مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

849601

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8142

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6130

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2855

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2620

(...)
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1542

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1500

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1477

9

قراءة متن الشاطبية

1446

مشاري راشد العفاسي
10

خطبة عيد الفطر

1416

سعد البريك

الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، وهنا بيان لكيفية فرض الصلاة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع عرض لكثير من المسائل التي تخص الصلاة ومتعلقاتها، كصلاة المسافر، والضحى، والوتر وتحية المسجد وغيرها.

إضافة إلى ترجمة بسيطة لصحابيين جليلين هما أبو ذر الغفاري، وسلمة بن الأكوع .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعـد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نستأنف كتاب الصلاة مع الإمام البخاري، حيث يستهل كتاب الصلاة بتبويب رائع، حيث يقول: باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء. ثم يقول: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حدثني أبو سفيان في حديث هرقل فقال: (يأمرنا -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- بالصلاة والصدق والعفاف).

ثم ساق حديث أنس، قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فُرج عن سقف بيتي وأنا بـمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهبٍ ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا) الحديث.

هذا أول حديثٍ في كتاب الصلاة يأتي به الإمام البخاري ويستهل به هذا الكتاب العظيم، وفي هذا الكتاب مسائل، وقد تعودنا أن نعيش مع صحابي يكون راوياً أو يذكر في الحديث لنروح به مجلسنا، وقد يتكرر في الترجمة أو سيرة الصحابي شيء ولا بأس بذلك، فحياة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هي الحياة:

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره      كما المسك ما كررته يتضوع

وأبو ذر هو صاحبنا هذه الليلة، ونحن أصحابه، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته وزمرة أمثاله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

 وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر

أبو ذر إذا ذكرته ذكرت الزهد، والعبادة، والإنصاف، والتضحية، والعدل، وكلمة الحق. يقول: {أوصاني صلى الله عليه وسلم بسبع، ذكر منها: وعلى قول الحق ولو كان مراً، وذكر منها: وأن أُكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله}. فما معنى أن يكثر أبو ذر من لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ذكر صلى الله عليه وسلم أبا ذر بهذه الوصية وقال له: {أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله} لأنه كان سريع الغضب، وفيه حدة، يندفع ولا يتمالك أعصابه رضي الله عنه، فأوصاه صلى الله عليه وسلم أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء حديثاً فيه ضعف قال: {يُحشر أبو ذر مع عيسى عليه السلام يوم القيامة} لجهده ولعبادته ولما فيه من كلمة حقٍ كان يقولها، عرف الإسلام -كما تعرفون- ودخل مكة، والتمس مكان الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: السلام عليكم ورحمة الله يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه تحية المسلمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتبسم صلى الله عليه وسلم، والعرب كانت تحيي بعضها بقولها: " عم صباحاً..." يقول امرؤ القيس:

ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي      وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي

فقال صلى الله عليه وسلم: {لقد أبدلني الله تحيةً خيراً من تحيتك السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته} ودخل في دين الله، وجعله صلى الله عليه وسلم من أقرب أصحابه إلى قلبه.

 زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر

كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره في بيته في أقصى المدينة، يوم أن يتكبر الجبابرة أن يزوروا متبوعيهم أو بعض تلاميذهم وطلابهم، ينطلق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم إنسان عرفته البشرية، وأروع مربٍ عرفته الإنسانية، إلى زيارة هذا التلميذ البار والطالب النجيب أبي ذر رضي الله عنه فيزوره في بيته، بل أعظم من ذلك كان يزور العجوز، ويزور الأطفال صلى الله عليه وسلم.

قال أبو ذر: {وتأخر عني محمد صلى الله عليه وسلم مرة من المرات فلما أتاني التزمني فكان أحسن، أو أطيب} يعني: عانقني، فكانت أطيب من غيرها يعني: أعلى وأروع، واستمر رضي الله عنه وأرضاه مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم مربياً وحكيماً يلحظ المواهب في الناس، فكان يؤهل كل موهبةٍ في مكانها المناسب.

فلم يأتِ بـخالد بن الوليد ليجعله مفتياً في المسجد، وما لـأبي سليمان والفتوى؟! وهو يجيد ضرب الرءوس وقطعها، فيجعله صلى الله عليه وسلم في العسكرية، قائداً في الجيش.

وأتى حسان بن ثابت رب القوافي، وصانع الأبيات والقصائد، فلم يأت به صلى الله عليه وسلم ليجعله إماماً في المسجد وما لـحسان وللإمامة؟! بل جعله شاعر الدعوة الإسلامية، ينصب له المنبر ويقول: {اهجهم وروح القدس معك}.

وأتى زيد بن ثابت فلم يعينه صلى الله عليه وسلم قائداً عسكرياً، بل عينه في الفرائض؛ لأنه يجيد الفرائض. هذه تخصصات: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] فالله أعلم سبحانه وتعالى كيف يُخدم هذا الدين، ولذلك لا يأت الطبيب ليجعل نفسه مفتياً، ولا يأتِ المفتي ليتطبب، ولا يأتِ الأستاذ الذي يجيد الفقه والحديث ليجعل نفسه مهندساً، ولا يأتِ المهندس ليفتي في الفرائض ويقسم بين أهل الفروض وأهل العصبة؛ ما له ولذلك؟! لكن أين أبو ذر من هذه المواهب وهذه الميزات؟

ميزته في الزهد والانقطاع والخلوة عن الناس، ولذلك بيَّن صلى الله عليه وسلم هذا لـأبي ذر.

قالأبو ذر للرسول صلى الله عليه وسلم: {يا رسول الله! أمّرت فلاناً وفلاناً، وتركتني}.

أول الدعوة يظن أن الأمر بالأغلبية أو أن المسألة مسألة اغتنام، فعلمه صلى الله عليه وسلم أن المسألة ليست هكذا، وقال له: {يا أبا ذر! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وإنك رجلٌ ضعيف، وإن الإمارة خيبة وندامة يوم القيامة إلا من أدى حق الله فيها} فمنعه صلى الله عليه وسلم أن يتأمَّر، بل أوصاه أن إذا بلغ التقدم الحضاري في المدينة إلى جبل سلع أن يخرج من المدينة، فقال له صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: {إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة} فبلغ البناء سلعاً فخرج من المدينة رضي الله عنه إلى الربذة حيث صفاء الصحراء الذي يناسب صفاء أبي ذر رضي الله عنه، حيث إن أبا ذر لا يعرف الدجل ولا التدليس ولا النفاق رضي الله عنه وأرضاه.

