله تعالى يقول: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]. إذا كان المدين معسراً ليس مماطلاً، فهذا له حكم الإعسار في الشرع وهو الإنظار إلى حين ميسرة. أي: إلى أن يتيسر أمره، والعفو لمن ملكه أفضل.

    ولذلك جاء في الصحيح: (أن رجلاً كان يداين الناس، وكان يرسل غلامه ويوصيه: يا بني! أنظر المعسر أو تجاوز). يعني: لا تأخذ منه شيئاً، برئت ذمته وساحته. (فجيء بهذا العبد يوم القيامة فوقف بين يدي الله عز وجل، قال: يا عبدي! ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! قلت: أجود بمال الله على عباد الله! قال: أتجود على عبادي وأنا الجواد؟ لقد عفوت عنك). وهذا الرجل لم يعمل خيراً قط إلا هذا العمل، وهو من أمة سابقة على أمة النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى لا يقول أحد هذا العبد دخل بغير صلاة ولا صيام ولا شيء من هذا، فهذا في شرع من قبلنا؛ ولذلك تجاوز الله عز وجل عنه لهذا العمل.

    وكما تعلمون (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض). فهي دخلت النار؛ لأجل أنها عذبت نفساً محترمة، وكان بإمكانها أن ترعاها وأن تصونها إما بإطعامها أو بتركها تأكل من هوام الأرض، ولكنها لم تفعل ذلك.

    وتعلمون (أن امرأة بغياً -أي: امرأة زانية- دخلت الجنة لأجل نجدتها لكلب كان يلعق الثرى من شدة العطش، وكانت هذه البغي قد مرت بهذه الحالة من العطش، فلما رأت ما نزل بالكلب من عطش خلعت خفها فنزلت البئر وملأته ماءً وقدمته للكلب، فشكر الله تعالى لها صنيعها). وهذا يفسر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله).

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالخواتيم). أي: بقدر ما يختم لك بها. وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).

    قال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة). أما إذا كان مماطلاً فإنما يكفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام الذي أخرجه مسلم وأحمد في مسنده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (مطل الغني ظلم). قال العلماء: الغني: هو من ملك أداء الدين.

    ولا يلزم من ذلك: أن يكون صاحب ملايين، أو صاحب عمارات وعقارات، بل يثبت له حكم الغنى إذا كان يملك مقدار الدين الذي عليه.

    وأنتم تعلمون خطورة الدين، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لما جاء برجل بين يديه ليصلي عليه الجنازة قال: أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يوفى به دينه؟ قالوا: لا يا رسول الله.

    فقال: دونكم صاحبكم صلوا عليه. فقام رجل من أصحابه وتحمل حمالته. فقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، فصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام) لما في صلاته على أصحابه وأمته من البركة والخير، لقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي: وادع لهم- إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]. (ثم لما جن الليل رأى هذا الذي قد تحمل الحمالة فقال: يا فلان؟ أقضيت عن صاحبك؟ قال: لا يا رسول الله! إنما هما ديناران، والأمر عجل). يعني: القصة كلها وقعت هذا اليوم. فقال: (يا فلان! اذهب فاقض عن صاحبك، فذهب الرجل فلقيه النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الغداة) أي: في صلاة الصبح من اليوم الثاني: (فقال: يا فلان!) أو قال: (أين فلان! قال: أنا يا رسول الله! قال: هل قضيت عن صاحبك؟ قال: نعم يا رسول الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: الآن بردت عليه جلده).

    تصور أن القبر يحمى على رجل عليه ديناران، فما بالكم بمن يرتع في أموال الناس يمنة ويسرة، يأخذها لا يبالي بردها، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله). لم يقل: أتلف ماله، وإنما قال: أتلفه الله.

    معنى قوله: (من ستر مسلماً ستره الله)

    قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).

    (ومن ستر مسلماً): لا بد للصحوة أن تقف عند هذا النص، فما أسرع الغيبة والنميمة في الصحوة الإسلامية وما أفشاها وما أكثرها! ولذلك فإن مجتمع الصحوة مجتمع منفتح إلى أعلى مستوى، وإلى أقصى حد بخلاف عامة الناس الذين ربما لا يصلون ولا يصومون ولا يدرون في أي شهر نحن، ولا كيف أيامنا، ولا كيف نسير، ولا لماذا خلقوا، ومع هذا تجدهم في غاية الأدب والاحترام، فهم يكفون ألسنتهم، لا يتكلم أحد في عرض صاحبه، ولا في عرض جاره، ومهما ظهر على جاره من نعيم الدنيا وملذاتها لا يخطر على باله أن يسأل جاره من أين لك هذا؟ ولا يخطر على باله حتى أن يبارك له؛ لأن كل منهم في حاله، لكن مجتمع المناطق الشعبية، ومجتمع الصحوة على جهة الخصوص مجتمع قد امتلأ حقداً وحسداً وضغينة وهتكاً للأعراض وسلباً لعدالة الثقات العدول، وغير ذلك من هذه الأمراض الفتاكة التي تمر بها الصحوة الإسلامية اليوم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من ستر مسلماً) أي: على خزية وقع فيها أو منقصة.

