مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

849601

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8142

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6130

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2855

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2620

(...)
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1542

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1500

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1477

9

قراءة متن الشاطبية

1446

مشاري راشد العفاسي
10

خطبة عيد الفطر

1416

سعد البريك

كانت إشراقة شمس الإسلام على الدنيا المظلمة صفارة إنذار تداعت بسببها الخفافيش إلى مخابئها، تترقب الفرص لتفسد دين الإسلام، علها تعيد الظلام لتتنفس الصعداء، وذلك عن طريق أشخاص كتبوا في التاريخ الإسلامي فشوهوه، وفسروا أحداثه بأهوائهم، فيجب الحذر منهم، كما أن مؤرخي الإسلام قد وقعوا في أخطاء ينبغي التنبه لها، وفي هذا الدرس تجد ما يشفي الغليل تجاه ما ذكر لك.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته. عنوان هذه المحاضرة "أغلاط في التاريخ"

يقول شوقي:

اقرأ التاريخ إذ فيه العبر     ضل قوم ليس يدرون الخبر

التاريخ فن مشوق، وقد عرض الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى في كتابه قصص السابقين، وتحدث لرسوله وللمؤمنين عن تاريخ الأقوام السالفة، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3] وقال جل ذكره: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف:111].

وقصَّ رسول الهدى صلى الله عليه وسلم التاريخ، وتكلم عن الأقوام الهالكة وعن المؤمنين وعن الكافرين، والتاريخ الإسلامي بديع له جوانب مضيئة.

وأعرض هذه الليلة مسائل لعل الله أن ينفع بها، منها:

ما هو المنهج السليم الذي يجب أن يكون عليه تاريخنا الإسلامي؟!

وبالمقابل: ما هو المنهج الخاطئ والمغلوط الذي انتهجه كثير من المؤرخين؟!

وأنا مدين لكثير من الفضلاء في هذه المحاضرة منهم: الدكتور محمد صامل السلمي في كتابه العجيب " منهج كتابة التاريخ الإسلامي، والدكتور إبراهيم شعّوط " أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ "، وكتاب" الاستشراق والمستشرقون " للدكتور مصطفى السباعي، و" الخلافة والملك " لـأبي الأعلى المودودي رحمه الله، و" مقدمة ابن خلدون ".

وأتحفني كثير من الفضلاء بكثير من الملاحظات والمشاورات كفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والدكتور صالح بن عون الغامدي، وكثير من دكاترة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المتخصصون في هذا الباب، وفضيلة الأستاذ صالح أبو عراد الشهري.

شكر الله للجميع، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنهم صالح الأعمال.

ومن الأخطاء التي وقع فيها كثير من المؤرخين:

 عدم مراعاة سنن الله الكونية والشرعية

وكثير من المؤرخين لا يراعي ذلك ولا يفهمه.

 المداجاة والمحاباة والمجاملة

فإن كثيراً من الناس كتب تاريخاً يمكن أن يسمى جبر الخواطر، فأشادوا بمن لا يستحق الإشادة، وأغفلوا أخطاء المخطئين، وداجوا في التاريخ كثيراً كمن يكتب عن الدول، أو يراعي خواطر الملوك، أو يتحدث عن الأحياء؛ فتجده ينسى السيئات ويكتب الحسنات، بينما يكيل بمكيال آخر للأموات المنقرضين والله يقول: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:1-5].

 إطراح السند

ومما وقع فيه كثير من المؤرخين اطراح السند، لا يأتون بسند صحيح في الغالب ولكن أسانيد متقطعة، أو بلاغات، بلغنا أنه حدث كذا وكذا حتى تجد أن المعركة التي أقيمت وأزيلت من أجلها دول وأقيمت كيانات كلها بلاغات.

وبلغنا أن القتلى خمسون ألفاً، وأن الجرحى مائة ألف، وأن الغنائم مئات الألوف، وهل تكفي هذه البلاغات؟! والأسانيد التي فيها كَذَبَة كـأبي مخنف؟ وهو أكثر من اعتمد عليه ابن جرير الطبري، وكـالكلبي الكذاب وقد اعتمد عليه بعض مؤرخي الإسلام.

 المبالغة الباهتة

فتجد أحدهم يبالغ مبالغة في التاريخ كصاحب " بدائع الزهور في وقائع الدهور " فيأتي لك بأرض ليست في الأرض وبسماء ليست في السماء، ويقول: تحت البحر سبع أراضٍ في كل أرض سبع نخلات من ذهب، ويأتي بمعارك في مثل قبرص، فيتكلم على أن سكان قبرصابن خلدون لأنه لا يمكن أن يكون عدد السكان كهذا، ثم يستخلص منه جيش ثم يكون القتلى هذا العدد؛ لأن قصارى كل أمة أن تخرج منها (20%) من المقاتلة، وهذا أمر معلوم حتى إن سياسة الدول العسكرية العالمية تخرج من أفراد شعبها ومن تعداد السكان (20%) حتى إن الدنمارك شعب صغير (20%) منه جيش. فمستحيل أن يكون الشعب ثلاثة ملايين ويكون الجيش مليونين والقتلى مليوناً. فتجدهم يبالغون مبالغات مضحكة، وعجائب ينفيها العقل ولا يؤيدها النقل.

 عدم الاهتمام بالحياة العامة والتركيز على الناحية السياسية فقط

ومن أخطاء المؤرخين تجريد التاريخ للحكام والسلاطين فحسب، حتى للمؤرخين المسلمين من أمثال الذهبي ومن أمثال: ابن كثير، ومن أمثال: ابن جرير، تجد أنه لا يتحدث إلا عن البلاط والديوان والسلطان.

فلا يذكر الحياة العلمية ولا الأدبية ولا الاجتماعية ولا الفكرية ولا العسكرية ولا الاقتصادية، فقط تولى فلان، وقتل فلان، وسجن فلان، وذبح فلان، حتى تجد مثلاً: تاريخ الخلفاء للسيوطي كله سلسلة للخلفاء، وليس فيه ذكر العلماء، أو تجدهم إذا ترجموا للعلماء ترجموا لهم بأسطر، فلا يتعرضون لحياة الأمة إلا لحياة السلاطين والخلفاء، وقد لحظ هذا الملحظ فضيلة الأستاذ علي الطنطاوي -غفر الله لنا وله، ورحمه- فقد بلغنا أنه لحق بالله رب العالمين.

 عدم تمحيص الروايات

فتجدهم يأتون بروايات تناقضوا فيها، فبعضهم يكتبها في نفس الصفحة، أو يكتب قليلاً فإذا أراد أن ينتهي نقض ما بنى عليه، وهذا لا يكون ولا يصلح.

فبعضهم يؤرخ -وهذا يمر به حتى ابن كثير- يؤرخ وفاة رجل، ثم تجده يبعث بعد سنتين، وكأنه حضر الغزوة التي وقعت بعده بسنوات.

وبعضها أوهام، وبعضها أغلاط، وما عليك أن يهم الذكي مرة، وأن يكبو الجواد مرة؛ لكن أن يكون التاريخ أوهاماً، في أوهام فهذا هو الخطأ وإلا فالأوهام ما سلم منها إلا كتاب الله عز وجل قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

وهناك مذكرة تجمع -إن شاء الله- عنوانها " أوهام الأعلام " منها: أوهام في البخاري على سبيل المثال:

يذكر في قصة الإفك أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف في المسجد فقال: {من يعذرني من رجل آذاني في أهلي. فقام سعد بن معاذ -سيد الأوس- وقال: يا رسول الله! إن كان منا قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج، أريناك ماذا نصنع} والصحيح عند المؤرخين أن سعداً رضي الله عنه مات شهيداً قبل هذه الحادثة بسنة، فقالوا: وهم، وإلا والقائل هو أسيد بن حضير، وغيرها كثير.

 اتباع الهوى والميل للمذاهب والطوائف

ومن أخطاء المؤرخين اتباع الهوى والميل للمذاهب؛ فتجد المؤرخ المعتزلي يشيد بـالمعتزلة ويجعلهم هم المصيبين وكأنهم أهل السنة وأهل الوسطية، وينحي باللائمة على غيرهم، وتجد الشيعي كذلك بمجد الشيعة كـابن عبد ربه مثلاً في " العقد الفريد " دائماً يبكت الخلفاء الأمويين والعباسيين ويشيد بأهل البيت على حساب غيرهم.

مثلاً: صاحب " مروج الذهب المسعودي، تجده كذلك يذكر قصصاً وأعاجيب وينحي باللائمة على كثير من علماء الإسلام ومن أهل السنة.

وهذا وقع فيه المفسرون والمحدثون والمؤرخون إلا من سلم الله، فالهوى والميل للمذاهب والطوائف أمر معلوم حتى تجد المؤلف إذا كان شافعياً كـابن السبكي في " طبقات الشافعية " تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي يأتي بالرجل الشافعي فإذا كان أشعرياً مدحه وأثنى عليه ومجده ورفع منـزلته حتى يقول عن أبي المعالي الجويني وهو أشعري يقول:

المزني قطرة من مزنه     والأشعري شعرة في صدره

ومن هذا الضرب.

