إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. كتاب الحج
  5. شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - بيان وجوه الإحرام الإفراد - القران - التمتع

شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - بيان وجوه الإحرام الإفراد - القران - التمتعللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج أحد أركان الإسلام وشعائره العظيمة، وهو ثلاثة أنواع: تمتع وقران وإفراد؛ يهل الحاج بأحدها عند الإحرام، وقد وقع الاختلاف في أي المناسك الثلاثة أفضل منذ عهد الصحابة، كما اختلفوا في حجة النبي صلى الله عليه وسلم هل كانت إفراداً أم قراناً أم تمتعاً؟ وعلى كل حال فالإفراد أكملها، والهدي يجبر النقصان في القران والتمتع.

    1.   

    باب ما جاء أن عرفة كلها موقف

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، ثم أما بعد:

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (باب ما جاء أن عرفة كلها موقف).

    النبي عليه الصلاة والسلام لاشك أنه وقف في موطن معين من عرفة، ولم يقف في كل عرفة، كما وقف في موطن معين من مزدلفة، ولم يقف في كل مزدلفة، وكذلك وقف ونزل في منى، وقد ضرب له خباء في منى فمكث فيه ثلاثة أيام، ولا شك أن ذلك كان في مكان معين دون بقية أجزائها، والنبي عليه الصلاة والسلام خشي أن يأتي من يتمسك بهذا المكان الذي نزل فيه في عرفة أو في مزدلفة أو في منى ويقول: لا يجزئ الوقوف إلا في المكان الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان ذلك الوقوف في منى أو مزدلفة أو عرفة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في عرفة: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف). وقال في المزدلفة: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف)، ويقال لمزدلفة: جمع. وقال في منى: (ووقفت هاهنا ومنى كلها موقف)؛ ليبين الجواز، وإن كان الأفضل النزول حيث نزل النبي عليه الصلاة والسلام، والوقوف حيث وقف النبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم الطواف في جميع طوابق المسجد الحرام وسطحه وخارج المسجد

    ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام طاف حول الكعبة مباشرة، واليوم من الناس من يطوف في الدور الثاني أو الثالث أو في السطح أو خارج المسجد الحرام من شدة الزحام، والطواف في هذه الأماكن كلها يجزئ الطائفين، ولكن أفضل الطواف بلا شك هو الطواف في المكان الذي طاف فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن من لم يتمكن من ذلك يجزئه طوافه في غير المكان الذي طاف فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وطوافه صحيح بلا شك وبلا خلاف بين أهل العلم، وإن كان الأفضل هو الطواف حيث طاف النبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم الوقوف في أي مكان من مزدلفة ومنى وعرفة في أيامهن المحدودة

    أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن ينفي خلافاً ربما يقع فيه طوائف من الأمة فيما بعد، فقال في حديث جابر : [(نحرت هاهنا ومنى كلها منحر)]، أي: ذبحت الهدي في هذا المكان من منى، ولو أراد الذابح أن يذبح في كل بقعة منها شاة لربما ذبح آلاف أو ملايين الشياه، والنبي عليه الصلاة والسلام ما ذبح إلا هديه، ولا يتصور أنه ذبح إلا في بقعة معينة من منى، فخشي عليه الصلاة والسلام أن يتمسك بهذا المكان في النحر والذبح أناس من أمته فقال: (نحرت هاهنا)، أي: في هذا المكان بعينه، (ومنى كلها منحر)، أي: منى كلها صالحة بأن يذبح فيها الهدي، وليس بلازم أن يذبح في نفس المكان الذي ذبح فيه النبي عليه الصلاة والسلام، بل قال: (فانحروا في رحالكم، ومنى كلها منحر)، يعني: من شاء أن ينحر في بيته أو في خيمته أو في خبائه الذي نزل فيه في منى فلينحر، ولا يصح لك أن تضرب خباءك ولا أن تنزل في مكان خارج منى، وإنما تضرب خباءك في منى في أيام منى، وفي مزدلفة في ليلة المزدلفة، وفي عرفة في يوم عرفة وليلتها.

    فإذا كان الخباء مضروباً خارج هذه البقاع -أي: خارج حدود عرفة أو المزدلفة أو منى- لم يصح مبيتك ولا قيامك في هذا المكان إذا لم تكن قد دخلته في أثناء المدة المأذون فيها من جهة الشرع.

    قال: [(ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)]، أي: في هذا المكان من عرفة، (وعرفة كلها موقف).

    وقال: [(ووقفت هاهنا -أي: في جمع في مزدلفة- وجمع كلها موقف)].

    الرمل في الطواف واستلام الحجر الأسود

    قال جابر رضي الله عنه: [(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه)]، أي: لما دخل مكة محرماً بالحج أتى الحجر فاستلمه، أي: فتناوله بيمينه وقبل يمينه، ثم مشى على يمين الحجر، وكان الحجر على شماله.

    قال: [(فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)] والرمل: هو الإسراع قليلاً، والسعي الحثيث، وهذا الرمل لا يكون إلا في الثلاثة الأشواط الأولى، وأما الأشواط الأربعة الباقية فيمشي فيها على الأقدام بغير تكلف وبغير إسراع، وإنما يمشي المشي المعتاد.

    فالسنة أن ترمل في الثلاثة الأشواط الأولى، وتمشي مشياً عادياً في الأربعة الباقية.

    وفي هذا الحديث: أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم، ويقدمه على كل شيء، وأن يستلم الحجر الأسود في أول طوافه، وقد اختلف أهل العلم هل يسن أن يستلم الحجر أو أن يقبله أو يشير إليه في كل شوط أو يكفي الشوط الأول؟ فالاستلام والتقبيل مسنون في الشوط الأول، ويسن له أن يشير إليه وأن يتوجه إليه بصدره عند محاذاته، وأن يشير إليه بيمينه، ولا يقبل يمينه بعد ذلك في بقية الأشواط.

    1.   

    باب في الوقوف وقوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)

    الباب الحادي والعشرون: باب في الوقوف وقوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199].

    قال: [قالت عائشة رضي الله عنها: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة]، أي: لم يكونوا يقفون بعرفة، وهذا في الجاهلية قبل الإسلام.

    قال: [قالت: وكانوا يسمون الحمس]، أي: من شدة تحمسهم، وكانوا يعتبرون أنهم أنجب العرب وأفضلهم، وأولى بالبيت الحرام من غيرهم. والمزدلفة حرم، وعرفة ليست بحرم، وإنما هي حل، فكانوا يقولون: نحن أولى ببيت الله من بقية العرب، لا يسعنا أن نخرج من دائرة الحرم.

    ومن أراد من أهل مكة أن يعتمر يلزمه أن يذهب إلى الحل ليحرم من هناك، كما أهلت عائشة من التنعيم؛ لأن التنعيم من الحل وليس من الحرم، ويجوز الإحرام من عرفة، لأن عرفة حل وليست حرماً، وهي من جهة المشرق، ونمرة حل من جهة المغرب، فمن أراد أن يهل بعمرة من أهل مكة وهو بعرفة فله ذلك.

    وقريش كانت تعتبر أنها أولى الناس ببيت الله الحرام وبالحرم، وكان أهلها يقولون: إذا خرجت العرب إلى الحل -أي: إلى عرفة- فإننا لا نخرج؛ لأننا أولى بالحرم منهم، ولا يجوز لنا أن نخرج عن دائرة الحرم، فكانوا يقفون في حجهم في الجاهلية في مزدلفة؛ لأن المزدلفة حرم.