    ولو أن رجلاً اليوم وقع في معصية لانتشر صيت هذه المعصية في ملأ الصحوة كسرعة البرق. ونحن مأمورون أن نستر عليه، وأنتم تعلمون قصة ماعز الأسلمي الذي زنى، واستدرجه سيده ومولاه، قال: اذهب بنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى ينزل فيك قرآن بالتوبة، وهو يريد أن يقام عليه الحد، وأنتم تعلمون أن القصة طويلة، فلما أقيم عليه الحد التفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى نعيم بن هزال وهو سيد ماعز وقال: (ويحك يا نعيم) أي: ويل لك. (لو سترته لكان خيراً لك) وهذا زنا، وهو كبيرة من الكبائر. قال: (لو سترته بثوبك) يعني: الواحد ممكن يرى رجلاً يزني فيخلع له ثوبه ويستره. هذا ظاهر الحديث. وما الذي يمنعك من ذلك والشرع قد أتى بكل خير وحث على الستر؟

    ولذلك فإن هذه المجلات والصحف التي تذكر الحوادث لم تعالج ظاهرة الفساد في المجتمع بل كانت سبباً في انتشار الجريمة أكثر، وتجد الرجل يدخل السجن بجريمة واحدة ويخرج منه مجرماً حقيقياً.

    وجدت ولداً عمره اثنا عشرة سنة، يحوم حول سيارة، فراقبته من بعيد حتى فتح باب السيارة، فلما وضع يده على المسجلة أخذته برقبته، فقال: والله ما عملت شيئاً. فقلت له: المسجلة في يدك. فقال: سيارة أبي نفس السيارة هذه. فقلت له : اتحاد السيارة يعني اتحاد المسجلة.

    ثم قلت له: على أية حال أنا سأتركك؛ لأنك لو دخلت السجن ستخرج مجرماً كبيراً، ليس سارق تسجيلات أو شيء تافه، ستخرج من السجن وستمارس سرقة الفلل والقصور؛ لأنك ستجد العمد كلهم والبهوات الكبيرة والمتخصصين على أعلى مستوى داخل السجن.

    ثم أخذته معي المسجد وأعطيته عصيراً وباسطته، وأخذت منه المسجلة وذهبت بها لصاحب السيارة وقلت له: هذه المسجلة لكم؟ قال: ما كنت أظن أن شيخاً يسرق؟ فقلت له: لو أن الشيخ سرق فلماذا يرجعها لك؟ فقصصت عليه الحكاية فقال لي: أعطني الولد. قلت له: أنا سأضبط المسألة.

    ثم إن هذا الولد -الحمد لله تعالى- يتردد الآن على المسجد، ويأتي من أماكن بعيدة، ويركب مواصلات من أجل أن يصلي ويثبت لي أنه على خير وأنه يأتي المسجد. والبارحة قلت له: ما هي الأخبار. قال لي: والله ما أفعلها إلا إذا كنت محتاجاً.

    لكني أريد أن أقول: الإخوة أحياناً يكون العلم وبالاً عليهم، إذا لم يكن فيه إخلاص وتقوى وتطبيق للعلم في قلب صاحبه يصير وبالاً عليه، فيقف عند حد الشبهات دائماً، ويعمل مثل الثعبان أو الحرباء يتلون ويتشكل على قدر مصلحته.

    قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة). المسلم لما يعمل شيئاً الأصل فيه الستر حتى لا تتفشى الرذيلة في المجتمع، وتأمره وتنهاه سراً، ولا تذهب تفضحه.

    والبعض من الصحابة رضي الله عنهم وقعوا في الكبائر، ومع هذا رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولست بذلك أهون من شأن المعصية، والذي وقع في المعصية وجاء خبره في القرآن والسنة تاب الله عز وجل عليه بتوبته، بل ربما بدل سيئاته حسنات بحكم التوبة، ولذلك لما جيء برجل من الصحابة اتهم باللواط مع طفل، جاءوا به إلى عمر ، فقال عمر : يؤخذ كل شاهد على حدة. فيقال لكل منهم: هل رأيت؟ يقول: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت ذكره في دبره. فلما جيء بالرابع قال: عمر : يا فلان! اتق الله ولا تشهد إلا بما رأته عيناك، أرأيت ذكره في دبره؟ قال: لا يا أمير المؤمنين ولكني رأيتهما ملتحفين واللحاف يرتفع وينخفض، فقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: الله أكبر، وأقام حد القذف في ظهر الثلاثة الأول، مع أن كل واحد منهم أقسم أنه قد رأى بعينيه، لكن هذه الشهادة على هذا الحد لم تكتمل النصاب، وأنتم تعلمون أن النصاب فيه أربعة شهود.