فإذا أتى إلى علماء السنة وعلماء السلف نقص حقهم حتى يقول عن ابن تيمية: أما ابن تيمية والبرزالي والمزي والذهبي وهؤلاء فقد أنزلهم ابن تيمية في دركة من النار.

فعلى هذا المنحى أصابهم الميل، وتجد الحنفي يأتي بتراجم الأحناف، رأيت حنفياً كتب تاريخاً للأحناف بدأ بـأبي حنيفة فقال: يقول عليه الصلاة والسلام: {سراج أمتي أبو حنيفة} وهذا حديث موضوع لم يقله عليه الصلاة والسلام.

ثم يقول في حديث آخر: وقال عليه الصلاة والسلام: {إني أفخر بقوم وبأمة فيهم أبو حنيفة} والله ما قاله عليه الصلاة والسلام، وإن هذا من كيس هذا الحنفي الكاتب.

يقول بعض المؤرخين من أهل السنة: نقل أن أبا حنيفة رئي في المنام على كرسي أحمر من زبرجد في الجنة، وهذا قد يكون.

فغضب المالكية وأتى مالكي وقال: رأيت مالكاًً فوق أبي حنيفة في كرسي في الجنة.

فأتى الشافعي فقال: فرأيت الشافعي في أعلى عليين ينظر لـمالك ولـأبي حنيفة بربض من الجنة.

وهذا من العصبية المقيتة والهوى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26].

حتى تجد الإنسان إذا أراد أن يتكلم عن أهل منطقته أخرجهم كلهم كأنهم صلاح الدين وخالد بن الوليد.

ورأيت تواريخ حتى في المناطق والأقاليم في أناس عاديين، إما نائب قبيلة، أو عريف في قرية، أو رجل عادي يتكلم عنه، وكأنه يتكلم عن الذهبي أو يتكلم عن ابن خلدون أو شيخ الإسلام ابن تيمية.

 إغفال مداولة الأيام بين الناس

فمداولة الأيام بين الناس يغفلها كثير من المؤرخين.

والله يقول: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140].

وقال عدي بن زيد:

أيها الشامت المعير بالدهـ     رأأنت المبرأ الموفورُ

أين كسرى كسرى الملوك أنو شروان      أم أين قبله سابورُ

وبنو الأصفر الكرام ملوك الأرض      لم يبق منهم مذكورُ

يقول: تعيرنا لأننا هزمنا وسحقنا، فقد كان يحمل دولة، وكان عنده سلطة فأبيد، فقال: هذا هو الدهر.

وقال رجل أصيب -وقد عزاه رجل شامت- فرد عليه، قال: في كل واد بنو سعد.

ومرض معاوية وكان حريصاً على الملك فدخل عليه ابن عباس في مرض الموت، فأراد أن يظهر التجلد وأن يظهر القوة وقام.

قال ابن عباس: اجلس!

وإذا المنية أنشبت أظفارها     ألفيت كل تميمة لا تنفع

فقال معاوية البيت الذي بعده:

وتجلدي للشامتين أريهم     أني لريب الدهر لا أتضعضع

وليس في الدهر شماتة، ولكن وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140].

فيوم علينا ويوم لنا     ويوم نُساءُ ويوم نُسر

واعلم كما قال أحد الوعاظ للخليفة العباسي المهدي: اعلم أن رباً أخذ أباك وأجلسك في هذا المكان، سوف يأخذك ويجلس ابنك مكانك، قال: ولو لم يفن الله الملوك الذين من قبلك ما جلست أنت في هذا المكان.

وقالوا:

وسلاطينهم سل الطين عنهم     والرءوس العظام صارت عظاما

فالأيام لا تبقى على حال:

لكل شيء إذا ما تم نقصان     فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول     من سره زمن ساءته أزمان

والمغرور من ثكلته أمه، واغتر بحاله، وركب رأسه، وظلم واعتدى وبغى، ونسي أن الذي أزال الآخرين سوف يزيله عما قريب.

وهذه قواعد ينبغي العمل بها لمن يكتب التاريخ وهذه القواعد نغفل عنها معظم المؤرخين؛ ولذلك نقول في هذا الأمور:

 زوال الأمم بالترف والفساد

إذا أراد الله أن تضعف الأمة وتهلك أترفها؛ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] وفي قراءة: (آمرنا مترفيها) وفي قراءة: (أمَّرنا مترفيها) والمعاني موصلة، والمعنى في الجملة: إذا أراد الله أن يهلك قرية حكم أهلها المترفين الذين لا يرعون لله وقاراً ولا يخافون منه؛ فكان هلاك الأمم على أيديهم.

في الأندلس كان أحد الحكام ضائعاً بمعنى الكلمة، تولى ونصحته أمه، ولا أذكر اسمه، فكانت تقول: اتق الله، كان في النهار يناقر بين الديكة كمن يشجع الآن الدوري والمنتخب فزال ملكه وسقط.

فتقول له:

ابك مثل النساء مجداً تولى     لم تحافظ عليه مثل الرجال

فهذا أمر معلوم. وقال أهل العلم: إنما تغيرت الدول بتغير أحوالها وبتغير معتقداتها.

لماذا سقطت دولة بني أمية؟!

علي يد الترف والضياع، كذلك بنو العباس، وكذلك السلاجقة، والأكراد، والأتراك، وهذه سنة الله عز وجل، فالترف يضيع الشعوب والأمم ويضيع الجيل، وهو ضربة قاصمة إذا أراد الله أن يهلك بها أمة أصابهم بالترف؛ فلا يحفظون وقتاً، ولا يقدرون نعمة، ولا يشكرون رباً، ولا يحصلون مبدأ، ولا يحملون وثيقة.

 هلاك الأمة بالظلم واطراح العدل

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:52].

قيل لبعض أهل العلم: ما الذي يهلك سريعاً؟

قال: الظلم، وفي أثر: لو نجى جبل على جبل لدك الباغي منهما.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثاني من " فتاويه ": إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة.

ولذلك تجد بعض الأنظمة الكافرة عادلة، فلا تبخس الشعوب حقوقهم، ولا جهد الإنسان، ولا تلغي كرامته، ولا تغلق الباب دونه بل تجعله حراً يتكلم ما شاء، حافظاً على امتيازاته، محافظاً على عرضه، محافظاً على كرامته في حين ترى أن بعض البلاد الإسلامية تلغي قداسة الفرد، وتلغي كرامته، وربما تعتدي على أملاكه، ولا تبقيه حياً أو تجعله لا يحمل اسم الإنسانية.

بل وجد أن في بعض البلاد الإسلامية دمرت مدن كاملة بالسلاح وأبيد فيها آلاف من الأطفال وآلاف من النساء، واحتجت الدول الكافرة على هذا الصنيع وقالت: أين الإسلام؟!

وهذا أمر معلوم؛ فاطراح العدل أول ما يصيب الأمم، ويدمر الشعوب، وهذا أمر غفل عنه بعض المؤرخين.

ولذلك قالوا: لو كان الخليفة حازماً ما سقطت دولته.

فيقول ابن الوردي:

فاترك الحيلة في تدبيرها     إنما الحيلة في ترك الحيل

حارت الأفكار في قدرة من     قد هدانا سبلنا عز وجل

وسوف تأتي قضية وهي لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [يونس:49]. وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:4] وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21].

فلكل أمة وشعب أجل محدد، ولكل حضارة إذا وصل هذا اليوم فلا ينفعها بقاء أهل الأرض، ولا يرد عن أمر الله راد وينفذ الله قضاءه بأنه غالب على أمره ولا يغلبه أحد، وفيه لطافة وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] قالوا: المعقب الموقع، فإذا وقع سبحانه فلا يوقع بعده أحد.

 انهيار الأمم يكون بأجل

وهذه القضية هي التي أريد أن أتكلم عنها، قال سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [الأعراف:34] والمعنى: أن الله تعالى جعل لكل دولة حداً لا تتعداه، وجعل لكل شعب ولكل حضارة زمناً محدداً، فلو اجتمع الناس على تقديمه، أو على تأخيره ما استطاعوا. وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف:59].

وقال أبو العلاء:

تقضون والفلك المسير دائر     وتقدرون فتضحك الأقدار

ويقول أبو العتاهية:

إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر      تمشي المقادير على غرز الإبر

والذي كتب المقادير هو الذي على العرش استوى، فاللوح المحفوظ مكتوب فيه آجال الأمم والشعوب والدول والأناسي، وعنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جفت الأقلام ورفعت الصحف، وهو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من أفعاله أنه في كل يوم هو في شأن.