 موقف أبي ذر في تبوك

وفي تبوك يتقدم صلى الله عليه وسلم إلى منزله في تبوك فيتفقد الجيش؛ قال: {من تخلف؟ قالوا: فلان، قال: إن يرد الله به خيراً يأتِ به} وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يفقد أبا ذر، فيقول: {أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يأتِ به، وما هي إلا لحظات وإذا بـأبي ذر كالصقر من آخر الصحراء في وهج الشمس، وفي حرارة الصحراء التي تتوقد، يقتلع خطاه من على الرمال، فيقول صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ قالوا: ما ندري يا رسول الله! قال: كن أبا ذر -كن أيها المقترب الحبيب أبا ذر - فيقترب رويداً رويداً فإذا هو أبو ذر، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: رحم الله أبا ذر يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده} فيقدم رضي الله عنه وأرضاه.

فلما توفي صلى الله عليه وسلم خرج أبو ذر من المدينة بطهره وزهده وعبادته، ونصب خيمة في الصحراء يعبد الله ويناجيه ويتلو كتابه، وأتته الوفاة فمات وحده، ثم أدركته عصابة من المؤمنين على رأسهم معلم العراق وداعية الإسلام فيها ابن مسعود رضي الله عنه فدفنوه فعاش في آخر حياته وحده في الصحراء، ومات وحده، ويبعث يوم القيامة أمة وحده، حسناته تزاحمه بجانبيه فلا يطرق مزاحماً معه رضي الله عنه وأرضاه، هذا هو أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه حينما يُذكر يذكر معه الزهد والعبادة والعزلة والانقطاع عن هرج الناس وخلطتهم وكلامهم.

قال صلى الله عليه وسلم: (فرج عن سقف بيتي وأنا بـمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم) الرسول عليه الصلاة والسلام شُقَّ صدره في حياته مرتين عليه أفضل الصلاة والسلام، مرة وهو طفل في بادية بني سعد، ومرة حيث بلغ من الكبر عتياً حيث خولَّه الله حمل الرسالة إلى أدائها إلى العالمين.

 حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم الأولى

المرة الأولى ذكرت في صحيح مسلم، وإذا عرض الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم فلا يتعقب.

يروي صلى الله عليه وسلم أنه كان غلاماً فيما يقارب الثامنة من عمره، خرج يرعى البْهم مع أخيه من الرضاعة، وأمهما من الرضاعة هي حليمة السعدية، وأخواله بنو سعد، وذهب صلى الله عليه وسلم فلما أصبح مع زميله وأخيه في الصحراء وإذا بملكين من السماء ينزلان لباسهما البياض، فيأخذان الرسول صلى الله عليه وسلم فيضجعانه في الأرض، فلما أصبح مضطجعاً على الأرض على قفاه، شقَّا عن صدره الكريم صلى الله عليه وسلم، وأخرجا المرارة السوداء التي هي في كل إنسانٍ منَّا، حيث يجتمع فيها الحسد والحقد والغش والغضب، أما هو صلى الله عليه وسلم فأخرج من صدره كل هذا الغل، والغش، والحقد، والحسد، وبقي صدره سليماً، ثم أتوا بطستٍ مملوء حكمة وإيمانا فأفرغوه في صدره الشريف، أما أخوه فذهب إلى بيت أمه خائفاً وجلاً وهو يرتعد ويقول: يا أماه! أخي محمد قد قتل، أتى رجلان من السماء فقتلاه وهو مقتول في وادي كذا وكذا، فتذهب أمه وأبوه -وهما خائفان- إلى ذلك المكان، فيجدانه صلى الله عليه وسلم قد قام وهو ممتقع اللون متغير، فقالوا: ما لك؟ قال: جاء رجلان من السماء أضجعاني وأخرجا شيئاً من قلبي، ثم أفاضا في قلبي شيئاً، لذلك يقول سبحانه وتعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] قال بعض أهل العلم: هذا هو الشرح، وقيل: شرحنا لك صدرك: وسعناه وجعلناه واسعاً رحباً، جعلناه ممتلئاً حكمةً وإيماناً فلا تهتم، ولا تحزن، ولا تغتم.

 فضل ماء زمزم

قال ابن حجر: والصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم شق صدره مرتين. قال: {ثم غسله بماء زمزم} ولماء زمزم ميزة، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي وغيرهما: {ماء زمزم لما شرب له} قال بعض أهل العلم: إن شربته للمال أغناك الله، وإن شربته للعلم علمك الله، وإن شربته للشفاء شافاك الله، لكن لا بد من النية والإخلاص والصدق في شرب ماء زمزم، أما إن كان يأتي يتعبط ويلعب ويستهزئ، ويقول: أشرب وأجرب هل أغتني وأعود وأنا من التجار الأثرياء، فهذا لا يحصل على شيء لأنه مستهزئ، إنما يحصل على هذا الخير من يشربه صادقاً، قال حجاج بن منهال فيما يرويه عن ابن المبارك: شرب ابن المبارك من ماء زمزم ثم أخذ حفنة وقال: اللهم إن فلاناً حدثني عن فلان عن فلان عن رسولك صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ماء زمزم لما شرب له} اللهم إني أشربه لظمأ ذاك اليوم، فشربه، رضي الله عنه وأرضاه.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ماء زمزم شفاء سقمٍ وطعام طعم} يشفي السقيم بإذن الله، ويشبع الجائع، ولذلك لمَّا دخل أبو ذر مكة ما كان له مضيف، فتستر بأستار الكعبة أربعين يوماً، ما كان يأكل إلا من ماء زمزم، فسمن حتى تكسرت عكن بطنه من السمن، هذا من ماء زمزم، وليس لماءٍ على وجه الأرض ميزة أنه يشبع إلا ماء زمزم.

ولذلك ابن هبيرة -جازاه الله بما صنع- كانوا يأتون له بماء زمزم فلا يشربه ويشرب الماء الآخر، ويقول: هذا ماء الخنافس، فدعا عليه بعض أهل العلم، قال: اللهم إن كان محقاً في كلامه فأنت أعلم به، وإن كان مبطلاً فأسألك أن تعذبه في الدنيا وفي الآخرة، فأخذ وقطعت يده اليمنى وهو أمير، وعوقب في العراق ثم قطعت رجله اليسرى ثم عذب حتى مات.

ولا يمتاز إلا بهذه الميزة فيجوز أن يتوضأ منه ويغتسل منه، ولو كان على الإنسان نجاسة فإنه يتوضأ من ماء زمزم ويغتسل منه خلافاً لقول بعضهم قال علي رضي الله عنه في أول مسنده في مسند أحمد: {أتى صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فشرب من ماء زمزم وتوضأ عليه الصلاة والسلام} وهو من حديث أسامة كذلك، وكان المسلمون يريدون أن يكسبوا عليه الصلاة والسلام بالإهداء له، فورد في السيرة الحلبية أنه كان ينقل له ماء زمزم هدية، فيشربه صلى الله عليه وسلم ولذلك عُظم ماء زمزم في هذا الموضع، فقال: {ثم غسله -أي: صدره- بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب}.