    فلما أتى هذا الشاهد الرابع بما لا يقام به الحد كان يلزم أمير المؤمنين أن يقيم حد القذف في ظهر من شهد. انظر البراءة! مع أنك في هذا الوقت لو رأيت اللحاف يرتفع وينخفض ما هي إلا ساعات والبلد كلها تعرف أن فلاناً زان، ثم يأتي ويكذب ويقول: والله لقد رأيت بعيني، مع أنه لم ير. فالكذب قد تفشى وينبغي علاج هذه الظاهرة، والفضيحة ينبغي علاجها كذلك، والأصل في المسلم أن يُستر على خزية أو معصية ارتكبها، ويجب على من رآه أن يستره؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته). يعني: يفضحه في أهله أو في امرأته وأبنائه، فعندما تتبع عورة المسلمين ربما يعاقبك الله تعالى في أولادك ذكوراً كانوا أم إناثاً، أو في أمرأتك أو في أمك أو أختك؛ وهذا الذي يجب على أبناء الصحوة بالذات.

    إذا وجدت خزية أو معصية على أحد فالأولى والواجب عليك أن تستره، وهذا الستر لا يمنعك من أن تأمره وتنهاه، وأن تنصحه وأن تذكره بالله عز وجل، ولا تصير من أصحاب مبدأ الفضيحة وهتك الأعراض.

    قال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) أي: إذا كان العبد في عون أخيه وفي قضاء مصالحه وحاجاته فإن الله تعالى يتولى قضاء حاجات هذا العبد.

    معنى قوله: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً...)

    قال: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). أي: من سلك طريقاً يطلب فيه العلم لله تعالى، فإن الله يجعل له طريقاً مسلوكاً إلى الجنة، وهذا في العلم الشرعي على جهة الخصوص، كما قال النووي وغيره.

    قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله). ولا يلزم أن يكون هذا الاجتماع في بيت الله عز وجل، بل هذا لا مفهوم له من جهة النص، والأصل عدم القيد. أي: وما اجتمع قوم على كتاب الله يتلونه ويتدارسونه فيما بينهم بل تثبت هذه الفضيلة لكل اجتماع على كتاب الله وعلى سنة رسوله وعلى ذكر الله تعالى.

    قال: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة). قال بعض أهل العلم: السكينة هي الرحمة وهذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وغشيتهم الرحمة). فلما كانت المغايرة بين السكينة والرحمة باجتماعهما في الدليل دل على أن السكينة غير الرحمة؛ ولذلك يقول أهل العلم: السكينة هي الطمأنينة، وهذا مصداق قول الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. وأعظم الذكر: تلاوة القرآن، فهي المحادثة مع الله عز وجل بتلاوة كلامه الذي أنزله من السماء.

    قال: (وحفتهم الملائكة). قال العلماء: حفتهم الملائكة رأساً وأفقاً أم رأساً فقط، أم أفقاً فقط، كما جاء في الحديث: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً أو يلتمس فيه علماً إلا نزلت عليهم الملائكة فوجاً يتلوه فوج حتى يبلغوا السماء الدنيا). إذاً: الملائكة أفواج الفوج الأول فوق الثاني فوق الثالث حتى يكونوا طبقات، ويكون نتاج هذا الاجتماع ظلة تظل طلبة العلم ومجلس العلم كهذا المجلس، نسأل الله أن نكون منهم.

    فتصور أن هذا المجلس تحفه الملائكة وتنزل فيه السكينة وتغشاه الرحمة، ويباهي بنا الله تعالى أهل السماء، ومعظمنا إنما آثر أن يأتي في هذا المجلس بدل أن يجلس في الياهو، ولذلك جاء في الحديث: (إن فيهم فلاناً ليس منهم). أي: فيهم واحد ليس منهم، غير أنه رأى الناس أعلنوا عن الدرس فقال: أجلس أسمع الدرس من أهل السنة هؤلاء، وهذا الرجل من أشقى الخلق، ومع هذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

    يعني: هذا الرجل الذي ليس منهم، إنما يحظى ببركة هذا المجلس وتصيبه النفحات الربانية في هذا المجلس، وهذا ليس فضلاً للرجل وإنما هو فضل مجلس العلم، وفضل الاجتماع على كتاب الله وعلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). أي: من كان حسيباً أو نسيباً، فقصر في العمل لم ينفعه ذلك.