قال أهل العلم: في كل يوم له شأن: يخلع هذا ويولي هذا، ويملك هذا ويعزل هذا، يجبر كسيراً، ويغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويرد غائباً، ويهدي هذا، ويضل هذا، ويتوب على هذا، سبحان الله!

 الغفلة عن استحقاق المؤمنين لنصرته سبحانه وتعالى

الأستاذ طه حسين سوف يكون لنا معه جولة هذه الليلة جعل بدراً وأحداً وحنيناً وثارات قبلية بين العرب.

يقول: أهذه ثارات بين الأوس والخزرج وبين قريش؟!

جهد محمد عليه الصلاة والسلام، وتربيته لأمته، وإخراجه من بلاده، والإيذاء والابتلاء والمصائب والكوارث التي مر بها عليه الصلاة والسلام والمنهج الرباني الذي نزل عليه، وقيامه بأهل بدر، ومناشدته لله، ونزول جبريل يقود ألف ملك:

وبيوم بدر إذ يصد وجوههم     جبريل تحت لوائنا ومحمد

كلها ثارات جاهلية؟! أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23].

من سنن الله أنه ينصر أولياءه في آخر المطاف، وأن الجولة لهم، وأن العاقبة للمتقين، وأنه لا يمكن أن يتخلى عنهم، وهل سمعت بنبي اضطهد وكانت عاقبته الخسران؟!

يظهر الباطل تارة ثم يقصم قصمة إلى الأبد، وهكذا حدث له عليه الصلاة والسلام.

قال بعض المؤرخين: لو انتصر عليه الصلاة والسلام دائماً لبطل الابتلاء.

ولو انتصر الكفر لبطل سر الرسالة، فجعل الله عزوجل الحرب سجالاً، ثم العاقبة له عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52].

 الابتلاء للمؤمنين سنة من سنن الله

من سنن الله عز وجل: أن الابتلاء للمؤمنين سنة جارية:

فلا بد أن يكتب المؤرخون أن هذا من باب الابتلاء، فلا يتعرضون للكوارث أنها تأديب وزجر فقط؛ بل منها رفعة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

فالابتلاء لا بد منه لأتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام وللأخيار وللصالحين، سنة منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هكذا أراد أن تكون، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

 سنة المدافعة

أن الله عز وجل من حكمته أن جعل لكل شيء ضداً، قال الشاعر:

ولكل شيء آفة من ضده     حتى الحديد سطا عليه المبرد

فجعل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للنار ضداً وهو الماء، وجعل ضد الظلمة النور، وضد الليل النهار، وضد الحلو الحامض، وضد الحار البارد، فلكل شيء ضد، ثم نقل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هذه السنة في الناس، فجعل للصالحين ضداً؛ قال سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] والآية السالفة وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [الفرقان:20] فهذا يفتتن بهذا وهذا، وينغص على هذا، حتى يقول ابن الوردي:

ليس يخلو المرء من ضد ولو     حاول العزلة في رأس الجبل

لو اعتزلت في قرية لبعث الله لك من ينكد عليك ومن ينغص عليك، أحياناً تقف تنتظر أمراً، فيرسل عليك ثقيل الدم، فينغص عليك، والقرية الواحدة تجد فيها تباين الأفكار: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود:118].

يختلف الناس حتى في الأمور الاعتيادية البسيطة التي قد لا تبنى عليها أحكام، الرجل في أسرته إذا استشارهم في أمر بسيط حتى في وجبة ماذا يكون الغداء اختلفوا بين يديه، فتجد الأغلبية تريد كبسة، ومنهم من يريد عصيدة، ومنهم من يصوت على المرق، ولا يزالون مختلفين لأن الله باين بين الأمزجة، والإجماع عزيز حتى في أمور الناس الاعتيادية، فكيف بالأمور الكبرى؟!

فقصدي من هذا: أن سنة التدافع جارية، فلا يظن الداعية أو حامل الحق، أو من عنده مبدأ الشريعة، سواء في الأدب أو في الدعوة أو في الفكر أو في أي منحىً من مناحي الحياة أنه سوف يسلم ممن ينغص عليه، بل سوف تجد من يعترض عليك، ومن يكذبك ويرى أنك مبطل، وأنك متطرف، وأن في عقلك شيئاً، وقد قيل لمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام: مجنون وساحر وشاعر وكاهن، وما تركوا منغصاً من منغصات الحياة إلا وعلقوها عليه، ولكنه كما قيل:

لعظمك في النفوس تبيت ترعى     بحراس وحفاظ ثقات

وشكوت من ظلم الوشاة ولم تجد     ذا سؤدد إلا أصيب بحسد

لا زلت يا سبط الكرام محسداًً     والتافه المسكين غير محسد

إن العرانين تلقاها محسدة     ولا ترى للئام الناس حسادا

 الاهتمام بسيرة الأنبياء مع أقوامهم

فهذا واجب المؤرخ فقد أغفله كثير من المؤرخين فإنما يمرون بهذا مروراً، ولا يذكرون سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يذكرون تاريخهم المشرق وجهادهم وصبرهم، إنما يأتون بإسرائيليات وخزعبلات، ونتف من التاريخ، ولا يستنبطون التاريخ من القرآن الكريم، وهذا يجدر الانتباه إليه لمن أراد أن يكتب في التاريخ.

 عرض تاريخه عليه الصلاة والسلام عرضاً صادقاً عادلاً

فإن الناس في عرضهم لسيرته عليه الصلاة والسلام ثلاثة أصناف:

منهم من أخذ نتفاً فقط، وهذا مثل ما يدرس في المناهج التعليمية، نتف لا تسمن ولا تغني، ولا تشبع ولا تبل العليل، ولا ترد الصبابة، ويخرج الطالب غير متصور لسيرته عليه الصلاة والسلام، إنما يتصور أموراً عامة سبق الإشارة إليها في بعض المحاضرات، خطوط عامة وعموميات، ولد كذا، وهاجر كذا، والكاتب مستأجر ليس عنده حرارة الشعور بالحب، ولا في قلبه جريان وغليان تجاه محمد عليه الصلاة والسلام.

وإني لأشكر كاتباً كتب يقول: جلست مع مستشرق فقال: أنت مسلم، وأريد أن تكتب كتاباً عن محمد صلى الله عليه وسلم وتتجرد من عاطفتك؛ لأنك متهم بحبه. قال: إذا أردت أن تجردني من عاطفتي نحوه فمعنى ذلك أنك تجردني من حياتي.

لأن حبه صلى الله عليه وسلم مركوز في الفطر، وواجب شرعي، فهو ليس ميلاً لزعيم أو قائد أو سياسي بإمكانك أن تكون له محايداً.

أما معه صلى الله عليه وسلم فالحياد عند سيرته حرام.

أطل سهر العيون فكل نوم     لغيرك أيها المولى حرام

وأسمعني حديث الوصل سبعاً     رضيت لك السرى والناس ناموا

حرام أن تكون محايداً في سيرته وتقول لي: لا تحمل له عاطفة، كيف تحثني أن أكتب وأنا بعيد كأني أجنبي؟!

نسينا في ودادك كل غالٍ     فأنت اليوم أغلى ما لدينا

نلام على محبتكم ويكفي     لنا شرف أنا نلام وما علينا

ولما نلقكم لكن شوقاً     يذكرنا فكيف إذا التقينا

تسلَّى الناس بالدنيا وإنا     لعمر الله بعدك ما سلينا

 التوحيد هو الأساس لجميع العباد

من القضايا الهامة في التاريخ أن التوحيد هو الأصل في العالم وليس الشرك.

بعض الملاحدة الآن والزنادقة؛ مثل: جوزيف إستالين يقول: الأصل في العالم الإلحاد (لا إله والحياة مادة) وسوف أتعرض لكاتبٍ الآن ما زال حياً يقول لـجوزيف إستالين: طبت حياً وطبت ميتاً!

التوحيد هو الأصل قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30].

وفي " صحيح مسلم " أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول في الحديث القدسي: {إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين} خلقهم موحدين:

ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

كان الناس موحدين حتى جاءت الشياطين فاجتالتهم.

خلق الله الأكوان والأفلاك والبروج والكواكب موحدة، وخلق الله الإنسان موحداً، وإنما الشرك حادث وليس بأصيل في العالم، فعلى المؤرخ أن ينتبه لهذا.

 قدر الله ومشيئته نافذة

من الحقائق أن الله عزوجل غالب على أمره بيده الملك،وبيده مقاليد الأمور.

فلا يغلبه أحد، ولا يمكن لأحد أن يفرض نفسه على الله، ففرعون وجد بقضاء وقدر من الله، وكره الله فعله، والذي نصبه هو الله، والذي عزله هو الله، والذي دس رأسه في البحر هو الله، فلا يمكن أن يفرض أحد على الله عزوجل؛ لأن الله غالب على أمره ولا يغلبه أحد.