 حادثة شق الصدر الثانية

أماالمرةالثانية فهذه المرة التي شق فيه اصدره عليه الصلاة والسلام بعد النبوة، قال أنس: {كنا نرى أثر المخيط في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم} ولذلك كان صدره رحباً واسعاً، فما كان يأتيه الغضب إلا في حدود الله إذا انتهكت، فكان كثيراً ما يحلم، بل هو صلى الله عليه وسلم رسول الحلم والكرم والعظمة، يقول الله عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ثم أخذ بيدي فعرج بي...) في قوله: أخذ بيدي، فيها الأنس والصحبة، وفيها الملاطفة للأصحاب، وإذا أردت أن تلاطف صاحبك أو صديقك فخذ بيده، وقد كان عليه الصلاة والسلام يأخذ بأيدي أصحابه إذا أراد أن يلاطفهم ويوانسهم، يقول معاذ رضي الله عنه كما في سنن أبي داود: (أخذ صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قال: يا معاذ! والله إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ويقول ابن عمر كما في صحيح البخاري: (أخذ صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) فمن الملاطفة أن تؤانس صاحبك بأخذ يده في يدك ليتم الأنس، قال جرير بن عبد الله البجلي: (كان صلى الله عليه وسلم إذا رآني تبسم في وجهي، وكان ربما ضرب في صدري صلى الله عليه وسلم) حتى لما أرسله صلى الله عليه وسلم يهدم الأصنام قال: (يا رسول الله! أنا لا أثبت على الخيل) لأن جرير بن عبد الله البجلي من قبائل الجنوب وهم لا يعرفون الخيل بل يعرفون الإبل فقط، والأرض لا تناسب معيشة الخيول في هذه الجبال، فليسوا بأهل خيول، فلما أرسل صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله قائد جيش معه خمسمائة فارس، قال: (اركب الخيل، قال: يا رسول الله! أنا لا أثبت على الخيل -يعني: إذا ركب هرب به- فقال صلى الله عليه وسلم: تعال، فلما قرب منه ضرب في صدره وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً) فما سقط مرة ثانية من على الخيل، فجعله الله هادياً مهدياً، وانتصر مع المسلمين، وهو شيخ قبيلة بجيلة التي يقول فيها الشاعر لما فرت يوم القادسية:

لولا جرير هلكت بجيلة     نعم الفتى وبئست القبيلة

بل نعم الفتى ونعمت القبيلة رضي الله عنهم وأرضاهم.

فمن الملاطفة الأخذ بالأيدي.

 المكان الذي ابتدئ الإسراء فيه

قال: {ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا}. هذه قصة الإسراء والمعراج حيث يقول سبحانه وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1].

والسؤال: كيف يقول سبحانه وتعالى: من المسجد الحرام، وقد أسري به من بيت أم هانئ كما يقول أهل السير؟ والصحيح أنه أسري به عليه الصلاة والسلام من الحرم، فقد خرج من بيت أم هانئ أو من بيته، ثم دخل الحرم فأسري به من الحرم صلى الله عليه وسلم.

وسبب الإسراء أن الرسول صلى الله عليه وسلم طرده أهل مكة وأهل الطائف وكذبوه فعاد في وادي نخلة يناجي ربه في ليلة ظلماء ليس معه إلا الله، وليس له مؤنس إلا الله، فلما رفع أكفَّ الضراعة أدخله الله الحرم فطاف فيه، ثم أذن له بالإسراء والمعراج.

أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه      والرسل في المسجد الأقصى على قدم

كنت الإمام لهم والجمع محتدم      أعظم بمثلك من هادٍ ومؤتم

لما خطرت به التفوا بسيدهم      كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلمِ

حتى بلغت مكاناً لا يطار له      على جناحٍ ولا يسعى على قدمِ

وقيل كل نبيٍ عند رتبته     ويا محمد هذا العرش فاستلمِ

ووصل صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس في ليلة مظلمة، ودخل في عجلة، وربط الفرس هو وجبريل عند الباب، ثم صلى ركعتين، قال أهل العلم: إن الأنبياء صلوا معه صلى الله عليه وسلم وكان هو الإمام في تلك الليلة.

 النبي يُعرج به إلى السماء الدنيا

ثم عرج به صلى الله عليه وسلم، فلما أتيا إلى السماء الدنيا طرق الباب، وهذا فيه حكمة مشروعية الاستئذان، وأن الداخل الأجنبي لا يجوز له الدخول إلا بعد أن يطرق الباب أو يستأذن، وهذا أصله في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طرق جبريل عليه السلام الباب قالوا: من معك؟ وهذا فيه فائدة أخرى: أن أهل البيت لا يفتحون حتى يستفسروا من الداخل؛ لأنه قد يكون عدواً أو مجرماً، أو غير ذلك فلهم أن يقولوا: من؟ ومن السنة أن يقول الطارق أو المستأذن: أنا فلان بن فلان، ولا يقول: أنا فقط؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعلم أصحابه ذلك، ولذلك يقول جابر: {طرقت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ فقلت: أنا، قال: أنا أنا، كأنه كرهها صلى الله عليه وسلم} يقول ابن الجوزي: محتمل في كراهيته صلى الله عليه وسلم أمران: الأمر الأول: كراهيته لأنا أنا، وكأنه يقول: أنا الرجل المشهور الذي لا يحتاج إلى تعريف، وهذا عجبٌ ومدح وغرور، والأمر الثاني: أن فيه إبهاماً على أهل البيت؛ لأنه ما علمهم باسمه، فكان عليه الصلاة والسلام يطلب من أصحابه أن يعلم أحدهم باسمه، أو بكنيته، يقول أنس: {استأذن رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من؟ قال: أنا، أأدخل؟ فقال صلى الله عليه وسلم لمولاه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان قل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ فعلمه فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ قال: ادخل}.

 موقف قريش من قصة الإسراء

وبعد أن وصل صلى الله عليه وسلم السماء السابعة وتجاوزها إلى سدرة المنتهى وكلمه الله، وفرض عليه الصلوات الخمس، عاد إلى الدنيا في تلك الليلة، وأصبح في الصباح، ونزل إلى الحرم، وجمع الكفار وأخبرهم أنه أسري به تلك الليلة، كان معه في أول القصة أبو جهل قال: أصدق أسري بك؟ قال: نعم، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فضحك أبو جهل وقال: اصبر حتى أجمع كفار قريش، أي: يسمعوا هذا الخبر، وهو لا يريد أن يفيدهم، لكنه يريد أن يستهزئ ويضحك، فجاءوا ورئيسهم آنذاك الوليد بن المغيرة وقد يكسو الكعبة سنة، وتكسوها قريش سنة.