    وأما العرب فقد أجمعوا على وجوب الوقوف بعرفة قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت قريش ومن دان دينها يقفون بمزدلفة ويسمون أنفسهم الحمس، فلما جاء الإسلام أمر الله عز وجل نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها، ثم يفيض منها في قوله عز وجل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199] أي: ثم انزلوا، وربنا سبحانه وتعالى اختار هذا اللفظ ثُمَّ أَفِيضُوا [البقرة:199]، ولم يقل: ثم انزلوا، أو ثم اصدروا، وإنما قال: ثُمَّ أَفِيضُوا [البقرة:199]، فشبه ذلك بفيضان الماء وسيلانه الجاري الذي لا يمكن الوقوف في وجهه أو صده؛ لأن العرب كانوا مجمعين على الوقوف بعرفة إلا قريشاً، وقريش إلى العرب نسبة قليلة جداً.

    فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الإسلام أمره ربه أن يفيض من حيث أفاض الناس، أي: من عرفات.

    والمقصود بالناس: العرب، فأمر الله عز وجل نبيه أن يخالف قومه وعشيرته وأهله في وقوفهم بمزدلفة، وينطلق مباشرة إلى عرفة، ثم إذا دخل الليل وغربت الشمس من اليوم التاسع أن يفيض مع الناس، يعني: أن ينزل من عرفة إلى المزدلفة، والذي ينطلق من منى في يوم عرفة بعد شروق الشمس إلى عرفات يمر بالمزدلفة أو بمحاذاتها على حسب الطريق الذي يسلكه؛ لأن الطرق ما بين منى إلى عرفة ومن عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى طرق كثيرة، فهناك طرق تمر بأرض المزدلفة، وطرق تحاذيها من الخارج.

    والنبي عليه الصلاة والسلام بات بمنى في يوم التروية، ثم صلى الفجر وجلس في مصلاه حتى أشرقت الشمس، ثم انطلق عليه الصلاة والسلام وقريش كلها تنظر إليه وتحسب أنه سينزل في المزدلفة؛ لأنها موقف قومه، وظنوا أن محمداً لن يخالفهم في ذلك، وأن العرب ستحرج إحراجاً شديداً في هذا اليوم، فمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمزدلفة ولم يقف فيها ووقف بعرفة، ثم نزل من آخر يومه فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة عند المشعر الحرام، ومزدلفة كلها موقف، وإن كان الأولى النزول عند المشعر الحرام، ويصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير.

    قال: [قالت: وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله عز وجل نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله عز وجل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]].

    قال: [وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس]، يعني: إلا قريشاً، فقد كانوا يطوفون وعليهم ملابسهم.

    قال: [إلا الحمس -والحمس قريش وما ولدت- كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء].

    وقريش كان لها فضل عظيم جداً في الجاهلية في الحفاظ على كرامة البيت وشرفه، وكانوا يعطون من ملابسهم للعرب الذين يأتون يطوفون بالبيت عراة، فكان الرجل من قريش أو من الحمس يعطي الرجل من العرب، والمرأة من قريش تعطي المرأة من العرب، حتى يطوف الجميع مستورين.

    قال: وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة -أي: يقفون بها- وكان الناس كلهم يبلغون عرفات -أي: العرب-.

    قال: [قال هشام : فحدثني أبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمس هم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]. قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم. فلما نزلت: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، رجعوا إلى عرفات]، أي: رجع الحمس وقريش وأفاضوا مع الناس من عرفات.

    مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه قبل البعثة في وقوفهم بالمزدلفة ووقوفه بعرفة

    قال: [وعن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيراً لي -أي: ضل بعيري- فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحمس] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم من الحمس من قريش فلماذا يقف في عرفة؟ وجبير بن مطعم كان كافراً في ذلك الوقت لم يسلم بعد، ولكنه كان في عرفة في ذلك اليوم، وهو من العرب.

    فتعجب أشد التعجب كيف يقف محمد بعرفة مع أنه من الحمس، والحمس لا يقفون بعرفات وإنما يقفون بالمزدلفة.

    قال: [فقلت: والله إن هذا لمن الحمس، فما شأنه هاهنا؟ أي: لماذا أتى إلى هنا؟ ولماذا يخالف قومه؟ قال: وكانت قريش تعد من الحمس].

    والنبي عليه الصلاة والسلام حج في الإسلام حجة واحدة، وهذا الموقف من جبير بن مطعم كان قبل الإسلام، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحج قبل الإسلام على ملة إبراهيم. وكان يخالف قومه في الجاهلية في الوقوف بمزدلفة، حتى أثار ذلك تعجب جبير بن مطعم .

    معرفة العرب للحج في زمن إبراهيم عليه السلام

    وقد كانت العرب تحج قبل الإسلام، وكان الحج عبادة معروفة من زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    والله عز وجل قال أول ما قال في الحج لإبراهيم: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27]. فالحج عبادة قديمة معروفة في ملة إبراهيم، والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أتبع الناس قبل البعثة لملة أبيه إبراهيم، وكان على ملة إبراهيم عليه السلام.

    1.   

    باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام

    الباب الثاني والعشرون: في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.

    قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، يعني: كلاهما معاً بملبس واحد وإحرام واحد.

    قال: [قال أبو موسى الأشعري : (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء -يعني: قد أناخ بعيره في البطحاء- فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم -يعني: أهللت بالحج؟ فقلت: نعم- قال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم)].

    وأبو موسى الأشعري كان قد جاء من اليمن، والأشعريون يمنيون في الأصل، فـأبو موسى الأشعري أصله من اليمن.

    واليمن من الجزيرة العربية، والاستعمار هو الذي فرق البلاد الإسلامية ووضع الحدود بين بلدانها، فهذه اليمن، وهذه الحجاز، وهذه مصر، وتلك ليبيا وغير ذلك، وكل هذه التسميات أو الحدود التي فرقت بين هذه المسميات ما أنزل الله بها من سلطان، والأصل أن الأرض كلها ملك لكل مسلم إلا ما حذر منه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والذي حذر منه الله تعالى ورسوله هي بلاد الكفر وبلاد الحرب، وقد أخرج أبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين والكافرين).

    وأما بلاد المسلمين فهي ملك لكل أحد من المسلمين.

    وأرض الحجاز لا يحل أن يبقى فيها ولا أن ينزلها رجل من الكافرين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع في أرض الجزيرة العربية دينان قط). وأرض الجزيرة تشمل بلاد الحجاز كلها. وفي رواية: (أهل ملتين أبداً)، يعني: لا يجتمع فيها أبداً مسلم مع غيره، بل لابد من وجود المسلم دون غيره، وأما اليهود والنصارى وعبدة الأوثان فلابد من إخراجهم من جزيرة العرب. والسياسة العالمية الآن تمنعهم من دخول مكة والمدينة فقط، ولما دخل هؤلاء الكفار بلاد الخليج والحجاز قال الشيخ الألباني محذراً: إن هؤلاء لا يخرجون حتى يأخذوا خيبر؛ لأنهم قد طردوا منها، فقد طردهم منها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنبي عليه الصلاة والسلام كان قد فرض عليهم الجزية واستمر دفعهم للجزية في زمن أبي بكر ، ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه عن خيبر.

    وهم لم ينسوا أن هذه أرضهم، ويعتقدون بأنهم سيرجعون إليها، وهم أصحاب الشعار من النيل إلى الفرات، ولهم شعار جديد الآن وهو تلك الكرة الدائرية التي تقضي بأن العالم ملك لليهود، ويصورون الكرة الأرضية ويضعون عليها نجمة داود، أي: أن نجمة داود لابد أن تسود بلاد العالم، فأحفاد القردة والخنازير يتصورون أنهم أسياد العالم جميعاً، وأن العالم لابد أن يحكم بسياسة غربية، وإن كان هذا الواقع اليوم، ولكن هذا ليس بفعل اليهود بالدرجة الأولى، وإنما هو بفعل أذناب اليهود هنا وهناك.

    (قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم)، وهذا يدل على أنه يجوز الإهلال بإهلال شخص آخر، وإن لم يعلم أنه أهل بشيء معين، فيجوز لك أن تقول: لبيك اللهم بإهلال كإهلال زيد أو عمر أو حسن أو إبراهيم أو سعد وأنت لا تدري بماذا أهل هؤلاء، أو بماذا أهل من اقتديت به في إهلالك، وهذا هو الإهلال المطلق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فقد أحسنت).

    فالعبرة ليست في إهلال أبي موسى الأشعري ، وإنما في إقرار النبي عليه الصلاة والسلام لإهلاله.

    ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل)، أي: طف بالبيت الذي هو طواف القدوم وهو كذلك طواف العمرة.

    ولما قال له: (وأحل) دل على أنه كان متمتعاً؛ لأن القارن لا يتحلل بعد أداء العمرة، وإنما يبقى في ملابس إحرامه حتى يخرج يوم التروية إلى منى، ولا يتحلل إلا في يوم النحر.

    قال: [(فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس ففلت رأسي)].

    يعني: غسلت رأسه ومشطته وسرحته، وهذه المرأة من بني قيس قريبة له، أو هي من محارمه، وبنو قيس هم أهل أبي موسى ، واسم أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس الأشعري .

    قال: [(ثم أهللت بالحج)]، يعني: بعد أن تحلل وأتى هذه المرأة ففعلت به ما فعلت. جدد الإهلال في يوم التروية، الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة.

    قال: [(فكنت أفتي به الناس -يعني: كان يفتي الناس بجواز التمتع من العمرة إلى الحج- حتى كان في خلافة عمر رضي الله عنه، فقال له رجل: يا أبا موسى ! أو يا عبد الله بن قيس ! رويدك بعض فتياك -يعني: انتبه يا أبا موسى الأشعري فإنك تفتي على غير ما يفتي به أمير المؤمنين- فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال -أي أبو موسى الأشعري - : يا أيها الناس! من كنا أفتيناه فتيا فليتئد -بمعنى: يتمهل- فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا)] وموقف أبي موسى الأشعري موقف تربوي أدبي على أعلى مستوى، فإنه لما بلغه أن عمر أحدث في أمر النسك شيئاً توقف رغم أن عنده علماً يقينياً من النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن كان هذا العلم النبوي يفرض على أبي موسى الأشعري أن يبجل ويعظم أمير المؤمنين.

    قال: [(فقدم عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: إن نأخذ بكتاب الله، فإن كتاب الله يأمر بالتمام)]، يعني: في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، يعني: لا تحلوا بين الحج والعمرة، وظاهر هذا الحديث أن عمر إنما ينكر التمتع، ولا يقول إلا بالقران؛ لأن هذا ظاهر القرآن، قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ [البقرة:196]، يعني: بإحرام واحد بدون تحلل، والذي لا يتحلل هو القارن.

    قال: [(وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يحل حتى بلغ الهدي محله)]، ولكن هذه سنة عملية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، وهذا أرجح الأقوال في حجه عليه الصلاة والسلام، أي: حجة الإسلام، فهنا يقول عمر : نحن لو نظرنا في القرآن لوجدنا القرآن يأمر بالتمام الذي هو القران، وإن نظرنا إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام لوجدناه عليه الصلاة والسلام قد حج قارناً ولم يتحلل من إحرامه حتى بلغ الهدي محله، أي: في يوم النحر، ولو كان القران أقل في الفضل من التمتع لأتى القرآن بمدح التمتع.

    ومسألة أيهما أفضل الإفراد أو التمتع أو القران الخلاف فيها شديد جداً بين أهل العلم.

    نهي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما عن حج التمتع وحجتهما في ذلك

    قال: [ قال: أبو موسى : (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا)]، والحديث الأول ليس فيه: (هل سقت من هدي؟) لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أهل ساق الهدي معه من الميقات.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام لما أهل أهل قارناً، ودخل مكة محرماً قارناً بين الحج والعمرة لما ساق معه الهدي، وأما أبو موسى الأشعري وكذلك علي بن أبي طالب فلم يكن عندهما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق الهدي أو لم يسقه، وهذا فارق جوهري بين القارن والمتمتع، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الإهلال، فمن الخير والبركة أن يهل بإهلال النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لما لم يسق الهدي كان له فسخ الحج عن العمرة، فيحرم بالعمرة أولاً، ثم يهل بالحج يوم التروية؛ لأنه لم يسق الهدي.

    قال: [(فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر ، فإني لقائم بالموسم)] أي: أنه كان قائماً في الموسم يفتي الناس، وهذه السنة ما زالت قائمة إلى الآن في منى ومكة وعرفة ومزدلفة، فهناك المشايخ والعلماء وطلاب العلم من الجامعة الإسلامية ومن جامعة ابن سعود وغيرهما يأخذون التراخيص بالإفتاء في موسم الحج بعد اختبارهم في أحكام الحج والعمرة، فإذا كانوا متقنين لهذه الأحكام صدروهم لإفتاء الناس وتعليم الناس مناسك الحج والعمرة؛ لأن الناس هناك يتخبطون تخبطاً عظيماً جداً، فتجد الزحام عليهم شديداً، وهؤلاء يقفون بالليل والنهار للتصدي لإفتاء الناس.

    قال: [(فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس! من كنا أفتيناه بشيء فليتئد، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثته في شأن النسك؟ قال: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله عز وجل قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وإن نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي)] وكلاهما محق، فـعمر محق في قوله: إن أحسن الأنساك القران؛ لأنه المذكور في القرآن، وهو الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وأبو موسى الأشعري محق في قوله: التمتع جائز؛ لأنه إن لم يكن جائزاً ومجزئاً لصاحبه وفاعله لما أجازه النبي عليه الصلاة والسلام ولما أمره بذلك عندما لم يسق الهدي.

    قال: [قال أبو موسى الأشعري : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني إلى اليمن، قال: فوافقته في العام الذي حج فيه)]، يعني: جاء من اليمن في العام الذي جاء فيه النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة، فهذا مر بيلملم وذاك مر بذي الحليفة، فالتقيا في البطحاء، أي: بطحاء مكة.

    قال: [(فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا موسى ! كيف قلت حين أحرمت؟ قال: قلت: لبيك إهلالاً كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل سقت هدياً؟ فقلت: لا، قال: فانطلق فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل)] ثم ساق الحديث بمثل ما سبق.

    قال: [وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يفتي بالمتعة -أي: التمتع بالعمرة إلى الحج، وليست متعة النساء- فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد، حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر : قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه)]، أي: قد قاله وأمر به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمتع وإنما كان قارناً، فـعمر بن الخطاب يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام قد فعله، ومعلوم في كلام العرب أنه ينسب الفعل إلى الرجل وإن لم يفعله إن كان أمر به، كما يقال: انتصر النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، وإن كان الذي باشر النصر هم أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

    قال: [(ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم)].

    و عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فقط من الصحابة كان مذهبهما كراهة التمتع، والعلة في ذلك أن الحاج لم يأت من بلده ليتمتع هنا، بل أول ما يدخل مكة يلبس كلباس الميت، فيلبس الإزار والرداء إلى أن يتحلل من منسكه.

    ولما ذكر الإمام مسلم كراهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للتمتع واستحبابه وتفضيله للقران عليه أردف ذلك مباشرة بباب جواز التمتع؛ لأن جمهور الصحابة على جواز التمتع.

    1.   

    باب جواز التمتع

    باب جواز التمتع.

    قال: [قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها]، وإذا أجمع الخلفاء الراشدون على أمر فإنه كالنص القطعي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء).

    يقول ابن رجب الحنبلي : إذا أجمع الخلفاء الأربعة على أمر فكان كالنص من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: له نفس الحجية والقوة.

    قال: (فقال عثمان لـعلي كلمة -أي: أنه كان يراجع علياً في قضية التمتع والقران- ثم قال علي : لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: ولو كان التمتع لا يجزئ لنهانا عنه النبي عليه الصلاة والسلام- فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين)].

    قال: [وعن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟ فقال عثمان : دعنا منك -يعني: اترك رأيك هذا- فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعاً]، أي: أهل بالحج والعمرة قراناً، يعني: في وقت واحد وبإحرام وإهلال واحد نزولاً على رأي عثمان، وهو أفضل من علي .

    وهذا فيه الأدب الشديد من علي بن أبي طالب ، فرغم اعتقاده أن التمتع جائز لكنه وافق عثمان في القضية، ولو قرن علي بن أبي طالب بين الحج والعمرة فهذا لا يخالف ما عنده؛ لأن علياً يقول بالقران كذلك، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، ولكنه يزيد على عثمان باستحباب التمتع، والقول باستحباب التمتع يلزم منه استحباب القران.

    أدب الصحابة في الخلاف وحال المسلمين اليوم

    إذاً: علي ، وعثمان رضي الله عنهما متفقان في استحباب القران، واتباع المتفق عليه خير من المختلف فيه، يعني: أن عثمان وعلياً متفقان على القران، ولكن عثمان ينهى عن التمتع، ويقول: إنا قد تمتعنا لعلة من العلل، وهو كلام غير سديد، ولكن عنده شبهة في هذه القضية، فقد قال: تمتعنا لأنا كنا خائفين، ولكن هذا كان في عمرة القضاء، وكانت عمرة وليست حجاً، ولم يكونوا خائفين، وهذا بيان لأصل عظيم جداً من أصول الأدب في طلب العلم، وهو أن اتباع المتفق عليه خير من المختلف فيه ما دمنا متفقين في قضية ومختلفين في أخرى.

    قول عثمان بإتمام الصلاة في منى ومخالفة ابن مسعود له في ذلك

    واتباع المتفق عليه خير من المخالفة، والصلاة في مسجد الخيف بمنى السنة فيها القصر حتى لأهل مكة، ومنى حرم، يعني: أنها داخلة في أرض الحرم، فإذا أتى رجل من أهل الحرم وحج وصلى مع الإمام أو منفرداً في مسجد الخيف ثلاثة أيام التشريق أو يوم التروية سن له أن يصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين، وعثمان بن عفان لم يفعل ذلك وإنما صلى تماماً، فصلى الرباعية أربعاً.

    والنبي صلى الله عليه وسلم وهو من أهل مكة صلى في منى قصراً، وكذلك صلى من بعده أبو بكر ، ومن بعده عمر ، وهذه سنة عملية تكررت في كل عام، ولا يتصور أن تخفى على عثمان خاصة مع انتشار الحج وكثرة الحجيج، ولكن عثمان لما صار أميراً للمؤمنين حج بالناس وصلى الرباعية أربعاً، وصلى خلفه عبد الله بن مسعود -وهو سادس ستة في الإسلام- يعني: أنه كان من كبار الصحابة وفقهائهم ومحدثيهم، وكان يخالف عثمان في ذلك، فلما كلموه في ذلك وقالوا: يا أبا عبد الرحمن ! أليست السنة أن نصلي الظهر والعصر والعشاء اثنتين؟ فقال: بلى، قالوا: ولم صليت خلف عثمان أربعاً؟ قال: لأن الخلاف شر، وإن الصلاة مجزئة، ومعنى ذلك: أننا وعثمان متفقون في الإجزاء، ولو صليت وحدي لحدثت فتنة في الحج.

    يعني: لو أن الشيطان أدخل بينهم الخلاف فلربما قتلوا أنفسهم في هذه الطاعة، فـعثمان لما صلى بالناس أربعاً وافقه المخالفون له عملياً بالصلاة خلفه.

    ونحن لما اعتمرنا في عام من الأعوام مع شيخنا الألباني عليه رحمة الله أراد أن يصلي ركعتين في وادي عرنة، ووادي عرنة عند جماهير العلماء ليس من عرفة إلا مالكاً فإنه يقول: وادي عرنة من عرفة، والنبي عليه الصلاة والسلام لما قدم إلى هذا الوادي صلى فيه ركعتين، ثم وقف في عرفة، وهذا الوادي هو مقدم مسجد نمرة الذي فيه المنبر الذي يصعد عليه الخطيب في يوم عرفة ويخطب الناس.

    والوادي الذي صلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام قبل المنبر مباشرة، يعني: قبل جدار المسجد. ونمرة طويل جداً كما أنه عريض، والثلث الأول من المسجد الذي فيه المنبر هو في وادي عرنة أو على مشارف عرنة، فالذي يصلي في ثلث المسجد الأول فكأنه صلى في وادي عرنة، والذي يصلي خارج المسجد فكذلك يصلي في وادي عرنة.

    فاختلفنا فمنا من قال: نصلي في الوادي نفسه ولا ندخل المسجد، ومنا من قال: بل ندخل المسجد فثلث المسجد في الوادي، والذي يصلي في الثلث الأول فكأنه صلى في الوادي، يعني: أننا متفقون على أن الثلث الأول من الوادي، فلو أننا صلينا معهم فنحن متفقون، وهذا هو الأكمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الركعتين في المسجد وإنما صلاهما في الوادي.

    فتمسك أناس بأن الثلث الأول من المسجد من وادي عرنة ولابد من الصلاة في المسجد، فافترقنا وقلوبنا متغيرة، وكل واحد مخالف لأخيه وحاقد عليه، وصارت خصومات في الشام استمرت سنوات.

    ولما نأتي نعرض موقفنا هذا على موقف عثمان وعلي رضي الله عنهما، أو على موقف أبي موسى الأشعري وعمر بن الخطاب نجدنا أننا لسنا متفقين أبداً، ولا ننفع في شيء أبداً.

    وقد أصل بعض أهل العلم أننا نعمل سوياً ونتحد فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. وهذا كلام جميل جداً ويشهد له القرآن والسنة وفعل السلف، ولكنه يحتاج إلى ضبط، وضبطه أننا نعمل سوياً فيما اتفقنا عليه؛ لأنه لا خلاف حينئذ، ولكن الذي اختلفنا فيه لا يعذر بعضنا بعضاً فيه مطلقاً، فمن الخلاف ما يمكن أن يعذر فيه صاحبه، ومنه ما لا يمكن أن يعذر صاحبه، فالذي يختلف معي في أصل الدين ويقول: إن أبا بكر وعمر هما الجبت والطاغوت أختلف معه ولا أعذره. فالجملة الأخيرة جملة مطاطة تحتاج إلى ضبط، والصحيح أن نقول: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه إذا كان هذا الأمر المختلف فيه قد اختلف فيه سلفنا رضي الله عنهم، يعني: إذا كان الخلاف في المسألة معتبراً. وأما إذا كانت المسألة في أصول الدين وأصول الاعتقاد فلا يمكن أبداً العذر فيها.

    و عثمان وعلي توافقا في أمر شرعي، وفي مكان محرم فاتفقا حتى لا تحدث فتنة بين الأتباع. واليوم لا أحد يعرف تمتع أو قران، وإنما يذهبون إلى مكة لابسين ملابس الإحرام.

    جواز حج التمتع

    قال: [وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة].

    قال: [وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت لنا رخصة، يعني: المتعة في الحج].

    قال: [وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني: متعة الحج ومتعة النساء]. وقد كانت متعة النساء حلالاً لأصحابه عليه الصلاة والسلام ثم حرمت ثم أبيحت ثم حرمت إلى الأبد. فقد حرمت في عصر النبوة، فكانت خاصة بالصحابة.

    وأما متعة الحج فقد اختلف فيها الصحابة، ثم انعقد الإجماع على جواز الإفراد والتمتع والقران، والقاعدة الأصولية تقول: الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف، يعني: يجعله كأن لم يكن.

    فبعض الصحابة أنكر التمتع وكرهه، وجمهورهم على جواز التمتع والقران، ثم من أتى بعدهم من التابعين وأتباعهم والأئمة المتبوعين والفقهاء أجمعوا على جواز الأقسام الثلاثة للحج.

    اختلاف العلماء في أفضل أقسام الحج الثلاثة

    وقع الخلاف في أي هذه المناسك أفضل؟ فالخلاف واقع في الأفضلية.

    وحجة النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها المفرد وفيها القارن وفيها المتمتع، ولم ينكر على واحد منهم.

    فالذي تمتع في زمنه وفي حجته عليه الصلاة والسلام معه ولم ينكر عليه كان بمثابة تمتع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه؛ لأنه أقره، وهذه سنة تقريرية، وقد استدل من قال: إن القران أفضل بأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي)، يعني: لو كنت أعرف أن التمتع أفضل لما كنت أتيت بالهدي معي. وهذه القضية لها تشريعات عظيمة جداً، وهي مرتبطة بالإجماع، وهل هو حجة أم لا؟ وما يدرينا أن هذا الإجماع واقع؟ وكما يقول أحمد بن حنبل : من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك أن فلاناً خالف، يعني: ما يدريك وأنت في المشرق أن فلاناً في المغرب قد خالف، فكيف تزعم الإجماع؟ ثم ما المراد بالإجماع، هل هو إجماع الصحابة أم إجماع أهل كل عصر؟ المسألة محل نزاع كبير جداً بين أهل العلم على ثلاثة مذاهب أو أكثر من ذلك، وكل له أدلته، وهذه المسألة بحثها في أصول الفقه.

    الأدلة على جواز حج التمتع

    قال: [قال ابن أبي الشعثاء: أتيت إبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي ، فقلت: إني أهم أن أجمع العمرة والحج في هذا العام -يعني: أحج وأعتمر هذا العام- فقال إبراهيم النخعي: لكن أباك لم يكن ليهم بذلك أي: إن أباك ما كان ليعمل هكذا- قال قتيبة حدثنا جرير عن بيان عن إبراهيم التيمي عن أبيه أنه مر بـأبي ذر رضي الله عنه بالربذة فذكر له ذلك فقال: إنما كانت لنا خاصة دونكم].

    قال: [وعن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن المتعة فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش، يعني: بيوت مكة]، يعني: لقد تمتعنا في عام من الأعوام، وكان في ذلك الوقت معاوية بن أبي سفيان كافراً لم يسلم، فهو يقول: معاوية ينكر التمتع لأنه لا يعرف أنه جائز، وكنا نحن تمتعنا وهو ما يزال كافراً وكان جالساً في بيوت مكة لم يسلم، فـمعاوية أسلم عام الفتح سنة ثمان، وسعد بن أبي وقاص حج في العام السادس من الهجرة، يعني: قبل إسلام معاوية بسنتين، وحج متمتعاً. والعرش: بيوت مكة، وسميت بالعرش؛ لأنهم كانوا يعرشونها بجريد الأراك أو بجريد النخل.

    قال: [قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قال لي عمران بن حصين: (إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم -يعني: سأحدثك حديثاً اليوم وسينفعك الله عز وجل به بعد ذلك- واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعمر طائفة من أهله في العشر -يعني: أمرهم بأن يؤدوا العمرة في العشر الأوائل من ذي الحجة- قال: فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي).

    يقول له: إن النبي عليه الصلاة والسلام في زمانه أمر قومه أو طائفة من قومه أن يعتمروا في العشر الأوائل من ذي الحجة -يعني: في الشهر الحرام- ومعنى ذلك: أنهم بعد أداء عمرتهم يتحللون ويهلون في يوم التروية بالحج وينطلقون إلى منى، ثم لم ينهه ربه عن المتعة، ولم ينزل قرآن ينسخ هذا الحكم، فكانت المتعة باقية وجائزة، وكان عليها النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن مات، ولما مات جاء كل واحد ينظر إلى شيء، وهو هنا يعرض بسيدنا عمر .

    وقد كان الصحابة جبالاً في الأدب، ولا يمكن أن يظهر رجل في الأمة مثل أدنى صحابي في الأدب والوقار والعدالة وغير ذلك، ومع ذلك كان الحق أحب إليه، وعمر بن الخطاب أفضل من ملء الأرض من مثل عمران بن حصين، فهو أفضل الأمة في زمانه.

    قال: [عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين : (أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد). وهذه منقبتان لـعمران بن حصين ، الأولى: أنه أدرك التمتع مع النبي عليه الصلاة والسلام، والثانية: أن عمران بن حصين كانت الملائكة تسلم عليه خاصة حتى أصيب بداء فبادر بالكي، وآخر الدواء الكي وليس أوله، فلما اكتوى ولم يصبر على الأذى أو على المرض أو على التداوي فترة طويلة أو غير ذلك وبادر المرض بالكي انصرفت عنه الملائكة فلم تسلم عليه بعد ذلك، حتى تاب من ذلك ورجع إلى ترك الكي، فرجعت الملائكة تسلم عليه، وكان عمران يقول لـمطرف: لا تحدث عني وأنا حي، أو حدث عني بواحدة واكتم عني الثانية، يعني: حدث عني بمسألة جواز التمتع، ولكن لا تحدث عني وأنا حي بتسليم الملائكة علي.

    فـعمران كان يخشى على نفسه الفتنة، وعلى الناس من أن يفتتنوا به، فقال: واكتم عني هذه ما دمت حياً، فإذا مت وأردت أن تحدث عني فافعل.

    قال: [قال مطرف: (بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني -يعني: إذا أنا شفيت من هذا المرض فاكتم عني- وإن مت فحدث بها إن شئت، إنه قد سلم علي، واعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله -أي بنسخ- ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال رجل فيها برأيه ما شاء)].

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (وأحاديث الباب متضافرة على جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع والقران، ولقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة).

    معنى الإفراد والتمتع والقران في الحج

    والإفراد هو: أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر، يعني: له أن يعتمر بعد الحج. ومن أراد أن يعتمر قبل الحج، فلا بد أن يكون قارناً أو متمتعاً.

    فالإفراد: أن تهل من الميقات بالحج مفرداً، ثم إذا أردت أن تعتمر بعد الحج فلك ذلك.

    والتمتع: أن تحرم بالعمرة في أشهر الحج وتفرغ من العمرة ثم تحج من عامك.

    ففي التمتع يقول الحاج في الميقات: لبيك اللهم عمرة، ثم يدخل مكة فيطوف ويسعى ويقصر شعره ويحل ويبقى في مكة حتى يوم التروية، فإذا كان يوم التروية لبس ملابس الإحرام من جديد ثم يقول وهو خارج من سكنه أو من الحرم أو من أي مكان في مكة متوجهاً إلى منى: لبيك اللهم حجة.

    وأما القران فهو أن يحرم بهما جميعاً، يعني: يقول لبيك اللهم عمرة وحجاً، وكذا لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج قبل طوافها صح وصار قارناً.

    أدلة تفضيل الإفراد على بقية أنواع الحج

    قال النووي رحمه الله تعالى: (واختلف العلماء في أي هذه الأنواع الثلاثة أفضل؟ فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران).

    واحتج الشافعي وأصحابه في ترجيح الإفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، قال الشافعي : وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فـجابر أحسن الصحابة سياقاً لرواية حديث حجة الوداع، وهو أضبط له من غيره، وابن عمر صح أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله، وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وعائشة هذه من أقرب المقربين إلى النبي عليه الصلاة والسلام مع كثرة فقهها وعظم فطنتها، وابن عباس محله من العلم والفقه في الدين والفهم الثابت معروف، مع كثرة بحثه وحفظه أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، ومن دلائل ترجيح الإفراد: أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا الحج وواظبوا على إفراده، فقد أفرد أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم الحج، واختلف فعل علي فمرة أفرد ومرة قرن ومرة تمتع، وهم لم يواظبوا عليه إلا بعد أن علموا أنه أفضل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفرداً، وهم الأئمة الأعلام وقادة الإسلام المقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأما الخلاف عن علي رضي الله تعالى عنه وغيره فإنما فعلوه لبيان الجواز. قالوا: ومما يميز الإفراد عن التمتع والقران: أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع؛ وذلك لكماله وتمامه، ويجب الدم في التمتع والقران، وهو دم جبران،يعني: يسد الخلل والنقص الذي حصل، فمثلاً المتمتع لما أتى إلى الميقات لم يهل بحج وعمرة، وإنما أهل بعمرة، ثم أهل من مكة بالحج ولم يرجع مرة أخرى إلى الميقات مع أنه غير مطالب به، فقالوا: يصير هذا خللاً؛ لأن الأصل في الإهلال بالنسك أن يكون من الميقات، فتجاوز الشارع عن المتمتع في إهلاله بالحج من بيوت مكة أو من الحرم مقابل أن يقدم شاة أو أن يذبح هدياً.

    ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وأما التمتع فقد كرهه عمر وعثمان وغيرهما، ومن المعلوم أن ما أجمع عليه الصحابة خير مما كرهه بعضهم، فكان الإفراد أفضل.

    الجمع بين اختلاف روايات الصحابة في صفة حجته صلى الله عليه وسلم

    فإن قيل: كيف وقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في صفة حجته وهي حجة واحدة، وكل واحد منهم يخبر عما شاهده وهي قضية واحدة؟ قال القاضي عياض : قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر.

    قال النووي رحمه الله: وأوسعهم في ذلك نفساً الطحاوي ، وأبو جعفر الطبري ، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط ، والقصار ، وابن عبد البر وغيرهم، قال القاضي: أولى هذه الأقوال: أن النبي عليه الصلاة والسلام أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة؛ ليدل على جواز جميعها، فالذي أفرد الحج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مفرداً؛ لأنه أمره بالإفراد، والذي حج قارناً قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قارناً؛ لأنه أمره بالقران، والذي حج متمتعاً قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم متمتعاً؛ لأنه أمره بالتمتع.

    قال: وأما إحرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل، فأحرم مفرداً للحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة، وأما الروايات بأنه كان متمتعاً فمعناها أمر به، وأما الروايات بأنه كان قارناً فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل الحج في العمرة وأدخل العمرة في الحج فصار قارناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أهل من الميقات أهل بالحج وساق معه الهدي، والمتمتع يجوز له أن يذبح هدياً، وهو ليس واجباً وإنما يجوز.

    وأنت إذا كان معك مال أقل من النصاب أو مال بلغ النصاب ولم يحل عليه الحول جاز لك أن تخرج عنه الزكاة وليست واجبة وإنما تجوز لك، وكذلك من أتى للعمرة فقط جاز له بل ويستحب له أن يسوق الهدي أو أن يذبحه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قيل: إنه أحرم من الميقات بالعمرة وساق الهدي فقط، وقيل: إنه أحرم وأفرد الحج، ثم في أثناء الطريق لما بلغ الحديبية أدخل الحج على العمرة، فقيل: يا رسول الله! أهذا لعامنا خاصة؟ يعني: إدخال الحج في العمرة والعمرة في الحج لعامنا هذا خاصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا بل لأبد الأبد، يعني: هذا لنا وللأمة، فيجوز إدخال العمرة على الحج والحج على العمرة.

    قال: وإجزاء أو ذبح الهدي للقارن يدل على أنه ما أحرم بهما من الميقات وإنما أحرم بواحد ثم أدخل عليه الآخر، فأحرم بالعمرة وأدخل عليها الحج، أو أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة. وهذا هو فسخ العمرة إلى الحج أو فسخ الحج إلى العمرة، يعني: إن كنت دخلت مفرداً بالحج فقط ولكنك تمكنت من أداء العمرة فإنك تفسخ مباشرة نية الحج وإهلالك بالحج وتجعلها عمرة بإهلال جديد من مكانك وليس من الميقات، فتؤدي العمرة ثم تتحلل إذا لم تسق الهدي، ثم تذهب إلى منى بإهلال جديد في يوم التروية، وبذلك تكون قد أدخلت العمرة على الحج تمتعاً أو قراناً إذا كان معك الهدي.

    حكم المحرمة إذا حاضت قبل طواف العمرة

    وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنها أتت مع النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع معتمرة، يعني: نوت وأهلت بالعمرة من الميقات، فلما بلغت مشارف مكة دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام وهي تبكي فقال: ما يبكيك يا أم عبد الله ! قالت: نفست يا رسول الله! يعني: حضت، فقال: لا تبكي، فإنما هو شيء كتبه الله عز وجل على بنات آدم)، يعني: هذا أمر مكتوب عليكن، ولا يؤثر عليك، فافسخي إهلالك ثم أهلي يوم أن نهل، فلما وصلت لم تعتمر، وإنما تحللت وتركت العمرة؛ لأنها حائض، والحائض لا يجوز لها الطواف، والطواف ركن في العمرة والحج.

    فخرجت عائشة رضي الله عنها وهي حائض يوم التروية مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فحجت، فلما كان آخر يوم عرفة طهرت، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب بها بعد أيام التشريق -أي: بعد الفراغ من الحج- إلى التنعيم فأهلت من هناك؛ لأنها قد فسخت العمرة إلى الحج، فأصبحت مفردة، والمفرد يعتمر بعد أداء الحج، وصار حكمها حكم أهل مكة؛ لبقائها في مكة أكثر من أربعة أيام، وأهل مكة إذا أرادوا العمرة يذهبون إلى الحل، والتنعيم أحد أماكن الحل، فذهبت عائشة وأهلت بالعمرة من هناك ثم أتت ودخلت البيت واعتمرت ثم قصرت شعرها قدر أنملة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لها: (هذه بتلك)، يعني: هذه العمرة التي بعد الحج توازي العمرة التي منعك منها الحيض.

    مذاهب العلماء في أفضل أنواع الحج

    قال النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها الأفضل، فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القران، وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي . والصحيح تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.

    وأما حجة النبي عليه الصلاة والسلام فاختلفوا فيها هل كان مفرداً أم متمتعاً أم قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    حكم من لم يجد الهدي

    من لم يجد ما يشتري به شاة فالواجب في حقه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن كان معه ما يشتري به شاة ولكنه لم يجدها فإنه يصوم، وأما قول من قال: إنه يتصدق بثمن الشاة على فقراء الحرم فهذا ليس بصحيح، والصحيح أن من لم يجد الشاة ينتقل إلى الواجب الثاني وهو الصيام، سواء فقد الشاة من جهة أنه لا يملك ما يشتريها به أو يملك ولكنه لم يجد الشاة نفسها.

    1.   

    باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله

    قال: [ باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

    عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) ].

    والتمتع هنا المقصود به التمتع اللغوي، وهو الارتفاق والانضمام، وهو أنه جمع العمرة إلى الحج وجمع الحج إلى العمرة قراناً، وهذا يسمى تمتعاً من جهة اللغة، فالنبي عليه الصلاة والسلام أحرم بالحج مفرداً من ذي الحليفة، ولما قارب مكة نوى إدخال العمرة على الحج فكان قارناً، فهو أول الأمر كان مفرداً ثم قرن قبل طواف القدوم.

    قال: [(تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة -يعني: لما قدم مكة أهل بالعمرة- ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي -أي: من الميقات- ومنهم من لم يهد -أي: ومنهم من لم يسق معه الهدي من الميقات- فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه)]، يعني: من ساق معه الهدي من الميقات فإن حجه قران، والقارن لا يحل من حجه حتى يحج حجه الأكبر، وحينئذ يحل، فالمفرد والقارن لا يحلان إلا في يوم النحر، وأما المتمتع فإنه إذا اعتمر فقد تحلل من إحرامه تماماً وحل له كل شيء حتى النساء، ثم يهل بالحج يوم التروية.

    قال: [(ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل)]، يعني: الذي لم يسق الهدي يعتمر، فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر أو يحلق ويتحلل من عمرته تماماً.

    قال: [(ثم ليهل بالحج وليهد)]. والهدي يكون في يوم النحر أو في ثلاثة أيام التشريق سواء كان ذلك بالنسبة للقارن أو للمتمتع.

    وسيتحدد هل هو قارن أم لا من الميقات، فإذا كان قد ساق الهدي معه فهو قارن لا محالة، وإذا لم يكن قد ساق الهدي فإما أن يجد هدياً في مكة أو لا يجد، فإذا وجده كان متمتعاً وإلا فلا.

    قال: [(فمن لم يجد هدياً -أي: من المتمتعين الذين تحللوا من عمرتهم وفصلوا بينها وبين الحج- فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء)]، وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود، فالطائف حول البيت لابد أن يبدأ الطواف من عند الحجر الأسود، ويجعل البيت عن شماله، ولابد أن يطوف من خارج حجر إسماعيل، فإن طاف من داخل الحجر -أي: كان هو بين الحجر وبين الكعبة لم يحسب طوافه؛ لأن حجر إسماعيل من الكعبة، فكأنه طاف داخل الكعبة، والأصل في الطواف أنه يكون حول الكعبة.

    قال: [(ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع)]، أي: ثم صلى ركعتين، فمن تيسر له الصلاة خلف مقام إبراهيم فهو السنة، ومن لم يتيسر له ذلك فيجزئه أن يصلي ركعتين في أي موطن من الحرم.

    قال: [(ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام -ويقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الثانية بعد فاتحة الكتاب بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]- ثم سلم فانصرف -أي: فانصرف من صلاته- فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف)].

    ويحسب السعي من الصفا إلى المروة شوطاً ومن المروة إلى الصفا شوطاً، وبعض الناس يخطئ ويعد السعي من الصفا إلى المروة إلى الصفا شوطاً واحداً، فيسعى بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطاً، وهذا بخلاف السنة، ولا يفعله إلا الجهلاء من الناس، وأما أهل العلم وطلاب العلم والكثير من الناس فيعرفون أن السعي من الصفا إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط، فيبدأ السعي من الصفا وينتهي عند المروة، كما رتبه الله عز وجل في قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

    وأهل العلم يقولون: يتحلل من إحرامه بالحلق عند المروة، كما أن الحاج يتحلل من إحرامه بالحلق عند جمرة العقبة الكبرى كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا حلق في أي مكان من الحرم جاز له ذلك، ولا بد أن يكون داخل حدود الحرم، وحدود الحرم تبدأ من التنعيم غرباً إلى عرفة شرقاً أو شمالاً والجعرانة وغير ذلك من الأماكن التي تحد اسم الحرم، فمن حلق في أي مكان منها كان له ذلك.

    ولا ينبغي للمعتمر أو للحاج أن يخرج خارج حدود الحرم فيحلق في الحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في سنته العملية بين أن المعتمر إنما يتحلل من إحرامه عند المروة، كما أنه حلق شعره في حجة الوداع عند جمرة العقبة الكبرى، وناول الشق الأيمن لـأبي طلحة رضي الله عنه، فأخذه لنفسه ولأهل بيته، ثم ناوله الشق الأيسر وقال: يا أبا طلحة ! فرقه في الناس، فقام أبو طلحة يقسم شعر النبي عليه الصلاة والسلام شعرة لكل واحد أو شعرتين لكل واحد، فيستحب للحاج والمعتمر أن يتحلل بالحلق أو بالتقصير بعد آخر منسك من المناسك، سواء في العمرة عند باب المروة، أو في الحج في منى عند جمرة العقبة الكبرى.

    قال: [(ثم لم يحلل من شيء حرم عليه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس).

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر المتمتع إذا أتى البيت فطاف به وسعى بين الصفا والمروة أن يقصر أو يحلق، وبذلك يكون قد حل، وحل له كل شيء كان حراماً عليه في حال إحرامه، هذا حكم المتمتع، وأما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لما أتى البيت طاف به وسعى بين الصفا والمروة ثم لم يحلل حتى حل بعد أن قضى حجه، أي: في يوم النحر بعد أن رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ثم حلق ثم أهدى، وفي هذا بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً؛ لأنه بعد أن قضى عمرته لم يتحلل، وهذا حكم القارن.

    شروط هدي التمتع

    قال الإمام النووي: (هدي التمتع واجب بشروط -يعني: الهدي الواجب على المتمتع يجب بشروط، اتفق أصحابنا على أربعة منها واختلفوا في ثلاثة، أحد الأربعة أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج)، وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، فإذا أتى المعتمر إلى مكة واعتمر في هذه الأشهر جاز له أن يتحلل من إحرامه انتظاراً ليوم التروية وليهل بالحج من مكانه.

    قال: (الثاني: أن يحج من عامه)، يعني: من نفس العام الذي أدى في أشهر الحج منه عمرته.

    قال: (الثالث: أن يكون آفاقياً لا من حاضري المسجد). آفاقياً يعني: من الآفاق البعيدة وليس من أهل مكة، وحاضروه أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وأما أهل مكة فالأصل في حجهم الإفراد.

    (الرابع: ألا يعود إلى الميقات لإحرام الحج)، يعني: إنما يهل من بيته ومكانه سواء كان مكانه في الحرم أو في أي مكان.

    وأما الثلاث المختلف فيها فإحداها نية التمتع، وذلك مثل شخص اعتمر في شهر شوال وليس في نيته أن يتمتع، فلما دخل الحرم أراد أن يجلس إلى الحج، فإذا جاء الحج فإنه يحرم من مكانه الذي تنبعث راحلته منه يوم التروية، ويكون متمتعاً؛ لأن عمرته وقعت في أشهر الحج من نفس العام، فإن قبض عليه ولم يستطع إكمال الحج فعليه دم، فإن اشترط عندما لبى بالحج وقال: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن قبض عليه فليس عليه شيء؛ لأنه اشترط بقوله: فإن حبسني حابس -أي: منعني مانع- فمحلي -أي: فأذن لي أن أتحلل بغير قيد ولا شرط وبغير كفارة.

    ولا يلزم المتمتع أن ينوي في الميقات التمتع، كما أنه لا يلزم القارن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أهل بالحج من ذي الحليفة فقط، فلما وصل إلى الجعرانة أدخل معها العمرة، بدليل أنه لما دخل مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة وقصر شعره ثم لم يحلل حتى كان يوم النحر، ومعلوم أن الذي يفرد الحج لا يلزمه ذلك، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أدخل العمرة على الحج، وهي ليست له خاصة ولا لأصحابه خاصة، بل هي لأبد الأبد، يعني: يجوز إدخال العمرة على الحج إلى يوم القيامة.

    الثاني: كون الحج والعمرة في سنة واحدة في شهر واحد، والراجح: أنه لا يلزم أن تقع العمرة والحج في شهر واحد؛ لأن أشهر الحج ثلاثة وليس شهراً واحداً.

    والثالث: كونهما عن شخص واحد، والأصح أن هذه الثلاثة لا تشترط. والله تعالى أعلم.

    وقت الصيام لمن لم يجد الهدي

    قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن لم يجد هدياً) المراد لم يجده هناك إما لعدم الهدي، وإما لعدم ثمنه، وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل، وإما لكونه موجوداً لكنه لا يبيعه صاحبه، ففي كل هذه الصور يكون عادماً للهدي، فينتقل إلى الصوم. فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحجة وسبعة إذا رجع على ما جاء في نص القرآن الكريم، ويجب صوم هذه الثلاث قبل يوم النحر الذي هو اليوم العاشر، وصيام عرفات مسنون لغير الحاج، ويكره للحاج صيامه.

    وجمهور العلماء على أن الصيام واجب في الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، أي: بعد دخول المتمتع مكة وأداء العمرة، أي: أن هذه الثلاثة الأيام تكون بين العمرة وبين الحج، أي: وهو متحلل.

    قال: (ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر، ويجوز صوم يوم عرفة منها، والأفضل ترك صيامه، والأولى أن يصوم الأيام الثلاثة قبله، والأفضل ألا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة، فإن صامها بعد فراغه من العمرة وقبل الإحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزئه على الصحيح).

    وأما صوم السبعة فيجب إذا رجع إلى أهله، والصحيح في مذهبنا أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح، والمذهب الثاني: إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى، ولكن المذهب الأول هو الصحيح. ومن لم يتمكن من صيام الثلاثة الأيام في مكة لم يسقط عنه، بل يلزمه صيام العشرة عند أهله، لكن يبدأ بالثلاثة أولاً، ثم يجعل بينها وبين السبعة فاصلاً من إفطار؛ حتى يفرق بين الثلاثة وبين السبعة، ولو صامها كاملة أجزأه ذلك، والأولى أن يفرق بينها بإفطار.

    فإذا لم يجد الهدي لأي عذر من الأعذار فعليه الصيام، ولو كان معه قيمة الهدي والتمس الهدي في يوم النحر ولم يجد هدياً يشتريه أو سرق ماله لزمه الصيام، فيصوم بعد أيام التشريق، وأما أيام التشريق فيحرم صومها؛ لأنها أيام عيد. ولو مات قبل الصيام فلا شيء عليه، ويجب على وليه الصوم عنه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من مات وعليه صيام فليصم عنه وليه).

    ويجزئ أن يتعدد الأولياء، يعني: لا بأس أن يصوم كل ولي من أوليائه يوماً عنه، بحيث يجتمع عشرة أيام يصومها عشرة من الأولياء، أو واحد يصوم عشرة أيام، أو اثنان كل منهما خمسة، فالمهم أن يصام عنه عشرة أيام، سواء تعدد الأولياء أو لم يتعددوا.

    1.   

    باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد

    الباب الخامس والعشرون: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.

    والمفرد يتحلل من الحج يوم النحر إما بعد التحلل الأصغر بأداء منسكين، أو بعد التحلل الأكبر بأداء ثلاثة مناسك، ومنها الطواف والسعي؛ لأن النساء لا يحللن للرجال إلا بعد الطواف والسعي.

    فإذا كان الحاج مفرداً فإنه يذهب مباشرة إلى منى أو حتى إلى عرفات إذا لم يدرك يوم التروية، ولا شيء عليه في عدم إدراكها؛ لأن إدراك يوم التروية في منى سنة، وليست واجبة، وكذلك المبيت بمنى في هذه الليلة ليس واجباً، بل هو مسنون، فإذا أدرك الرجل الوقوف بعرفة فإنه ينزل بعد ذلك إلى مزدلفة بعد غروب شمس اليوم التاسع، فيصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ويبيت بها، والمبيت بها واجب، ثم ينطلق بعد شروق الشمس يوم النحر إلى منى، فيرمي جمرة العقبة الكبرى بعد الزوال، أي: بعد الظهر في يوم النحر، ثم يحلق، وبذلك يتم له التحلل الأول، وهو الذي يحل له كل شيء إلا النساء.

    فإذا نزل إلى مكة -أي: أفاض إلى مكة- وطاف طواف الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة حل له كل شيء حتى النساء، وهذا يسمى عند أهل العلم التحلل الأكبر، يعني: الذي يحل له كل شيء حتى النساء، ولا يبقى عليه محظور من محظورات الإحرام. والمفرد ليس عليه هدي، وإنما الهدي على المتمتع والقارن.

    ولذلك ذهب أهل العلم إلى أن أفضل صور الحج الإفراد؛ لكماله وتمامه، وهم يرون أن الهدي عند القران والتمتع إنما هو لجبران الخلل والنقص فيهما، وهذا النقص هو عدم إلزام القارن والمتمتع بالخروج إلى الميقات في يوم التروية.

    ومعنى ترجمة الباب: أن القارن والمفرد يشتركان في هذه الصورة، فكل منهما لا يتحلل إلا في يوم النحر، حتى لو جاء القارن قبل الحج بأسبوعين، والقارن يستحب له أن يدخل مكة في أول ذي الحجة أو قبل الحج مباشرة؛ حتى إذا اعتمر في اليوم السادس أو الخامس أو السابع من ذي الحجة لا يبقى إلا يوماً واحداً، ثم ينطلق بملابس إحرامه إلى منى في يوم التروية، ولا يمكث كثيراً بملابس إحرامه في بيوت مكة أو في بيت الله الحرام.

    فلو أتى قبل ذلك بأسبوع أو بأسبوعين فإنه يلزمه أن يبقى في ملابس إحرامه ولا يتحلل لا تحللاً أصغر ولا أكبر حتى يؤدي حجه، ويتحلل من الحج في يوم النحر، كالمفرد تماماً. فالقارن والمفرد يشتركان في أن كلاً منهما يتحلل في يوم النحر، بخلاف المتمتع، فالمتمتع بمجرد أن يدخل مكة ويعتمر يتحلل بعد الحلق عند جبل المروة، ثم يحل له كل شيء حتى النساء، ثم يهل من مكانه بالحج يوم التروية، أما القارن فلا يجوز له أن يتحلل إلا بعد ثلاثة من رمي جمرة العقبة الكبرى والذبح والحلق والطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة.

    قال: [عن حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ -يعني: لماذا بعض الناس ومعهم بعض أصحابك أو كثير منهم حلوا بعد أن أدوا العمرة وأنت لم تحلل وقد اعتمرت معهم؟- قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر)]، يعني: حتى أذبح في يوم النحر. وتلبيد الرأس قد بيناه في الدروس الماضية، وأما تقليد الهدي أو إشعاره فهو سوق الهدي من الميقات مقلداً مشعراً، وسوق الهدي من الميقات يجب على القارن، وأما المتمتع فإنه يشتري هديه من أي مكان، سواء من منى، أو من عرفة، أو من مزدلفة، أو من مكة، أو من أي مكان، ولا يلزمه أن يسوقه، فإن ساقه صار قارناً، وإذا ساق الهدي من الميقات يسن أن يشعره في خده الأيمن أو في صفحة وجهه الأيمن، وأن يقلده في قدمه، إما بلبس نعل، أي: يلبسه جلداً في قدمه، أو يحيط قدمه بحبل أو شيء ليميزه بذلك.

    ومعنى إشعار الهدي في صفحة وجهه الأيمن أي: جرح الهدي وتلطيخه بالدم في جانبه الأيمن، أو جرح أذنه؛ حتى يعلم من نظر إليه أنه هدي، وليس أمراً مشاعاً يلتقط، فإذا التقطه أحد لزمه أن ينادي عليه؛ لأنه قد أوقف لله عز وجل.

    فالإشعار هو: جعل علامة أو دليل أو أمارة في وجه الهدي بجرحه في صفحة خده الأيمن أو بوضع علامة في أذنه أو غير ذلك، والتقليد بمعنى: تقليد قدمه بشيء، أي: وضع علامة في قدمه، إما خيط يميزه، أو حبل، أو لبس نعل من الجلد، أو غير ذلك بحيث يميز؛ حتى إذا نظر إليه ناظر عرف أنه هدي موقوف لله عز وجل.

    قال: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي -أي: سقت هديي من الميقات- فلا أحل حتى أنحر).

    وهذا الحديث دليل على المذهب الصحيح المختار الذي قدمناه واضحاً بدلائله في الأبواب السابقة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً في حجة الوداع. وفي رواية أنه قال لها: (فلا أحل حتى أحل من الحج).

    قال: [وقالت حفصة رضي الله عنها: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة

    : فقلت: ما يمنعك أن تحل أنت كذلك؟ -يعني: أنت تأمرنا أن نحل بعد أداء العمرة فما الذي يمنعك أن تحل أنت كذلك؟- إني لبدت رأسي وقلدت هديي -أي: سقته من الميقات- فلا أحل حتى أنحر هديي)].