اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
للذكر فضل عظيم عند الله تعالى، فإن الله يضاعف به الحسنات ويمحو به السيئات، والاجتماع على الذكر وتلاوة القرآن له أيضاً فضل عظيم وفوائد جمة، فهو سبب لتنزل الرحمات، وحضور الملائكة لتلك الجلسات، ومباهاة الله عز وجل ملائكته بأولئك القوم الذين انقطعوا لذكره، ومن أوى إليهم آواه الله، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
فضل التهليل والتسبيح والدعاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: ففي الدرس الماضي تكلمنا عن الباب العاشر وهو في فضل التهليل والتسبيح والدعاء، وفيه: [عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، وحطت عنه -أو ومحيت عنه- مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)].وفي رواية: قال: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحداً قال مثلما قال أو زاد عليه). والزيادة إما أن تكون في العدد أو في الوقت.وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل) عليه السلام.وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).هذا آخر حديث في صحيح البخاري ، ختم به البخاري صحيحه، وفيه: من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتسبيحه وتوجيه الحمد إليه دون سواه سبحانه وتعالى. وفيه غير ذلك من الفوائد وقد ذكرناها في الدرس الماضي.وقال النبي عليه الصلاة والسلام: [ (لئن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) ].وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: [ (أن أعرابياً قال للنبي عليه الصلاة والسلام: علمني كلاماً أقوله. قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. قال الأعرابي: هؤلاء لربي فما لي؟) ]. أي: هذه الكلمات مدح وثناء وتمجيد وتعظيم لله، فهذا حق الله علي، فماذا لنفسي ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ (قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني) ].وفي حديث سعد بن أبي وقاص أيضاً قال: [ (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ قالوا: يا رسول الله! كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة) ].
 

باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر
الباب الحادي عشر: قال الإمام النووي: (باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر):
 شرح حديث أبي سعيد في مباهاة الله ملائكته بعباده الذاكرين
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز عن أبي نعامة السعدي عن أبي عثمان]، وأبو عثمان من المخضرمين، أبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل.[عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -وهو سعد بن مالك بن سنان- قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد)] أي: خرج معاوية بن أبي سفيان على حلقة في المسجد قد اجتمعوا، [(فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)] يعني: أستحلفكم بالله ما جلستم إلا لهذا الغرض أي: لذكر الله تعالى. [(قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم)]. يعني: أنا ما طلبت منكم أن تحلفوا اتهاماً لكم. [(وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني)]، هذا فيه إثبات عظم صحبة معاوية رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام، وأنه من جملة الصحابة، بل إن معاوية كان من كتبة الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو بالمنزلة العظمى والمكانة الأسمى والمنزلة العظيمة في الدين وكذلك في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.والأصل في الخلاف الذي دار بين الصحابة أنه يطوى ولا يروى، وإذا روي يروى بين الخاصة مع الكراهة فلا يروى على العامة كما فعله أخونا طارق السويدان لما تكلم عن التاريخ الإسلامي ذكر الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ولم يكن موفقاً في ذلك، فضلاً أن طارق السويدان إنما يميل إلى التشيع. أردت التنبيه بذلك لما أعلمه عنه من إنحراف عن عقيدة السلف، ومن خلط في مسائل التاريخ الإسلامي وغيره من المسائل، بل قد قال أكثر من ذلك صراحة لما قلت له: إن الشيعة يخالفون أهل السنة في أصول المعتقدات فكيف تدعو إلى التقريب بين أهل السنة والشيعة؟ قال: إذا كان الشيعة قد أخطئوا فيما ذكرت فإن عند أهل السنة من الخطأ أعظم مما عند الشيعة. وهذا الكلام لا يخرج إلا من إنسان قد فقد عقله، ولم يعرف عن أهل السنة ولا عن عقيدتهم شيئاً، وغير ذلك من الكلام الكثير، وقد التقيت به في الكويت في شهر أغسطس الماضي.وهو على أية حال متشدد جداً لجماعته وجماعته لا يفرقون بين هذه العقائد الفاسدة وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في الغالب.قال: [(وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا)] أي: نشكره على هدايته إيانا للإسلام والإيمان. قال: [(آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)]. انظروا إلى فضيلة طلب العلم وذكر الله عز وجل.يعني: الواحد منا يحتقر نفسه، ولا بد له أن يحتقر نفسه؛ لأننا في حقيقة الأمر لسنا على شيء، ولكن هو من باب التحدث بنعمة الله عز وجل أن هدانا للإسلام، وأن عصمنا بالإسلام والسنة، وهو السبيل الأوحد والصراط المستقيم، وإن كان فينا عيب وتقصير ونقص وخلط في الأعمال والسلوك، لكن حسبنا أن الله هدانا وبين لنا الطريق، وأضل غيرنا.. وربما هداهم للإسلام ولكنه لم يمن عليهم بطريقة سليمة صحيحة في الإسلام.ولذلك يقول ميمون بن مهران وغيره من أهل العلم من التابعين: لا ندري أي النعمتين علينا أعظم، أن هدانا الله للإسلام أم عصمنا في الإسلام بسنة وسبيل. يعني: الواحد لما يكون مسلماً على نهج النبوة وأهل السنة والجماعة بخلاف أن يكون مسلماً شيعياً أو رافضياً أو قدرياً أو معتزلياً أو أشعرياً أو غير ذلك من هذه الانحرافات الضالة عن عقيدة أهل السنة والجماعة.أما أن يكون مسلماً منحرفاً أو كافراً كفراً بواحاً، فبعض الشر أهون من بعضه كما يقول ابن تيمية وغيره من أهل العلم.لكن فضل الله عز وجل عظيم جداً أن هداك للإسلام أو أنبتك في بيئة إسلامية، وأن هداك من وسط هذه البيئة -التي لا تعرف من دين الله إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه- لمعرفة الطريق الحق. قال: (ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) فتصور أن الله تعالى يباهي ويفاخر بنا ملائكة السماء، مع أن هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم مفطورون على التكبير والتسبيح والتهليل والذكر وغير ذلك، لم يقترفوا معصية قط، وليست المعصية طريقهم، ومع هذا فالله تعالى لا يباهي بنا العصاة، ولا يباهي بنا الكفار، ولا يباهي بنا من انشغل أو غفل عن الذكر، وإنما يباهي بنا من كانت حياته من أولها إلى آخرها ذكر وتسبيح لله عز وجل.ولذلك العلماء اختلفوا أيهما أفضل: البشر أم الملائكة؟فمنهم من قال: البشر أفضل مطلقاً من الملائكة، إلا أن يكونوا كفاراً. ومنهم من قال: الملائكة؛ لأن ابن آدم إنما جبل على حب الشهوة والوقوع في الشبهات، والملائكة قد نجت من هذا، فيكونوا أفضل من البشر.و ابن تيمية عليه رحمة الله يذهب مذهباً وسطاً ويقول: الملائكة أفضل من عصاة الموحدين ما لم يتوبوا إلى الله عز وجل، أو يغفر الله لهم يوم القيامة، وأهل الإيمان والتوحيد والتقوى من بني آدم أفضل من الملائكة واستدل بأن الله تعالى يجعل الملائكة في الآخرة خدماً لأهل الجنة.وأنتم تعلمون أن عصاة الموحدين يدخلون الجنة، إما بمغفرة الله لهم أولاً ويدخلهم مع الداخلين، وإما في العذاب في النار ثم الخروج منها، فإذا خرجوا من النار دخلوا الجنة فصاروا من أهلها لا يخرجون منها، فيقال: (يا أهل الجنة! خلود بلا موت ويا أهل النار! خلود بلا موت). أي: ويا أهل النار المخلدون فيها، وهم الكفار والمنافقون، أما عصاة الموحدين إن دخلوا النار لا بد وأنهم يخرجون منها بشفاعة الشافعين، حتى يخرجوا بشفاعة رب العالمين سبحانه وتعالى، فإذا خرجوا من النار دخلوا الجنة، وإذا دخلوا الجنة صارت الملائكة خدماً يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم، فتصور أن الله تعالى يجعل ملائكة الرحمن وهم من أشرف الخلق على الإطلاق خدماً لك، وأنت في حقيقة الأمر لا تساوي شيئاً، ولكنه فضل الله عز وجل عليك.ربنا فرض عليك خمس صلوات وأنت تفرط فيها، فرض عليك صيام (30) يوماً من (360) يوماً وأنت تفرط فيه، فرض عليك الحج وقد امتلأت خزائنك بالمال وأنت مفرط.لما تنظر إلى التكاليف الشرعية تجدها قليلة جداً بالنسبة لعمر الإنسان، وللزمن الذي طولب فيه بهذه العبادة، خمس صلوات تأخذ من وقتك قدر ساعة، كل جماعة بسبع وعشرين درجة، والخمس الجماعات بمائة درجة وتزيد. لو قالوا لك: لو عملت في الأعمال الشاقة لمدة ساعة تأخذ (150) جنيه، فإنك ترفع الحجارة على كتفك، وتنقل جبلاً من مكان إلى مكان، وستعمل أكثر من ساعة واحدة في اليوم؛ لأنك آمنت بما رأيت، وغاب عنك الإيمان بغيب الله تعالى.والله سبحانه وتعالى أمرنا بأداء وصلاة الجماعة، ووعدنا بأن من صلى في الجماعة الأولى أخذ أكثر من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، مسيرة خمسمائة عام، والدرجات هذه في الجنة، والجنة غائبة عنك، ولو دخلت الجنة وخرجت منها فستبذل جهدك بالليل والنهار من أجل أن ترجع إليها مرة ثانية؛ فأنت قد آمنت بها؛ لأنك قد رأيت؛ ولذلك هذا الفرق بين أمة النبي عليه الصلاة والسلام وبين الأمم السابقة، أنهم كانوا يرون الآيات عياناً بياناً، إنما أمتنا لما ارتقت في إيمانها ابتلاها الله تعالى بالإيمان بالغيب، إذا كنت ستؤمن بالغيب فأنت من أهل الإيمان وإلا فلا؛ لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله عز وجل، وأن الله تعالى خلق إبليس وهو رأس الشر، ولا بد أن تؤمن بالخير والشر، لكن ذلك بأسباب هي من عند الله عز وجل.لا بد أن تؤمن بأن الله تعالى خلق الجنة والنار وقسم لكل منهما قسمه، وطالبك بالعمل، إذا كنت تريد الجنة فالعمل سبب في دخول الجنة، وليس أصلاً، إنما دخول الجنة برحمة الله، وفضل الله، إنما تصلي خمس فروض في اليوم والليلة وتستحق الخلود في الجنة وفضل الله أعظم.ولو كان هناك حساب لكان عملك كله وعبادتك العمر كله لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله عز وجل عليك، لكن الله تعالى جعلك مسلماً، وهذه منة منه سبحانه، وعصمك في الإسلام بهدي وسنة وسبيل النبوة، وكلفك من الأعمال ما تطيق، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فلا تكليف فوق الطاقة، ولو كنت تعمل عند بشر فسيكلفك فوق طاقتك، لكن الله تبارك وتعالى من عليك، ثم تودد وتحنن وتمنن إليك، وقال لك: اعمل عملاً يسيراً أورثك جنة عرضها السماوات والأرض.
باب استحباب الاستغفار والإكثار منه
قال: (باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه) الاستغفار أن تقول: أستغفر الله. أي: أطلب مغفرتك يا رب! لما قد بدر مني من معاص وذنوب وهفوات وغفوات، وغفلات وانشغالات عن ذكرك وطاعتك.
 شرح حديث: (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة وأبو الربيع جميعاً عن حماد بن زيد عن ثابت بن أسلم البناني عن أبي بردة الأشعري عن الأغر المزني -وكانت له صحبة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبي) ] أي: يغشى قلبي ويعلو قلبي، ويفتر قلبي، (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ].وفي رواية: (وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) وليس بين الروايتين تعارض؛ لأن الذي يستغفره أكثر من سبعين مرة لا يمنع أن تكون هذه الكثرة مائة مرة، فالجمع بين الروايتين: أنه لا يمنع أن تكون الكثرة قد بلغت مائة مرة.وقيل: إن سبب هذا الغين هو اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة قلوبهم، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته.مثلما تقول الصوفية وإن كان كلاماً يحتمل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. يعني: الذي أعمله أنا وأنت هذا بالنسبة للمقربين سيئات وليس بحسنات، لأنهم يعبدون الله بمنتهى الشفافية.ولذلك أنس رضي الله عنه يخاطب تابعي أهل البصرة، يخاطب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم من أئمة البصرة، يقول: إنكم لتعملون أعمالاً ترونها أدق من الشعرة كنا نعدها على عهد النبي عليه الصلاة والسلام من الكبائر.أنس رضي الله عنه يقول هذا الكلام للحسن البصري الذي علم الأمة كلها الزهد، وقتادة الذي ضرب في الزهد بأعظم باع، فإذا كان هؤلاء بهذا الوصف، فماذا سيكون حالنا؟! (والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بك من الخبث والخبائث، وإذا خرج قال: غفرانك). ومعنى (غفرانك) أنه انقطع عن الذكر في أثناء وجوده في الخلاء؛ لأن هذا المقام لا يتناسب مع ذكر الله، فانقطع ذكره لله على قدر بقائه في الكنيف أو في الحمام أو في الخلاء، فاستغفر ربه بعد خروجه من الحمام لما فرط وقصر من استغفار وذكر وتلاوة.ولما نرى حالنا نجد أن الواحد يدخل في الصلاة التي هي أصل الذكر ويخرج منها كما دخل. فالأوقات التي جعلت للذكر لا نذكر الله فيها إلا قليلاً، أما أوقات السلف رضي الله عنهم فقد كانت كلها لله عز وجل، وأما حياة الأنبياء فأسطورة في ذكر الله عز وجل، لا يمكن لأحد قط أن يصل إلى ما وصلوا إليه.وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يريد أن يسابق أبا بكر في ذكر الله عز وجل وفي الطاعات وأعمال الخير، فعجز أن يساويه في منزلته، فقال: والله يا أبا بكر! لا أسابقك إلى خير قط، فما سابقتك إلا سبقتني.يعني: عمر عرف قدره، مع أنه كان إذا ذكر ذكر العدل كله، كان علامة على العدل، وعلامة على الفتوحات، وعلامة على انتصار الإسلام، وعلامة على الصبر، وعلامة على الحلم، وعلامة على كل مكارم الأخلاق.و عمر رضي الله عنه يقول له: ليتني شعرة في صدرك يا أبا بكر ! وهذا من أدب عمر رضي الله عنه، فقد تربى بتربية النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا كان يغان على قلبه عليه الصلاة والسلام لانشغاله بمصالح المسلمين، وقتاله في غزوة بدر وغزوة أحد وخيبر والخندق وغيرها من الغزوات، فينشغل في أثناء الجهاد عن ذكر الله بلسانه وقلبه، لكنه دائماً في طاعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا الكلام فقط من أجل أن يعلم الأمة الأدب، ويربيها أحسن تربية، يقول لهم: أنا في أثناء انشغالي في مصالح الأمة كذلك أنسى أو يذهب عن خاطري أن أذكر الله تعالى بلساني وقلبي، مع أنه ما انشغل قط صلى الله عليه وسلم عن ذكر ربه.والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي). يعني: حتى في لحظة النوم أو في وقت النوم قلبه يذكر الله عز وجل.إذاً: لا يمكن أن ينشغل في أثناء يقظة عينيه عن ذكر الله تعالى، فكيف بالجهاد وقتال العدو والدفاع عن دين الله، فلا يقال عنه: انشغل عن طاعة الله أو عن ذكر الله، وإنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة كيف تتربى وكيف تتعامل مع ربها.وعائشة رضي الله عنها استغربت اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام في طاعة ربه، وقيامه حتى تورمت قدماه، فقالت له: (رفقاً بك يا رسول الله! إن الله تعالى قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر) مع أنه أول من تنشق عنه الأرض، ولا يدخل أحد الجنة إلا بعد دخوله.وعددت من مناقبه عليه الصلاة والسلام، وهو يسمع، ثم قال لها: (أفلا أكون عبداً شكورا). وهذا يدل على أن عبادته لله كانت عبادة شكر وليس عبادة إلزام كحالي أنا وأنت، نحن نعبد الله تبارك وتعالى من أجل أن يغفر لنا الذنوب، إنما هو عليه الصلاة والسلام كان يعبد ربه لمقام أعلى من ذلك، وهو مقام الشاكرين؛ لأنه ليس صاحب ذنب عليه الصلاة والسلام.
الحث على المسارعة في التوبة
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة قال: سمعت الأغر وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة)].قال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)] وهذه التوبة يسميها العلماء: التوبة العامة؛ لأن التوبة توبة خاصة وتوبة عامة، التوبة الخاصة توبة تخص كل إنسان على حدة، وهذه تنقطع بالغرغرة، (إن الله يقبل التوبة عن عبده ما لم يغرغر).أما التوبة العامة فبابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذه من علامات الساعة الكبرى، فحنيئذ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].ولذلك التوبة العامة بابها يغلق بطلوع الشمس من المغرب، حتى لو تاب الإنسان وآمن في ذلك الوقت فهذا لا ينفع، كما لم ينفع إيمان فرعون قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] لا يا عدو الله، في هذه اللحظة لن تنفعك التوبة؛ لأن هذه لحظة الغرغرة ولحظة الموت، وهذه التوبة الخاصة التي أغلقت دونك. إذاً: كل إنسان له توبة، وتوبته قبل الغرغرة، إذا أيقن بالهلاك، ورأى مقعده من الجنة ومقعده من النار أغلق باب التوبة، أما باب التوبة العامة فهو لكل الأمة ولجميع الخلائق وإنما يكون مردها ومآلها إلى أحد أشراط الساعة وهو طلوع الشمس من المغرب.أما قوله: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة) قال العلماء: للتوبة ثلاثة شروط:أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم عزماً جازماً ألا يعود إليها، أو إلى مثلها أبداً. هذا بالنسبة لتوبة العبد في حقوق الله عز وجل.
 شرح حديث: (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة وأبو الربيع جميعاً عن حماد بن زيد عن ثابت بن أسلم البناني عن أبي بردة الأشعري عن الأغر المزني -وكانت له صحبة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبي) ] أي: يغشى قلبي ويعلو قلبي، ويفتر قلبي، (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ].وفي رواية: (وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) وليس بين الروايتين تعارض؛ لأن الذي يستغفره أكثر من سبعين مرة لا يمنع أن تكون هذه الكثرة مائة مرة، فالجمع بين الروايتين: أنه لا يمنع أن تكون الكثرة قد بلغت مائة مرة.وقيل: إن سبب هذا الغين هو اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة قلوبهم، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته.مثلما تقول الصوفية وإن كان كلاماً يحتمل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. يعني: الذي أعمله أنا وأنت هذا بالنسبة للمقربين سيئات وليس بحسنات، لأنهم يعبدون الله بمنتهى الشفافية.ولذلك أنس رضي الله عنه يخاطب تابعي أهل البصرة، يخاطب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم من أئمة البصرة، يقول: إنكم لتعملون أعمالاً ترونها أدق من الشعرة كنا نعدها على عهد النبي عليه الصلاة والسلام من الكبائر.أنس رضي الله عنه يقول هذا الكلام للحسن البصري الذي علم الأمة كلها الزهد، وقتادة الذي ضرب في الزهد بأعظم باع، فإذا كان هؤلاء بهذا الوصف، فماذا سيكون حالنا؟! (والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بك من الخبث والخبائث، وإذا خرج قال: غفرانك). ومعنى (غفرانك) أنه انقطع عن الذكر في أثناء وجوده في الخلاء؛ لأن هذا المقام لا يتناسب مع ذكر الله، فانقطع ذكره لله على قدر بقائه في الكنيف أو في الحمام أو في الخلاء، فاستغفر ربه بعد خروجه من الحمام لما فرط وقصر من استغفار وذكر وتلاوة.ولما نرى حالنا نجد أن الواحد يدخل في الصلاة التي هي أصل الذكر ويخرج منها كما دخل. فالأوقات التي جعلت للذكر لا نذكر الله فيها إلا قليلاً، أما أوقات السلف رضي الله عنهم فقد كانت كلها لله عز وجل، وأما حياة الأنبياء فأسطورة في ذكر الله عز وجل، لا يمكن لأحد قط أن يصل إلى ما وصلوا إليه.وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يريد أن يسابق أبا بكر في ذكر الله عز وجل وفي الطاعات وأعمال الخير، فعجز أن يساويه في منزلته، فقال: والله يا أبا بكر! لا أسابقك إلى خير قط، فما سابقتك إلا سبقتني.يعني: عمر عرف قدره، مع أنه كان إذا ذكر ذكر العدل كله، كان علامة على العدل، وعلامة على الفتوحات، وعلامة على انتصار الإسلام، وعلامة على الصبر، وعلامة على الحلم، وعلامة على كل مكارم الأخلاق.و عمر رضي الله عنه يقول له: ليتني شعرة في صدرك يا أبا بكر ! وهذا من أدب عمر رضي الله عنه، فقد تربى بتربية النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا كان يغان على قلبه عليه الصلاة والسلام لانشغاله بمصالح المسلمين، وقتاله في غزوة بدر وغزوة أحد وخيبر والخندق وغيرها من الغزوات، فينشغل في أثناء الجهاد عن ذكر الله بلسانه وقلبه، لكنه دائماً في طاعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا الكلام فقط من أجل أن يعلم الأمة الأدب، ويربيها أحسن تربية، يقول لهم: أنا في أثناء انشغالي في مصالح الأمة كذلك أنسى أو يذهب عن خاطري أن أذكر الله تعالى بلساني وقلبي، مع أنه ما انشغل قط صلى الله عليه وسلم عن ذكر ربه.والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي). يعني: حتى في لحظة النوم أو في وقت النوم قلبه يذكر الله عز وجل.إذاً: لا يمكن أن ينشغل في أثناء يقظة عينيه عن ذكر الله تعالى، فكيف بالجهاد وقتال العدو والدفاع عن دين الله، فلا يقال عنه: انشغل عن طاعة الله أو عن ذكر الله، وإنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة كيف تتربى وكيف تتعامل مع ربها.وعائشة رضي الله عنها استغربت اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام في طاعة ربه، وقيامه حتى تورمت قدماه، فقالت له: (رفقاً بك يا رسول الله! إن الله تعالى قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر) مع أنه أول من تنشق عنه الأرض، ولا يدخل أحد الجنة إلا بعد دخوله.وعددت من مناقبه عليه الصلاة والسلام، وهو يسمع، ثم قال لها: (أفلا أكون عبداً شكورا). وهذا يدل على أن عبادته لله كانت عبادة شكر وليس عبادة إلزام كحالي أنا وأنت، نحن نعبد الله تبارك وتعالى من أجل أن يغفر لنا الذنوب، إنما هو عليه الصلاة والسلام كان يعبد ربه لمقام أعلى من ذلك، وهو مقام الشاكرين؛ لأنه ليس صاحب ذنب عليه الصلاة والسلام.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net