إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب الجهاد والسير
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كُتب النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الكفار يدعوهم - قصة النجاشي

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كُتب النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الكفار يدعوهم - قصة النجاشيللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن وضعت الحرب أوزارها بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش إثر صلح الحديبية، بدأ النبي بمراسلة ملوك وأمراء البلاد المحيطة بالجزيرة ودعوتهم إلى الإسلام، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتباً إلى الملوك والأكاسرة في عهده، ولم يؤمن منهم إلا النجاشي ملك الحبشة، والذي كان له مناقب كثيرة، منها إيواء المهاجرين من مكة إليه، وتجهيز أم حبيبة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته صلاة الغائب ولم يصلها على أحد غيره.

    1.   

    باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    الباب السابع والعشرون من كتاب الجهاد والسير: (باب كُتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثني يوسف بن حماد المعنى حدثنا عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة البصري عن أنس رضي الله عنه: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ].

    أي: أن هذا النجاشي ليس هو النجاشي الذي آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم حينما توفي صلاة الغائب.

    قال: [ وحدثناه محمد بن عبد الله الرزي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة قال: حدثنا أنس ].

    في الإسناد الأول قتادة عن أنس. وفي الإسناد الثاني: عن قتادة حدثنا أنس وقتادة مدلّس، فإذا قال: حدثنا انتفت عنه شبهة التدليس.

    قال: [ عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. ولم يقل: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ].

    أي: أن الإسناد الأول من طريق عبد الأعلى عن سعيد. والإسناد الثاني من طريق عبد الوهاب عن سعيد .

    ففي طريق عبد الأعلى : (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام). أما في طريق عبد الوهاب بن عطاء ليس فيه هذه الزيادة.

    قال: [ وحدثنيه نصر بن علي الجهضمي أخبرني أبي حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن أنس ولم يذكر: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ].

    كلام النووي على أحاديث باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار

    قال النووي: (قوله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بـالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم).

    أما كسرى وكَسرى: لقب لكل ملك من ملوك الفُرس). والفُرس: هي إيران وما حولها. وهذه الممالك الفارسية كلها تقع تحت مملكة كسرى، فكسرى لقب، وآخر كسرى لفارس من زعماء الدين هو الخميني ، وكان رجال الدين في تلك البلاد يطلقون أحياناً على الخميني: آية الله. وأحياناً يقولون: كسرى فارس.

    قال: (وأما قيصر: فهو لقب لكل من ملك الروم). أي: الشامية إلى روما.

    قال: (والنجاشي: لقب لكل من ملك الحبشة. وخاقان: لقب لكل من ملك الترك.

    وفرعون: لقب لكل من ملك القبط. والعزيز: لقب لكل من ملك مصر. وتُبّع: لقب لكل من ملك حمير).

    جواز مكاتبة الكفار ودعائهم إلى الإسلام

    قال: (وفي هذا الحديث جواز مكاتبة الكفار ودعائهم إلى الإسلام).

    وفي الحقيقة أنا فكّرت في هذا مراراً وتكراراً بعد أحداث (11) سبتمبر، قلت: إذا كانت القلوب بين يدي الله عز وجل يقلبها كيف يشاء، يجعل من يشاء سعيداً، ويجعل من يشاء شقياً، يجعل من يشاء مؤمناً، ويجعل من يشاء كافراً، والمرء لا يملك قلبه، فما المانع أن نُذكّر هؤلاء الطغاة الجبابرة أمثال بوش وشارون ذاك الكلب اليهودي؟ ما المانع أن نذكرهم بالله تعالى؟ فلو كان هناك مانع لكان أولى الناس بهذا المانع نبينا عليه الصلاة والسلام الذي كتب إلى جبابرة الأرض حينذاك يدعوهم إلى الإسلام، فكتب إلى كسرى وإلى قيصر، فلا مانع حينئذ أن ينشط بعض الدعاة الذين لهم صلة بالإنترنت ويكتبون مراسلات، بل قد كتب بعض الدعاة وأهل العلم في هذا الزمان رسالة إلى بوش يدعوه فيها إلى الإسلام، وهو الشيخ سفر الحوالي حفظه الله.

    جواز العمل بالخبر الواحد

    قال النووي: (في هذا الحديث: جواز مكاتبة الكفار ودعاؤهم إلى الإسلام، والعمل بالكتاب، وبالخبر الواحد).

    قوله: (والعمل بالكتاب) أي: اعتبار أن هذا الكتاب حجة وإن كان خبراً واحداً.

    ولا تزال الأمة تعمل بخبر الواحد في العقيدة والأحكام والآداب والأخلاق والمعاملات حتى ظهر المعتزلة ومن بعدهم من الفلاسفة، فأخذ الفلاسفة بمذهب المعتزلة، واستفادت المعتزلة من مذهب الفلاسفة بعد الترجمة في زمن الرشيد ، فخرجوا عن الأمة ببدعة عظيمة كادت تهدم أكثر من نصف الدين، وأكثر من ثلاثة أرباع عقيدة التوحيد، وهذا مبني على قولهم المنكر: إن خبر الواحد لا يُحتج به في العقيدة. وبعضهم يقول: لا يُحتج به لا في العقيدة ولا في الأحكام.

    والذين يقولون ذلك إذا وافق النص أهواءهم احتجوا به حتى وإن كان نصاً ضعيفاً أجمع المحدثون على ضعفه، فتجدهم حين الحاجة إلى هذا النص يحتجّون به.

    والأدلة على أن خبر الواحد حجة كثيرة في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل معاذاً إلى اليمن، كما أنه أرسل الرسل إلى شتى بقاع الأرض في ذلك الزمان يدعو الملوك إلى الإسلام، فأرسل واحداً إلى اليمن، وأرسل إلى الشام، وكلهم كانوا أفراداً. ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل معاذاً إلى اليمن: اذهب إلى اليمن لعلهم يقبلون منك وإن كنت فرداً. وإنما أرسله وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب. فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). وهذه عقيدة، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن خبر الواحد لا يحتج به في العقيدة لأرسل جمعاً من الصحابة يبلغ حد التواتر إلى أهل اليمن. وكذلك أهل اليمن يعلمون أن خبر الواحد إذا صح وجب العمل به والصيرورة إليه؛ ولذلك لم ينكروا على معاذ أنه أتى فرداً، وإنما قبلوا منه وعملوا بمقتضى خبره في العقائد والأحكام؛ لأنه دلهم على العقيدة أولاً، فلما استجابوا لذلك ودخلوا في الإسلام -أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من فرائض الإسلام، مع أن هذا خبر واحد، وكذلك أرسل علياً بعد ذلك. وأبو موسى الأشعري ذهب إلى أهل الكوفة، وعبد الله بن مسعود ذهب من قبله إلى أهل الكوفة، وغير هؤلاء ممن بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الولاة والأمصار أفراداً ووحداناً، بغير نكير لا ممن أرسلهم ولا ممن استقبلهم.

    فهذا يدل على أن خبر الواحد معمول به بلا خلاف بين سلف الأمة.

    أما الأدلة على ذلك تفصيلاً فمحلها كثير من الكتب.

    1.   

    نبذة عن حياة النجاشي رحمه الله

    قال سفيان الثوري عليه رحمة الله: عند ذكر الصالحين تتنزّل الرحمة. فبعد أن افتقدنا سير السلف منذ أكثر من سنتين، نعيش في هذه الليلة مع النجاشي رضي الله تعالى عنه ورحمه.

    تسمية النجاشي وعده في الصحابة

    النبي عليه الصلاة والسلام كتب كتباً إلى الجبابرة وملوك الأرض، فكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، لكنه ليس النجاشي الذي صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأننا اتفقنا على أن النجاشي لقب يُطلق على كل من ملك الحبشة، أما النجاشي الذي صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام اسمه أصحمة ، ومعنى أصحمة باللغة العربية: عطية. فهو اسم جميل وممدوح، وهو معدود في الصحابة رضي الله عنهم، وأنا لا أدري كيف عُد في الصحابة؟ ولم أجد جواباً مقنعاً لعداده في الصحابة، فإن تعريف الصحابي: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك. فنقول: إن أصحمة نجاشي الحبشة آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومات على الإيمان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلل ذلك ردة. بل: قيل رُفع سريره -أي: نعشه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه وهو في المدينة في سنة (9هـ) فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أخاكم توفي اليوم فقوموا، فصفّهم النبي عليه الصلاة والسلام وصلى على النجاشي). فهو يرى سريره والصحابة لا يرونه.

    قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سريره -أي نعش النجاشي- فقام فصف أصحابه وصلى عليه صلاة الغائب؛ وذلك لأن الصحابة الذين هاجروا الهجرة الأولى والثانية إلى أرض الحبشة كانوا يرحلون من الحبشة إلى المدينة أفواجاً وجماعات وأفراداً، وكان آخر من قدم من مهاجرة الحبشة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام جعفر بن أبي طالب ، وذلك في غزوة خيبر في سنة (7 هـ). ومات النجاشي على أصح الأقوال في العام التاسع من الهجرة، فصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام.

    فكيف يقال حينئذ: إنه من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وهو لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام. والصاحب: هو من لقي. وهذا أول شرط، والنجاشي قطعاً لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام؛ فكيف يُعد صاحباً؟ ربما يكون ذلك للموقف المحمود جداً، فإنه لم يقف أحد من أهل الأرض في ذلك الزمان هذا الموقف المشرّف جداً تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فقد أكرمهم وأعزهم وشرّفهم وأمّنهم في بلاده وأنفق عليهم، وزوّج أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم، ودفع مهرها كاملاً، فمناقبه كثيرة لا تكاد تُحصى، فربما استثنى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الرجل من شروط وأركان الصحبة بسبب ذلك، لكن أنا على أية حال لم يتبيّن لي وجه صحبته.

    قال الذهبي : معدود في الصحابة رضي الله عنهم، وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر -أي: لم يترك الحبشة- ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، وصاحب من وجه.

    قوله: (هو تابعي من وجه) لأنه رأى الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة، وأكرمهم وأعزهم كما قلنا، ونحن نعلم أن التابعي: هو من لقي الصحابة، وقد لقي النجاشي الصحابة، فهو تابعي على هذا النحو اصطلاحاً لا غبار على ذلك، لكن كيف يكون صاحباً.

    قال الذهبي: فهو تابعي من وجه صاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى على غائب سواه.

    قصة رجوع ملك الحبشة إلى النجاشي كما رواها عروة

    قصت أم سلمة قصة النجاشي ، إذ قال لـعمرو بن العاص : فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، وأنتم تعلمون أن عمرو بن العاص كان في ذلك الوقت مشركاً ولم يكن قد آمن بعد، فلما ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص ليدفع الهدايا للنجاشي كي يرد هؤلاء المؤمنين، ويطردهم من بلده، ويسفّه أحلامهم، ويرد عليهم دعوتهم علم النجاشي أنهم كذبة وأنهم فجرة، وأن الحق مع أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فأمر سعاته وولاته أن يدفعوا تلك الهدايا لـعمرو بن العاص فلا حاجة للنجاشي إليها، ثم قال: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي وما أطاع الناس في فأُطيع الناس فيه.

    قال عروة -وهو الراوي لهذا الحديث- للزهري: قال: أتدري يا زهري ! ما هذا؟ قال: لا. قال: إن عائشة رضي الله عنها حدثتني أن أباه كان ملك قومه. أي: أبو النجاشي هذا كان ملك الحبشة، ولم يكن له ولد إلا النجاشي ، وكان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلاً، فأهل الحبشة قالوا: لو أن أبا النجاشي توفي لم يكن له من عقبه إلا ولد واحد، وماذا نفعل إذا مات هذا الولد بعد أن صار ملكاً؟ فالأولى لنا أن نؤمّن الحبشة بملوكها مدة طويلة من الزمان، فأرادوا نقل الملك من أبي النجاشي إلى أخيه الذي له من الولد اثنا عشر ولداً، حتى إذا مات انتقل الملك مباشرة إلى أولاده، فماذا صنعوا؟ تآمروا على قتل والد النجاشي، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملّكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه اثني عشر ولداً فتوارثوا ملكه من بعده فبقيت الحبشة بعده دهراً؛ فعدوا على أب النجاشي -أي: فوثبوا عليه- فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك مدة من الزمان ونشأ النجاشي مع عمه -أي: أن النجاشي الذي صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام نشأ في ملك عمه- وكان لبيباً حازماً من الرجال، فغلب على أمر عمه -أي: قرّبه جداً هذا العم وأدناه منه لذكائه وفطنته- ونزل من عمه بكل منزل، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالت بينها: والله إنا لنتخوف أن يملّكه -أي: يترك أولاده ويملّك ابن أخيه، إذاً: لا نكون قد صنعنا شيئاً- ولئن ملكه علينا ليقتلنا جميعاً؛ وذلك لأننا قد قتلنا أباه، فذهبوا إلى عمه فقالوا له: إما أن تقتل هذا الفتى وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفنا على أنفسنا منه. قال: ويلكم قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجوه من بلادكم -ارتكاب أخف الضررين وهو النفي- قال: فخرجوا به فباعوه من رجل تاجر بستمائة درهم، ثم قذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان المساء من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحاب الخريف على الحبشة، فخرج عمه يستمطر تحتها -أي: يطلب المطر- فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هم حمقى ليس في ولد من أولاده خير -كلهم بلد مجانين صرعى، فكيف يملكون مجنوناً عليهم- فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره الذي بعتموه غدوة، لا سبيل لكم إلا أن تذهبوا فتأتون به مرة أخرى وتملّكوه أمركم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه -أي: إذا كنتم حريصين على البلد ومصلحة البلد فملكوا النجاشي- فخرجوا في طلبه حتى أدركوه، فأخذوه من التاجر ثم جاءوا به، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سرير الملك وملكوه. قال: فجاءهم التاجر: إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمهم ذلك.

    -أي: أنهم أخذوا منه النجاشي ولم يعطوه ما قد أخذوه منه- فقالوا: لا نعطيك شيئاً.

    قال: إذا: والله لأكلمنه. قالوا: فدونك -كأنهم يقولون له: اذهب فكلمه بما تريد- فجاءه فجلس بين يديه فقال: أيها الملك! ابتعت غلاماً -وانظر إلى أدب التاجر فلم يقل له: أنت عبدي وأنا اشتريتك- قال: أيها الملك! ابتعت غلاماً من قوم في السوق بستمائة درهم، فأسلموه إلي وأخذوا دراهمي، حتى إذا صرت بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: لتعطنه دراهمه أو ليسلّمن غلامه في يديه فليذهبن به حيث شاء! قالوا: بل نعطيه دراهمه.

    قالت أم سلمة : فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي.

    قال ذلك لأن هذا الملك هو ملك النجاشي وليس ملك ابن عمه، بل هو ملك أبيه ينتقل إليه، فلما حاولوا زحزحة الملك إلى العم بقتل أخيه انتقل الملك بعد ذلك إلى الأولاد، ولكن الأولاد لم يصلح منهم أحد لهذه المهمة؛ فاضطر أهل الحبشة إلى إرجاع الملك إلى النجاشي. هل حاباهم بشيء؟ هل دفع لله رشوة أن رد عليه ملكه؟ حاشى؛ ولذلك قال لـعمرو بن العاص : ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه. وكان ذلك أول ما عرف من صلابته في دينه وعدله في حكمه.

    هذا كان أول موقف من مواقف النجاشي، أنه صاحب عدل وصلابة وقوة في الحق، حتى وإن كان ذلك على حساب ملكه.

    ثم قالت أم سلمة : لمّا مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور، كرامة من الله عز وجل.

    حديث أم سلمة في قصة النجاشي مع وفد قريش

    روى الإمام أحمد في المسند من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، آمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين. أي: تواطئوا واتفقوا أن يجعلوا في أثر هؤلاء الصحابة رجلين صلبين قويين صاحبي حجة ولسان وبيان، حتى يفضحا هؤلاء المهاجرة عند النجاشي.

    قالت: فلما فعلوا أهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم. أي: الخضار أو البقول أو غير ذلك مما يُطهى ويُطبخ.

    قالت: فجمعوا له أدماً كثيراً. أي: أنواعاً متعددة من الغذاء.

    قالت: ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص السهمي وأمّروهما أمرهم. أي: أرسلوا سرية عليها عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص .

    وقالوا لهما -أي: قريش قالت لـعبد الله بن أبي ربيعة ولـعمرو بن العاص - ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تُكلموا النجاشي فيهم. يستميلون بطانة السوء أولاً بالهدية، ثم يرجون عندهم نوالاً ومساعدة، حتى إذا اشتُريت ذمم البطارقة يسهل عليهم أن يضغطوا على النجاشي.

    ثم قالت قريش لهما: ثم قدموا له هداياه. أي: بعد أن يأخذوا البطارقة الهدايا، قدّموا الهدايا إلى النجاشي، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.

    وإلى ذلك الوقت لا يزال النجاشي لم يتكلم مع هؤلاء الصحابة، ولكنه علم بخبرهم.

    قالت: فخرج عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص ، فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقال له: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم.

    أي: أن دوركم أيها البطارقة! حينما ندخل على الملك ونطلب منه أن يسلمنا هؤلاء الذين أتوا بدين مبتدع جديد هو مساعدتنا، وتقولون له: ادفع إليهم هؤلاء بغير أن يدخلوا عليك وبغير أن تتحدث معهم ولا تكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عيناً -أي: أخبر بهم، وأعلم بما عابوا عليهم- فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي فقبِلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك! إنه قد صبا -أي: أوى إليك- وإلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم.

    قالت أم سلمة : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم -أي: أنهم كانوا في غاية الحذر أن يسمع النجاشي كلام هؤلاء المهاجرة؛ وذلك لأنهم يعرفون أن الحق أبلج، وله نور وضياء وسلطان في القلب- فقالت بطارقته من حوله: صدقوا أيها الملك! وانظروا إلى الكذّابين المنافقين وكأنهم يقولون: سلم لهم هؤلاء الناس ولا تسمع منهم، كل هذا لأجل الهدايا التي أخذوها من قبل، وهناك من يبيع دينه بفلس، وآخر لا يفرّط في أدنى شعيرة من دينه ولو كان الثمن الدنيا وما فيها، والناس مذاهب.

    قالت: فقالت بطارقته من حوله: صدقهما أيها الملك! فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي غضباً شديداً، ثم قال: لا ها الله إذاً: لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قوماً جاوروني. أي: لا أكيد بقوم جاوروني، ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم.

    ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا فقالوا: ماذا نقول للرجل إذا جئناه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أي: أن هذا لا يحتاج إلى تفكير منا في الذي نقول له؛ لأنا لا نعلم ما هي أسئلته المحددة.

    قالت: فقال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا عليه الصلاة والسلام كائناً في ذلك ما كان.

    وهذا لقوة إيمانهم. فما هي النتيجة؟ هل يقتلنا؟ إذاً: يقتلنا، فلن نقول إلا الحق، وإذا أراد طردنا من الحبشة فليطردنا ومع ذلك لا نقول إلا الحق.

    قالت: فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله -أي: الصحف- سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟

    قالت أم سلمة : وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب .

    فقال له: أيها الملك! إنا كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف.. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

    قالت: فعدد له أمور الإسلام ثم قال: فصدقناه وآمنا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا -أي: فوثب علينا قومنا- فعذّبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك!

    أرأيتم طرح القضية كيف تكون؟! أرأيت كلام جعفر ؟!

    ولو كان قلب النجاشي حجراً وصخراً فإنه لابد أن يتحرك من هذا الكلام. وأعظم دعوة تدعو بها رجلاً لم يكن من أهل الإيمان ولا من أهل الإسلام أن تدعوه بما دعا به جعفر بن أبي طالب النجاشي .

    قالت أم سلمة : فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟

    قال: نعم.

    قال: فاقرأه علي.

    فقرأ عليه صدراً من: كهيعص [مريم:1] فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم من الآيات.

    ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.

    أي: أن الكلام الذي نعلمه من الإنجيل لابد أن يكون مصدره واحداً وهو الوحي.

    قال: انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد.

    وهذه أول جولة فشل فيها عمرو بن العاص .. بالذات عمرو بن العاص فقد كان ذكياً، وكان داهية العرب.

    فلما خرجا -أي: عمرو وعبد الله بن أبي ربيعة - قال عمرو لـابن أبي ربيعة : والله لأنبئنهم غداً عيبهم. أي: أرجع مرة أخرى للنجاشي، وأفتّح له أبواباً أخرى من أبواب الابتلاء.

    قال: والله لأنبئنهم غداً عيبهم، ثم أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا.

    أرأيت العدل من أم سلمة ؟ مع كفر عبد الله بن أبي ربيعة فهي تقول عنه: أنه أتقى الرجلين. أي: كان أفضل من عمرو بن العاص ، وكان أتقى الرجلين فيهم مع بقائه على الشرك والكفر، فهذا عدل الإسلام حتى وإن كان الرجل كافراً يُذكر بما فيه من خير، وما قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، وحيث ما كان العدل فثم شرع الله عز وجل.

    قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا.

    أي: أنه في كل الأحوال هؤلاء منا ونحن منهم، وإن كانوا قد خالفونا في الديانة، وخرجوا وصبئوا عن ديننا ودين آبائهم.

    قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد، ثم غدا عليه فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عمّا يقولون فيه؟ فأرسل النجاشي يسألهم مرة أخرى، ولم ينزل بنا مثلها -أي: أن هذا الموقف عصيب وشديد- فاجتمع القوم ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائناً ما كان، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال له جعفر : نقول فيه الذي جاء به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ عوداً، ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود.

    وكأنه يقول له: أنا كذلك أعتقد أن عيسى كما قلت الآن، وأنه عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه ألقاها إلى مريم، فهو عبد، فوالله الذي أعلمه من عيسى هو الذي أسمعه منك الآن، فأخذ عصا من الأرض وقال: والله ما عدا عيسى ما سمعت منك قدر هذه. أي: أن الذي عندي مطابق تماماً لما عندك، فعقيدتي هي عقيدتك يا جعفر !

    قالت: فتناخرت بطارقته من حوله فقال: وإن نخرتم والله.

    الرجل صاحب حق، وكان هذا النجاشي وحيداً، ومع هذا فقد شهد بالحق وعمل به وإن كان وحده، حينما وافق جعفر على أن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ونخر البطارقة، ولم يكن النجاشي كهرقل الذي قال: أردت أن أختبركم، وإنما قال: وإن نخرتم والله عيسى كذلك، هو عيسى عبد الله ورسوله.

    قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي. ومعنى السيوم: الآمن، وهي كلمة حبشية، أي: أنتم أيها المهاجرون! آمنون في أرضي.

    قال: من سبكم غُرّم ثم من سبكم غُرّم، ما أحب أن لي دبراً -أي: جبلاً بالحبشة ذهباً وأني آذيت رجلاً منكم، ردوا عليهما هداياهما -أي: على عبد الله وعمرو بن العاص ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فخرجا مقبوحين -وهذه الهزيمة الثانية- مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، فوالله إنا على ذلك إذ نزل به من ينازعه في الملك، فخرج الرجل من الحبشة ببيعة من هؤلاء البطارقة والأساقفة لقتل النجاشي وحرب النجاشي.

    فوالله ما علمنا حرباً قط كان أشد من حرب حربناه، أو من حزن حزناه تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، وسار النجاشي وبينهما عرض النيل.

    فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟

    أي: هل من رجل يركب هذا النيل إلى الناحية الأخرى ويُدرك الحرب حتى ينظر لمن ستكون الغلبة: أهي للنجاشي أم للخارج عليه؟

    وهذه حرب كانت مروّعة ومخيفة جداً للمهاجرين؛ لأن النجاشي لو غلب في هذه الحرب لضاع هؤلاء؛ لأنه ربما يأتي -بل يقيناً سيأتي- رجل لا يعرف حق هؤلاء، ولا يعرف صحة ما هم عليه.

    قالت: فقال الزبير : أنا الذي أعبر النيل لأنظر لكم، وكان من أحدث القوم سناً فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى مكان الملتقى، وحضر الحرب، فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوثق له أمر الحبشة. أي: كتب الله له الغلبة فتملّك الحبشة وصار قابضاً عليها كما يقبض أحدنا على شيئه.

    قالت: فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.

    لأن أم سلمة لم تبق طويلاً في الحبشة، فهي ممن هاجر من مكة إلى الحبشة، ثم رجعت من الحبشة إلى مكة قبل أن يهاجر النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقيل: إن النجاشي قال لهم: ما دينكم؟ قالوا: بعث الله فينا رسولاً، وذكر جعفر ما تقدم ذكره.

    وكان للنجاشي ولد يسمى أرما، فبعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات في الطرق ولم يُدرك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقيل: إن الذي رافق عمرو بن العاص في رحلته العدائية لأهل الإيمان إلى أرض الحبشة رجل من أهل الجابية يقال له: عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، ولا مانع أن يكون عبد الله بن أبي ربيعة أو عمارة بن الوليد أو كليهما.

    رواية جعفر بن أبي طالب لقصة هجرته مع أصحابه إلى الحبشة وهجرته إلى المدينة

    عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي، فقالوا له ونحن عنده: قد جاء إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا، فادفعهم إلينا.

    قال: لا. حتى أسمع كلامهم. فأمر النجاشي منادياً فنادى: من آذى أحداً منهم فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال: يكفيكم؟

    أي: أتكفيكم الأربعة الدراهم؟ قال جعفر : قلنا: لا. فأضعفها. أي: جعلها ثمانية دراهم.

    قال: (فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وظهر بها قلنا له: إن صاحبنا قد خرج إلى المدينة، وهاجر، وقتل الذي كنا حدثناك عنهم -أي: في غزوة بدر- وقد أردنا الرحيل إليه. فزودنا. قال: نعم. فحملنا -أي: على البعير والخيل والحمير- وزودنا وأعطانا، ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا رسولي معك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، فقل له: يستغفر لي. قال: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتنقني وقال: ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح، أو بقدوم جعفر ؟). لأنه كان قد أتى من غزوة خيبر، فوافق الرجوع قدوم جعفر من الحبشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح، أو بقدوم جعفر ؟ ثم جلس، فقام رسول النجاشي فقال: هو ذا جعفر ) أي: يا رسول الله! هذا جعفر الذي كان عندنا. قال: (فسله ما صنع به صاحبنا -أي: النجاشي- فقلت: نعم -أي: قد ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما صنع صاحبكم بنا- قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات: اللهم اغفر للنجاشي.. اللهم اغفر للنجاشي.. اللهم اغفر للنجاشي فقال المسلمون: آمين، فقلت للرسول: انطلق. فأخبر صاحبك ما قد رأيت).

    وعن عمير بن إسحاق أن جعفراً قال: (يا رسول الله! ائذن لي حتى أصير إلى أرض أعبد الله فيها، فأذن له فأتى النجاشي).

    رواية عمرو بن العاص لقصة النجاشي معه ومع من هاجر إليه

    حدثنا عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفراً آمن بها هو وأصحابه حسدته، فأتيت النجاشي فقلت: إن بأرضك رجلاً ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أبداً لا أنا ولا أحد من أصحابي.

    أي: إذا لم تقتله فلن ترانا أبداً ولا واحداً منا، ولا أي طعام يأتي من ناحيتنا، وهذا يدل على أن الحبشة فقيرة، وكان أحب شيء للنجاشي أن يأتيه من مكة الأدم والطعام، فكأنهم فقراء.

    قال: اذهب إليه فادعه. قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولاً، فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم. قال له: أجب. قال : فلما أتينا الباب ناديت: ائذن لـعمرو بن العاص ، ونادى جعفر : ائذن لحزب الله. أي: أن عمرو بن العاص يطرق باب النجاشي وهو يقول: ائذن لـعمرو بن العاص بالدخول، وجعفر لم يقل: ائذن لـجعفر ، وإنما قال: ائذن لحزب الله، فانظر إلى الاستعلاء بكلمة الإيمان والتوحيد، وأعظم نداء ينادي به العبد أمة الدعوة بدمه وبماله. وهذه هي محل البيعة ومحل السلعة التي ساوم الله تبارك وتعالى عليها عباده الصالحين: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] فهذا محل البيعة.

    فقال: فنادى جعفر : ائذن لحزب الله، فسمع صوته فأذن له قبلي.

    رواية أبي بردة عن أبي موسى قصة عمرو بن العاص مع نجاشي الحبشة

    عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا عمراً وعمارة بن الوليد ، وجمعوا للنجاشي هدية، فقدما عليه وأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو : إن أناساً من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فقال: في أرضي؟ قال: نعم.

    فبعث إلينا فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد. أنا خطيبكم اليوم)؛ لأنه آنس من نفسه رشداً. قال: لا يتكلم أحد مع النجاشي، فأنا الذي أتولى الرد.

    قال: (فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس عظيم، وعمرو عن يمينه وعمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين -أي: في وجهه- وقد قال له عمرو : إنهم لا يسجدون لك) وهذه الخدعة الثالثة. أي: كما دخلنا وسجدنا لك فهؤلاء لن يسجدوا لك.

    قال: (إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين: أن اسجدوا) أي: حينما تدخلون على النجاشي اسجدوا له.

    قال: (قلنا: لا نسجد إلا لله عز وجل، فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إلا لله. قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسولاً وهو الذي بشّر به عيسى عليه السلام فقال: يأتي من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نُشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأُعجب النجاشي من قوله، فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك! إنهم يخالفونك في ابن مريم). حينما فشل في هذه تدارك نفسه بسرعة فقال له: هم يخالفونك في عقيدتهم في ابن مريم.

    قال: (فقال النجاشي لـجعفر : ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال جعفر : يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. فتناول النجاشي عوداً من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه. مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك) أي: لو أنه يترك البلاد والملك لاستولوا عليه البطارقة.

    قال: (ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبِّل نعله. امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردوا على هذين هديتهما.

    وكان عمرو رجلاً قصيراً، وكان عمارة رجلاً جميلاً، وكانا أقبلا في البحر إلى النجاشي، فشرب مع عمرو وامرأته).

    -أي: عمارة- الخمر، قال: فلما شربوا من الخمر قال عمارة لـعمرو : مر امرأتك فلتقبلني. قال عمرو لـعمارة : ألا تستحي. فأخذ عمارة عمراً يرمي به في البحر، فجعل عمرو يناشده الله حتى تركه، فحقد عليه عمرو . وظل يكتمها عمرو بن العاص إلى أن فشلا بين يدي النجاشي، وكان عمارة رجلاً جميلاً ووضيئاً، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلّفك عمارة في أهلك، فدعا بـعمارة فنفخ في إحليله فصار مع الوحش.

    لكن سبقت هذه القصة خدعة، وهذه الخدعة هي مكر عمرو بـعمارة . قال: يا عمارة ! إنك رجل جميل، فاذهب إلى امرأة النجاشي، فتحدث عندها إذا خرج زوجها، فإن ذلك عون لنا في حاجتنا.

    فخرج عمارة إلى بيت النجاشي، وذهب عمرو إلى موطن الملك وقال للنجاشي: إن عمارة رجل جميل. إذا خرجت خلّفك في أهلك، وإذا شئت فأرسل إلى بيتك الآن فإنه في بيتك ومع أهلك، فأرسل النجاشي رسولاً إلى بيته، فوجد أن عمارة يتكلم مع امرأته، فصدق النجاشي الخدعة، فأتى به فنفخ في إحليله، وألقاه في البرية مع الوحوش.

    قال: ثم ألقوه في جزيرة من جزائر البحر فجن واستوحش مع الوحش. أي: صار شبيهاً بالوحوش.

    رواية عائشة في تثبيت النجاشي ملكه في الحبشة

    عن عائشة قالت: لمّا مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور، فأما عمارة فإنه بقي إلى خلافة عمر بن الخطاب مع الوحوش، فدُل عليه أخوه، فسار إليه وتحيّن وقت وروده الماء، فلما رأى أخاه فر فوثب وأمسكه، فبقي يصيح: أرسلني أرسلني يا أخي! فلم يرسله فخارت قوته من الخوف ومات في الحال. فعداده في المجانين الذين يبعثون على ما كانوا عليه قبل ذهاب العقل، فيُبعث هذا الرجل على الكفر والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. نسأل الله تعالى المغفرة والسلامة.

    قالت: واجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: فارقت ديننا. أي: أنه لم يبق بين رسل قريش من الكافرين وبين النجاشي شيء، واستقر الأمر لدى النجاشي أن هؤلاء أصحاب الحق ودخل النجاشي في الإسلام.

    فقامت حرب جديدة بين النجاشي وبين أهل الحبشة. قالوا له: فارقت ديننا.

    قالت: وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفناً، وقال: اركبوا فإن هزمت فامضوا وإن ظفرت فاثبتوا. أرأيتم الموقف الرائع جداً.

    ولو أني كنت مكان النجاشي لقلت لهم: ألست أنا الذي ضيّعت نفسي من أجلكم؟ إذاً: فقفوا بجانبي حتى وإن تقطعت إرباً كما وقفت بجانبكم! ولكنه صنع لهم سفناً وأركبهم البحر، وزودهم بالطعام والشراب الكافي، وقال لهم: حرب بيني وبين قومي لا علاقة لكم بها، فانتظروني في البحر فإن أنا ظفرت بهم فاثبتوا في الأرض، وإن هزمت فانطلقوا إلى بلادكم آمنين.

    قالت: ثم عمد إلى كتاب فكتب فيها: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. هذه الكلمات التي كتبها النجاشي، وإنه واجب على من آمن أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أما قوله: وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه وغير ذلك فهذا من باب المستحبات لا من باب الواجبات، وأنتم تعلمون أن النجاشي كان نصرانياً؛ فأراد أن يبيّن مسألة مهمة في اعتقاده أن عيسى كان عبداً لله وليس ابناً لله.

    قالت: ثم جعله في قباءة وخرج إلى الحبشة، وصفوا له -أي: التقى الصفان- فقال: يا معشر الحبشة!

    فانظروا إلى هذا الذكاء، فإنه لم يقاتلهم فجميعهم قد خرج عليه؛ فمن سيقاتل؟

    فقال: يا معشر الحبشة! ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة.

    قال: فما بالكم أي: خرجتم علي؟

    قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد.

    قال: فما تقولون فيه؟

    قالوا: هو ابن الله. فقال بعد أن وضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئاً.

    فهو حينما أمّن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في البحر أتى بورقة وقال أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وروح منه وكلمته ألقاها إلى مريم، وقام بإطباق الورقة وجعلها في قباءة ولم يسلمها لـجعفر ، وخرج على الحبشة وقال لهم: فما تقولون أنتم؟

    قالوا: نقول: إنه ابن الله، فوضع يده على القباءة وقال: والله ما فارقت ما هو كائن. أي: أنه يقول مثل هذا، فهم فهموا أنه موافق بذلك، ولكنه يشير إلى الورقة التي بداخل القباءة.

    وهذا ذكاء من الملك، ولكن منهم من كان ذكياً في الخير ومنهم من كان ذكياً في الشر.

    فقال لهم: فما تقولون أنتم؟ قالوا: هو ابن الله؟ قال: والله وأنا لا أعدو هذا. وفي هذا جواز استخدام المعاريض، والنجاة من القتل حتى وإن كان هذا بالحلف الكاذب؛ لأن الحرب خدعة، فقال بعد أن وضع يده على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئاً، وإنما عنى ما كتب، فرضوا وانصرفوا عنه ظناً منهم أنه وافقهم أنه ابن الله، واستقر له الملك، ولم يدخل في حرب مع هؤلاء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له.

    تجهيز النجاشي أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم

    ومن محاسن النجاشي كذلك: أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش في مكة وهاجرا إلى الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصّر بعد أن كان مسلماً، فلم ينشب أن مات بالحبشة وهو نصراني مرتد، فلما وفّت العدة أي حينما وفّت العدة بتركه لها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي وشهد زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاها الصداق عن النبي عليه الصلاة والسلام من عنده أربعمائة دينار ذهباً، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهّزها النجاشي، وكان عمرها حينما قدمت المدينة بضعاً وثلاثين سنة.

    وعن أم حبيبة : أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها بالحبشة، زوجه إياها النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي .

    قال ابن سعد في سيرته: عن أم حبيبة قالت: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهها ففزعت فإذا هو يقول حين أصبحت يا أم حبيبة ! إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد فقد رجعت إليها. قالت: فأخبرته بالرؤيا، فلم يحفل بها -أي لم يعبأ بها- وأكب على الخمر حتى مات، فأريت في النوم كأن آتياً يقول لي: يا أم المؤمنين! ففزعت فأولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني.

    وهي لم تكن بعد أماً للمؤمنين، ولكنها رأت في الرؤيا رجلاً يقول لها: يا أم المؤمنين! فما دامت ستصبح أم المؤمنين فالنبي صلى الله عليه وسلم سيتزوجها.

    قالت: فما هو إلا أن قد انقضت عدتي، فما شعرت إلا ورسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه -أي: العطر- فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لكِ: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلي أن أزوجك. فقلت: بشركِ الله بخير.

    قالت: يقول الملك: وكلي من يزوجك. فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته.

    وأعطت أم حبيبة أبرهة سوارين من فضة، وخواتيم كانت في أصابع رجليها، وخدمتين كانتا في رجليها. فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين، فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام. وهذا الكلام يحتج به ويقال من باب السنن في عقد النكاح.

    قال: الحمد لله الملك القدوس السلام، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى عليه السلام.

    ثم خطب خالد بن سعيد وزوجها وقبض أربعمائة دينار، ثم دعا بطعام فأكلوا.

    قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين ديناراً لـأبرهة . أي: خمسين ديناراً ذهباً، والدينار بحوالي مائتي جنيه. أي: عشرة آلاف جنيه. إذاً: فهذا مهر كبير جداً، ولكنه ليس كبيراً على أم المؤمنين.

    قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين ديناراً لـأبرهة ، فأبت أبرهة ، وأخرجت حقاً فيه كل ما أعطيتها فردته عليّ. وقالت: عزم عليّ الملك ألا أرزأكِ شيئاً. أي: أنقصكِ من مالكِ شيئاً.

    ثم تقول أبرهة لـأم المؤمنين: أنا لي عندكِ طلب واحد، وهو أن تقرئي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام، ثم جاءتني من عند نساء الملك بعود وعنبر وزباد كثير.

    فقيل: بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة (6هـ). وقال خليفة: دخل بها سنة (7هـ)، ولما توفي قال النبي عليه الصلاة والسلام للناس: (إن أخاً لكم قد مات بأرض الحبشة، فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفاً ثم صلى عليه) فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة (9هـ). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    2925601010

    عدد مرات الحفظ

    693721085