إسلام ويب

رسالةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه الرسالة تحتوي على عدة قضايا، يحتاج إليها الفرد والمجتمع، وهي سبب السعادة في الدنيا والآخرة، وهي: الصلاة والمحافظة عليها، وبر الوالدين والتحذير من عقوقهما، والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى من الذنوب والمعاصي، وتربية الأبناء والمحافظة على حقوقهم والقيام بها كما في الشريعة الإسلامية، وسل السخيمة من القلوب، وحب المسلمين والتودد إليهم والتآلف معهم، إلى غيرها من الرسائل والمسائل.

    1.   

    قضايا في الحياة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

    اللهم صلّ وسلم على من أرسلته هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الإخوة الأبرار الأخيار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد:

    فإن أعظم ما أوصي به نفسي وإياكم هذه الليلة تقوى الله عز وجل؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين، كما قال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] ونتكلم فيما يأتي عن بعض القضايا في الحياة والمجتمع.

    السعادة الحقيقة وأسبابها

    أيها المسلمون! يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103].

    من هم الذين سبقت لهم من الله عز وجل الحسنى؟

    هم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، هم الذين أخلصهم الله بخالصة ذكرى الدار، هم الذين كتب الله لهم السعادة في الدنيا والآخرة - نسأل الله أن نكون منهم- لأن المرء إما سعيد رضي الله عنه، وإما شقي غضب الله عليه.

    الناس إما رجل جعله الله من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة، من يوم أن وقع رأسه في الأرض

    ولدتك أمك يا بن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    وهذه الحياة ليست للأكل ولا للشرب، ولا للرفث، ولا للهو، والله الذي لا إله إلا هو لقد وجد أناس يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون ويزكون ويذكرون الله، ولا يعرفون معنى الحياة، يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58] ويقول سبحانه: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    ولقد وجد بين أطراف المسلمين من يعتني بدنياه، وبملبسه ومطعمه وسيارته، وبوظيفته أكثر من الإسلام.

    بل وجد هنا من يعرف كل شيء في الدنيا، فإذا سألته عن صلاته وحجه وعمرته لا يعرف شيئاً! فلماذا خلقه الله؟

    ولماذا أوجده الله إذا لم يعرف هذا الشيء؟!

    فالذين سبقت لهم من الله الحسنى هم الذين سعدوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    وأسباب السعادة:

    أن تعتقد أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله، وأكبر كلمة أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي (لا إله إلا الله) بها قامت السماوات والأرض، وصلح عليها أمر الدنيا والآخرة، وبها رضي الله عن المؤمنين، وعلى لا إله إلا الله دمَّرت الدنيا خمس مرات، وبلا إله إلا الله أنزل الله الكتب، وأرسل الله الرسل، وأقام الله سوق الجنة والنار، وعليها مدَّ الصراط، وبنى الحوض.

    فيا أيها المسلم! يا من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً عليه أفضل الصلاة والسلام أسألك أن تحيا بلا إله إلا الله، وتموت على لا إله إلا الله؛ علَّ الله أن يبعثك على لا إله إلا الله.

    الصلاة وأهميتها

    كثير من الناس يعتقد أن صلاته ليست بذاك الأمر الكبير العظيم في حياته، يصلي في المزرعة، ويصلي في الطريق، ويصلي في البيت، وليس عليه ألا يدرك الصلاة في أي جماعة، ولا في أي مسجد!

    الصلاة -يا عباد الله- أول ما يسأل عنها العبد، الصلاة يا عباد الله! يترك الإنسان في القبر (الحفرة الضيقة) يأتيه الملكان فيسألانه عن الصلاة.

    الصلاة -يا عباد الله- عليها قامت شعائر الإسلام.

    الصلاة -يا عباد الله- الركن الأهم الذي إذا حافظ عليه تمم الله للعبد أموره، وإذا نقص خذل الله العبد، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيَّعها وأخل بها ضيَّع دينه.

    تارك الصلاة لا يؤاكل، ولا يشارب، ولا يرافق، ولا يصاحب، ولا يؤتمن، ولا يصدق، ولا تقبل شهادته.

    تارك الصلاة حلال الدم والعرض والمال.

    تارك الصلاة مغضوب عليه في السماء والأرض.

    تارك الصلاة تشتكي منه العجماوات: الحوت والأسماك، الطيور والزواحف، كلها تشكو وتجأر إلى الله من تارك الصلاة، تقول: مَنعنا الرزق بسببك، مُنعنا الرحمة بذنبك، منعنا القطر من السماء بجريمتك.

    تارك الصلاة حبله مقطوع من ذمة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي: {أبي تغترون، أم علي تجترئون، فبي حلفت لأنزلن فتنة تجعل الحليم حيراناً} وورد عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه قال: {والله لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لخسفت بكم الأرض خسفاً}.

    تجد المسلم صحيحاً معافى قوياً شاباً غنياً يسمع: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) ثم لا يأتي إلى المسجد، حينها يعلن عليه حاله أنه منافق معلوم النفاق.

    ومن النفاق العملي: أن تسمع الأذان، ثم لا تأتي المسجد، ولذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: [[كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وما يتخلف عن الصلاة إلا رجل معلوم النفاق]] فهذه من المسائل الكبرى يا عباد الله.

    ومن أعظم ما تخاذل فيه المسلمون هذه الأيام، وهذه السنوات صلاة الفجر:

    الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه أهلكه}.

    بر الوالدين

    جعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حق الوالدين الأب والأم مع حقه لعظم حقهما في الإسلام يقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24].

    ويقول عليه الصلاة والسلام:{كان في من كان قبلكم ثلاثة نفر ذهبوا في الصحراء، فدخلوا في مغارة، فلما دخلوا انطبقت عليه صخرة} فأصبحوا في مقام موحش مقفر، لا أنيس فيه ولا قريب، ولا سامع إلا الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض {فقال بعضهم لبعض: لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم} بعد أن دخلوا في الغار وانطبقت عليهم الصخرة، وأظلم عليهم الليل، وابتعدوا من الأهل والجيرة، والأصحاب والقرابة، فأتى أولهم يدعو بصالح عمله والله - عز وجل - لا يحفظ العبد المسلم إلا بصالح عمله، نقول: ما لأبنائنا يفسدون؟! ومالهم يضيعون؟ وما لأجسامنا لا تصح؟ وما لدورنا لا تعمر؟! ونحن الذين نخرب دورنا بأنفسنا وبأيدينا.

    هل من المعقول أن أبناءنا ينامون ويصحون على الأغاني الماجنات؟! ملأنا آذانهم بالأغاني الماجنات -إلا من رحم الله- ثم نقول: فسد أبناؤنا!

    يقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].

    ففي أمور الدنيا نحزم على أبنائنا فيها، ونشد عليهم، ونحاسبهم حساباً عظيماً شديداً، لكن أمور الدين نقول: الله الهادي، ويذهب أحدنا إلى المسجد ويقول لأبنائه- بصوت ضعيف- مع صلاة الفجر: صلوا هداكم الله، فإذا أتى وهم نائمون قال: اللهم إني أديت ما عليَّ، ووالله ما أدى ما عليه، ولو أداه لأيقظهم بالقوة.

    رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17] كما لا نرضى أن يضيعوا أموالنا في أمور الدنيا، فلماذا نرضى في حق الله عز وجل؟

    فنحن السبب، فلذلك من لا يصلح نفسه ويصلح بيته، لن يهديه الله سواء السبيل يقول الله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].

    دخل الثلاثة الغار، قال أولهم: {اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق عليهما أهلاً ولا مالاً - أي: لا أقدم عليهما من أبنائي أحداً في العشاء، ولا في الشرب، ولا في الخدمة- وإنه قد نأى بي طلب الشجر يوماً من الأيام، فلم آتيهما إلا بعد أن ناما فحلبت في الإناء، ثم أتيت به لأقدمه لهما، فبقيت عندهما لم أو قظهما حتى طلع الفجر وأبنائي يتضاغون عند رجلي يريدون اللبن، فلم أسقِ أبنائي، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج}.

    وأتى الثاني فقال: {اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم} هؤلاء هم الذين حفظوا الله في الغيب، بعض الناس ناسك زاهد عابد أمام الناس، لكنه إذا خلا بمحارم الله انتهكها.