فلما جلسوا تكلم صلى الله عليه وسلم، فقال الوليد بن المغيرة: يا محمد! إننا نصل بيت المقدس في شهر، ونعود منه في شهر، فكيف وصلت أنت في جزءٍ من ليلة إلى بيت المقدس ثم إلى السماء السابعة ثم عدت في نفس الليلة؟!! فإن كان لك من العلامات فأخبرنا بها، فقال صلى الله عليه وسلم: وماذا تريدون من علامات؟ قالوا: صف لنا بيت المقدس نحن نعرف أبوابه ونوافذه وأسياجه ومداخله ومخارجه والرسول عليه الصلاة والسلام ما تسنى له أن يقف على عدد أبوابه وأسياجه ومداخله ومخارجه، فأخذه من الكرب ما الله به عليم حتى تغشاه العرق، ولما وقف نكس صلى الله عليه وسلم رأسه ثم رفع وإذا بصورة بيت المقدس أمامه، فأخذ يصفه باباً باباً ونافذة نافذة ومخرجاً مخرجاً ومدخلاً مدخلاً فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] ورفع الوليد بن المغيرة قشة من الأرض، وقال: والله ما زاد على ما وصفت لنا كهذه، فآمن بعضهم وكفر بعضهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: وهل أزيدكم؟ وسوف تقدم عليكم غداً قافلتكم في أولها الجمل الأورق عليه غرارتان، أي: كيسان، وسوف يقدم رعاتكم الذين رعوا في وادي كذا وكذا، فمررت بهم أنا وجبريل وقد كسرت رجل ناقة من نوقهم، قالوا: ننتظر، وفي الصباح صعدوا على شرفات بيوتهم وانتظروا وإذا بالقافلة داخلة وفي أولها الجمل الأورق عليه غرارتان، وأتى الرعاة فقالوا: أحدث عليكم شيء؟ قالوا: ما حدث شيء إلا أن ناقة فلان كسر رجلها، وصدق الله إذ يقول: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15].

وعاد صلى الله عليه وسلم وأخبرهم بهذا فكفروا وعتوا عن أمر ربهم: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:14-15].

قال عليه الصلاة والسلام: {... قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أُرسل إليه؟ قال جبريل: نعم أرسل إليه} فالناس والملائكة والجن والإنس يتحرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فوصل عليه الصلاة والسلام قال: {وإذا أنا برجلٍ في السماء الأولى وهو آدم عليه السلام، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم، إذا نظر عن يمينه رأى هؤلاء الخلق إلى أهل الجنة فضحك استئناساً وفرحاً وسرورا، وإذا نظر إلى ميسرته من أهل النار بكى، فسلَّم عليه صلى الله عليه وسلم وعرَّف به جبريل، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح} ثم عرج بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، حيث وجد عليه الصلاة والسلام ابنا الخالة يحيى وعيسى قيل: في الثانية أو في الثالثة، فسلم عليهم صلى الله عليه وسلم وحيوا مقدمه وباركوا رسالته، ووجد إدريس في الرابعة وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم:57] فسلَّم عليه صلى الله عليه وسلم، ووجد هارون في الخامسة فسلَّم عليه ورحب به، وأما في السادسة فوجد موسى الكليم فلما سلَّم عليه صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: {من هذا يا أخي يا جبريل؟ قال: هذا موسى عليه السلام} والرسول صلى الله عليه وسلم يصف الأنبياء، رآه لحظات لكن أخذ أوصافه- قال: {أما موسى فكأنه من رجال أزدشنوءة} وهي من قبائل جبال الجنوب من جبل الطائف إلى هذا الجبل جبل آسيا، يعني: في السمرة وفي الجعد وفي القوة؛ لأنه وصف بأنه القوي الأمين وأعطاه الله الشجاعة عليه السلام، فما صلح لبني إسرائيل ولا دوخ رءوسهم، ولا أذهب الوسوسة من رءوسهم إلا هو، ولذلك إذا غاب عنهم أو ذهب عبدوا العجل، أو لخبطوا في العبادة أو قالوا أو تكلموا، فإذا دخل عليهم خافوا، وهو لا يعرف عليه السلام المداهنة معهم، بل كان قوياً حازماً معهم فكانوا يخافون منه، وهو الذي قتل نفساً ونجاه الله من الغم وتاب عليه، وهو الذي رفع الصخرة وتعرفون قوة الصخرة، وهو الذي شهد أكبر صراع في التاريخ مع فرعون، وانتصر عليه بإذن الله.

ثم واصل صلى الله عليه وسلم فلما عرج به إلى السادسة بكى موسى فقال صلى الله عليه وسلم لجبريل: {ما لموسى يبكي؟ قال: يقول: نبيٌ بعث من بعدي يدخل الجنة من قومه أكثر مما يدخل الجنة من أمته } يقول ابن تيمية في فتاويه: هذا من التنافس المحمود، فإن موسى لم يبكِ حسداً، ولا حقداً، وإنما بكى تنافساً يريد أن تكون لأمته من المرتبة كما لأمة محمد عليه الصلاة والسلام.

بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا     من العناية ركناً غير منهدمِ

لما دعا الله داعينا لطاعته     بأكرم الرسل كنا أكرم الأممِ

ثم عرج بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى السابعة، وهناك وجد أفضل الأنبياء بعده صلى الله عليه وسلم وهو إبراهيم فسلم عليه، وقال: {مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح} وإبراهيم أبو الأنبياء والرسول صلى الله عليه وسلم من أبنائه.

وإذا هو مسند ظهره إلى البيت المعمور، وهذا البيت يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، أي لا يأتي دورهم مرة أخرى.

 وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى

وواصل صلى الله عليه وسلم رحلته؛ أما جبريل عليه السلام فتوقف، فقال صلى الله عليه وسلم: معي؟ قال: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164] ومقام جبريل عليه السلام ذاك المقام لا يتجاوزه، فصعد صلى الله عليه وسلم عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:14-16]. قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: ما هو الذي يغشى السدرة؟ قال: {ألوان لا أعرفها الآن} ثم كلمه الله عز وجل وفرض عليه خمسين صلاة، والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير ربه لما أسري به أو عرج به إلى السماء، والذين قالوا: إنه رأى ربه خالفوا النصوص، والمسألة خلافية لكن الصحيح مع الذين قالوا: لم يره، فقد قال موسى عليه السلام لربه: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] يعني: في الدنيا، والمعتزلة قالوا: لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقالوا: لن هنا للتأبيد وكذبوا قال ابن مالك:

ومن رأى النفي بلن مؤبدا      فقوله اردد وسواه فاعضدا

أي: اردد قول من قال: إن النفي بلن مؤبد، فهي ليست إلا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن الله يراه المؤمنون كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة.

وقد سئل صلى الله عليه وسلم: {هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه} أي: ما رأيته، وقالت عائشة لما قال الأسود بن يزيد: [[هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت -قف شعر رأسه أي: انتفش، واستقام أو تحرك من ثقل هذه الكلمة- من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله]].

فهو لم ير ربه، والذين قالوا: إنه رأى ربه، مثل ابن عباس فقد ورد عنه أنه قال ذلك كما في صحيح مسلم ولكن الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ربه وقال: {نورٌ أنَّى أراه}.