وأهل السنة كفّروا من قال من المعتزلة: إن الله لا يعلم الشيء حتى يقع. فقالوا بكفره، بل الله يعلم الأشياء قبل أن تقع وهو الذي قدرها، ولهذا أحد علماء أهل السنة دخل على معتزلي من قضاتهم، فقال المعتزلي -يريد أن يتعرض لـأهل السنة - الحمد لله الذي لم يقدر في كونه الفحشاء -يقصد المعتزلي أن الله لا يقدر الفواحش ولا المعاصي -قال عالم أهل السنة: الحمد لله الذي لا يقع في كونه إلا ما يشاء.

فكل شيء بقضاء وقدر     والليالي عبر أي عبر

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] فلا يمكن أن يكون أمر مفروضاً على الله عزوجل، ولكن الله أراد أن يوجد الصالح والطالح، والعادل والظالم، وأن يوجد الناس هكذا حتى يحاسبهم، وجعل جنةً وناراً، وجعل عذاباً وثواباً.

هذه سنته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في خلقه، فهو غالب على أمره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا يغلبه أحد.

 استخلاف الإنسان في الأرض

إن الإنسان مستخلف لعمارة الكون، وهو خليفة لله عزوجل في العبادة في الأرض، وما خلق لغرض آخر إلا للعبادة قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57] فإنهم يقولون الآن مثل بعض المستشرقين: خلق الله الإنسان ليأكل، ويأكل ليعيش.

حتى يقولون كما في كتب العلوم: الإنسان يأكل ليعيش أو يعيش ليأكل؟

ونحن نقول: إن الإنسان خلق ليعبد الله، خلقه الله ليعبده، خلقه الله ليتوجه إليه.

أما أن يأكل ليعيش ويعيش ليأكل، فهذه في عالم حديقة الحيوانات.

 الإيمان بوحدة الأمة الإسلامية

وهذه قضية كبرى لا بد أن يلحظها المؤرخ المسلم، فلا يأتي بدويلات، ويتكلم عن أقاليم وعن مقاطعات، ويفصلها عن تراثها الإسلامي وعن الأمة الإسلامية الموحدة ذات الرسالة الخالدة التي أتى بها عليه الصلاة والسلام:

وأينما ذكر اسم الله في بلد      عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا     بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

فأمة محمد عليه الصلاة والسلام أمة مرت بها فترة من فترات التاريخ كانت ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، أما أن يأتي شخص فيتكلم عن دولة صغيرة من دول الجامعة العربية، ويجعلها هي الدولة الوحيدة، والإسلام لها، والتاريخ لها، والأبطال منها، والأدباء منها، ثم يلغي عظماء الإسلام، وأبطال الإسلام وكتاب الإسلام، فهذا غير مقبول، وحدة الأمة الإسلامية لا يفصلها حدود:

إن كِيدَ مُطَّرف الإخاء فإننا     نغدو ونسري في إخاء تالد

أو يختلف ماء الغمام فماؤنا     عذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننا     دين أقمناه مقام الوالد

أحمر أو أبيض أو أسود، إفريقي أو أسيوي، كلهم تحت مظلة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

وأعظم مظهر من مظاهر التجمع العالمي والوحدة الإسلامية الحج ولا سيما حين يقف الحجاج في عرفات يوم تجتمع الألوف، وتنادي رباً واحداً بأكثر من (400) لغة في ساعة واحدة؛ كلهم فقير إلى الغني، كلهم فانٍ بين يدي الباقي، وكلهم ضعيف تحت القوي، فتتحطم قداسات البشر وطواغيتهم على صخرة عرفات، ويبقى الواحد الأحد فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

 الإيمان بالقضاء والقدر

فلا يقولوا: لماذا حدث كذا وكذا؟ لكن على المؤرخ أن يقول: بقضاء وقدر.

فتجد المؤرخ أحياناً يقول مثل المسعودي أو غيره: واستولى التتار على بغداد وقتلوا (700.000) ولولا أن ابن العلقمي لم يتواطأ معهم ما حدث هذا.

لا تقل هذا؛ فإن الله قدر ذلك، ونحن نلوم الناس على المعايب، ولا نلومهم على المصائب، وكل شيء بقضاء منه سبحانه، لا بد أن نؤمن بهذا، فهو الذي ولى هذا وعزل هذا.

وإذا قرأت ترجمة عمر بن عبد العزيز تجد من يقول: ما عاش عمر بن عبد العزيز إلا سنتين أو ثلاث سنوات ويعيش عبد الملك عشرين سنة ويعيش الحجاج بن يوسف خمس عشرة سنة!!

نقول: من الذي قدر؟ الواحد الأحد لحكمة أرادها.

فقضية أن يستحضر المؤرخ الإيمان بالقضاء والقدر في رأسه، وأن يعيش هذا المبدأ، وأن يستحضره دائماً أمر مطلوب.

 الإيمان بالغيب

فتاريخنا عالم الغيب والشهادة، ولا بد للمؤرخ أن يعرض عالم الغيب دائماً في معارك وغزوات المسلمين، وعند ذكر خلفائهم وعلمائهم، فيبصر الناس بالجنة والنار.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرض عالم الغيب من فوق المنبر، وينادي أصحابه في المعارك، ويقول: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133] ويقول: {لموضع سوط فيها خير من الدنيا وما عليها} ويقول صلى الله عليه وسلم لكتيبته ولجيله ولأصحابه في بدر: {يا أهل بدر! إن الله قد اطلع عليكم وقال: اعملوا ما شئتم. والذي نفسي بيده ما بينكم وبين الجنة؛ إلا أن يقتلكم هؤلاء؟ فتدخلون الجنة؛ فيقول أحد أصحابه: ما بيننا وبين الجنة إلا أن يقتلنا هؤلاء؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فألقى التمرات من يده وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل} هذا عرض عالم الغيب، أي: لا تمن الناس الآن بعالم الشهادة فقط تقول: إذا انتصرتم أعطيناكم الكأس، كل له ميدالية وسيارة فاخرة ودراجة.

هذه يجيدها كل أحد في الأرض، هذا مجرم العراق لما أباد شعبه أعطوه سهم الرافدين على قتل الدعاة وعلى قتل العلماء والأطفال والشيوخ.

الأوسمة لا يعرفها محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الأوسمة يجيدها كل أحد، لكن الجنة لا يستطيع لها إلا من يحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله.

من ثقافة محمد صلى الله عليه وسلم أنه لقن الأعراب (لا إله إلا الله) فدخلت في دمائهم، تجري قويةً حارةً، فيأتي صلى الله عليه وسلم ليعطي أحدهم مالاً فقال: يا رسول الله! غفر الله لك! ما على هذا بايعتك. قال: بايعتني على ماذا؟ قال: بايعتك على أن يأتيني سهم في سبيل الله يقع ها هنا ويخرج من ها هنا. فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصدق الله يصدقك. فصدق الله فأتاه سهم في أول المعركة وقع هنا وخرج من هنا. فقبله صلى الله عليه وسلم وقال: {صدقت الله فصدقك الله}.

فلذلك النصيحة كل النصيحة ألا نرد الناس لعالم الشهادة فقط ونعزلهم عن عالم الغيب.

الطالب الآن أصبح لا يحفظ القرآن إلا إذا مني بجائزة، وبعضهم لا يساهم في قراءة القرآن في رمضان إلا ليحصل على جائزة، وبعضهم لا يشارك في الدوري والمنتخب ويحتسب الأجر في ذلك إلا إذا حصل على جائزة! لا يريد أن يرفع رءوسنا في سنغافورة وفي كل مكان إلا بجائزة الدنيا! اطلب الأجر من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، احتسب وجاهد في سبيل الله علَّ الله أن يرفع رأس هذه الأمة التي وضعت رأسها منذ مات صلاح الدين.

بعض الناس تجده يلعب الكرة بدون نية، من يوم يلعب إلى يوم ينتهي: {إنما الأعمال بالنيات} وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] وكم يحصل عليه من الأجر والمثوبة، بعضهم -نسأل الله أن يهديه- يلعب أربع ساعات.

 التفريق بين أخطاء البشر وأحكام الإسلام

هذه آخر قضية في كتابة التاريخ، كل من أخطأ بشيء علقوه بالإسلام.

أتى الخميني بفضائح فقالوا: هذا دينكم، وقالوا: الإسلام دين الخميني. جاء صدام وأتى بفضائح قالوا: هذا دين الإسلام. ونحن نقول: الإسلام شيء وهؤلاء شيء آخر.

الأخطاء التي تقع في بلاد الإسلام ليس المسئول عنها الإسلام، الإسلام يتمثل في عمر، الإسلام يتمثل في أبي بكر، الإسلام يتمثل في عثمان، الإسلام يتمثل في علي، يتمثل في صلاح الدين، في نور الدين محمود، في مالك في أحمد في الشافعي:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامع

أما أن تأتي لي بأناس لا يعرفون من الإسلام حتى نواقض الوضوء، فإذا أخطأ أحدهم قالوا: انظر إلى الإسلام، المسلمون لهم أخطاء لكن لا تلحق بالإسلام، المسلمون شيء، والإسلام شيء آخر.