    وفي سنن ابن ماجة يقول صلى الله عليه وسلم: {ليأتين أقوام من أمتي يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً، قالوا: يا رسول الله أليسوا مسلمين؟ قال: بلى، يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ولهم صلاة بالليل، لكن كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها} فهذا الثاني يقول: {اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إلي، فراودتها عن نفسها فأبت حتى أتتها سنة قحط وفقر ومسكنة، ثم أتيت بمائة وعشرين ديناراً فطاوعتني، فلما جلست عندها قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانكففت عنها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً غير أنهم لا يستطيعون الخروج}.

    وأتى الثالث وقال: {اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجراء أعطيت كل واحد منهم أجره إلا واحداً ذهب مغاضباً فلم يأخذ أجره، فنميت أجره وثمرته حتى عاد فأصبح عنده من الرقيق، والإبل، والغنم، والبقر الشيء الكثير فلما أتى قال: أعطني حقي قلت: هذا حقك. قال: اتق الله ولا تستهزئ بي، قلت: هذا حقك، قال: فأخذه ولم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون}.

    وهذا يدل على فضل بر الوالدين، ويوم يسعد الوالدان بولدهما حينها يرضى الله من فوق سبع سماوات، فوالله لا يدخل الجنة قاطع رحم.

    {لما خلق الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الرحم تعلقت بالعرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة يا رب! قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى. قال: فذلك لك، فأنزلها الله في الأرض، فمن وصلها وصله، ومن قطعها، قطعه}.

    التوبة.. وفضلها

    إذا أذنبت وأخطأت وأجرمت، وأسرفت على نفسك، ثم تفكرت في لقاء الله، وفي القبر المظلم، والعرض الأكبر على الله عز وجل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعة     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    المقصود: أن الذنوب والخطايا لا يسلم منها أحد، ولا يغفر الذنوب إلا الله ولا يستر العيوب إلا هو، ولا يسامح عن الزلل إلا الله، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] فإذا أذنبنا فررنا إلى الله، قال الله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50] فما منا إلا مذنب، وما منا إلا عاصي، وما منا إلا مسرف على نفسه.

    ويا أيها الإخوة الكرام! واجبنا تجاه الذنوب والخطايا أن نتوب إلى علام الغيوب، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نتزين للعرض الأكبر على الله عز وجل قبل أن نعرض عليه فلا تخفى عليه منا خافية، ولذلك طالبنا صلى الله عليه وسلم بالتوبة.

    يروى عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي أنه قال: {يا بن آدم إنك ما دعوتي ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لغفرتها لك، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة}.

    فما هو الواجب تجاه ذنوبنا وخطايانا؟ الواجب أن نستغفر الله وأن نتوب إليه، وقدوتنا عليه الصلاة والسلام يقول: {يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} وفي لفظ: {مائة مرة}.

    فيا إخوتي في الله! كثرة ذنوبنا وخطايانا، وما جف القطر، وفسدت كثير من البيوت، وقست القلوب، وتشتت الأسر، وتفرقت الجماعات والقبائل، إلا بسبب الذنوب والخطايا.

    الجار لا يسالم جاره، تحدث حرب شعواء بين الجيران وصلت إلى المحاكم، ووصلت إلى القاصي والداني بسبب عدم رقابتنا لله عز وجل، وبسبب قسوة قلوبنا، والجار في الإسلام حقه عظيم، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يوصي به.

    يقول أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه: {خرجت مع أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا به قائم، وإذا رجلٌ مقبلٌ عليه، فظننت أن له حاجة، فجلست، فوالله لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي له من طول القيام، ثم قمت إليه، فقلت: يا رسول الله! لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال: جبريل، مازال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، أما إنك لو سلمت عليه لردَّ عليك السلام} رواه أحمد بإسناد جيد.

    وأتى جار فقال: {يا رسول الله! أشكو إليك جاري. قال: ماذا فعل؟ قال: آذاني، وسبني، وشتمني، وما حفظني، ولا رعاني، إن غبت خفت على أهلي منه، قال: اصبر له واحتسب} فذهب فصبر، ولكن ذاك الجار ما اتقى الله، وما خشي من الله، فاشتكى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، قال: {خذ متاعك وقف في الطريق، فأخذ متاعه، ومر الناس عليه مصبحين وممسين فقالوا: مالك؟ قال: أخرجني جاري إلى هذا الطريق، قالوا: عليه لعنة الله.

    فيصبح الرجل، فيقول: مالك؟ قال: أخرجني جاري، قال: عليه لعنة الله، ويمسي الممسي فيقول: مالك؟ قال: أخرجني جاري، قال: عليه لعنة الله، فعاد هذا الجار بعد أن قال له جاره: عد، والله لا أوذيك بعدها أبداً}.

    ولذلك أكثر ما هضمت حقوق الجيران؛ لما قست القلوب، ونسيت حقوق المسلم على لمسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام علمنا حقوق المسلم؛ نظر إلى الكعبة عليه الصلاة والسلام وقال: {ما أجلك وما أعظمك وما أشد حرمتك عند الله عز وجل! والذي نفسي بيده للمؤمن أشد حرمة منك} المؤمن أشد حرمة من الكعبة عند الله - عز وجل - وأقدس، ويقول عليه الصلاة والسلام: {والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا:من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه} هذه قضية الجيران، وحقوق المسلمين تتداخل بعضها في بعض.

    1.   

    حق الولد على والده

    ومن القضايا الكبرى التي عشناها، ورأيناها: إهمال تربية الأبناء، وكما أسلفنا ذكر قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] تربية الأبناء أهملت إلا في بيوت من رحم الله، وكثير من الآباء يقف حجر عثرة في وجه أبنائه لئلا يهتدوا أو يستقيموا، لا يريد أن يكونوا -على زعمه- مطاوعة متزمتين متطرفين؛ يريد إسلاماً أمريكياً؛ لأن هذا الإسلام يلزمك أن تصلي وفي المثل:" مع الخيل يا شقراء" فلسان حاله: لا نريد إسلاماً متعمقاً يأتي بهذه السنن، نريد إسلاماً نعيش به كالناس، فليعلم هؤلاء أن الله عز وجل لا يرتضي إلا إسلاماً صافياً على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    أتى اليهود يتعاطفون عند الرسول عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله! إنا نحب الله لكن ما نتبعك، فكذب الله مقالتهم، وقال لهم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    وسبب فساد الأبناء: التربية في البيوت، ولذلك وجد في بيوت المسلمين من داخلتهم الأفلام الخليعة، والأغاني الماجنة، والمجلات السافلة الرخيصة؛ حتى ربت أذهانهم على بغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتنكر للمساجد.

    يأتي بالابن إلى المسجد، فلا يريد الانقياد للمسجد، يسمع داعي الله فلا يأتي، يسمع الدروس والندوات والمحاضرات والمراكز والمخيمات فلا يشارك؛ لأنه رُبي على أن هذا الشيء ليس جيداً ولا محموداً ولا طيباً، وأن فيه تزمتاً وتطرفاً.

    وكلمة (التَّزمت) ونحوها أتت إلينا بها الصهيونية العالمية. ووزعتها على إعلام العرب، وعلى إعلام العالم، تناقلوها وأصبحوا يسمون الدعاة وطلبة الاستقامة، والشباب الذين يريدون الله والدار الآخرة، والمتمسكين بالسنة (متزمتين ومطاوعة) ليصنعوا فصاماً بين الناس، بين المسلمين وبين أبنائهم، وهذا فيه خطورة عظيمة.

    حقوق الولد على والده من الجماع إلى التسمية

    وأول الواجبات على الوالد لولده قد جعلها الإسلام منذ أن يلتقي الرجل بالمرأة، يقول عليه الصلاة والسلام:{من أتى أهله فليقل: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قضى الله بينهما ولداً لم يضره الشيطان أبداً}.

    نحن في الإسلام تعلمنا ذكر الله بالدعاء، فلدخول المسجد والخروج منه دعاء، وللقيام وللجلوس دعاء، ولأكل الطعام وللقيام منه دعاء، ولدخول الخلاء وللخروج منه دعاء، وللصباح دعاء وللمساء دعاء، كل شيء بذكر، أمة مسيرة من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ويوم يضع الطفل رأسه في الأرض من بطن أمه أمر في الإسلام أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى؛ لينشأ على لا إله إلا الله؛ ليحب داعي الله، لتغرس في قلبه كلمة لا إله إلا الله، ليكون من أولياء الله.