    يعني: نسبك وحسبك ومالك وجاهك وسلطانك لا يغني عنك من الله شيئاً، إنما الذي يغني عنك هو العمل، فإذا قصرت في العمل فلا تنفعك حظوظ الدنيا بأسرها وإن حزت عليها، لا أبوك ولا أمك ولا جدك ولا عمك ولا خالك ولا الأزهر كله بمشيخته أو غير مشيخته، حتى وإن كنت ابن أمير المؤمنين، وإن كنت ابن نبي، ولذلك فإن نوحاً عليه السلام لم يغن عن ولده شيئاً، ولوطاً لم يغن عن امرأته شيئاً، ونوحاً لم يغن عن امرأته شيئاً، وامرأة فرعون لم تغن عن فرعون شيئاً، فمن بطأ به عمله لا ينفعه النسب ولا الحسب، ولا الجاه ولا السلطان ولا الوزارة، ولا الرئاسة، ولا الحكم ولا الخلافة؛ وفي القبر يأتيك العمل الصالح فيمثل لك على صورة رجل قد امتلأ نوراً فتقول: من أنت يرحمك الله؟ هذا الوجه الذي يبشر بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح.

    أما إذا كنت غير ذلك -والعياذ بالله- فيمثل لك هذا العمل في صورة رجل على أقبح صورة تراها.

    ذكر لطيفة إسنادية في رواية حديث: (من نفس عن مؤمن كربة...)

    [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثني -أو حدثنا- أبي وحدثناه نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - قال: حدثنا الأعمش قال: ابن نمير].

    يعني: أن الأعمش روى عن تلميذه، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، وأنتم تعرفون أن هذه المسألة واردة في في مصطلح الحديث.

    الأعمش يقول: [حدثنا ابن نمير عن أبي صالح]. وفي حديث أبي أسامة [حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إلى آخر الحديث].

    فابن نمير يطلق على محمد بن عبد الله بن نمير وعلى عبد الله بن نمير ومسلم يروي عن محمد بن عبد الله بن نمير وعن أبيه عبد الله بن نمير [حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أسامة -الذي هو حماد بن أسامة- قالا -أي: عبد الله بن نمير وحماد بن أسامة- حدثنا الأعمش].

    إذاً: عبد الله بن نمير عن الأعمش وحماد بن أسامة عن الأعمش ، والأعمش يقول: عن أبو صالح .

    وممكن أن يشرك في ابن نمير ثلاثة أشخاص: محمد بن نمير، وعبد الله بن نمير، وابن نمير آخر.

    الإسناد الأول انتهى عند عبد الله بن نمير، والإسناد الثاني انتهى عند حماد بن أسامة كلاهما يرويان عن الأعمش، فـالأعمش ليست له رواية عن عبد الله بن نمير، وعبد الله بن نمير تلميذ الأعمش وهو الذي يروي عنه، والإسناد يتوقف عند الأعمش ، ومسلم هو الذي يقول: وفي طريق ابن نمير قال عن أبي صالح. أي: قال الأعمش: عن أبي صالح. فيكون هذا هو التقدير.

    فحديث ابن نمير له طريقان: طريق عبد الله بن نمير وطريق أبي أسامة ، أما ابن نمير فقال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح وأما أبو أسامة فقال: حدثنا الأعمش : حدثنا أبو صالح .

    إذاً: التقدير هكذا: قال مسلم : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وفي طريق حماد بن أسامة قال: حدثنا الأعمش قال: حدثنا أبو صالح.

    فالحديث هذا روي بإسنادين:

    الإسناد الأول: قال مسلم : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي، ثم مرة أخرى يقول: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا أبو أسامة .

    فالأول: انتهى عند عبد الله بن نمير ، والثاني: انتهى عند حماد بن أسامة ، وكلاهما يرويان عن الأعمش ، وقال الأعمش في طريق ابن نمير : عن أبي صالح ، ولم يقل حدثنا أبو صالح ، وفي طريق أبي أسامة قال: حدثنا أبو صالح .

    إذاً: مسلم صنع هذا من أجل أن يبين أن الأعمش في طريق ابن نمير لم يصرح بالسماع من أبي صالح ، وفي طريق أبي أسامة قال: حدثنا أبو صالح .

    إذاً: مرة لم يصرح بالسماع، ومرة صرح بالسماع، وأنتم تعرفون أن الأعمش يدلس، فيريد الإمام مسلم أن يقول لك: إذا كان الأعمش في طريق ابن نمير لم يصرح بالسماع من أبي صالح عن أبي هريرة فقد صرح في طريق أبي أسامة ، فقال: حدثنا أبو صالح .

    قال: [حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي معاوية ، غير أن حديث أبي أسامة ليس فيه ذكر التيسير على المرء].