أما الصلاة ففرضت عليه خمسين صلاة كما تعرفون، فلما عاد أخبر موسى عليه السلام -جزاه الله عن أمة محمد خير الجزاء- فقال: إني جربت بني إسرائيل وإنهم اختلفوا عليَّ وشقَّ عليهم ذلك، وقد أوتوا من الفرائض أقل مما كتب عليك فراجع ربك، فراجع ربه، فوضع عنه شطراً، قيل: الشطر ليس النصف، إنما تقدير محدد وعدد معين، فراجعه مرة ثانية فوضع عنه، فراجعه مرة ثالثة فوضع عنه، حتى أقرها سبحانه وتعالى خمساً، قال: (لا يبدل القول لدي هي خمسون في الأجر وخمس في الفرضية) أو كما قال سبحانه وتعالى، وهو في هذا الحديث، فكل فريضة بعشر فرائض، والحسنة بعشرة أمثالها، وعاد صلى الله عليه وسلم.

 لا صلاة مفروضة غير الصلوات الخمس

والسؤال هنا: هل فرض على الأمة شيء غير الصلوات الخمس؟ فالوتر هل هو فريضة أو واجب؟ وسنة الضحى، وتحية المسجد، والصلوات الطارئة كالعيدين، والكسوف، والخسوف، وغيرها مما ورد في السنة.

الصحيح أن ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم إنما هي خمس صلوات، ولذلك ما سوى هذه إما سنة مؤكدة، وإما سنة وإما مندوبٌ يُعمل بها من باب النفل المطلق الذي يتنفل به الإنسان ليتزود به الحسنات عند الله.

فالصلوات الخمس هي المفروضة في الكتاب والسنة، قال ابن عباس رضي الله عنه: [[أنا أستخرج الصلوات الخمس من القرآن]] ولا يغوص عليها إلا غواص -يقول عن نفسه- قال في قوله سبحانه وتعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18] فذكر الله عز وجل صلاة الفجر في القرآن، وصلاة الظهر، والعصر على قول من يرى أن القسم في سورة العصر يقصد به الفريضة لا الدهر.

وقد أتى رجل من أهل نجد ليؤكد أنه لم يفرض على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا خمس صلوات، كما في حديث طلحة بن عبيد الله يقول: {كنا جلوساً مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأقبل رجلٌ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول -يعني: يتمتم في الكلام- فدنا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الصلاة، فقال له صلى الله عليه وسلم: خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع} فليس غيرها بواجب إذن.

 صلاة الوتر سنة مؤكدة

أما الذين قالوا: إن الوتر واجب فليس بصحيح، بل هو سنة مؤكدة، ما تركه صلى الله عليه وسلم في حضرٍ ولا سفر، وكان إذا ترك الوتر صلى الله عليه وسلم صلاه من النهار شفعاً لا وتراً، وعند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي الوتر كهيئته في النهار} لكن هذا الحديث لا يقاوم حديث مسلم عن عائشة: {كان صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشر ركعة، فإذا فاته الوتر من الليل صلى من النهار ثنتي عشر ركعة} فدل ذلك على أن الوتر لا يقضى على هيئته وتراً، وإنما يقضى شفعاً، من كان وتره ثلاثاً فليصل أربعاً، ومن كان وتره خمساً فليصل ست ركعات هذا هديه صلى الله عليه وسلم في الوتر، أما ركعتا الفجر فما تركها لا في سفر ولا حضر، فالنوافل كلها تترك في السفر إلا الوتر وركعتي الفجر، ولك أن تصلي الضحى في السفر.

والأحناف ذهبوا إلى أن الوتر واجب، ولكنه ليس بواجب للأدلة هذه ولأنه خالف الفريضة في أحكامه، فإنه يجوز أن يوتر المسلم على الدابة وفي السيارة ولا يجوز أن يصلي الفريضة كذلك إلا للضرورة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوتر على دابته، وأوتر الصحابة، فلو كان الوتر فريضة لما أوتروا على دوابهم، ولنزلوا وصلوا على الأرض.

هذه هي الصلوات الخمس التي فرضت عليه صلى الله عليه وسلم، أما في السفر فركعتان كما قال عمر رضي الله عنه: {صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم} هذه هي الصلوات الخمس التي فرضت عليه صلى الله عليه وسلم.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن القيم: أن يصلي في اليوم والليلة أربعين ركعة، ما بين فريضة ونافلة، قال ابن القيم: ومن قرع الباب كل يوم أربعين مرةً فيوشك أن يفتح له، فكان عليه الصلاة والسلام يصلي أربعين ركعة ما بين الفريضة والنافلة، منها إحدى عشرة ركعة وتراً، ومنها اثنا عشرة ركعة سنناً رواتب، ومنها الفريضة سبع عشرة ركعة، هي في زاد المعاد، هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

 حكم صلاة الضحى

أما الضحى فالصحيح أنها سنة مطلقة، للإنسان أن يصليها كما يشاء، ركعتين وأربعاً، وستاً، وثمانياً، ويزيد ما شاء الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم أوصى أبا ذر وأبا هريرة في الصحيح أن يصلوا ركعتين، قال أبو ذر وقال أبو هريرة والحديث لـأبي هريرة في المسند وفي صحيح مسلم: {أوصاني صلى الله عليه وسلم بثلاث وقال: لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاث أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام}.

وعند أبي داود في الصحيح: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل يوم الفتح صلى ثمان ركعات} قال أهل العلم: هذه صلاة الضحى، فللمسلم أن يصلي ركعتين وأربعاً وستاً وثمانياً، لكن المقصود أن يصلي الإنسان شيئاً ويداوم عليه، فقد ينشط الإنسان أن يصلي في بعض الأيام أربعين ركعة، ثم يفتح الله عليه، ويسهل فيداوم ثلاثة أشهر أو أربعة أو سنة، لأن المقصود بالإسلام هو القصد والمداومة، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث أبي ذر: {يصبح على كل سلامى من الناس صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ويجزي عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى}.

وبعض الناس أوجب الضحى، ولكن هذا قولٌ شاذ خالف إجماع الأمة على أن ركعتي الضحى ليست بواجبة، وقائل هذا ما عند أثارة من علم ولا دليل.

 حكم تحية المسجد

أما تحية المسجد فالصحيح أنها سنة مؤكدة، وأن المسلم لا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام للداخل في الجمعة: {إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} وقال صلى الله عليه وسلم للداخل لما دخل: {أصليت ركعتين -وهو يخطب بالمسلمين-؟ قال: لا. قال: قم فصل ركعتين}.

وهل تصلى بعد العصر أو بعد الفجر؟ الصحيح أنها تصلى، وأنها من ذوات الأسباب التي تصلى في مثل هذا الوقت، وبعض الناس من الفقهاء يقولون: لا يُصلى في هذا الوقت، ولكن الصحيح أنها تصلى في مثل هذا الوقت لأنها من ذوات الأسباب.

قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (ثم عرج بي بعد ذلك حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) قد ذكرنا أن الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، وأنه ما رآه في الدنيا ولا رآه أحد من الناس، وهذه عقيدة قالها كثير من أهل السنة والجماعة، وموسى عليه السلام إنما وجهه الله على مستحيل؛ لأن الرؤية ممتنعة في الدنيا، والناس في الرؤية ثلاثة أقسام:

قومٌ قالوا: يرى في الدنيا والآخرة وقد كذبوا، وقومٌ قالوا: لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة وقد كذبوا.

وقومٌ قالوا: يرى في الآخرة ولا يُرى في الدنيا وهم أهل السنة والجماعة.

 قول الصوفية في رؤية الله

فأما الذين قالوا: يرى في الدنيا والآخرة فهم غلاة الصوفية، يقولون: يُرى في الدنيا والآخرة، ولذلك يجلس أحدهم ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب فيتخيل أشباحاً وصوراً أمام عينيه فيقول: رأيت ربي، وكلمني قال الذهبي: والله ما كلمك، ولا أوحى إليك، ولكن طاش عقلك وفاش من الجوع، يعني: لعب الشيطان بعقولهم فقالوا: رأينا الله، ولذلك لما خالفوا منهج ما الرسول صلى الله عليه وسلم ابتلوا بهذه الخرافات، وإذا رأى أحدهم طيراً في السماء قال: هذا الملك أتى يخبرني، وإذا سمع صريراً بالليل قال: هذه كرامة من كرامات الأولياء.

 قول المعتزلة في رؤية الله عز وجل

وأما المعتزلة فقالوا: لا يُرى في الدنيا والآخرة وخالفوا النصوص، قال سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] فهذا خلاف وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] وهي وجوه أهل السنة وأهل التسامح وأهل الخير والثناء، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فنفى المعتزلة أن يُرى سبحانه وتعالى.

 قول أهل السنة والجماعة

وأما أهل السنة فقالوا: يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا، وأما يوم المزيد فهذا موقف الفصل، ففي الجنة خصص الله سبحانه يوم المزيد، والصحيح أنه يوم الجمعة، فيدعو سبحانه وتعالى، عباده فيدنو سبحانه وتعالى فيري عباده وجهه الكريم، وأما في العرصات فإن الله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون كما في حديث جرير بن عبد الله، يقول: {نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضارون في رؤيته -وفي لفظ: لا تضامون-} تضارون: تألمون وتتألمون، وتضامون: أي تتزاحمون.

فعقيدة أهل السنة والجماعة: أن الصالحين يرون الله عز وجل في العرصات، وفي الجنة من باب أولى، أما المعتزلة فقالوا: لا في العرصات، ولا في الجنة.

قال عليه الصلاة والسلام: {فمررت على موسى عليه السلام قال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قال: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك} قال أهل العلم: جزى الله موسى عن أمة محمدٍ خير الجزاء فإنه أحسن عليه السلام في طلب المعذرة والتخفيف عن الأمة المحمدية، ومقصود البخاري من باب كيف فرضت الصلاة أن يبين متى فرضت وفي أي مكانٍ فرضت، وكم عدد ركعاتها، وقد رتب كتابه ترتيباً عجيباً، ولذلك يقول ابن رجب: استفتح البخاري هذا الكتاب بباب: (كيف فرضت الصلاة في الإسراء) ليبين أن أول ما يتكلم في الموضوع أو في الباب لا بد أن يبين فرضية هذا الباب وهي الصلاة.

ثم قال البخاري رحمه الله: وعن عائشة أم المؤمنين قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر ألا يزيد على ركعتين إذا كانت الصلاة رباعية، ولم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم في السفر فجعلها أربعاً، وإنما كان يصلي المغرب ثلاثاً، ويصلي الرباعية ركعتين، وكان يوتر ويصلي ركعتي الفجر، وأما الذين ذهبوا إلى الإكمال فليس لهم حديثٌ صحيح، وحديث الدار قطني عن عائشة أنها قالت: (يتم ويقصر صلى الله عليه وسلم ويصوم ويفطر) ليس بصحيح، ولكن هديه صلى الله عليه وسلم أن يقصر في السفر، وأما الصيام فباب آخر.

 السفر يقدر عرفاً

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي مدة السفر الزمنية؟ وما هي المسافة للسفر. هل تقدر بالأميال والكيلو مترات؟

الصحيح -كما يقول ابن تيمية رحمه الله- أنها لا تقدر بالأميال، وأن من قدر المسافة المكانية بالأميال فقد أخطأ وليس له دليل، وأن ما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصر في ثلاثة أميال، أو في ثلاثة فراسخ، أو في كذا فرسخ فليس بوارد؛ لأن ما فعله صلى الله عليه وسلم اتفاقاً لا يكون دليلاً على التحديد للمسافة، يعني: لا يطلق على كل سفر، والصحيح: أن ما يسمى سفراً في اللغة فنقصر فيه، وإذا تعارف الناس أن هذا سفر قصرنا فيه، فإذا تعارف الناس أنك إذا كنت تريد الطائف أنك مسافر ولم ينكروا عليك إذا قلت: إنك ستسافر إلى الطائف فهذا سفرٌ في العرف وفي اللغة فتقصر فيه، ومثله إلى جدة، وإلى الرياض، أما إذا قلت: أسافر إلى السودة فإن هذا ليس بسفر، وينكر عليك الناس استخدام هذه الكلمة أو أسافر إلى الخميس هذا ليس بوارد، فالصحيح أن السفر لا يقيد بمسافة من الأميال ولا بالكيلو مترات؛ بل ما سمي سفراً عند المسلمين وفي عرفهم، فتقصر فيه الصلاة، ويجوز لك أن تقصر من وقت انطلاقك من بيتك، أو من ركوبك سيارتك، إذا أدركتك الفريضة وأنت على جناح سفر، هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم في السفر.

 مسألة الجمع في السفر

وأما مسألة الجمع في السفر، فكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه يجمع بين الصلاتين إذا جدَّ به السير وكان على جناح سفر جمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، أما إذا نزل صلى الله عليه وسلم منزلاً في أثناء السفر فإنه ما كان يجمع، كان يصلي كل صلاة وحدها، مثلاً: إنسان يريد أن يسافر إلى الطائف، فلما ارتحل من هنا أدركه الظهر والعصر وهو راكب في السيارة فله أن يقدم العصر مع الظهر فيصليهما جمع تقديم، أو يؤخر الظهر مع العصر فيصليهما جمع تأخير قصراً وجمعاً، ولا يصلي الظهر قصراً ثم يمشي قليلاً ثم يصلي العصر قصراً، لا. الأفضل أن يجمع بين الصلاتين إما تقديماً وإما تأخيراً قصراً وجمعاً، وأما إن نزل يوماً أو يومين مثلاً في الباحة وجلس هناك، فالأفضل أن يصلي المغرب في وقتها، ويصلي العشاء قصراً في وقتها ويصلي الفجر قصراً في وقتها، ويصلي العصر في وقتها؛ لأنه مسافر لكنه نازل، وأما المسافر الذي على جناح السفر، فإنه يقصر ويجمع.