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25].

    يؤذن في إذنه أول مرة حتى يسمع داعي الله، ولا ينشأ كأبناء الخواجة لا يعرفون مبدأً ولا ديناً, ولا منهجاً.

    ويوم يشبُّ، أو يترعرع قليلاً في سبعة أيام، أو أكثر أمرنا بالعقيقة، ليدرأ الله عنه السوء، وهي تفضل لله وشكر له على نعمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، عن الذكر شاتان وعن البنت شاة واحدة.

    يقول عليه الصلاة والسلام:{كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابع، ويسمى}.

    وأمر الأب أن يحسن اسم ابنه، فيسميه اسماً جميلاً، لأننا ندعى يوم القيامة بأسمائنا وأسماء آبائنا، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذلك اليوم، نسأل الله أن يصرف عنا وعنكم بأس ذلك اليوم، وضره وأخذه.

    إن الفشل والانهزام والعار والدمار والشنار يوم ننهزم ذاك اليوم أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52] وذاك يوم العرض الأكبر على الله، يوم الفضائح، فهذا آخذٌ كتابه بيمينه، وذاك آخذٌ كتابه بيساره، وباك نادم، وضاحك مسرور، يوم ينادى كل امرئ باسمه واسم أبيه:

    إن الله يدعوك لتذهب إلى الصراط لتجتازه، إن الله يدعوك إلى المحاسبة، إلى الميزان، تعال خذ كتابك واشهد حسابك.

    وخير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وما عُبد لله عز وجل ولو أن حديث:{خير الأسماء ما حمد وعبد} لا يصح لكن يصح: {خير الأسماء عبد الله، وعبد الرحمن} عبد السلام، عبد الفتاح، عبد الوهاب، لينشأ الابن وهو يستشعر العبودية لله عز وجل، وكذلك محمد وأحمد وهذه الأسماء الطيبة، أما الأسماء التي لا معاني لها صنهاج، عبيدان، أفكال، شراد، أو أسماء الخواجات، واحد سمى ابنه سيسو، والنو، وفيشار، وجورج... هذه وجدت، وأنا سمعت بعض الخطباء والمفكرين نقلوا بعض المنشورات من أسماء بعض البقع الإسلامية وجد فيها ذلك، وهذا أثر الاستعمار والجهل، فينشأ معجباً بهذه الأسماء -نسأل الله العافية والسلامة- ولا يفعل ذلك إلا من في قلبه نفاق عملي، أما الذي يريد الله والدار الآخرة فلا يفعل ذلك.

    تربية الولد وتأديبه

    تؤدبه على تقوى الله، أول ما يفتق لسانه تقول: قل لا إله إلا الله، الله أكبر، سبحان الله، لا يفتق لسانه على الأغاني الماجنة، واللعن والإعراض عن منهج الله، والسب والبذاءة، ولذلك تعرف البيت من ابنه، إذا كان في الشارع فهو صورة للبيت، لا يمر به أحد من الناس -إن كان سيئاً- إلا قال له: لعنك الله، ليس عنده إلا سب وتبجح، وهذا من سوء التربية في البيت، وأنا أظن أن بيوتكم ليس فيها شيء من هذا، وأنها بيوت إسلامية إن شاء الله.

    تعليم الأولاد الصلاة

    ومن حقوق الابن: أنه إذا بلغ السابعة من عمره أن تأمره بالصلاة، وأن تعرفه طريق المسجد، وأن تقوده معك إلى بيت الله عز وجل ليرى المصلين، من عباد الله وأوليائه، ليسمع القرآن حين يقرأ في بيوت الله عز وجل، فينشأ على طاعة الله عز وجل.

    {مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع} ففي السبع تبدأ له بالأمر بالتي هي أحسن: يا بني صل هداك الله، أتريد أن تصلي معي؟ لكن إذا بلغ العشر وتخلف فالعصا لمن عصا، يقرع بالعصا مع كل فريضة، لأنه لو أخذ شيئاً من أموالنا أو سبنا، أو شتمنا لاستعملنا العصا وأمر الله أقدم، وأعظم، وأكبر.

    التفريق بين الأولاد في المضاجع

    ويفرق بينه وبين إخوانه من الذكور والإناث؛ الذكور لا ينامون في فراش واحد بعد العاشرة مع الذكور، والذكور لا ينامون مع أخواتهم من الإناث بعد العاشرة، والإناث لا تنام مع الإناث؛ لأن مضرة نوم الذكر مع الأنثى ولو كانت أخته في الليل واردة ومعلومة أعوذ بالله منها، والذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى كذلك يفرق بينهم في المضاجع، ولا بأس أن يناموا في غرفة، أو في حجرة واحدة بشرط أن يكون بين الفراشين مسافة، وهذا تعليم محمد عليه الصلاة والسلام.

    نشأة الولد على العبادة لله لا للدرهم والدينار

    ثم حين ينشأ تعلمه أن هدفه عبادة الله عز وجل، لا تجعله عبداً للدرهم والدينار كما ينشأ أبناء الأمريكان الرأسماليين، فتعلقه بالمال صباحاً ومساء، تعلمه كيف يجمع الريال، وكيف يقتصد في صرفه، وكيف يتوظف وكيف يبني، فينشأ رأسمالياً كأنه من اليهود، واليهود يعبدون الدرهم والدينار من دون الله، كلامهم وفعالهم وحياتهم ومماتهم الدينار.

    ولذلك ينشأ بعض الشباب لا يجيد الفقه في الدين؛ لا الصلاة ولا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا التعاليم ولا اليوم الآخر، إنما ينشأ على حب الدرهم والدينار، وهذا يوجد في كثير من الأفلام التي أنتجتها الصهيونية العالمية للناس، حتى أفلام الكرتون تعلم الناس حب الدرهم والدينار تجد بيده فلساً، أو أفرنكاً، أو دولاراً، وهو يطارد أحد الناس ويمسكه بيده ويحاسبه ويضرب على الماسة أنه قد حصل على دولار، فينشأ الأطفال يحبون هذا المال، نحن لا نقول حب المال حرام، لكن نخشى أن يبلغ به حبه إلى أن يعبده من دون الله!

    قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23].

    الرسول عليه الصلاة والسلام علمنا ألا نعبد الدرهم ولا الدينار، يقول: {تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش}.

    وابن الجوزي يقول: بعض الناس ربوا أطفالهم على حب المال حتى نشأ من الناس من استولى المال على كيانه.

    تصدقون أن أحد الأغنياء من البخلاء الذين بلغ بخلهم الحد الخطير في التاريخ ماذا فعل بماله؟ يقول ابن الجوزي لما حضرته الوفاة جمع ذهبه وجعله في جنيهات، ثم جعله في طوبة -بلكة من طين- ثم ردم ما عليه وجعله عند رأسه، فلما أتته سكرات الموت قال: ادفنوا هذه الطوبة معي، قالوا: لماذا؟، قال: أريدها أتبرك بها، فأرادوا دفنها معه، ولما أتوا يغسلونه أتى الماء على الطين فظهر الذهب، انظر يدخل بالذهب إلى القبر!

    وقال: بلغ ببعض الناس يوم رُبيّ على عبادة الدرهم والدينار أنه لما حضرته سكرات الموت أخذ يبتلع الجنيهات في فمه ويدخلها بطنه لتموت وتدخل معه في القبر، وهذه هي من خطورة تربية الأبناء على حب المال، وعلى عبادة المال من دون الله عز وجل.

    ومما يؤمر به العبد المسلم في تربية أبنائه: أن يعظم في البيت اسم الله واسم الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يذكر إلا في المواطن الرفيعة، يرى المصحف ويقربه من ابنه يقول: قبل هذا، ويضعه على رأسه، ويضع المصحف ويقول: هذا كلام الله، هذا أنزله الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ذكر الرسول قال: صلى الله عليه وسلم علمنا الهداية ونشر لنا الخير، وقادنا إلى سبل السلام.

    هذه التربية لا بد منها للأبناء.