    شرح حديث: (لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة...)

    قال: [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وهو محمد بن بشار الملقب بـبندار- قال: حدثنا محمد بن جعفر -الملقب بـغندر- قال: حدثنا شعبة : سمعت أبا إسحاق -وهو السبيعي- يحدث عن الأغر أبي مسلم] الذي هو المديني نزيل الكوفة. هناك فرق بين نسبة الراوي المديني والمدني، فالمديني نسبة إلى المدائن، مدينة في طهران، أو في بلاد فارس سابقاً اسمها المدائن، والنسبة إلى هذه المدينة مدائني أو مديني، أما المدني فنسبة إلى المدينة فقط.

    ومعلوم أن الكوفة جوار المدائن، وقد كان يطمع خميني إيران في الكوفة والبصرة، وكان يقول: هذه بلادنا الأصلية.

    [أنه قال: (أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)].

    فالذكر هنا بمعنى دراسة العلم، وأهل السنة لهم منهج في موضوع الذكر، فالذكر في القرآن والسنة يعني: الاستغفار والتسبيح والتدبر في آلاء الله عز وجل، أو قراءة القرآن ودراسته، وقراءة السنة ودراستها وغير ذلك من علوم الشرع.

    أما الدروشة والتمايل يمنة ويسرة وغير ذلك من هذه الأذكار المبتدعة التي أتى بها الصوفية فليست من دين الله لا من قريب ولا من بعيد.

    [وحدثنيه زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- قال: حدثنا عبد الرحمن].

    وزهير بن حرب أبو خيثمة النسائي. يعني: من بلد اسمها نسا. والنسبة إليها نسائي وهي في أعالي العراق من جهة فارس.

    وزهير بن حرب هو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد، وعبد الرحمن إمام بغداد في زمانه هو عبد الرحمن بن مهدي ، وزهير بن حرب معروف بالرواية عن ابن مهدي .

    شرح حديث أبي سعيد في مباهاة الله ملائكته بعباده الذاكرين

    قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز عن أبي نعامة السعدي عن أبي عثمان]، وأبو عثمان من المخضرمين، أبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل.

    [عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -وهو سعد بن مالك بن سنان- قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد)] أي: خرج معاوية بن أبي سفيان على حلقة في المسجد قد اجتمعوا، [(فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)] يعني: أستحلفكم بالله ما جلستم إلا لهذا الغرض أي: لذكر الله تعالى. [(قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم)]. يعني: أنا ما طلبت منكم أن تحلفوا اتهاماً لكم. [(وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني)]، هذا فيه إثبات عظم صحبة معاوية رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام، وأنه من جملة الصحابة، بل إن معاوية كان من كتبة الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو بالمنزلة العظمى والمكانة الأسمى والمنزلة العظيمة في الدين وكذلك في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    والأصل في الخلاف الذي دار بين الصحابة أنه يطوى ولا يروى، وإذا روي يروى بين الخاصة مع الكراهة فلا يروى على العامة كما فعله أخونا طارق السويدان لما تكلم عن التاريخ الإسلامي ذكر الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ولم يكن موفقاً في ذلك، فضلاً أن طارق السويدان إنما يميل إلى التشيع. أردت التنبيه بذلك لما أعلمه عنه من إنحراف عن عقيدة السلف، ومن خلط في مسائل التاريخ الإسلامي وغيره من المسائل، بل قد قال أكثر من ذلك صراحة لما قلت له: إن الشيعة يخالفون أهل السنة في أصول المعتقدات فكيف تدعو إلى التقريب بين أهل السنة والشيعة؟

    قال: إذا كان الشيعة قد أخطئوا فيما ذكرت فإن عند أهل السنة من الخطأ أعظم مما عند الشيعة. وهذا الكلام لا يخرج إلا من إنسان قد فقد عقله، ولم يعرف عن أهل السنة ولا عن عقيدتهم شيئاً، وغير ذلك من الكلام الكثير، وقد التقيت به في الكويت في شهر أغسطس الماضي.

    وهو على أية حال متشدد جداً لجماعته وجماعته لا يفرقون بين هذه العقائد الفاسدة وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في الغالب.

    قال: [(وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا)] أي: نشكره على هدايته إيانا للإسلام والإيمان. قال: [(آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)]. انظروا إلى فضيلة طلب العلم وذكر الله عز وجل.

    يعني: الواحد منا يحتقر نفسه، ولا بد له أن يحتقر نفسه؛ لأننا في حقيقة الأمر لسنا على شيء، ولكن هو من باب التحدث بنعمة الله عز وجل أن هدانا للإسلام، وأن عصمنا بالإسلام والسنة، وهو السبيل الأوحد والصراط المستقيم، وإن كان فينا عيب وتقصير ونقص وخلط في الأعمال والسلوك، لكن حسبنا أن الله هدانا وبين لنا الطريق، وأضل غيرنا.. وربما هداهم للإسلام ولكنه لم يمن عليهم بطريقة سليمة صحيحة في الإسلام.