وهذه القضية الأخيرة في هذا البحث، وسوف أدخل بكم في بعض القضايا.

نماذج من أقوال المزورين القدامى والمحدثين في كثير من قضايا التاريخ منها:

منها افتراءات كثير من المؤرخين المغرضين حول الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر بعض المستشرقين -عليه غضب الله- أن محمداً صلى الله عليه وسلم شهواني يحب النساء، ولذلك تزوج إحدى عشرة امرأة، وقد عارض عليه علماء المسلمين وردوا عليه وبينوا الحكمة من ذلك، أخزى الله ذلك الدعي المغرض المنتهك لحدود الله.

ومنهم من قال: دعوته صلى الله عليه وسلم قامت على الإرهاب والسفك والدماء، ولم تقم على الإقناع، وهذا كذب وبهتان، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ [النحل:125].

أما المعارك التي حدثت فبسبب الطواغيت الذين رفضوا أن يسمعوا الدين أو يتركوه يتغلغل بين الناس، ورفضوا الحوار.

ولذلك لو وافق كسرى على أن يأتي الصحابة فيحدثوا الناس بالدين ما قوتل، وكذلك هرقل، وكذلك أبو جهل، لكن رفضوا أن يسمعوا فكان من الضرورة أن يحاربوا.

 أكاذيب الأقدمين كالرافضة حول أبي بكر وعمر

ومنهم من قال: بيعة أبي بكر الصديق فلتة ولم تكن في موضعها، وإنما كانت مداجاة ومصانعة، وتقول بعض الطوائف من المبتدعة: إن البيعة كانت لـعلي، لكن الصحابة اغتصبوها من علي، فجهلوا كل الصحابة إلا ستة، وقالوا: الخلافة لـعلي بوصاية من جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم لكن الصحابة خانوا، وخونوا جبريل، وخونوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وخونوا الأمة.

منها: أن عمر رضي الله عنه عزل خالداً في قضايا نسبوها لـخالد وهذا ليس بصحيح، وتهالكوا في ذلك تهالكاً عجيباً.

قالوا من ضمنها: إن خالداً تزوج امرأة وهي في عدتها وقد كذبوا، وقالوا: لأن خالداً يحب السيطرة، وقالوا: لأن عمر خاف على كرسيه من خالد، هل عند عمر وخالد كراسي، هل المسألة عندهم مسألة (امسك لي اقطع لك)؟!

هؤلاء جاءوا من الصحراء ليرفعوا (لا إله إلا الله) في الكرة الأرضية، هذا جيل اختارهم الله عزوجل، على سمع وبصر لمصاحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا جيل آخر غسل الله أدرانهم وطهر قلوبهم وزكاهم من فوق سبع سماوات.

عمر لا يعرف مداجاة ومؤاخذة، ولا يخاف على كرسيه من خالد، عمر كان يبكي على المنبر ويقول للمسلمين: [[خذوا بيعتكم لا أريدها]]؛ لأنه تعذب في الخلافة جاع وظمئ وأتته مشقة، وكان يبكي دائماً ويقول: [[يا ليت أم عمر لم تلد عمر]].

ذكر ابن الجوزي في " المناقب " أن عمر قال للناس: أشيروا علي من ترون أن نولي على العراق، -فأراد أحدهم أن يجامل الخليفة أمير المؤمنين، فقال: أرى أن تولي ابنك عبد الله على العراق. قال: كذبت يا عدو الله! قاتلك الله، والله ما أردت بذلك وجه الله. أي: عبد الله شاب في الثلاثين من عمره مع علمه أن عثمان موجود وعلي بن أبي طالب أحد العشرة موجود، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص.

وبالفعل ما أراد بذلك وجه الله لأن في المسلمين من هو أكفأ وهذا أمر معلوم.

 الكلام في عثمان

وقالوا: إن عثمان قرب قرابته وعزل الآخرين، والأمر ليس كما صوروه، كانوا أكفاء وكانوا أخياراً، وقد وصل رحمه، واختار كذلك من خيار المسلمين، وعثمان بار راشد مهدي لا يريد إلا الله والدار الآخرة، وإن أخطأ في بعض الاجتهادات، فهو مأجور على خطئه مثاب عند الله، وقد تبرأ علي من ذم عثمان.

يقول علي رضي الله عنه: [[قاتل الله من قاتل وشارك في قتل عثمان]] وكان يدعو على من فعل ذلك، ولكنهم اتهموا علياً رضي الله عنه بدم عثمان، وهو بريء براءة ماء الغمام، وبراءة الذئب من دم يوسف، لكن هكذا قالوا: وكان علي يقول على المنبر: [[من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد الفرية ثمانين جلدة]].

 الكلام فيما جرى بين الصحابة من فتن

فبعض المؤرخين ولغ قلمه فيما جرى بين الصحابة في الجمل وفي صفين. والله يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134]. ومن معتقد أهل السنة أن نكف عما شجر بين الصحابة، وأن نطهر ألسنتنا كما طهر الله سيوفنا، وأن نعتقد أنهم مأجورون، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، وغالبهم ومغلوبهم في رحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء.

قيل لـعامر الشعبي: ما رأيك في أهل صفين التقوا فما فر بعضهم من بعض؟ قال: أهل الجنة التقوا فاستحيا بعضهم أن يفر من بعض. وقيل لـعمر بن عبد العزيز: ما رأيك في أهل الجمل وأهل صفين. قال: [[تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر من أعراضهم ألسنتنا؟]]. {ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه}. وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

 تشويه الأصفهاني لتاريخ الرشيد

أتهم هارون الرشيد باتهامات فضيعة، وممن فعل ذلك وافتعل صاحب " الأغاني " أبو الفرج الأصبهاني، فإنه أتى بأخبار تشيب لها الرءوس، وأنا أنصح الجيل بعدم قراءة هذا الكتاب إلا من أنس من قلبه ونفسه علماً ووعياً وتقوى، فلا بأس أن يستفيد من بعض ما فيه من الأدب والقصص، لكنه تهالك واحترق في تراجم الخلفاء، وتكلم عن الدولة العباسية والأموية كأنها دول موسيقى، وعناء، وخمر وعربدة، وأطفأ ذاك اللموع الذي رأيناه في المجال العلمي، والمجال الأدبي، ومجال الثقافة والحضارة، ومجال العدل والإنصاف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحسيبه الله.

 هجمات متفرقة على التاريخ

مما يهاجم به الإسلام من مؤرخين مغرضين: الرق، وأن الإسلام جاء باستعباد الناس، وهذا كذب، وما حرر الناس إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أتى الاسترقاق عن طريق الكفر، فإذا دخلوا الإسلام كان العتق من أحسن ما يكون، وكانت أبواب العتق هي المطلوبة والواردة، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو أول من حرر الإنسان، وأتمنى أن تعود لترجمة بلال قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وبعد مبعثه وزيد بن حارثة وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، أي أناس رفعهم محمد صلى الله عليه وسلم! وأي رجال لم يكونوا رجالاً قبل مبعثه! كانوا والله يعاملون كما تعامل الدواب والحيوانات، فلما أتى محمد صلى الله عليه وسلم جعل بلالاً سيداً ينادي نداء الأرض لنداء السماء، وجعل سلمان منا آل البيت، وجعل صهيباً سفيراً إلى الروم، وجعل خباب بن الأرت من الشهداء عند الله عزوجل.

بعضهم افترى على أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه- مثل المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر " خلط في هذا الكتاب، ومزج الكذب بالصحيح، والحق بالباطل. ومن مغالطته التي حاد فيها عن الحق والصواب في كتابه ما يأتي:

يقول المؤرخون: لا يكاد يخلو مجلس عثمان رضي الله عنه من وجود كعب الأحبار، فكأن كعب الأحبار هذا هو الذي يسيطر على المجلس ويأتي بالإسرائيليات، لكثرة ما كان يستفتيه عثمان في قضاياه، وكأن عثمان ليس مجتهداً مطلقاً، ولا عنده كتاب ولا سنة حتى يحتاج إلى فتاوى بعض اليهود الذين أسلموا.

ثم ينقل جرأة كعب الأحبار وتسرعه في الفتيا مع وجود صحابة كـعثمان وعلي رضوان الله عليهم حتى يفتي في المسائل الكبار وهذا غلط، ثم قبول عثمان بفتاوى كعب، ثم ينقل أن عثمان كان يسب أبا ذر رضي الله عنه ويؤذيه، وهو الذي طرده من المدينة وأخرجه، فهذا كذب، بل أبو ذر هو الذي خرج من نفسه، والرسول عليه الصلاة والسلام قال لـأبي ذر: {إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها} أي: من المدينة، فهو الذي خرج باختياره، وما أخرجه عثمان.

ونقلوا أيضاً: أن عثمان ضرب عمار بن ياسر حتى كسر ضلعاً من أضلاعه، وهذا كذب.

ومنها: أن معاوية قام بالإساءة إلى أبي ذر رضي الله عنه وحمله إلى المدينة على بعير، وعلى قتب يابس وآذاه، وأرسل معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى تسلخت بواطن أفخاذه، وكاد أن يتلف أو يموت، وهذا كذب، وما كان لـمعاوية أن يفعله.

ومنها: ذكر لـأبي ذر بأشياء استحدثت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لعنة لبني أمية إذا بلغوا الثلاثين، وهذا كذب.

ومنها: حوار حول طلبات أبي ذر واختياره بلداً يسير إليه، واقتنع عثمان بإخراجه من المدينة، وهذا لم يرد، وقالوا: غضب عثمان على علي لتشيع أبي ذر له، ولضم أبي ذر له، وهذا لم يرد.. عصم الله الجميع من هذه الأمور!

وهناك كتاب خلط الحق بالباطل اسمه " أعيان الشيعة " لمؤلفه محمد الحسيني العاملي طبع سنة (1359هـ) وفيه أغلاط تاريخية كاذبة مفتراة.

منها: اتهام عثمان رضي الله عنه بأنه كان ينهى أبا ذر عن قراءة القرآن.

ومنها تطلع عثمان لأموال المسلمين واستغلاله لثرواتهم وتملكه لأراضيهم، وكأنه يتحدث عن أحد الإقطاعيين لا عن أحد الخلفاء الراشدين.

ومنها: الادعاء أن حبيب بن أبي مسلمة أشار على معاوية بإقصاء أبي ذر من الشام.

ومنها: الإساءة إلى أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.

ومنها: أن عثمان أصابه الخرف لما وصل الثمانين، وأصبح يخلط في كلامه، وهذا والله لم يحدث بل كان حافظاً للقرآن أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] قال ابن عباس: [[ذاك هو عثمان]] وقال حسان في مدح عثمان:

ضحوا بأمشط عنوان السجود به     يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

وأما المزورون الجدد فإن كبيرهم الذي علمهم السحر هو: طه حسين، وأما مصيرهم في الآخرة، فلا نستطيع أن نحكم عليهم، فلسنا بحكام على مصائر الناس الذين ذهبوا إلى الله عز وجل، إنما أحكامنا في الدنيا، والله سبحانه يتولى عباده، ولكن نشهد أن الكافر في النار وأن المسلم في الجنة.

أما مثل طه حسين والذي سماه الغرب عميد الأدب العربي، وهو لا يستحق هذه التسمية، ولم يأخذها بجدارة، وهو الذي ألغى الأدب العربي وشوهه، فنحيله إلى الله ولا نحكم عليه بجنة ولا بنار.

 كتب طه حسين وطعنه في السيرة

له كتاب على هامش السيرة والفتنة الكبرى والشيخان وفي الشعر الجاهلي الذي يسمى أيضاً في الأدب الجاهلي، ولقد أراد بتضليله هذا إثارة الفتن بين المسلمين، ولقد شكك في كتاب على هامش السيرة، ولكم أن تراجعوه في قصص السيرة النبوية جملة، واعتبارها مع قصص الغزوات والفتوحات الإسلامية خزعبلات أسطورية أقرب منها إلى الحقائق.

وقال: إن الأدباء اخترعوها والقصاصون ابتدعوها، ولم يكن لها أصل، وأنها من المهاترات والمزايدات التي ينبو العقل عن فهم بعضها أو عن الرضوخ لها، والمنطق المستقيم لا يرضاها، والأساليب العلمية والتفكير العلمي على حسب زعمه لا يمكن أن تؤمن بها.

واقرأ مقدمة كتاب على هامش السيرةتجد العجب، فبعد أن يشبه قصص السير والغزوات بأساطير. يقول: فأحاديث العرب الجاهليين وأخبارهم لم تكتب مرة واحدة ولم تحفظ في سورة بعينها، وإنما قصها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف، وقل مثل ذلك في السيرة نفسها، فلقد ألهمت الكتاب والشعراء في أكثر العصور الإسلامية، وفي أكثر البلاد الإسلامية؛ فكتبوها من الإلهام، فصورهم صور مختلفة تتفاوت بين القوة والضعف والجمال الفني... إلى آخر ما قال.

وعلى هامش السيرة يشكك بقصص وردت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كـبدر وأحد، ويشكك في نوايا الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم.

 التهجم على العقيدة بالتشكيك في شخصيات الأنبياء

أما كتابه الذي أسماه في الشعر الجاهلي فقد هاجم فيه عقيدة المسلمين، فتراه يعلن في الصفحات الأولى من كتابه أن قصة إبراهيم وإسماعيل في القرآن لا تكفي عندنا لإثبات وجود إبراهيم وإسماعيل التاريخي. يقول: إن وجود إبراهيم وإسماعيل كشخصيتين فيه نظر.

ولا يكفي القرآن ولا السنة ولا التوراة ولا الإنجيل أن تذكر إبراهيم وإسماعيل، قد تكون خيالية مثل قصة جحا، هكذا يقول.

وحينما هاجم طه حسين علماء الأزهر لأنه طلب أن يدخل في الأزهر، فامتحنوه فرسب في الامتحان في القاعة الكبرى ضحى، فذهب وتعلم الأدب في الغرب وألف كتيباً اسمه " ساعة في الضحى بين العمائم واللحى " هاجم فيه علماء الأزهر هجوماً بذيئاً، وقد اجتمع علماء الأزهر لما أخرج كتابه في الشعر الجاهلي فبدءوا بتكفيره وقالوا له: لو اعتقد ما كتب فقد كفر، فبادر إلى تغيير عنوان الكتاب وسماه في الأدب الجاهلي، ولكنه لم يغير شيئاً من السموم والكفر من داخل الكتاب، وقد تصدى له عدد من العلماء والأدباء الفضلاء؛ مثل شيخ الأزهر محمد الخضر حسين، ومصطفى صادق الرافعي في تحت راية القرآن، ومحمد أحمد الغراوي في النقد التحليلي، وأنور الجندي، ومحمد مهدي استامبولي ولك أن تنطقها الإسلامبولي، وغير هؤلاء.

ومنهم عبد الحميد جودة السحار صاحب كتاب " أبو ذر الغفاري " استقصى عناصرها وأخذها وسرقها من طه حسين ومن كتاب " أعيان الشيعة " للعاملي، وأيدهم على ما قالوا وثبت قضاياهم.

ومنهم: قدري قلعجي في كتابه " أبو ذر الغفاري أول ثائر في الإسلام " وكان هذا الكتاب ضمن سلسلة ألفها القلعجي تحت عنوان " أعلام الحرية " وفي هذا الكتاب يجعل دور ابن سبأ في التأليب على عثمان صحيحاً وسليماً ومشكوراً.

الرابع: علي ناصر الدين الذي سمى نفسه: " صاحب قضية العرب " فألف كتاباً عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وقد حذا حذو من سبقه في التهجم على عثمان الخليفة الراشد.

الخامس: صلاح عزام الذي أطلق على نفسه اسم: "صاحب الشباب المضنى " ألف كتاباً عن أبي ذر ملأه بالكذب والبهتان على الصحابة، وهو يحمل حقداً بلا شك.

 خالد محمد خالد وبعض المآخذ عليه

السادس: خالد محمد خالد وهو كاتب مصري معروف، وما زال حياً نسأل الله أن يزيده هدى أو أن يهديه أولاً، ويحتاج خالد محمد خالد إلى مقالة طويلة يتبرأ مما كتب في أول عمره صاحب كتاب " رجال حول الرسول عليه الصلاة والسلام " ولقد سمى أبا ذر في كتاب " رجال حول الرسول " زعيم المعارضة وعدو الثروات، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلم عليه في عنوان الكتاب، بل جاء مجرداً من ذلك، بل كان يردد محمد والمسيح، وإن محمداً، وإنسانية محمد، وحب محمد، وتربية محمد، ويكفي أن تنظر إلى بعض عناوين كتبه مثل: " معاً على الطريق محمد والمسيح " يريد أن يقرب وجهة المسيحيين من المسلمين، إنسانية محمد، كما تحدث الرسول، رجال حول الرسول، أبناء الرسول في كربلاء، عشرة أيام في حياة الرسول، خلفاء الرسول؛ هكذا يعنون لكتبه.

 خالد محمد خالد والاشتراكية

وبالمناسبة فإن الأستاذ خالد محمد خالد كان في أول عمره يؤمن ببعض النظريات الاشتراكية ويؤيدها، ويكتب في الصحف المصرية يرحب بها، وهو الذي قال في تأبين إستالين: طبت حياً وميتاً يا رفيق، يناديه لما مات في موسكو ونعاه في عمود كبير، والصحيفة موجودة ومحفوظة، يقول: طبت حياً وميتاً. وهذه الكلمة قالها أبو بكر رضي الله عنه للرسول عليه الصلاة والسلام لما قبله.

وجوزيف إستالين؛ مجرم عدو لله الملحد الذي أباد الشعب الروسي، وسحق أبناءه بالحديد والنار، وهو صاحب مواهب خاصة أعني: خالد محمد خالد حصل على شهادة العالمية من جامع الأزهر في نهاية الأربعينيات بعد أن عاش سني دراسته في هيئة الأزهرية وكان عنده لحية في وجهه ولكن ذهبت:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو     فلا رجعت ولا رجع الحمار

وكان عنده جبة ولبس بعدها البنطلون، ولبس البنطلون جائز، لكنه تشكل بعد الأربعينيات، وكان عنده قميص وعمامة على رأسه ولكنه خلع العمامة فيما بعد ثم استبدلها بغيرها من الهيئة الإفرنجية الحديثة، وسمح بنشر مقابلة صحفية التي أجرتها معه مجلة الكواكب زينت بصورته وهو يراقص امرأة.

نسأل الله أن يحفظنا وإياه وأن يهديه.

ظهر على الساحة الأدبية عام (1949م) كأحد الكتاب اليساريين في كتابه " من هنا نبدأ " وقد رد عليه الكتاب المسلمون، وغضبوا لله وخرجوا بأقلامهم في صبيحة غداة في يوم واحد مشهود عند الله عزوجل من الانتصارات عليه وبكتوه.

وقد أحدث الكتاب ضجة في الأوساط الدينية والأدبية لجرأة الكاتب على القيم السائدة في الأزهر، وعلى علمائه، فصودر الكتاب من الأسواق وسحب، واتهم صاحبه بالكفر، ثم ما لبث الأستاذ خالد محمد خالد أن استصدر حكماً من المحكمة المصرية بالإفراج عن الكتاب من الكفر بدعوى حرية الفكر.

ثم أكثر من الكتابة وأصدر الكثير منها له كتاب " مواطنون لا رعايا " يعرض فيها بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكل مسئول عن رعيته} فقال: نحن مواطنون لسنا رعية، لأن الرعية عنده مثل الغنم، يقول: نحن مواطنون فقط لسنا بغنم.

والرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد هذا،والذي أتى باحترام الإنسان هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي رفع قدره محمد صلى الله عليه وسلم.

وله " الديمقراطية أولاً " وله كتاب " الدين في خدمة الشعب " وله " الطوفان لكيلا تحرثوا في الأرض " ونشر مقالاً في جريدة قاهرية كبرى عام (1950م) أبّن فيه طاغية روسيا كما مر معنا بعنوان عريض قائلاً: طبت حياً وميتاً يا رفيق. وعلى إثر هزيمة (1967م) التي يسمونها نكسة (1967م).

فأطفأت شهب الميراج أنجمنا     وشمسنا وتحدت نارها الخطب

وقاتلت دوننا الأبواق صامدةً     أما الرجال فماتوا ثم أو هربوا

هم يفرشون لجيش البغي أعينهم     ويدعون وثوباً قبل أن يثبوا

الحاكمون وواشنطن حكومتهم      اللامعون وما شعوا وما غربوا

لهم شموخ المثنى ظاهراً ولهم     هوى إلا بابك الخرمي ينتسب

وكانت الهزيمة أمام دولة اليهود وأمام العجوز المسنة الهالكة جولدا مائير التي ضحكت على الذقون.

وكتب خالد محمد خالد بأنه اعتدل في فكره وعدل في أساليبه فالله أعلم.

وتبقى عليه الكلمات الأولى يجب أن يتخلى منها ويتبرأ منها إن كان صادقاً في توبته، ونسأل الله أن يكون صادقاً؛ فإنه كاتب ذكي مبدع إذا أراد أن يكتب، أخاذ في أسلوبه، وفي قلمه رشاقة، فإن كان كما قيل عنه فليتخل عن كتبه، فإن أهل السنة قالوا: لا بد لمن أساء إذا تاب أن يعود عن إساءته وعن كتاباته، وأن يتبرأ عن شعره وعن غنائه وعن حياته الأولى.

.

 فيليب حتي من الكتاب المستشرقين

* نماذج من أغلاط وافتراءات فيليب حتي، وفي التاريخ الإسلامي، وهو أمريكي الجنسية و(حتي) بكسر الحاء، ومنهم من ينطقها حتى وقرأها الجمهور حتي.

له تأليف أصول الدولة الإسلامية، وتاريخ العرب، وتاريخ سوريا وفلسطين، ومن افتراءاته قال في تاريخ العرب: ولقد تزوج النبي من نحو اثنتي عشرة زوجة بدافع الحب والشهوة -أخزى الله ذاك الكاتب- ثم سار على هذا المنوال وقال: ليس محمد إلا بشراً ومعجزته الوحيدة هي إعجاز القرآن.

وقال عن مبايعة أبي بكر: كانت مطابقة لمشروع دُبِّر بليل بين عمر وبينه وبين أبي عبيدة ليقتسموا الملك! سبحان الله! الذين لا يجد الواحد منهم خبز الشعير في الليل يقتسمون الملك.

من أغلاط فيليب حتي يقول: إن عمر جعل الدستور العسكري الاشتراكي سمواً للعروبة، كما ضمن للمؤمن الأعجمي درجة أسمى من غير المؤمن.

وقال عن الفتوحات الإسلامية: لم تكن الحماسة الدينية بين الحاجة الاقتصادية التي دفعت بمعاشر البدو الذي تكونت منهم أكثر جيوش الفتح إلى ما وراء تخوم البادية إلى الأراضي الخصبة في الشمال.

وقال عن خلافة علي: وكانت مشكلة علي الأولى هي التخلص من منافسيه، كأنه يتكلم عن أمته ومحيطه ولا يتكلم عن أناس أرادوا الله بأعمالهم.

وادعى أن السبب الذي دفع عائشة رضي الله عنها إلى الخروج ضد علي هو: حادثة الإفك لأن علياً نالها بالإفك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو من الشياطين.

 بروكلمان الألماني من الكتاب المستشرقين

ومعنا بروكلمان مستشرق ألماني له كتاب " تاريخ الشعوب الإسلامية " من افتراءاته في كتابه هذا في حديثه عن الكعبة المشرفة قال: وفي ركنها اليماني الشرقي الحجر الأسود الذي هو بحق أقدم وثن معبود هناك.

وقال عن مدى إيمان النبي صلى الله عليه وسلم: إن العقيدة في الله كانت تملأ قلبه أكثر فأكثر، وقد جعلته يرى أن الآلهة الأخرى لا وجود لها، فألغى الآلهة التي كان يؤمن بها في شبابه وجعلها إلهاً واحداً.

وقال: ومباهج الجنة هذه تتوجه إلى خيال الرجال دون غيرهم.

وقال: وادعى أنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فكلف بتشريع الصيام، وأراد بصيامه أن يرضي اليهود الذين جاوروه في المدينة وهو الذي اخترع الصيام من نفسه.

ويقول في حروب الردة: لم تلبث أن اجتاحت بلاد العرب بأكملها ردود الردة، ولم يكن للدوافع الدينية في ذلك دور يذكر، وإنما أريد فقط التخلص من سلطة حكومة المدينة غير المريحة والدكتاتورية.

ويرجع السبب في قتال خالد بن الوليد بأنه اشتهى زوجة مالك بن نويرة فقتل زوجها ليتزوج زوجته.

ويقول: إن عثمان أصله ارستقراطي.

ومن مفترياته: إن الطقطقة العلمانية يعني: الطقطقة التي دخلت على عثمان هي التي جعلته ينحرف عن علي بن أبي طالب لأن علياً يريد أن يلغي اعتبارات عثمان، انظر الكلام.

ومن مفتريات غيرهم من المستشرقين قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم سافر مع عمه إلى سوريا مرة وتعرف في بصرى على راهب نسطوري وتلقى منه علم التوراة.

الرسول صلى الله عليه وسلم سافر للتجارة ورأى بحيرى الراهب، أما أنه تعلم فمعاذ الله، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].

 جولد زيهر وآخرون

أما المستشرق جولد زيهر فهو يهاجم القرآن الكريم ويقول: فيه تناقض عجيب؛ فبينما يأتي بالقصة يناقضها في موضع آخر، فليس القرآن متجانساً، وليس فيه وحدة خيالية ولا منهجية، ولا تخرج فيه بقصة أو بقضية كاملة.

وقال مستشرق آخر ألماني: هضم الإسلام حق المرأة حيث أعطاها نصف نصيب الرجل من الميراث، وجعل الرجل يتزوج بأكثر من واحدة إلى أربع، وجعل الطلاق بيد الرجل، ومنح الرجل سلطة ليست للمرأة، فحرمها كثيراً من الحقوق التي يتمتع بها الرجل.

وقال المستشرق نوير متسائلاً: لماذا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النساء كلهن؟ إنها الشهوة الجنسية!

وقال هاونتو: إن الإسلام جمد المسلمين بعقيدة القضاء والقدر.

وقال بروكلمان: إن الحج مؤتمر الإسلام له فوائد، ولكن ما زالت فيه طقوس وثنية، ومن أهمها الكعبة وتقبيل الحجر الأسود، وهذه أمور وثنية.

 جورجي زيدان ورواياته

ومن المؤرخين المغرضين المتهالكين المحترقين النصراني جورجي زيدان، وهو لبناني، فإنه قد سل قلمه خبثاً وحقداً على الإسلام، شخصيته صنعتها المدارس التبشيرية في لبنان، رجل استخبارات بريطانية، وله علاقات وثيقة بالمستشرقين، ولذلك فإنه كان يردد مقولاتهم وافتراءاتهم، أسماء روايته: فتاة غسان، عذراء قريش، 17 سبعة عشر رمضان، غادة كربلاء، الحجاج بن يوسف، فتح الأندلس، شارل وعبد الرحمن أبو مسلم الخراساني، العباسة أخت الرشيد، الأمين والمأمون، أحمد بن طولون، عبد الرحمن بن ناصر، فتاة القيروان، صلاح الدين الأيوبي، شجرة الدر، الانقلاب العثماني، إلى غير ذلك من العناوين التي هاجم فيها الإسلام والذي أفرغ فيها حقده.

وأنا أحذر من مقالاته ومن كتبه؛ فهو من أعدا أعداء الإسلام، وقصصه وتمثيلياته ومسرحياته كلها سخف ووقاحة، يريد أن يهون من شأن الرسول عليه الصلاة والسلام، ويعتبره في مجموع كلامه أنه أعرابي بسيط أتى يريد الملك في جزيرة العرب، هذه بعض القضايا.

.

 كتب يجب الحذر منها

وبقية مسألة وهي: إنني أحذر من بعض الكتب مثل: " دائرة المعارف الإسلامية " فقد صدر بعدة لغات حية يعاد طبعها في الوقت الحاضر، وقد ظهر بعض أجزاء الطبعة الجديدة.

ومنها كتاب: " موجز دائرة المعارف الإسلامية "، " دائرة معارف الدين والأخلاق " " المقالات المتعلقة بالمسلمين "، " دائرة معارف العلوم الاجتماعية "، " دراسة في التاريخ " من تأليف توينبي، " حياة محمد " من تأليف موير، " الإسلام " من تأليف جوم، " دين الشيعة " من تأليف مستشرق ألماني، " تاريخ شارل الكبير " من تأليف القس يوهاند، " الإسلام ظهر " بالفرنسية من تأليف هنري لامنس، " الإسلام تحدٍ للعقيدة " ظهر بالإنجليزية من تأليف المبشر زويمر، " دعوة المئذنة " ظهر بالإنجليزية من تأليف كنج كراج، " الإسلام اليوم " بالإنجليزية من تأليف آربري، " ترجمة القرآن " الترجمة الإنجليزية من وضع آربري وهو مختلط مختلف، " تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي " ظهر بالألمانية، " تاريخ العرب " ظهر بالإنجليزية وطبع عدد مرات وبالعربية من تأليف فيليب حتي، " اليهود في الإسلام " ظهر بالإنجليزية من تأليف إبراهام كاش، " عقيدة الإسلام " ظهر بالإنجليزية من تأليف مستشرق ألماني الحلاج الصوفي الشهيد في الإسلام " تأليف لوي " الحرب والسلام في الإسلام " من تأليف مجيد قدوري، إلى غيرها من الكتب التي أحذر منها الناشئة والشباب إلا من وثق من نفسه رشداً وعلماً وثقافة.

 إعادة صياغة التاريخ وأهم كتبه

أيها الإخوة: هذه أغلاط في التاريخ، والذي أريد أن ألخصه في كلمات:

أولاً: أن التاريخ الإسلامي ما زال بحاجة إلى إعادة صياغة.

الثاني: إن أقرب التواريخ عندنا الآن:

" تاريخ الإسلام " للذهبي؛ الحافظ، العدل، الإمام، الثقة، فإنه مؤرخ الإسلام، وهو أقرب تاريخ إلى الصواب.

الثاني: " البداية والنهاية " لـابن كثير.

ونحو هذه الكتب، وإن أعظم وثائق التاريخ لهو القرآن الكريم ثم كتب السنة.

إن علينا أن نتثبت من الروايات التي يكتبها مثل هؤلاء الكتبة من المغرضين، أو من تتلمذ على المستشرقين، أو ممن يحمل فكراً معادياً للإسلام كملاحدة العرب وماركسيي العرب، وقوميي العرب، وبعثيي العرب، وثوريي العرب، فإن هؤلاء يجب علينا أن نعلم أنهم لن ينصحوا لله ولا لرسوله في كتابة التاريخ.

 ماذا يجب علينا مع الكتب

ثم إنا نطالب أنفسنا بقراءة سيرته عليه الصلاة والسلام من كتب السنة الصحيحة ونعرضها على أهل العلم.

ثم إني أطالب الجيل إذا رأوا مقولة مشوهة أو مستغربة فإن عليهم أن يراجعوا أهل العلم في ذلك، ويستشيروهم في صحتها وفي ثبوتها وألا ينشروها في الناس.

ونطالب أيضاً بإبادة هذه الكتب، ولا يسمح بنشرها وأن تزال من أفكار الأمة ومن ضمائر الجيل، حتى يبقى على صفاء عقدي وفكري ومنهجي، ويكون على استقامة تامة.

الأغلاط كثيرة وربما يكون هناك أوهام وموضوعات تعرض -إن شاء الله- بتفصيلٍ؛ فإن هذا أشبه بعموميات.

ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.

 خاتمة حول الصوم والتصدق

قبل أن أنتهي هناك قضيتان:

القضية الأولى: اليوم المنصرم هو اليوم الثامن من المحرم فيما ظهر لكثير من العلماء وليس اليوم التاسع؛ فمن أراد أن يصوم فليصم غداً وبعد غد أو بعد غد وبعده. التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، ولا يظن أن من صام اليوم أنه قد خسر بل قد باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً، فهنيئاً لمن صام اليوم ولا يندم على ذلك ولا يأتينا بقصة الأعرابي التي كررناها كثيراً، ولا بأس من تكرارها.

أعرابي مرض له حمار، فنذر وعاهد الله إن شفى الله حماره أن يصوم سبعة أيام، فشفى الله حماره فصام سبعة أيام، فلما انتهت السبعة مات الحمار. فقال: يا ربِّ تفعل كذا، لو أمت الحمار قبل أن أصوم، والله لأحتسبنها من رمضان، فصام من رمضان 23 يوماً.

ذكر هذه القصة ابن الجوزي في كتاب " الحمقى والمغفلين " فلا يندم أحد ولا يحتسب هذا اليوم من رمضان، بل يحمد الله أن أعانه على صيام هذا اليوم، لأن بعض الناس عندما قلت: اليوم ثمانية. قالوا: الله المستعان! أي: لأنه صام اليوم.

القضية الثانية أيها الإخوة: عرض عليَّ بعض الأخيار أن عليه ديوناً وعليه وله متطلبات، وقد اطلعت على أحواله، وأصيب بحادث سيارة هذا اليوم، أذهب الحادث سيارته، ونجا هو وأهله، وليس عنده شيء.

مساعدة المسلم أمر مهم، وأنا لا أذكر اسمه فهو متعفف، لكن قضية أن نقف مع المسلمين وأن نقدم العون لهم أمر مطلوب وواجب شرعي، فمن عنده خير وأراد أن يساهم في الخير فليضعها عند الإخوة الذين بالباب.

أما الأسئلة هذه الليلة فأظنها سوف تكون بعيدة؛ لأن موضوع الحديث كان غريباً أو بعيداً عن مسار المعهود.

 وليد الأعظمي وتنقيح الأغاني

السؤال: يقول: أريد أن تنوه بكتاب السيف اليماني في نحر الأصفهاني لـوليد الأعظمي؟

الجواب: وهذا كتاب لا بأس به نبه على الخزعبلات التي في كتاب "الأغاني " لـأبي الفرج الأصبهاني.

 وصية لمدرسي التاريخ

السؤال: كيف توصي مدرس التاريخ في مدارسنا؟

الجواب: أوصيهم بتقوى الله، وأوصيهم كذلك أن يعرضوا التاريخ الإسلامي عرضاً إسلامياً مؤمناً، وأن يربطوا بين الكتاب والسنة وبين التاريخ؛ فإن في التاريخ عبر لمن أراد أن يعتبر، ولا يلقونه كمعلومات مجردة فحسب.

هذه أهم القضايا في هذا الدرس هذه الليلة.

وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والعون والسداد.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

نسخة نصية للطباعة , أغلاط في التاريخ للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2698090149
عدد مرات الحفظ
682399312

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009