    الوالد قدوة صالحة لولده

    ومما يجب للأبناء: أن تربيهم تربية عملية، نحن أصبحنا أمة كلام، نتكلم على المنابر ونخالف - نسأل الله العافية- لكن التربية الحقة، أن إذا أتيت أمام ابنك لتأكل قلت: بسم الله، يراك تسمي فيسمي، وتحمد الله، فيحمده. تقول: يا بني لا تكذب، فلا تكذب أنت، لأنك قدوة له حتى لو استطاع أن يقلد رموش عينك وومضات لسانك لفعل، وهذه مرحلة التقليد التي لا تفوت، وهي تربية الأطفال وتعليمهم كتاب الله عز وجل.

    ثم مما يجب على المسلم تجاه ابنه: أن يربيه على أشرف الخصال، فيجنبه اللعن، فلا يلعن أبداً -وليس المؤمن باللعان ولا الطعان- وإذا رأيت الابن يلعن فاعلم أن في قلبه شكاً وشبهة، وأنه ما تربى تربية إسلامية، وتحرف عنه السب والشتم، وهذا أحسن ما كتب فيه تحفة المودود في أحكام المولود لـابن القيم رحمه الله رحمةً واسعةً.

    1.   

    نزع الغل من الصدور

    ومن القضايا المهمة في حياتنا -يا عباد الله- قضية: سل السخيمة من القلوب، الضغينة والحقد والحسد، وهذا الذي شتت القرى، وفرق القبائل، ودخل بين الأسر حتى عادى الابن أباه، والأخ أخاه، وتهاجر الجيران وتقاطعوا، والله أمرهم أن يصطلحوا وأن يترافقوا ويتراحموا، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

    تعالوا إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لنأخذ بعض النماذج منها، ومن سيرة أصحابه:

    الرسول عليه الصلاة والسلام علم الناس الألفة والمحبة، يأتيه ضيف في ليلة دامسة فيطرق بابه، فلا يجد عليه الصلاة والسلام ما يقدم له من خبز ولا تمر ولا فاكهة، فيقول: من يضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله الجنة.

    فيأخذه أحد الأنصار فيذهب به إلى بيته فيقول لامرأته: هل عندك شيء، قالت: لا والله، إلا شيء قليل من حب الشعير لا يكفينا.

    قال: اطحنيه...

    انظر إلى حياة المشقة آنذاك ثم ما أصبحنا فيه من نعم متكاثرة متواترة لا نحصي عدها، ولا نستطيع شكرها إلا أن يعيننا الله على ذلك، أصبحت الموائد تترك وترمى في القمامات للكلاب والقطط، أصبح الناس يصابون بالتخمة والأمراض الباطنية، وكثير من الأمراض الجسمية أصبحت لكثرة الأكل والشرب..!

    قال: فإذا قدمت العشاء أمام الضيف فتظاهري بإصلاح السراج، ثم أطفئيه ليأكل الضيف في الظلام ولا نأكل ويظن أننا أكلنا معه.

    فلما قدمت العشاء للضيف، قامت إلى السراج لتصلحه فأطفأته، فصاروا في الظلام، وأتى صاحب البيت يرفع ويظهر أنه يأكل، وهو لا يأكل شيئاً حتى أكل هذا الضيف وأمسى شبعان ريان.

    وفي الصباح استدعاهم صلى الله عليه وسلم وقال: لقد عجب الله من فوق سبع سماوات من صنيعكما البارحة بضيفكم، وكان جزاؤهم الجنة. قال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

    ورد أنه في القرون المفضلة قد: أصابهم قحط وجوع لا يعلمه إلا الله، فأهدي إلى رجل من الأنصار رأس كبش ليطبخه، فقال: أنأكله وجيراننا ليس عندهم شيء، فأرسله إلى الجيران، فأرسله الجيران إلى الجيران، والجيران إلى الجيران حتى عاد إلى الرجل الأول الذي أرسله، وما ذاك إلا لقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

    عمر رضي الله عنه وأرضاه في عام الرمادة، عام القحط والجوع والجدب قال: والله لا آكل سمناً حتى يكشف الله الضراء عن المسلمين، وكان بطنه يقرقر من كثرة الجوع فيقول: [[قرقري أو لا تقرقري، والله لا أشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] وهذا من الإيثار الذي افتقدناه في مجتمعاتنا.

    أحد علماء الإسلام وزهاده ابن المبارك كان له جار يهودي جاوره سنة، ثم أسلم بعد السنة، قالوا للجار: لماذا أسلمت؟ قال: وكيف لا أسلم وعبد الله بن المبارك ما شرى لحماً إلا بدأ بأهلي، وما كسا أبناءه إلا كسا أبنائي قبلهم، ولا اشترى فاكهة إلا أهدى لنا قبل بيته.

    عباد الله! هذه قضايا أحببت عرضها هذه الليلة، ولا أريد الإطالة فإن كثرة الكلام كما قال عمر رضي الله عنه: [[ينسي آخره أوله]] وهناك وقت للأسئلة وللحوار، وربما ترجون قضايا، وأسأل الذي جمعنا هذه الليلة على غير ميعاد إلا ميعاد الحب فيه سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يجمعنا في مستقر رحمته في روضة من رياض الجنة، نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يغدق على قلوبنا وقلوبكم برد اليقين، وأن يرينا سبل السلام، وأن يهدينا طريق الجنة.

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح بيوتنا وأبناءنا وزوجاتنا وإخواننا وجيراننا، اللهم أصلحنا ظاهراً وباطناً، اللهم تغمدنا برحمتك، اللهم وفقنا لكل خير واهدنا سبل السلام.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    وإن كان من شكر فإني أشكر الله- سُبحَانَهُ وَتَعَالى- شكراً جزيلاً، ثم أشكر من كان سبباً في هذه الجلسة الطيبة الخيرة، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

    وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    التخلف عن مجالس الذكر بحجة معرفة الدين

    السؤال: ما حكم عدم حضور مجالس الذكر، بحجة أنه يعرف الدين مع قصور علمه؟

    الجواب: الآن كثرت دعاوي الناس، إذا أتيت تعلمه الصلاة قال: الحمد والشكر لله علمنا الله عز وجل وانتشر العلم، ولا نحتاج إلى تعليم دائماً، لدينا القرآن والحديث والذكر، ويكفى ما عندنا من العمل.

    ولذلك تجد أجهل الناس بالله عز وجل أكثرهم دعاوى، وأقرب الناس من الله أخوفهم له، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فأقرب الناس من الله وأكثرهم فقهاً في الدين أكثرهم خشية لله -عز وجل- ووجد في علماء الإسلام من اتقوا الله عز وجل وكثرت فيه الخشية حتى كان سفيان الثوري كما ذكر عنه أهل العلم: يقوم من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1] ويبكي حتى الصباح.

    ابن وهب -عالم مصر - ألف كتاب اسمه كتاب أهوال القيامة فقالوا له: اقرأ علينا الكتاب، قال: والله ما أستطيع أن أقرأ الكتاب، لكن مروا ابني يقرأ الكتاب، فقام أحد أبنائه يقرأ الكتاب، فغشي على عبد الله بن وهب هذا حتى مات، يقول الذهبي في مجلده الثامن: مات في اليوم الرابع.

    علي بن الفضيل بن عياض أحد الصالحين الكبار، شاب في العشرين من عمره قام يصلي وراء أبيه، وكان أبوه إمام الحرم المكي، فقرأ أبوه سورة الصافات حتى بلغ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:24-26] فوقع مغشياً عليه وتوفي.

    ذكر ذلك ابن تيمية في الفتاوى وفي الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

    وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مرض من هذه الآية وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:24] شهراً كاملاً حتى عادوه.

    يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد: دخل أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه في مزرعة رجل من الأنصار فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة فبكى، قالوا: ما لك تبكي يا خليفة رسول الله؟! قال: [[طوبى لهذا الطائر يرد الماء ويرعى الشجر، ثم يموت لا حساب ولا عذاب وهو يبكي، يا ليتني كنت طائراً يا ليت أمي لم تلدني]].

    فلا إله إلا الله ماذا فعلنا نحن؟ وماذا قدمنا لمولانا؟ ويا كثرة معاصينا وخطايانا! لكن نحن برحمة أرحم الراحمين.