    ولذلك يقول ميمون بن مهران وغيره من أهل العلم من التابعين: لا ندري أي النعمتين علينا أعظم، أن هدانا الله للإسلام أم عصمنا في الإسلام بسنة وسبيل.

    يعني: الواحد لما يكون مسلماً على نهج النبوة وأهل السنة والجماعة بخلاف أن يكون مسلماً شيعياً أو رافضياً أو قدرياً أو معتزلياً أو أشعرياً أو غير ذلك من هذه الانحرافات الضالة عن عقيدة أهل السنة والجماعة.

    أما أن يكون مسلماً منحرفاً أو كافراً كفراً بواحاً، فبعض الشر أهون من بعضه كما يقول ابن تيمية وغيره من أهل العلم.

    لكن فضل الله عز وجل عظيم جداً أن هداك للإسلام أو أنبتك في بيئة إسلامية، وأن هداك من وسط هذه البيئة -التي لا تعرف من دين الله إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه- لمعرفة الطريق الحق.

    قال: (ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) فتصور أن الله تعالى يباهي ويفاخر بنا ملائكة السماء، مع أن هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم مفطورون على التكبير والتسبيح والتهليل والذكر وغير ذلك، لم يقترفوا معصية قط، وليست المعصية طريقهم، ومع هذا فالله تعالى لا يباهي بنا العصاة، ولا يباهي بنا الكفار، ولا يباهي بنا من انشغل أو غفل عن الذكر، وإنما يباهي بنا من كانت حياته من أولها إلى آخرها ذكر وتسبيح لله عز وجل.

    ولذلك العلماء اختلفوا أيهما أفضل: البشر أم الملائكة؟

    فمنهم من قال: البشر أفضل مطلقاً من الملائكة، إلا أن يكونوا كفاراً. ومنهم من قال: الملائكة؛ لأن ابن آدم إنما جبل على حب الشهوة والوقوع في الشبهات، والملائكة قد نجت من هذا، فيكونوا أفضل من البشر.

    و ابن تيمية عليه رحمة الله يذهب مذهباً وسطاً ويقول: الملائكة أفضل من عصاة الموحدين ما لم يتوبوا إلى الله عز وجل، أو يغفر الله لهم يوم القيامة، وأهل الإيمان والتوحيد والتقوى من بني آدم أفضل من الملائكة واستدل بأن الله تعالى يجعل الملائكة في الآخرة خدماً لأهل الجنة.

    وأنتم تعلمون أن عصاة الموحدين يدخلون الجنة، إما بمغفرة الله لهم أولاً ويدخلهم مع الداخلين، وإما في العذاب في النار ثم الخروج منها، فإذا خرجوا من النار دخلوا الجنة فصاروا من أهلها لا يخرجون منها، فيقال: (يا أهل الجنة! خلود بلا موت ويا أهل النار! خلود بلا موت). أي: ويا أهل النار المخلدون فيها، وهم الكفار والمنافقون، أما عصاة الموحدين إن دخلوا النار لا بد وأنهم يخرجون منها بشفاعة الشافعين، حتى يخرجوا بشفاعة رب العالمين سبحانه وتعالى، فإذا خرجوا من النار دخلوا الجنة، وإذا دخلوا الجنة صارت الملائكة خدماً يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم، فتصور أن الله تعالى يجعل ملائكة الرحمن وهم من أشرف الخلق على الإطلاق خدماً لك، وأنت في حقيقة الأمر لا تساوي شيئاً، ولكنه فضل الله عز وجل عليك.

    ربنا فرض عليك خمس صلوات وأنت تفرط فيها، فرض عليك صيام (30) يوماً من (360) يوماً وأنت تفرط فيه، فرض عليك الحج وقد امتلأت خزائنك بالمال وأنت مفرط.

    لما تنظر إلى التكاليف الشرعية تجدها قليلة جداً بالنسبة لعمر الإنسان، وللزمن الذي طولب فيه بهذه العبادة، خمس صلوات تأخذ من وقتك قدر ساعة، كل جماعة بسبع وعشرين درجة، والخمس الجماعات بمائة درجة وتزيد. لو قالوا لك: لو عملت في الأعمال الشاقة لمدة ساعة تأخذ (150) جنيه، فإنك ترفع الحجارة على كتفك، وتنقل جبلاً من مكان إلى مكان، وستعمل أكثر من ساعة واحدة في اليوم؛ لأنك آمنت بما رأيت، وغاب عنك الإيمان بغيب الله تعالى.