 صلاة المسافر إماماً أو مؤتماً

وإذا صلى المسافر وراء المقيم فإنه يصلي بصلاة المقيم ويتم صلاته، وله أن يتنفل إذا صلى وراء مقيم أو يترك النافلة، فإن النافلة لا تصلى في السفر.

وهنا مسألة: إذا صلى إماماً وهو مسافر والمصلون مقيمون؟

وإن صلَّى هو إماماً بالناس فإنه يصلي القصر ويقول للناس: أتموا صلاتكم؛ فإني في سفر كما فعل عليه الصلاة والسلام في أهل مكة فإنه صلى بهم ثم قال: {أتموا صلاتكم فإنَّا قوم سفر} هذا في السفر.

 حكم الوتر والرواتب في السفر

كان صلى الله عليه وسلم يؤخر الوتر في السفر إلى آخر الليل كما كان يصلي ركعتي الضحى، قال ابن تيمية: وللمسلم أن يتنفل ما شاء في بقية الأوقات، لكنه لا يتنفل السنة الراتبة ولا يصليها في السفر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصل السنة الراتبة وقيل لـابن عمر رضي الله عنه: [[ألا تتنفل؟ قال: لو كنت مسبحاً لأتممت]] أي: لو كنت متنفلاً لأتممت صلاتي وهذه من فتاويه رضي الله عنه وأرضاه.

 الجمع بين الصلوات أفضل وأولى

وليس بواجب على الإنسان أنه إذا جد به السير أو نزل في منزل أنه يصلي كل صلاة وحدها بل له أن يجمع، لكن الأفضل كما قال ابن تيمية -في مجلد كامل عن القصر والجمع في السفر، وأثبت في الأخير- أن الأولى والمعروف من هديه صلى الله عليه وسلم: أنه إذا كان على جناح سفر وجدَّ به السير يصلي الصلاتين جمعاً وقصراً، وإذا نزل منزلاً يصلي كل صلاة وحدها.

 بداية قصر الصلاة للمسافر

أما متى يبدأ المسافر بالقصر في الصلاة، وهل هو من حين ينوي السفر وهو ما زال عند أهله، أم من بعد الخروج من الديار؟

والجواب على ذلك أنه إذا كان المسافر نوى السفر وهو ما زال مع أهله فليس له أن يقصر، وإذا خرج فله أن يقصر، فقد كان الصحابة إذا ركبوا دوابهم، ثم فارقوا شيئاً من بيوتهم قصروا وأفطروا، فهذا معلوم إلا إن الإمام مالكاً يقول: حتى يفارق عمران البلدة، ولكن هذا ليس عليه حديث صحيح، بل سن الله سبحانه وتعالى للمسافر، ولو كان في البلدة وقد خرج من بيته عازماً على السفر أن يقصر؛ لأن المقصود وسر المسألة موجود وهو السفر، والعلة ليست في المشقة، وبعض الناس إذا سافر يقول: أنا لا أجد مشقة في الطائرة وأنا راكب، فيظن أن هذا من باب الحساب والزيادة عند الله عز وجل، والله عز وجل إنما جعله تخفيفاً للأمة، وجعله سبحانه وتعالى لحكمة أرادها، وهو رخصة، فعليك أن تقبل رخصة الله التي أهداها لك، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في القصر ولا في الفطر مسألة مشقة، إنما المسألة رخصة وهدية أهداها لنا سبحانه وتعالى.

 كيفية الصلاة في الطائرة للمسافر

وأما إذا كان المسلم في الطائرة وأتى وقت الفريضة وهو غير مستقبل للقبلة، فالأولى له في هذه الحالة أن يستقبل القبلة، يعني: أن يجتهد اجتهاداً حتى يعرف القبلة ثم يصلي، كأن يسأل أحداً أو تكون عنده بوصلة، أو يتحرى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ثم يصلي؛ لأنه لا يجوز أن يصلي الفريضة لغير القبلة، أما النافلة فلك أن تستقبل القبلة بداية التكبير، ثم تنحرف حيث اتجهت بك الطائرة أو السيارة أو الدابة، أما الفريضة فلا بد من استقبال القبلة فيها، فيستقبل ويتحرى حتى يظن أو يكون عنده غالب ظن أن هذه وجهة القبلة، ولا يشترط أن يصيب عين الكعبة لكن جهة الكعبة، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].

 حكم من صلى جمعاً وقصراً ووصل قبل دخول وقت الثانية

هناك سؤال ورد عند أهل العلم أن رجلاً حضر بلده وقت صلاة العصر، فهل عليه أن يصلي العصر مرة ثانية وقد صلاها جمعاً مع الظهر؟

الجواب: لأهل العلم في ذلك روايتان:

فمنهم من قال: يقاس على حديث الذي صلى الفجر في بيته ثم أتى والناس يصلون فالرسول صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود قال للأسود بن يزيد: {صلِّ فإنها لك نافلة} وقال لـأبي ذر في صحيح مسلم: {إذا صليت وأتيت والناس يصلون فصلِّ ولا تقل: إني صليت} وتحتسب له نافلة.

ومنهم من قال: يكتفي بتلك الفريضة التي صلاها في السفر ولا يصلي، والأحوط والأحسن له أن يصلي مع الناس ويحتسبها نافلة.

 الأذان والإمامة في السفر

أما في السفر فإنه يؤذن للصلاتين إذا جمعهما وقصرهما أذاناً واحداً ويقيم إقامتين، وهذا هديه صلى الله عليه وسلم، ومن ترك الأذان والإقامة في السفر فلا عليه، لكن هذه هي السنة، يقول الإمام أحمد كما في المغني للحنابلة: أمر الأذان سهل، يعني: أنه ليس بذاك التي تتوقف عليه الصلاة.

أما الأذان والإقامة على المرأة فليست عليها لقوله صلى الله عليه وسلم كما في سنن البيهقي بسندٍ صحيح: {ليس على المرأة أذان ولا إقامة}.

 قضاء صلاة السفر في الحضر

وهنا مسألة: من أتى البلدة وقد خرج وقت الصلاة ولم يكن قد صلاها قصراً في سفره فعليه أن يصليها قضاءً لصلاة السفر يعني: قصراً، وإن أتى والوقت لا زال قائماً فيصليها إتماماً؛ لأنه وصل في وقتها؛ لأنها تعتبر صلاة حضر.

 الزيادة في الأوراد التي في الصلاة

كثير من الناس خاصة العوام لا يعرفون ماذا يقولون في صلاتهم، فيزيدون في بعض السنن وفي بعض الفرائض وبعض المنقولات والمقولات، وينقصون في بعض المأثورات عنه صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام: استووا فيقولون: استوينا واستعنا بالله، من أين أتت؟ من رءوسهم، وهذه صلاة تعبدية، يقول صلى الله عليه وسلم: {من أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} وبعضهم يقول: استوينا توجهنا إلى الله الحي القيوم، فإذا قال: الله أكبر قالوا: الله أكبر كبيرا، فزادوا كبيرا، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قالوا: الحمد لله رب العالمين، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قالوا: سبحانه، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قالوا: استعنا بالله، وهذه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وأهم شيء في الصلاة والحج والعمرة والصيام الأذكار؛ لأنها وردت من الشارع الحكيم صلى الله عليه وسلم فلا يزاد فيها، خاصة الصلاة، وليس هناك حل إلا أن طلبة العلم يخبرون الناس بهذه الأمور ويعلمونهم السنة، والعجيب أن الكثير من الناس يحفظ من الأحاديث الموضوعة عشرات لكن إذا أتى إلى أحاديث صحيحة لا يحفظها.

 الجهر بالنية

ومن البدع في الصلوات أن بعض الناس إذا جاء يصلي قال: نويت أن أصلي العصر لله أربع ركعات، ونويت أن أصلي المغرب ثلاث ركعات، وهذا خالف المنقول والمعقول، فأما المنقول فلم يرد ذلك عنه صلى الله عليه وسلم فهو مبتدع، وأما المعقول فإنه ما أتى من بيته، ولا توضأ، ولا دخل المسجد إلا يريد أن يصلي العصر، وهو سبحانه وتعالى قد علم، فهذه ليست بواردة، بل هي بدعة.

ومن البدع في الصلاة كذلك تكرار الفاتحة، فإن بعض الناس يقرءون الفاتحة كثيراً من الوسوسة ويكررها متعمداً، فهذا مبتدع جاهل، فنسأل الله أن يعافيه.

وعلى من لم يعرف صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يقرأ وصفها في ثلاثة كتب: كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد فإنه من أحسن ما كتب العلماء في هديه صلى الله عليه وسلم في العبادات، وكتيب للشيخ عبد العزيز بن باز سهلٌ وميسر، وكتاب للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، هذه الثلاثة من قرأها فقد عرف الصورة الكاملة للمسنونات والمبتدعات التي تقع في الصلوات، فلننشر هذه الكتب بين الناس.

قال الإمام البخاري: باب وجوب الصلاة في الثياب، وقول الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] ومن صلى ملتحفاً في ثوبٍ واحد.

ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يزره ولو بشوكة) وفي إسناده نظر.

 كان سلمة من أسرع الصحابة في الجري

سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأرضاه أحد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وأحد العدائين بل هو أسبق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، روى عنه أهل السير أنه كان يصيد الغزلان والأرانب لسرعته بيده، فما كان يسبقه أحد، بل كان يسبق الخيل، تنطلق الفرس ثم ينطلق سلمة بن الأكوع فيسبقها بنفسه رضي الله عنه وأرضاه.

وفي السيرة أن أعرابياً جاء يسابق فقال: من يسابق؟ فقال سلمة: فاستحييت لعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال الأعرابي: أقول من يسابق؟ قال: ائذن لي يا رسول الله أن أسابقه، فتسابقا وكان سلمة على الأرض والأعرابي على فرس، فمضى أمام الناس حتى ارتفع نقع الغبار بينهما، وحجز بين الرؤية وبين الناس فانكشف الغبار، وإذا بـسلمة قد سبق الأعرابي بزمنٍ طويل وبمسافة مديدة.

 سلمة يأسر خمسة من المشركين

يقول سلمة: جلست يوم الحديبية وقد توزعنا تحت شجر، قال: فلما توزعنا نمت تحت شجرة، وإذا بخمسة من الكفار جلسوا بجانبي ووقعوا في عرض الرسول صلى الله عليه وسلم في الشتيمة، يشتمونه وكان معهم سلاح، قال: فتركتهم حتى ناموا وقد علقوا سلاحهم في الشجرة وما يعرفون من أنا. قال: فلما علقوا سلاحهم قمت عليهم وجمعت سيوفهم بيدي اليسرى ثم سللت سيفي باليد اليمنى، قال: ثم أوقفتهم واحداً واحداً وليس عندهم سلاح، قلت: والذي شرف محمداً صلى الله عليه وسلم بالرسالة إما أن تذهبوا معي الآن إليه وإما أن أضرب الذي فيه عيونكم -يعني: رءوسهم- فقاموا معه قال: فأخذت أسوقهم قبلي كما تُساق الماعز، حتى وقفت أمام الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أضرب أعناق هؤلاء؛ فإنهم شتموك، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: اجلسوا، من أين أتيتم؟ قالوا: نحن ثمامنون رجلاً أتينا ونزلنا من جبل نريد اغتيالك.

فأخبروه قبل أن يستخبرهم وهو صلى الله عليه وسلم لم يدر أنهم ثمانون، ولم يعلم صلى الله عليه وسلم بهذا، فطوق صلى الله عليه وسلم المكان، وأنزل الثمانين وأخذ سلاحهم، قال سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الفتح:24] فلما نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم عفا عنهم، فسلم الله رسوله والمؤمنين من محاولاتهم وسلمهم من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

 سلمة بن الأكوع يبايع النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات

قال سلمة بن الأكوع: فقام صلى الله عليه وسلم يبايعنا.. لماذا؟ لأنه أرسل عثمان إلى مكة ليشهد الخبر، فأتاه أهل مكة وبيتوا عثمان بـمكة، فحبسوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أتت الشائعات أن عثمان قد قتل، فقال صلى الله عليه وسلم: بايعوني، قيل في رواية: على الموت، فقام سلمة: قال: فكنت آخذ أغصان الشجرة من على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: بايع يا سلمة! فبايعته، فلما انتصف الناس قال: بايع يا سلمة! فبايعته، فلما أتى في آخر الناس قال: بايع يا سلمة! قلت: قد بايعت يا رسول الله! قال: وأيضاً وأيضاً، فبايعته صلى الله عليه وسلم فأنزل الله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح:18].

وهو من الذين رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو من السباقين إلى كل مكرمة، سبق إلى المسجد بقلبه، وسبق إلى التقوى بروحه، وسبق الناس في ميدان المصارعة برجليه رضي الله عنه وأرضاه.

 موقف بين الحجاج وسلمة

دخل العراق واعتزل في الصحراء ودخل يوم الجمعة والحجاج يخطب على المنبر فقطع الحجاج خطبته غضبان وقال: أتعربت بعد الهجرة؟ قال سلمة: لقد أذن لي صلى الله عليه وسلم، في البادية، وقد كان الحجاج يؤذي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والرجل له حسنات مغمورةٌ في بحر سيئاته، نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الإيمان، ولكن علمه عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.

هذا سلمة بن الأكوع صحابي محمد عليه الصلاة والسلام الذي علمه على علمٍ وبصر.

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وأن يفقهنا في الدين، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، وأن يتولانا في الدارين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

نسخة نصية للطباعة , كيف فرضت الصلاة؟ للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2698090149
عدد مرات الحفظ
682399312

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009