    فهؤلاء العلماء لما أحسوا بقربهم من الله عز وجل رزقهم الله الإنابة والخوف منه.

    عمر رضي الله عنه وأرضاه اتخذ الدمع في خديه خطين أسودين من كثرة ما يبكي، وهو خليفة المسلمين، كان لا يرى منظراً إلا بكى، وكان يقوم يوم الجمعة يتكلم على المنبر فيقطع صوته البكاء فيبكي معه المسجد.

    عمر بن عبد العزيز الشاب الزاهد قام يتكلم على المنبر فبكى، ثم قال: أتدرون مالي؟ قال: والله ما أعرف أحداً عنده من الذنوب والخطايا كالذي عندي، ثم قال: يا موت ماذا فعلت بالأحبة؟ ثم قال: أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: لا، قال: يقول ذرفت بالعينين، وفصلت الحدقتين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين.

    فبعض الناس يقول: أنا لا أحضر مجالس الذكر بحجة أن عنده علماً وأنه مستغنٍ عن هذا، وهذا من الجهل بالله.

    يقول الشافعي: من اعتقد أنه عالم فقد جُهل، وإذا رأيت الإنسان عنده دعاوى وغرور فاعلم أنه من أجهل الناس.

    سبحان الله! علماء الإسلام يبلغ أحدهم كالمحيط من كثرة العلم، ويذهب ثلاثة أيام في طلب الحديث.

    سافر جابر بن عبد الله مسيرة شهر يطلب حديثاً واحداً كما في صحيح البخاري:

    موسى عليه السلام وقف يخطب في بني إسرائيل قال له بنوا إسرائيل: أتعرف في الأرض أعلم منك، قال: ما أعرف أعلم مني - هذا الحديث في صحيح البخاري - وهو نبي ورسول ولا يعرف في الدنيا أعلم منه.

    لكن لامه الله عز وجل يوم ادعى العلم فأوحى الله إليه" يا موسى! عبدنا الخضر بمجمع البحرين أعلم منك"، قال: كيف ألقاه يا رب! قال:" خذ مكتلاً -زنبيلاً- واجعل فيه سمكاً وخذ غلامك وسافر، فإذا تحرك الحوت ونزل من المكتل فسوف تلقى الخضر، فأخذ المكتل وفيه السمك الميت وذهب مسافراً، ولما اقترب من الخضر أحيا الله الحوت بإذنه، وسبحان من يحيي العظام وهي رميم! سبحان من يوجد الحياة في الميت!

    فلما رأى الحوت أخذه عجباً وسرباً فرأى الخضر، فتابعه على ما هو موجود في القصة. ليطلب موسى عليه السلام العلم.

    وبالمناسبة هناك قصة عجيبة: مر أحد بني إسرائيل الصالحين بقرية فإذا هي ميتة، كان قد رآها قبل فترة وفيها الحدائق الغناء والطيور، والزهور، والأشجار والأنهار والناس، ثم مر عليها وقد مات كل من فيها، وتهدمت المنازل وأصبحت تطفى عرصتها، فقال: أنى يحيي الله هذه بعد موتها؟!

    سبحان الله! يقول: كيف يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله وأمات حماره - حماره كان عليه شيء من طعام وشراب- فلما أماته الله مكث ميتاً مائة سنة، فأحياه الله بعد مائة سنة، وقال له الله: كم لبثت؟ قال: يوماً أو بعض يوم.

    ويقول أهل العلم: لما مات مات في الصباح وبعد مائة سنة أحياه الله في العصر، فنظر إلى الشمس وقال: لقد تأخرت عن غرضي وسفري.

    فقال له الله عز وجل: أين حمارك؟ فالتفت فما رأى إلا العظام قد انهدت وترممت، والتفت فرأى المتاع الذي يوضع على الحمار فرأى فيها الطعام والشراب لم يتسنه فعجب، يعني ما تغير من الطعام والشراب شيء فعجب.

    وقال: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا [البقرة:259] فركب الله له عظام الحمار حتى استقامت، ثم المفاصل حتى أصبح متشابكاً، ثم الأعصاب، ثم أجرى الدم في الشرايين، ثم ركب اللحم، ثم الجلد، ثم هز الحمار رأسه وتحرك، فانذهل الرجل. قال: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259] أي: سوف نقص خبرك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.

    وإبراهيم عليه السلام أستاذ التوحيد ومعلمه، وأكبر عقدي في الدنيا عليه السلام، رأى حماراً ميتاً على شاطئ البحر، يأتي النسر يأكل منه والحدأة تأكل منه، والصقر يأكل منه، قال: يا سبحان الله! تذهب هذه الجثة في بطون الطيور، فيكف يبعثها الله يوم القيامة؟!

    قال إبراهيم: ربي أرني كيف تحيي الموتى.

    قال الله عز وجل: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] ليس الخبر كالمعاينة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة:260] فأخذ الأربعة الطيور فضمها، ثم مزقها بلحمها وريشها وعظامها ودمها، ثم خلطها، ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً [البقرة:260] فجعل كل قسم على جبل ثم نزل في الوادي، قال: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً [البقرة:260] فقال: أقبلي بإذن الله، فأحياها الله، وكانت رءوس الطيور بيده ولحومها وعظامها وجلدها وريشها على تلك الجبال فأقبل كل طائر يدخل في رأسه مركب، ثم أخذت تتحرك، قال تعالى: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260].

    المقصود:هؤلاء طلبوا العلم بالمشاهدة، وطلبوه بالنقلة، وما قالوا: تعلمنا واكتفينا والحمد لله، لأن بعض الناس تدعوه إلى محاضرة فيقول: الحمد لله؛ الناس تعلموا وما جهلنا، فنور على الدرب موجود، والمشايخ يتحدثون والحمد لله بيسر وسهولة، لكن علم الدنيا برع فيه أكثرنا، يسوق السيارة بجدارة وربما يهندسها، وإذا بنشرت أصلحها، ولا يرضى بكل شيء إلا أن يكون على أحسن ما يرام، لكن أمور الدين خلاف ذلك.

    حكم الخلوة بالأجنبية

    السؤال: ما حكم الخلوة بالأجنبية؟ وما هي سبل الشيطان التي تؤدي إلى الفاحشة؟

    الجواب: الخلوة بالأجنبية لا تجوز إلا لحاجة ماسة، وفي هذه الحالة أظن ما هي إلا حالة واحدة حالة المرأة إذا أصبحت في مرض صعب وخطير، وأتاه الطبيب فذاك الوقت يحق للطبيب للمصلحة وهي في هذه الحال أن يخلو بها دون حضور محرم والأولى حضور المحرم، لكن إذا رأى الطبيب المسلم أنه لا يحتاج حضور المحرم فله ذلك، أما الخلوة بالأجنبية فلا تجوز، يقول عليه الصلاة والسلام:{ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، ولا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة -وفي رواية ثلاثة أيام- إلا بمحرم}.

    وأما سبل الشيطان للفاحشة فمنها: الغناء الماجن، وهو أخطر ما يحدث الفاحشة في القلوب، وما وقع الشباب المسلم في الفاحشة إلا بسبب استماع الغناء.

    يقول ابن القيم: الغناء بريد الزنا، يحبب إلى الشاب العشق والوله والغزل والهيام، ويخرج حب الله وحب رسول صلى الله عليه وسلم وحب الآخرة من قلبه، ثم يقع في الفاحشة. ومن مصائب الغناء أمور منها:

    أن من استمع الغناء في الدنيا حرمه الله سماع غناء الجنة الذي تنشده الحور العين كما يقول ابن القيم، لأن الله - عز وجل - يجعل الحور العين يوم القيامة في الجنة ينشدن كما في مسند أحمد يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا، نسأل الله ألا يحرمنا منهن، وأن يجعلنا من سكان الجنة.

    قال ابن القيم:

    قال ابن عباس ويرسل ربنا      ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ     إنسان كالنغمات بالأوزان

    يا خيبة الآذان لا تتعوضي      بلذاذة الأوتار والعيدان

    ومما يعين على ارتكاب الفاحشة: رؤية الأفلام الخليعة الماجنة، رؤية الذين لا يخافون الله ولا يرجون لقاءه، ومما يعين على الفاحشة ونعوذ بالله من ذلك: استصحاب المجلة الخليعة، وقلة الذكر، وقلة مراقبة الله تبارك وتعالى.