    والله سبحانه وتعالى أمرنا بأداء وصلاة الجماعة، ووعدنا بأن من صلى في الجماعة الأولى أخذ أكثر من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، مسيرة خمسمائة عام، والدرجات هذه في الجنة، والجنة غائبة عنك، ولو دخلت الجنة وخرجت منها فستبذل جهدك بالليل والنهار من أجل أن ترجع إليها مرة ثانية؛ فأنت قد آمنت بها؛ لأنك قد رأيت؛ ولذلك هذا الفرق بين أمة النبي عليه الصلاة والسلام وبين الأمم السابقة، أنهم كانوا يرون الآيات عياناً بياناً، إنما أمتنا لما ارتقت في إيمانها ابتلاها الله تعالى بالإيمان بالغيب، إذا كنت ستؤمن بالغيب فأنت من أهل الإيمان وإلا فلا؛ لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله عز وجل، وأن الله تعالى خلق إبليس وهو رأس الشر، ولا بد أن تؤمن بالخير والشر، لكن ذلك بأسباب هي من عند الله عز وجل.

    لا بد أن تؤمن بأن الله تعالى خلق الجنة والنار وقسم لكل منهما قسمه، وطالبك بالعمل، إذا كنت تريد الجنة فالعمل سبب في دخول الجنة، وليس أصلاً، إنما دخول الجنة برحمة الله، وفضل الله، إنما تصلي خمس فروض في اليوم والليلة وتستحق الخلود في الجنة وفضل الله أعظم.

    ولو كان هناك حساب لكان عملك كله وعبادتك العمر كله لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله عز وجل عليك، لكن الله تعالى جعلك مسلماً، وهذه منة منه سبحانه، وعصمك في الإسلام بهدي وسنة وسبيل النبوة، وكلفك من الأعمال ما تطيق، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فلا تكليف فوق الطاقة، ولو كنت تعمل عند بشر فسيكلفك فوق طاقتك، لكن الله تبارك وتعالى من عليك، ثم تودد وتحنن وتمنن إليك، وقال لك: اعمل عملاً يسيراً أورثك جنة عرضها السماوات والأرض.

    1.   

    باب استحباب الاستغفار والإكثار منه

    قال: (باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه) الاستغفار أن تقول: أستغفر الله. أي: أطلب مغفرتك يا رب! لما قد بدر مني من معاص وذنوب وهفوات وغفوات، وغفلات وانشغالات عن ذكرك وطاعتك.

    شرح حديث: (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)

    قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة وأبو الربيع جميعاً عن حماد بن زيد عن ثابت بن أسلم البناني عن أبي بردة الأشعري عن الأغر المزني -وكانت له صحبة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبي) ] أي: يغشى قلبي ويعلو قلبي، ويفتر قلبي، (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ].

    وفي رواية: (وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) وليس بين الروايتين تعارض؛ لأن الذي يستغفره أكثر من سبعين مرة لا يمنع أن تكون هذه الكثرة مائة مرة، فالجمع بين الروايتين: أنه لا يمنع أن تكون الكثرة قد بلغت مائة مرة.

    وقيل: إن سبب هذا الغين هو اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة قلوبهم، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته.

    مثلما تقول الصوفية وإن كان كلاماً يحتمل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. يعني: الذي أعمله أنا وأنت هذا بالنسبة للمقربين سيئات وليس بحسنات، لأنهم يعبدون الله بمنتهى الشفافية.

    ولذلك أنس رضي الله عنه يخاطب تابعي أهل البصرة، يخاطب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم من أئمة البصرة، يقول: إنكم لتعملون أعمالاً ترونها أدق من الشعرة كنا نعدها على عهد النبي عليه الصلاة والسلام من الكبائر.

    أنس رضي الله عنه يقول هذا الكلام للحسن البصري الذي علم الأمة كلها الزهد، وقتادة الذي ضرب في الزهد بأعظم باع، فإذا كان هؤلاء بهذا الوصف، فماذا سيكون حالنا؟! (والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بك من الخبث والخبائث، وإذا خرج قال: غفرانك). ومعنى (غفرانك) أنه انقطع عن الذكر في أثناء وجوده في الخلاء؛ لأن هذا المقام لا يتناسب مع ذكر الله، فانقطع ذكره لله على قدر بقائه في الكنيف أو في الحمام أو في الخلاء، فاستغفر ربه بعد خروجه من الحمام لما فرط وقصر من استغفار وذكر وتلاوة.

    ولما نرى حالنا نجد أن الواحد يدخل في الصلاة التي هي أصل الذكر ويخرج منها كما دخل.

    فالأوقات التي جعلت للذكر لا نذكر الله فيها إلا قليلاً، أما أوقات السلف رضي الله عنهم فقد كانت كلها لله عز وجل، وأما حياة الأنبياء فأسطورة في ذكر الله عز وجل، لا يمكن لأحد قط أن يصل إلى ما وصلوا إليه.

    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يريد أن يسابق أبا بكر في ذكر الله عز وجل وفي الطاعات وأعمال الخير، فعجز أن يساويه في منزلته، فقال: والله يا أبا بكر! لا أسابقك إلى خير قط، فما سابقتك إلا سبقتني.

    يعني: عمر عرف قدره، مع أنه كان إذا ذكر ذكر العدل كله، كان علامة على العدل، وعلامة على الفتوحات، وعلامة على انتصار الإسلام، وعلامة على الصبر، وعلامة على الحلم، وعلامة على كل مكارم الأخلاق.

    و عمر رضي الله عنه يقول له: ليتني شعرة في صدرك يا أبا بكر ! وهذا من أدب عمر رضي الله عنه، فقد تربى بتربية النبي عليه الصلاة والسلام.

    وإذا كان يغان على قلبه عليه الصلاة والسلام لانشغاله بمصالح المسلمين، وقتاله في غزوة بدر وغزوة أحد وخيبر والخندق وغيرها من الغزوات، فينشغل في أثناء الجهاد عن ذكر الله بلسانه وقلبه، لكنه دائماً في طاعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا الكلام فقط من أجل أن يعلم الأمة الأدب، ويربيها أحسن تربية، يقول لهم: أنا في أثناء انشغالي في مصالح الأمة كذلك أنسى أو يذهب عن خاطري أن أذكر الله تعالى بلساني وقلبي، مع أنه ما انشغل قط صلى الله عليه وسلم عن ذكر ربه.

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي). يعني: حتى في لحظة النوم أو في وقت النوم قلبه يذكر الله عز وجل.

    إذاً: لا يمكن أن ينشغل في أثناء يقظة عينيه عن ذكر الله تعالى، فكيف بالجهاد وقتال العدو والدفاع عن دين الله، فلا يقال عنه: انشغل عن طاعة الله أو عن ذكر الله، وإنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة كيف تتربى وكيف تتعامل مع ربها.

    وعائشة رضي الله عنها استغربت اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام في طاعة ربه، وقيامه حتى تورمت قدماه، فقالت له: (رفقاً بك يا رسول الله! إن الله تعالى قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر) مع أنه أول من تنشق عنه الأرض، ولا يدخل أحد الجنة إلا بعد دخوله.

    وعددت من مناقبه عليه الصلاة والسلام، وهو يسمع، ثم قال لها: (أفلا أكون عبداً شكورا). وهذا يدل على أن عبادته لله كانت عبادة شكر وليس عبادة إلزام كحالي أنا وأنت، نحن نعبد الله تبارك وتعالى من أجل أن يغفر لنا الذنوب، إنما هو عليه الصلاة والسلام كان يعبد ربه لمقام أعلى من ذلك، وهو مقام الشاكرين؛ لأنه ليس صاحب ذنب عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الحث على المسارعة في التوبة

    [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة قال: سمعت الأغر وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة)].

    قال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)] وهذه التوبة يسميها العلماء: التوبة العامة؛ لأن التوبة توبة خاصة وتوبة عامة، التوبة الخاصة توبة تخص كل إنسان على حدة، وهذه تنقطع بالغرغرة، (إن الله يقبل التوبة عن عبده ما لم يغرغر).

    أما التوبة العامة فبابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذه من علامات الساعة الكبرى، فحنيئذ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].

    ولذلك التوبة العامة بابها يغلق بطلوع الشمس من المغرب، حتى لو تاب الإنسان وآمن في ذلك الوقت فهذا لا ينفع، كما لم ينفع إيمان فرعون قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] لا يا عدو الله، في هذه اللحظة لن تنفعك التوبة؛ لأن هذه لحظة الغرغرة ولحظة الموت، وهذه التوبة الخاصة التي أغلقت دونك.

    إذاً: كل إنسان له توبة، وتوبته قبل الغرغرة، إذا أيقن بالهلاك، ورأى مقعده من الجنة ومقعده من النار أغلق باب التوبة، أما باب التوبة العامة فهو لكل الأمة ولجميع الخلائق وإنما يكون مردها ومآلها إلى أحد أشراط الساعة وهو طلوع الشمس من المغرب.

    أما قوله: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة) قال العلماء: للتوبة ثلاثة شروط:

    أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم عزماً جازماً ألا يعود إليها، أو إلى مثلها أبداً. هذا بالنسبة لتوبة العبد في حقوق الله عز وجل.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987231405

    عدد مرات الحفظ

    716439929