اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كُتب النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الكفار يدعوهم - قصة النجاشي للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كُتب النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الكفار يدعوهم - قصة النجاشي - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
بعد أن وضعت الحرب أوزارها بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش إثر صلح الحديبية، بدأ النبي بمراسلة ملوك وأمراء البلاد المحيطة بالجزيرة ودعوتهم إلى الإسلام، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتباً إلى الملوك والأكاسرة في عهده، ولم يؤمن منهم إلا النجاشي ملك الحبشة، والذي كان له مناقب كثيرة، منها إيواء المهاجرين من مكة إليه، وتجهيز أم حبيبة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته صلاة الغائب ولم يصلها على أحد غيره.
باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.الباب السابع والعشرون من كتاب الجهاد والسير: (باب كُتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل).قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثني يوسف بن حماد المعنى حدثنا عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة البصري عن أنس رضي الله عنه: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ].أي: أن هذا النجاشي ليس هو النجاشي الذي آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم حينما توفي صلاة الغائب.قال: [ وحدثناه محمد بن عبد الله الرزي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة قال: حدثنا أنس ].في الإسناد الأول قتادة عن أنس. وفي الإسناد الثاني: عن قتادة حدثنا أنس وقتادة مدلّس، فإذا قال: حدثنا انتفت عنه شبهة التدليس.قال: [ عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. ولم يقل: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ]. أي: أن الإسناد الأول من طريق عبد الأعلى عن سعيد. والإسناد الثاني من طريق عبد الوهاب عن سعيد .ففي طريق عبد الأعلى : (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام). أما في طريق عبد الوهاب بن عطاء ليس فيه هذه الزيادة.قال: [ وحدثنيه نصر بن علي الجهضمي أخبرني أبي حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن أنس ولم يذكر: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ].
 جواز العمل بالخبر الواحد
قال النووي: (في هذا الحديث: جواز مكاتبة الكفار ودعاؤهم إلى الإسلام، والعمل بالكتاب، وبالخبر الواحد).قوله: (والعمل بالكتاب) أي: اعتبار أن هذا الكتاب حجة وإن كان خبراً واحداً. ولا تزال الأمة تعمل بخبر الواحد في العقيدة والأحكام والآداب والأخلاق والمعاملات حتى ظهر المعتزلة ومن بعدهم من الفلاسفة، فأخذ الفلاسفة بمذهب المعتزلة، واستفادت المعتزلة من مذهب الفلاسفة بعد الترجمة في زمن الرشيد ، فخرجوا عن الأمة ببدعة عظيمة كادت تهدم أكثر من نصف الدين، وأكثر من ثلاثة أرباع عقيدة التوحيد، وهذا مبني على قولهم المنكر: إن خبر الواحد لا يُحتج به في العقيدة. وبعضهم يقول: لا يُحتج به لا في العقيدة ولا في الأحكام.والذين يقولون ذلك إذا وافق النص أهواءهم احتجوا به حتى وإن كان نصاً ضعيفاً أجمع المحدثون على ضعفه، فتجدهم حين الحاجة إلى هذا النص يحتجّون به.والأدلة على أن خبر الواحد حجة كثيرة في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل معاذاً إلى اليمن، كما أنه أرسل الرسل إلى شتى بقاع الأرض في ذلك الزمان يدعو الملوك إلى الإسلام، فأرسل واحداً إلى اليمن، وأرسل إلى الشام، وكلهم كانوا أفراداً. ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل معاذاً إلى اليمن: اذهب إلى اليمن لعلهم يقبلون منك وإن كنت فرداً. وإنما أرسله وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب. فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). وهذه عقيدة، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن خبر الواحد لا يحتج به في العقيدة لأرسل جمعاً من الصحابة يبلغ حد التواتر إلى أهل اليمن. وكذلك أهل اليمن يعلمون أن خبر الواحد إذا صح وجب العمل به والصيرورة إليه؛ ولذلك لم ينكروا على معاذ أنه أتى فرداً، وإنما قبلوا منه وعملوا بمقتضى خبره في العقائد والأحكام؛ لأنه دلهم على العقيدة أولاً، فلما استجابوا لذلك ودخلوا في الإسلام -أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من فرائض الإسلام، مع أن هذا خبر واحد، وكذلك أرسل علياً بعد ذلك. وأبو موسى الأشعري ذهب إلى أهل الكوفة، وعبد الله بن مسعود ذهب من قبله إلى أهل الكوفة، وغير هؤلاء ممن بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الولاة والأمصار أفراداً ووحداناً، بغير نكير لا ممن أرسلهم ولا ممن استقبلهم.فهذا يدل على أن خبر الواحد معمول به بلا خلاف بين سلف الأمة. أما الأدلة على ذلك تفصيلاً فمحلها كثير من الكتب.
نبذة عن حياة النجاشي رحمه الله
قال سفيان الثوري عليه رحمة الله: عند ذكر الصالحين تتنزّل الرحمة. فبعد أن افتقدنا سير السلف منذ أكثر من سنتين، نعيش في هذه الليلة مع النجاشي رضي الله تعالى عنه ورحمه.
 تجهيز النجاشي أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم
ومن محاسن النجاشي كذلك: أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش في مكة وهاجرا إلى الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصّر بعد أن كان مسلماً، فلم ينشب أن مات بالحبشة وهو نصراني مرتد، فلما وفّت العدة أي حينما وفّت العدة بتركه لها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي وشهد زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاها الصداق عن النبي عليه الصلاة والسلام من عنده أربعمائة دينار ذهباً، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهّزها النجاشي، وكان عمرها حينما قدمت المدينة بضعاً وثلاثين سنة.وعن أم حبيبة : أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها بالحبشة، زوجه إياها النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي .قال ابن سعد في سيرته: عن أم حبيبة قالت: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهها ففزعت فإذا هو يقول حين أصبحت يا أم حبيبة ! إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد فقد رجعت إليها. قالت: فأخبرته بالرؤيا، فلم يحفل بها -أي لم يعبأ بها- وأكب على الخمر حتى مات، فأريت في النوم كأن آتياً يقول لي: يا أم المؤمنين! ففزعت فأولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني.وهي لم تكن بعد أماً للمؤمنين، ولكنها رأت في الرؤيا رجلاً يقول لها: يا أم المؤمنين! فما دامت ستصبح أم المؤمنين فالنبي صلى الله عليه وسلم سيتزوجها.قالت: فما هو إلا أن قد انقضت عدتي، فما شعرت إلا ورسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه -أي: العطر- فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لكِ: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلي أن أزوجك. فقلت: بشركِ الله بخير.قالت: يقول الملك: وكلي من يزوجك. فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته.وأعطت أم حبيبة أبرهة سوارين من فضة، وخواتيم كانت في أصابع رجليها، وخدمتين كانتا في رجليها. فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين، فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام. وهذا الكلام يحتج به ويقال من باب السنن في عقد النكاح.قال: الحمد لله الملك القدوس السلام، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى عليه السلام.ثم خطب خالد بن سعيد وزوجها وقبض أربعمائة دينار، ثم دعا بطعام فأكلوا.قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين ديناراً لـأبرهة . أي: خمسين ديناراً ذهباً، والدينار بحوالي مائتي جنيه. أي: عشرة آلاف جنيه. إذاً: فهذا مهر كبير جداً، ولكنه ليس كبيراً على أم المؤمنين.قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين ديناراً لـأبرهة ، فأبت أبرهة ، وأخرجت حقاً فيه كل ما أعطيتها فردته عليّ. وقالت: عزم عليّ الملك ألا أرزأكِ شيئاً. أي: أنقصكِ من مالكِ شيئاً.ثم تقول أبرهة لـأم المؤمنين: أنا لي عندكِ طلب واحد، وهو أن تقرئي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام، ثم جاءتني من عند نساء الملك بعود وعنبر وزباد كثير.فقيل: بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة (6هـ). وقال خليفة: دخل بها سنة (7هـ)، ولما توفي قال النبي عليه الصلاة والسلام للناس: (إن أخاً لكم قد مات بأرض الحبشة، فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفاً ثم صلى عليه) فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة (9هـ). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كُتب النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الكفار يدعوهم - قصة النجاشي للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net