    السبيل إلى النجاة من عذاب القبر

    السؤال: عذاب القبر شيء عظيم، فما السبيل إلى النجاة منه؟

    الجواب: السبيل إلى النجاة من عذاب القبر:

    إصلاح الصلاة ظاهراً وباطناً، فهي المنجية والكفيلة بإذن الله بالنجاة في الدنيا والآخرة.

    ومنها: أن تجعل زاداً للقبر، فلا ينفع في القبر إلا العمل الصالح من صدقة وصيام وحج وعمرة وذكر.

    والقبر فاذكره وما وراءه     فمنه ما لأحد براءه

    وإنه للفيصل الذي به     ينكشف الحال فلا يشتبه

    والقبر روضة من الجنان     أو حفرة من حفر النيران

    إن يك خيراً فالذي من بعده     أفضل عند ربنا لعبده

    وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ      ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ

    هذا أمر لا بد أن يعلم.

    لعن المسلم والعقوبة المترتبة على ذلك

    السؤال: ما حكم من لعن والد أخيه المسلم، وما الحكم عليه , وما ينطبق عليه من عقوبات من الله تعالى؟

    الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لا يسب أحدكم والديه،قالوا: كيف يسب الرجل والديه يا رسول الله؟! قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه} واللعن حرام {ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء.. {h=7001049>واللعانون لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة} واللاعن مطرود من رحمة الله، وقد تقع لعنته على نفسه، وهذا جزاء من الله، أما إن استحقها الملعون فبها وتقع عليه، وإن لم يستحقها ارتفعت إلى السماء فأوصدت أمامها أبواب السماء، ثم عادت كالثوب الخلق، الثوب الأسود المنتن فلفت، ثم ضرب بها وجه صاحبها حتى يلقى الله فلا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب عظيم، فاللعنة من الكبائر نعوذ بالله من ذلك، ولا يلعن إلا من قل إيمانه ويقينه.

    والرسول صلى الله عليه وسلم سمع امرأة تلعن ناقتها، قال: {اتركيها، لا تصحبنا دابة ملعونة} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فنسأل الله العافية، هذا عليه أن يتوب ويستغفر ويراجع حسابه مع الله، وإن لعن مسلماً فعليه أن يذهب إلى ذاك المسلم ويطلب منه العفو والصفح، قبل أن يؤخذ منه يوم لا يكون درهم ولا دينار.

    حكم الحجاب الإسلامي

    السؤال: ما هو حكم الإسلام في الحجاب الإسلامي؟

    الجواب: الحجاب الإسلامي واجب من الواجبات التي أمر الله بها النساء المسلمات وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، والحجاب في الإسلام: هو أن تغطي المرأة كل شيء فيها إلا ما ظهر منها -كالثياب- فتغطي وجهها وكفيها إلا في الصلاة إذا لم يكن أجانب وتكون في مكان خارج بيتها تكشف عن وجهها وكفيها، أما إذا كانت في مثل الحرم، أو في مجمع عام فلها أن تغطي حتى وجهها وكفيها ولو كانت في الصلاة، كالحج مثلاً والعمرة والطواف والسعي، وإذا رأت الأجانب عليها أن تسدل جلبابها وحجابها على وجهها، ويوم ترخَّص الناس في الحجاب عمت الفاحشة، وذهب الأدب، وذهبت الحكمة.

    وبعض الناس يعارض بعاداته الحجاب الإسلامي، ويقولون: نساؤنا نشأن على حب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وحب رسوله، وليس في قلوبنا سواد ولا خبث والحمد لله، وقلوبنا وقلوب نسائنا طاهرة.

    فنقول: هل قلوب نسائكم أطهر من قلوب نساء المصطفى صلى الله عليه وسلم؟

    لا، والله, ولكنها - كما يقول ابن القيم - معارضة الشرائع بالعادات قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] وحين يفعل الإنسان ذلك يرميه الله بالنفاق.

    ظاهرة الغيبة والنميمة

    السؤال: ما حكم الغيبة والنميمة، علماً بأننا نعاني منها في مجتمعاتنا بعد الالتزام بالحجاب فما نصيحتكم نحو الغيبة والنميمة؟

    الجواب: أنصح نفسي وإياكم بالتوبة من الغيبة والنميمة، والعلم بأنهما من الكبائر، فالغيبة: هتك لأعراض المسلمين بلا داعي، فإن كانت فيهم فقد اغتبناهم وإن لم تكن فيهم فقد بهتناهم، والرسول صلى الله عليه وسلم كان معه رجلان في سفر فقال: {انزلا إلى جيفة هذا الحمار فكلا منها، قالا: غفر الله لك يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده ما أكلتما من لحم أخيكما المسلم شرٌ مما تأكلان من هذه الجيفة} نعوذ بالله من ذلك.

    والنميمة: وشاية بين الناس ولا يفعلها إلا من قل إيمانه ويقينه، وذهبت مروءته وشهامته.

    حكم الصيام تطوعاً بدون سحور

    السؤال: من نوى الصوم تطوعاً، ثم لم يستيقظ إلا بعد أذان الفجر، ثم نوى الصيام، فهل صومه مقبول مع العلم أنه لم يتسحر؟

    الجواب: صومه إن شاء الله مقبول، ولا يلزم في صومك تطوعاً نية من الليل، بل لو عقدت النية من قبل الظهر لجاز ذلك، ولا يلزم أن يتسحر إذا قام ولم يتسحر، فصومه صحيح، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: {ربما دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندكم من طعام، فإن قلنا لا، قال: فإني صائمٌ إذاً} وهو وسط النهار. وأما الفريضة فلا بد أن تبيت نيتها من الليل لحديث حفصة الذي رواه الخمسة: {من لم يبيت النية من الليل، فلا صيام له}.

    كفارة اليمين

    السؤال: هل من يحلف يميناً وهو مكره عليه كفارة؟ كأن يحلف رجل على الآخر أن يتناول عنده طعام الغداء، ثم يحلف الآخر ألا يتناول الغداء عنده؟

    الجواب: هذه الصورة التي ذكرت فيها كفارة، كأن يدعوك أحد إلى طعام فتحلف ألا تذهب، ثم يحلف أن تذهب إليه، فأنت بالخيار أنت وإياه، إما أن تذهب وتكفر، وإما أن يتركك ويكفر هو، فلابد من الكفارة لأحد المتحالفين، والكفارة إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو صيام ثلاثة أيام، فإن لم يستطع فعتق رقبة كما بين سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد انتشر في الناس كثرة اليمين -نعوذ بالله من كثرة الحلف بلا إيمان وبلا يقين- ولا يكثر الحلف إلا ممن قل إيمانه ويقينه، ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم:10] والحلاف هو: الذي يكثر اليمين سواءً صادقاً، أو كاذباً.

    قال الشافعي: والله ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً، قالوا: لكثرة خشيته لله عز وجل.

    حكم بيع المسجد

    السؤال: قرية صغيرة يوجد بها مسجدان مسجد قديم لا يُصلى فيه بعد أن أقيم في القرب منه مسجد حديث، فهل يمكن أن يباع القديم وتوضع قيمته في المسجد الجديد لخدمته ونظافته؟

    الجواب: إذا تعطل المسجد القديم وأصبح لا يصلي فيه أحد من الناس، ولا يستفاد منه -وهذا تدخل في مسألة وقاعدة نقل الوقف إلى أصلح منه- فيباع مكان هذا المسجد، وما في هذا المسجد وينقل بشرط أن ينقل المال أو ما يستفاد منه إلى المسجد الجديد ولا بأس بذلك، وهذا نقل الوقف من مكان إلى مكان لمصلحة المسلمين، لا لشرط أخذ الأرض، لأن بعض الناس إذا أعجبته أرض المسجد أتى يتحيل عليها من كل جهة، ويقول: يا أيها الناس! نريد نقل المسجد إلى مكان أوسع عسى الله أن يرحمنا، وليس في قلبه رحمة بل مقصوده أرض المسجد، فيأتي بهذا الكلام، ولا يفعل هذا إلا من قل إيمانه ويقينه، وهذا ليس موجوداً إن شاء الله عندنا ولا في أوساطنا.

    بعض الأمور التي تساعد على الحفظ

    السؤال: يقول: أنا شاب أرغب في حفظ القرآن الكريم، وأجد همة للحفظ، ولكن ما تلبث أن تنطفئ هذه الهمة، فأترك القراءة إلى ثلاثة أو أربعة أيام وهكذا، فما هو الحل؟

    الجواب: أكثر شباب الإسلام مشاريعهم في حفظ كتاب الله عز وجل وفي القراءة تسويف، تأتي العطلة الصيفية قالوا: إن شاء الله بعد العطلة لأنها فترة نقاهة واستجمام وراحة، فإذا بدأت الدراسة رتبنا أمورنا، فإذا أتت الدراسة قالوا: لا، في العطلة.

    يقول: من زرع بذرة سوف أنتجت له شجرة لعلَّ فيها أغصان ليت لها زهر، وطلع اسمها الخيبة والندامة نعوذ بالله من ذلك.

    ولذلك لام الله المشركين، وقال: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3] لأنهم استخدموا (سوف) كثيراً، ومن أراد منا أن يحفظ القرآن، فعليه بأمور:

    أولها: تقوى الله عز وجل وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    وثانيها: كثرة الاستغفار والتوبة.

    وثالثها: أن يقلل من المحفوظ، لا يحفظ كثيراً ويكفيه أن يحفظ خمس آيات ويكررها كثيراً.

    رابعها: أن يقرأ بما حفظ في النوافل والصلوات.

    وخامسها: أن يقرأ تفسير ما حفظ من مثل: تفسير ابن كثير، لأن معرفة معاني القرآن تنفع بإذن الله في حفظه.

    ظاهرة تكرار الوقوع في المعاصي

    السؤال: أنا عبد ضعيف السيطرة على نفسي عند التعرض للمعاصي، وبعد الانتهاء كأني أفيق من غفوة، فأتوب وأستغفر وأتحسر على فعلها، علماً أني أحاول التمسك بديني وأحب الصالحين، فما تنصحني؟

    الجواب: أنصحك ونفسي بتجديد التوبة، وبالعزيمة الصادقة على عدم العودة، وبالندم على ما فعلت، وأما قضية أن الإنسان يستغفر هذا استغفار الكذابين.

    قيل لأحد الناس: رجل يزاول المعصية ويستغفر، قال: استغفار الكذابين، وكذلك يشرب الخمر فكلما أخذ منه قدراً قال: أستغفر الله، أو يسرق ويوم يسحب الكبش من الحوش يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، أي استغفار هذا؟! يخادعون الله وهو خادعهم.

    قال الجنيد: من زاول المعصية وهو يستغفر، فقد ضحك على نفسه، إي والله، فما علينا إلا أن نتوب ونستغفر الله عز وجل ونندم على ما فعلنا.

    ومن الحلول: أن ندرأ بالحسنات السيئات قال تعالى: وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد:22] إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] فأنا أوصيك ونفسي بأمور حتى تقف قوياً أمام المعاصي:

    أولاً: الدعاء في أدبار الصلوات، وآخر الليل، وفي السجود، تدعو الله أن يصرف قلبك عن المعاصي، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يثبتك حتى تلقاه، وإن كان لك أم فاسألها أن تدعو لك.

    أتى رجل مقعد يحمل على المحثة -كالدراجة- ولا يستطيع المشي إلا بهما، فقال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! ادع لي، قال: هل لك أم؟ قال: نعم، قال: أخبر العجوز أن تدعو لك، فذهب هذا الرجل قال: أخبرني الإمام أحمد وأوصاني أن تدعي لي، فقالت: اللهم أطلق قيده، فقام يمشي في لحظة، هذا في سيرة الإمام أحمد موجود، فمن كان له أم، أو أب فعليه أن يدعو له ليصرف قلبه الله عن المعاصي، وأن يثبته على الطاعة.

    ثانياً: أن تكثر من الاستغفار دائماً وأبداً.

    ثالثاً: أن تتصدق بشيء من المال.

    رابعاً: أن تقرأ كتاب الله بتدبر، وأن تزور القبور وتتذكر لقاء الله.

    حكم خروج الدم في الصلاة

    السؤال: ما حكم من خرج دمه في الصلاة وهو في التشهد الأخير؟

    الجواب: من خرج دمه في الصلاة فالصحيح أن يتم صلاته ولو أن في بعض المذاهب أنه يقطع صلاته ويخرج منها ويعيد الصلاة، لكن الصحيح: لا، لأن الأدلة دلت على أنه من خرج منه دم في الصلاة فليستمر وصلاته صحيحيه، ثم بعدها يتوضأ.

    والدليل أن عمر رضي الله عنه طعن وهو في الصلاة فأتم صلاته وهو مطعون، ويقول البخاري: وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصلون في جراحاتهم، قال: وأخذ ابن عمر بثرة من جسمه، فخرج الدم وصلى ولم يعد الصلاة، إلى غير ذلك من الأدلة.

    الالتفات والضحك في الصلاة لغير حاجة

    السؤال: ما حكم من تهاون في الصلاة بالالتفات والضحك؟

    الجواب: من التفت في الصلاة لا لحاجة، وإنما للاستهزاء والاستهتار بالصلاة فهو كافر أي: أن من استهزأ بشيء من أمر الله ومن شرع الله، فقد كفر، قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] فهذا كفر بواح وما له إلا أن يتوب ويراجع دينه، ومن استهزأ بشيء من القرآن، أو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا هو الكفر، وأما الالتفات للحاجة فهو جائز على وجه الندور، مثل: أن ينظر لمحاً إلى قبلته أو لحاجة، أو ينظر إلى الإمام بشرط أن يكون في الصف الأول، أما من التفت فيعد سقف المسجد، أو ينظر إلى المصلين عن يمينه ويتفقد الجيران، أن ينظر خلفه، فقد أبطل صلاته.

    والرسول صلى الله عليه وسلم أحدث بعض الحركات لكن لحاجة الصلاة، ونهى صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحركات، ومما يفهم من الحديث أنها تبطل الصلاة بكثرة الحركات.

    السلام على من يقرأ القرآن

    السؤال: ما حكم السلام على من يقرأ القرآن؟ وهل يرد من يقرأ القرآن على كل من سلم في المسجد؟

    الجواب: السلام على من يقرأ القرآن سنة، وبعض الناس يقولون: لا يسلم على من يقرأ القرآن وليس هناك دليل على أنه لا يسلم على من يقرأ القرآن؟ بل ورد أن كثيراً من الصحابة كانوا يسلمون على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فما بالكم إذا كان يقرأ القرآن بغير صلاة.

    وقيل: يتوقف القارئ ويقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإن كان عنده جماعة في المسجد وهو يقرأ وهم لا يقرءون فإن ردوا فقد كفوه، لكن لو رد كان أفضل الأجر وأحسن مآلاً في السنة.

    النهي عن حلق اللحية

    السؤال: ما حكم من يحلق لحيته؟

    الجواب: حلق اللحية حرام، ودين الله ليس فيه مداهنة ولا مجاملة ولا محاباة، هذا أمر أنزله الله من فوق سبع سماوات , والرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أكثر من عشرة أحاديث، وهو يقول: {خالفوا المجوس} {قصوا الشوارب وأعفوا اللحى} {أرخوا اللحى} {وفروا اللحى} كلها ألفاظ خمسة -كما يقول النووي في شرح صحيح مسلم -: اعفوا واتركوا وأسدلوا وأرخوا كلها للحى، وحفوا وجزوا وقصوا كلها للشوارب.

    والرسول عليه الصلاة والسلام أتاه رسولا باذان العجمي من اليمن، وقد حلقا لحاهما، فقال صلى الله عليه وسلم: من أمركما بهذا؟، قالا: أمرنا ربنا - يعني ملكهم - قال: {إن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    حكم إسبال الثياب وتطويل الشعر

    السؤال: ما حكم تطويل الشعر وإسبال الثياب؟

    الجواب: تطويل الشعر فيه تفصيل:

    إن كان يطول شعره للتمسك بالسنة فهو حسن، وبشرط أن يربي لحيته؛ لأن بعض الناس الآن يطول شعره على أكتافه -جدائل- ولحيته يحلقها على الصفر من الأذن إلى الأذن، فإذا قلت مالك؟ قال: أتبع السنة، فتح الله عليك ما أحسن هذه السنة!اللحية لا سنة فيها، وشعر الرأس فيه سنة، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:138] لا، وجد من الناس من قال هذا الكلام.

    إن ربى شعر رأسه مع لحيته فهو مأجور باتباع السنة، والرسول صلى الله عليه وسلم ربما ضرب شعر رأسه إلى شحمة أذنيه، وربما وصل إلى كتفيه أحياناً، وهذه جمة ولمة، وتسمى وفرة في بعض الأحاديث.

    وأما إسبال الثياب فهو من الخيلاء وهو حرام، ولا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء، وبعض الناس يقول: أنا لا أجره خيلاء، نقول: هذه العلة سواء أتت أم لم تأت فحرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {ما أسفل من الكعبين فهو في النار}.

    يسامح العبد حتى يصل ثوبه، أو بشته، أو أي لباس له إلى الكعبين، وأما ما زاد فهو حرام في النار.

    حكم وضوء من في يديه أو رجليه حناء

    السؤال: ما حكم من يخضب يديه ورجله بالحناء من جهة الوضوء؟

    الجواب: خضاب اليدين والرجلين للرجال حرام لا يجوز إلا لحاجة، والحاجة قالوا: مرض لايداويه إلا الحناء، وهذا يسمى التشبه بالنساء، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود رجلاً مخضوب اليدين فعزره وأخرجه على غدير الخضمات ناحية في المدينة، فلا يجوز الخضاب -بارك الله فيكم- للرجال، وما اشتهر في بعض النواحي من خضب اليدين والرجلين للرجال هذا خطأ، ومخالفة للشريعة، وهو مسنون في حق المرأة، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل أن يختضب ونهى المرأة أن تبقى بلا خضاب، أتت هند بنت عتبة - أحدى المسلمات- تبايع الرسول عليه الصلاة والسلام فمدت يدها، قال: ما هذه اليد التي كأنها يد سبع، ثم قال: {إني أكره أن تكون المرأة سلتاء مرهاء}.

    قال أهل العلم: السلتاء التي لا تختضب، والمرهاء التي لا تكتحل، فعلى المسلم أن يأمر أهله بالخضاب والاختضاب إلا التي حدت على زوجها، وهناك رسالة اسمها الاقتضاب في حكم الخضاب ذكر هذا الحديث كلام بعض أهل العلم في هذه الرسالة.

    وبالمناسبة كثير من الناس اشتهر عندهم أن يخضبوا لحاهم بالخضاب الأسود وهو منهي عنه إلا لذي سلطان، وقد رخص له كثير من السلف ليكون أرهب لعدو المسلمين، أما غيره فلا يجوز أن يختضب بالخضاب الأسود، ولو جوز بعض أهل العلم، فالحديث الصحيح ينص على عدم الخضاب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لوالد أبي بكر: {غيروا شيب هذا وجنبوه السواد} فالمقصود: أنه يغير شيب اللحية بشيء من الألوان كالقتم وكالحناء وكالورس، أما الأسود فلا يغير به، قال أهل العلم: لأن السبب في هذا هو خديعة الناس، فيظهر للناس -من تدليسه- وهو في الثمانين كأنه في الثلاثين، وقد جاءت الشريعة برفع الحيل، لأن فيه دجلاً عليهم.

    حد الزنا لغير المحصن

    السؤال: رجل وقع على امرأة وهو غير محصن فما عقوبته؟

    الجواب: إذا كان بكراً فجلد مائة وتغريب سنة، ولكن عليه أن يتوب ويستغفر الله عز وجل ويتقي الله ويتذكر موعد الله، ولا يقدم نفسه للسلطان، يستتر بستر الله ولا يقدم نفسه للقضاء، ولا للسلطان، وليبق في بيته وليبكِ على خطيئته علَّ الله أن يتوب عليه إذا تاب وأقلع وندم على ما فات، وتصدق وعمل الصالحات، قبل أن يفضحه الله على رءوس الخلائق، فإن في النار- نسأل الله العافية - أفراناً للزناة يتضاغون فيها من الهم والغم والحميم.

    المسلم الملتزم.. وطاعة الوالدين

    السؤال: ما رأيك فيمن هداه الله إلى الالتزام بأحكام الإسلام، ولكنه يسب والديه؟

    الجواب: هذا من الفسقة إذا سب والديه كما يقول السائل: إنه يسب والديه ويلعنهما ويعصيهما، فهو من الفسقة لكنه لا زال في دائرة الإسلام، وترد شهادته بعصيانه لوالديه وبلعنه وسبه لهما، وعليه أن يتوب ويستغفر الله عز وجل، وما هناك طريق لنا إلا التوبة كما تكرر كثيراً في الكلمة.

    ظاهرة الوسوسة في الصلاة

    السؤال: إني أرى نفسي كلما دخلت في صلاة أتتني تفسيرات ووساوس ولا أرى لذلك حلاً، فما هو الحل؟

    الجواب: الحل، أولاً: أن تدعو الله عز وجل في أدبار الصلوات والأوقات الفاضلة أن يصلح الله قلبك وحالك.

    ثانياً: أن تفرغ ذهنك من الوساوس.

    ثالثاً: أن تتدبر ما تقرأ في الصلاة.

    رابعاً: إذا زاد الوسواس عليك أن تنفث عن يسارك، وهذا دل عليه حديث في صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة الوسواس في الصلاة، قال: {إذا أحسسته فانفث عن يسارك ثلاثاً وتعوذ بالله من الشيطان} والنفث: هواء مع رذاذ قليل من البصاق، إذا كان الوسواس أذهب عليه الصلاة لا يدري هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، هل قرأ أم لا، هل ذكر سورة، هل سبح، فإذا بلغ إلى هذه الدرجة فعليه أن ينفث ثلاث مرات لهذا الحديث، وهذه حلول الوسواس.

    حكم المشعوذين والكهان

    ما حكم المشعوذين والكهنة، وما حكم تصديقهم؟

    الجواب: المشعوذ والكاهن والساحر كفار بالله العظيم، وهم يجتمعون على أن بعضهم يدعي علم الغيب، وأنه ينفع ويضر من دون الله عز وجل.

    والرسول عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح: {من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد} وقال: {من أتى كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً} وهؤلاء الكهنة لا يجوز الذهاب إليهم، ومن ذهب إليهم وصدقهم بما يقولون فقد أبطل دينه وخرج من ربقة الإسلام، فإن لم يصدقهم رد الله عليه صلاة أربعين يوماً لا يقبلها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    خطر هجران المساجد

    السؤال: بني مسجدان في قرية واحدة، والمسجد الأول قرأت قاعدة مكتوبة فيه يقول فيها الأولون: ما دام الغراب أسود فلن يحرفوا هذا المسجد من مكانه، فما رأيك في ذلك؟

    الجواب: إن كان المسجد الآخر يأخذ الجماعة فيصلون فيه ويكفي عن المسجد الأول وهو أقرب إليهم وأصلح، فكلام الأولين لا يحرم ولا يحلل، وإن هجر المسجد القديم وأصبح الناس في غنية عنه بحيث لا يصلي فيه أحد فيباع ويستفاد من أرضه بأخذ أثاث لتوسعة المسجد الجديد، ودورات المياه، والطريق، وهذا من نقل الأوقاف من مكان إلى مكان، وأما هذه الكتابة (ما دام الغراب أسود وكذا) فلا تنفع ولا تضر، وليست عهداً وميثاقاً حضره أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي فهذا إذا أجمع الناس أنه الأصح، أما إذا كان هناك جماعة، وهنا جماعة، فلا يجوز أن يهجر المسجد ولا أن يعطل، وإذا بقي فيه كبار السن ورأوا أنه أقرب إليهم فيبقى بحاله، لا يغير منه شيء، ويبقى بخدماته، وأنا قلت في كلامي: إذا لم يكن هناك تفرقة ولا شقق لعصا الجماعة، ولا يحدث بغضاء وضرراً، أما إذا أحدث بغضاء أو ضرراً فالأصح أن يجتمعوا في مسجد واحد، وإذا كان بالتي هي فأحسن الاجتماع في مسجد هو الأولى والأحسن، وأما التفرقة فلا تجوز في الإسلام.

    هذا وفي الختام أشكركم، وأصلي وأسلم على الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم.