إسلام ويب

البعوضة في القرآنللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى شرع الدين الإسلامي، وعضده بوحي من عنده وهو القرآن الكريم، الذي أنزله الله بلغة العرب، ليفهموا كلامه وليفقهوا أمثلته، ومن الأمثال التي أوردها الله سبحانه وتعالى البعوضة، وقد رد سبحانه في هذه الآية على من يكفر بالله، ويستبعد أن يضرب هذا المثل، ويذكر الله في القرآن الكثير من هذه الأمثلة،فيهتدي أناس ويضل أناس.

    1.   

    شرح آية ضرب المثل بالبعوضة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..

    ومع كتاب الله النور المبين, والصراط المستقيم, ومع آيات محكمات, وعظات بالغات:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:26-27].

    فما زال الحديث في القرآن معترك بين الكفار والمؤمنين, والله عز وجل قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25] فلما انتهى سُبحَانَهُ وَتَعَالى من هذه الآية، وكأنه أنزل أهل الإيمان الجنة دار الرضوان، وكأن أهل البغي والطغيان أنزلهم ناراً تلظى، قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] والسؤال: ما هو سبب نزول هذه الآية؟ والسؤال الثاني: هل يطلق الحياء على الواحد الأحد؟

    سبب نزول آية ضرب المثل بالعبوضة

    فأما سؤال: ما هو سبب نزول هذه الآية؟ فلأهل العلم قولان:

    الله ضرب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ما يقارب من البعوضة وما فوقها وما دونها أمثلة في القرآن, وذكر الله النحل وهي حشرة خلقها وفطرها وهداها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وذكرها في كتابه فقال: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل:68] وهي آية من أكبر الآيات.

    ولذلك ينقل الأستاذ سيد قطب في الظلال عن كريسي موريسون الأمريكي صاحب الإنسان لا يقوم وحده , يقول: أعظم آية على أن هناك قدرة: هذه النحلة, قال: من يدلها أن تقطع آلاف الأميال، وتأتي من الجبال إلى خليتها فلا تضل خلية إلى غير خليتها, أعندها (هوائي)؟ قال سيد قطب: لا يوجد عندها هوائي ولكن عندها: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل:68] فقال الكفار: رب قدير كبير عظيم ويتحدث عن النحل! والنحل حشرة صغيرة، والعظماء على زعمهم لا يتحدثون في الحشرات.

    وذكر الله الذباب، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:73-74] قال كفار مكة: رب محمد يضرب المثل بالذباب.

    وذكر الله النمل فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18] يقول بعض أهل اللغة: نادت، وأمرت، وبينت، واستثنت، واعتذرت وختمت, فنادت فقالت: يا أيها النمل, وأمرت فقالت: ادخلوا, وبينت فقالت: لا يحطمنكم سليمان وجنوده, واعتذرت وختمت فقالت: وهم لا يشعرون, فسبحان من علمها وعلم سليمان منطقها!

    فلما كثر القيل والقال رد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليهم، وأقول: إن سورة البقرة تعتني -كما يقول أحد المفكرين- بالنسف والإبادة وبالردود, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] الله يضرب الأمثال بالبعوض وما فوق البعوض، وهو الذي خلقها، وهو الذي سواها, فهذا هو سبب نزولها عند بعض المفسرين.

    القول الثاني: وقال قوم من أهل التفسير ومن أهل السنة: سبب الآية أن الله عز وجل لما ضرب بعض الأمثلة في القرآن قالوا: ما هذه الأمثلة، القرآن وهو كتاب معجز تضرب فيه الأمثلة, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:17] ثم بعدها بآية قال: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:19] قالوا: كيف يضرب الله هذه الأمثال؟! فرد الله عليهم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26].

    إثبات صفة الحياء لله عز وجل

    أما بالنسبة للسؤال الثاني: هل يطلق الحياء على الله عز وجل؟

    جاء عند الترمذي وابن ماجة وأبي داود والحاكم وصحهه من حديث سلمان قال عليه الصلاة والسلام: { إن الله يستحي من أحدكم إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً} في لفظ: {إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً} سبحان الله! يستحي منك الله إذا رفعت يديك إليه أن يردهما صفراً, لا يرد لك طلباً، وهو يستحي منك وأنت لا تستحي منه!

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة     والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    وورد في الحديث: {إن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام} فنطلق هذه الصفة على الله ونقول: له حياء يليق بجلاله, لا نكيفها، ولا نشبهها، ولا نمثلها، ولا نعطلها.

    وقد ورد في الحديث الصحيح: {إن الله يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً} فلابد أن يرد الله في يديك شيئاً, فأكثر من سؤال الله, ومن الالتجاء إلى جنبات الواحد الأحد.

    لا تسألنَّ بني آدم حاجة     وسل الذي أبوابه لا تحجب

    الله يغضب إن تركت سؤاله     وبني آدم حين يسأل يغضب

    والفرق في هذه المسألة بين الخالق والمخلوق: أن المخلوق إذا سألته غضب عليك، ولذلك جاء عند ابن ماجة بسند صحيح: { أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: ازهد في الدنيا يحبك الله, وازهد فيما عند الناس يحبك الناس} فلا يحبك الناس إلا إذا زهدت فيما عندهم, ولا يحبك الله إلا إذا سألته.

    وأحب الناس إلى الله أكثرهم مسألةً ولجوءاً ودعاءً، وإذا رأيت العبد يرفع يديه دائماً، ويقول: يا رب.. يا عظيم.. يا كريم.. يا إلهي.. فاعلم أنه قوي الإيمان.

    واللجوء إلى الله من أعظم ما يمكن أن يقرب العبد من الله, قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] وقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55] وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62].

    إنه ليوجد من البدو مؤمن موحد يعرف الله والدار الآخرة, ويوجد من المثقفين ملحد زنديق رعديد، يحمل الشهادة الجامعية ولكن عقله عقل حمار..! قال تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66] وقال: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

    ويوجد في أهل البادية من يحافظ على الصلوات الخمس، ومن يصلي في الليل ويدعو الله ويبكي، ويوجد من طلبة العلم من بلغ درجة البرفسور أو الأستاذ المشارك وهو لا يحافظ على الجماعة، ولا يتلو القرآن، ولا يعرف الواحد الديان..!

    قصة توضح استحياء الله من عبده إذا دعاه

    وحدثنا بعض الدعاة بهذه القصة فقال: نزل رجل أعرابي في الصحراء, فارتحل عن الغدران والأودية مسافة يومين ومعه أهله وأطفاله، أصابهم عطش شديد فلما بحث عن الماء لم يجده طلبه أطفاله ليشربون وطلبته زوجته فلم يجد ماءً, قال: انتظروا قليلاً..! فذهب وراء الجبال فلم يجد ماءً, رجع وترك ما وراء الجبال، والتجأ إلى ذي الجلال, كما قال الله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] فتيمم وصلّى ركعتين ورفع يديه؛ لكنه مضطر صادق وبكى.. وقال: يا رب! التجأنا إليك أنا وزوجتي وأطفالي, من ينقذنا يا رب؟! كيف يرد الله هذه الكلمات؟! أيرد الله يديه صفراً؟! أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] وقال: والذي فلق البحر لموسى ما انتهيت إلا والغمامة على رءوسنا غطت ما بين الجبلين, قال: فأنزل الغيث فإذا بالسيل من جانبنا ودخلنا الخيمة حتى انتهى السيل, قال: فأخذ أطفالي وزوجتي يتضاحكون من قرب الفرج ومن كرمه عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً     فإنه الركن إن خانتك أركان

    فالشاهد: أننا نطلق الحياء على الله، لكنه حياء يليق بجلاله، ما دام أنه أطلقه على نفسه فما هو المانع من إثباتها لله؟ ولكن العبرة ليست في إطلاق الصفة فهي ثابتة, لكن العبرة يوم يستحي الله من العبد ولا يستحي العبد من الله! يا سبحان الله! رب يستحي من عبده وخالق يستحي من بعض خلقه ألا يستحي المخلوق من الله؟!

    تصور أن ملكاً من ملوك الدنيا -ولله المثل الأعلى- دخلت عليه فقال: يا فلان! والله إني أستحي منك، ولولا حيائي منك لفعلت بك وفعلت..! فتخرج أنت وتعصيه, ثم دخلت عليه، وقال: إني أستحي منك أن أعاقبك..! هل بقي لك وجه أن تقابله؟! أما عندك حياء أن تستحي منه؟

    والله لا يستحي من الحق، أتت أم سليم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق -هذه مقدمة لطيفة ظريفة- فأقرها صلى الله عليه وسلم, وكان عندها في صدرها كلام, لكن قدمت ديباجة بين يديها, ما هو المعنى؟ تقول: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق.. ماذا تتصورون؟ عندها سؤال فيه حياء, وسؤال شائك, وسؤال تستحي المرأة أن تسأله العالم, وخاصة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم, لكن طرحت السؤال: إن الله لا يستحي من الحق, هل على المرأة غسل إذا رأت الماء؟ -أي احتلمت ورأت الماء- فقالت أم سلمة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم: تربت يمينك! فضحت النساء -في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم- تقول: ما هذا السؤال المجحف الذي فضحت به النساء, فقال عليه الصلاة والسلام: {بل تربت يمينك أنت يا أم سلمة، نعم. على المرأة غسل إذا هي رأت الماء}.

    فالشاهد أنه أقرها صلى الله عليه وسلم على هذه المقدمة (إن الله لا يستحي من الحق), كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً [البقرة:26].

    مع أهل اللغة والأدب في قوله تعالى: (مثلاً ما)

    والآن نريد أن نعرب (مثلاً ما) مثلاً: منصوب على أنه مفعول به, ما: بدل أو صفة جائزة عند أهل النحو, أو منصوبة على نزع الخافض حرف مجرور مقدم, أو حال، أو تمييز في مقام الحال, كلها معربة.

    والمعنى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا [البقرة:26]. أي مثل, أو مثل ولو صغر, أو مثل من أي مثل موجود, وهو المعنى الذي قلته أولاً, ما بعوضة, ما هي البعوضة؟ أولاً الله له أن يضرب المثل بما يشاء من الأشياء، والله عز وجل له أن يقسم بما يشاء من خلقه, وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالخالق, والعرب تضرب الأمثلة.

    وذكر الرازي في كتابه التفسير الكبير أن من عادة العرب ضرب الأمثلة, يقولون: أجرأ من ذئب, وأشجع من أسد، وأجبن من غراب, وأحقد من جمل, وأحمق من حمامة.

    ولا بد أن نقف قليلاً، ومن يقرأ كتاب الحيوان للجاحظ يتعجب من هذا الكون الذي خلقه فاطر السموات والأرض, كيف ركَّب عقل هذه.. وكيف سوى هذه.. وحسّن هذه.. وقبح هذه.. وجعل لهذه منقاراً.. ولهذه أجنحة.. ولهذه مخلباً.. سبحانك!

    وكتاب الحيوان للجاحظ يقربك من التوحيد إذا كنت مؤمناً, فقالت العرب: أحمق من حمامة والسبب يقولون: خرج صياد بقوسه وبكنانته يريد صيد حمامة, فأخذت تولول وتغني هذه الحمامة وجارتها في العش, فأردات أن تنصحها أن تسكت, فقالت: اسكتي اصمتي من صمت نجا, فأطلق عليها الصياد فقتلها, مثل هذه القصص نوردها, لأن صاحب كتاب الحيوان الجاحظ يوردها لضرب الأمثلة، وصاحب كليلة ودمنة يقول: يضربونها مثلاً للناس.

    حتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لما قتل عثمان قال له الناس: تولَّ الخلافة, قال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] قالوا: ما هذا المثل يا أمير المؤمنين؟ قال: كان في الصحراء أو في حديقة ثلاثة ثيران: أحمر, وأبيض, وأسود, فأتى الأسد ويقال للأسد أبو معاوية، وهو يأكل الرجال أكلاً عريضاً, أشجع الحيوانات الأسد, ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:50-51] وهو حاكم الغابة, فأتى إلى الثيران فإذا هي ذات قرون، وعضلات، وثلاثة إذا اجتمعت عليه وهو وحداني لا يستطيع..! فأتى إلى الثور الأسود ودعاه بينه وبينه بالنصيحة والدين النصيحة, فقال: إني أرى الأبيض والأحمر يأكلان مأكلك وعشبك, قال: فما رأيك فيه؟ قال: ما رأيك نستعين بالأحمر لقتل الأبيض قال: نعم, فدعوا الأحمر ونصحوه, فاجتمعا فقتلا الأبيض, ثم أتى إلى الأسود وقال: الأحمر هذا مغرض عليك فما رأيك فيه؟ قال: نقتله فتعاونا فقتلا الأحمر, قال: ما بقي إلا أنت يا عدو الله..! فأكله.

    قال علي بن أبي طالب: لا تظنوا أني باقٍ وقد قتل عثمان، فأنا في الطريق, وهؤلاء العظماء قتل عمر، وقتل عثمان وقتل علي، وذبح زكريا، وذبح يحيى.

    ولسنا على الأقدام تدمى كلومنا     ولكن على أعقابنا تقطر الدما

    تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياة مثل أن أتقدما

    تفسير قوله: (فما فوقها)

    البعوضة: حشرة صغيرة, بعض العامة يسميها (النامس) والله أعلم بتسميتها, لكن هي حشرة صغيرة، وكأنها من أصغر الحشرات, شبه الذرة.

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا [البقرة:26] أن يمثل بالبعوضة، وبالذباب، وبالنملة، وبالنحلة, لكن العجيب (فما فوقها) ما هو تفسير فما فوقها؟ يعني: أكبر منها أو أصغر منها, لأهل العلم رأيان وقولان:

    1- قول يقول: المعنى: فما أكبر منها, فأصغر شيء البعوضة.

    2- قال: فما فوقها: فما أصغر منها, يقال لك: الرجل بخيل فتقول أنت: بخيل وفوق ذلك, أي: بخيل وزيادة, يقال: الرجل شحيح فتقول: شحيح وفوق ذلك، أي: من أشد الناس شحاً وكأن المعنى أقل في الكرم، فهذا من باب فما فوقها أي: فما أصغر منها.

    وكلا المعنيين محتمل والله أعلم وأدرى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى له أن يضرب الأمثال لأنه يخاطب العرب بلغتهم. يقولون في الشجاعة: أشجع من الأسد, ولذلك من قتل الأسد عند العرب فهو من أشجع الناس.

    والعجيب أنه وجد بطل في العرب قتل أسداً، ولم يقتله بالسيف بل قتله بعصا, وهو أمير من أمراء الأردن؛ فقد خرج أحد الأسود ودخل المدينة، فناداه الناس، فترك السيف معلقاً وأخذ عصا، وشمر عن ساعديه، ونزل فاستقبل الأسد فضربه أول ضربة ثم يلحقه ضربات على رأسه حتى قتله..! فأتى فعقدوا له مهرجان بـدمشق يمدحونه, يقول المتنبي الشاعر:

    أمعفر الليث الهزبر بسوطه      لمن ادخرت الصارم المسلولا

    يطأ الثرى مترفقاً في مشيه     فكأنه آسٍ يجس عليلاً

    يصف الأسد وهو يمشي في تبختر وكبرياء كأنه طبيب يجس مريضاً، وقال: أنت أيها البطل كيف تعفره بعصاك، فلمن تدخر السيف؟

    أمعفر الليث الهزبر بسوطه     لمن ادخرت الصارم المسلولا

    ومثلوا البلادة بالحمار, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] ومثلوا بالكلب للذي لا يغير حاله، فمثلاً: إنسان تكرمه أو تهينه سيان, تعلمه أو يبقى جاهلاً, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176].

    إذا أنت أكرمت الكريم ملكته     وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

    هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا     على الدر واحذره إذا كان مزبدا

    أو كما قال.. وهذا للمتنبي في قصيدة طويلة مطلعها يقول:

    لكل امرئ من دهره ما تعودا     وعادة سيف الدولة الطعن في العدا

    إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] انتهى من ضرب المثل وأثبت له صفة الحياء سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, لكن أتى التفصيل في الأمثال.

    أقسام الناس بالنسبة لما ينزل من القرآن

    فقال سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26] يعلمون أنه الحق, فما هو هذا الحق؟ قيل: القرآن, وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم, وقيل: الإسلام.

    والقرآن إذ نزل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إذا قرئ حتى اليوم وبعد اليوم ينقسم الناس تجاهه إلى قسمين: قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الكفار: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً [فصلت:44] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19].

    والخطيب يوم الجمعة إذا قرأ الآيات، انقسم الناس إلى قسمين: قسم يزداد إيماناً وبصيرة وهداية ورشداً وتوفيقاً، وقسم يزداد نقصاً؛ لأنه منافق فاجر لا يريد القرآن ولا السنة, وهو إنما يصلي مع الناس عادة لا عبادة، قال الله: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142].

    إذاً فيقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26] يعلمون أن هذا الدين والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن حق من عند الله.

    وقال بعضهم - وهو الصحيح إن شاء الله-: يعلمون أن المثل -وهو الصحيح إن شاء الله- من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وأنه يضرب الأمثال وأنه يقص سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ما شاء, فسبحان الله كيف يتفاوتون إيماناً!!

    وتصور أن الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي بك صلاة الفجر أو العشاء، وتصور كيف يتلقى أبو بكر وعمر وعثمان وعلي القرآن، فإنهم كل يوم يزدادون إيماناً, وتصور المنافق كيف يزداد عمى من القرآن؛ لأنه يبغض القرآن ولا يحبه, قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].

    ثم يقول: فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26] أي: هذا المثل وأنه وارد، وأنه صحيح, والله ضرب الأمثلة كثيراً في القرآن قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى--: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد:35] أي: صفة الجنة, وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] وقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25]

    ثم ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مثلاً آخر: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً [البقرة:26] أي: لماذا يأتي بهذه الأمثال؟ ما هو المقصود منها؟ فهم كفروا وشكوا، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26] قيل: يضل بالرسول ويهدي به, وقيل: يضل بالقرآن ويهدي به, ويضل بالإسلام ويهدي به, ويضل بالمثل ويهدي به.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26].

    أولاً: هل يضل الله عباده؟

    قال تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25] والله هو الهادي, وجعل محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً، فقال: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7] وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] , وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى طالباً المؤمنين أن يدعوه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وقال جل شأنه: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35] فهو يهدي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فهل يضل عباده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟

    عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله خلق العباد وأفعالهم, قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] وأن الله خلق الهداية، وخلق الإضلال، وأنه قدر الخير، وقدر الشر, ولكن مع خلق الله عز وجل للإضلال وتقديره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لكنه لا يحبه ولا يرضاه, خلق الكفر ولا يحبه, وقدره ولا يرضاه, وأراده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولكنه لا يحبه, وهذا الإضلال من كسب العبد, فإن للعبد مشيئة لكنها تحت مشيئة الله, قال سبحانه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29] فمن ضل فلا يحتج بالقضاء والقدر بل له كسب وسبب, فهو الذي فعل, ولو أن الله قدر عليه لكن لا حجة له, ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة:26] والسؤال: كيف يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة:26]؟ لأن الأستاذ مثلاً -ولله المثل الأعلى- إذا قيل له: أنجح الطلاب أم رسبوا؟ فيقول: نجح كثير من الطلاب ورسب كثير من الطلاب, وإن قلت: نجح قليل ورسب كثير كان الجواب صحيحاً, لهذا يقال: قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة:26] أي أن هؤلاء الكثير بالنسبة لغيرهم قليل, لأن الله عز وجل يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] وقال: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].

    نزل عمر بن الخطاب إلى السوق فسمع أعرابياً يبيع ويشتري، ويقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل, فوكزه عمر بالدرة, وهذه الدرة كانت تقوّم الذين في رءوسهم وساوس, هذه الدرة تدخل النور في بعض القلوب وتوقظ بعض الأذهان, فضربه ووكزه قائلاً: ما لك ولهذا الدعاء؟ فسّر لي هذا الدعاء؟ قال: يا أمير المؤمنين! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] فأسأل الله أن يجعلني من ذاك القليل, قال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر..! بل أنت من أفقه الناس, ومن أعلم الناس.

    وأقل الناس الآن هم أهل الهداية، ولذلك لا تستغربوا أن تجدوا في هذا المسجد أو في غيره من المساجد كثيراً من الناس؛ لكنهم بالنسبة للفجار، وللمنحرفين والضائعين والضالين لا يساوون نسبة تذكر. قاعات من قاعات الغناء والسمر والساعات الحمراء يحضرها الألوف المؤلفة, الأستاد الرياضي يحتشد فيه بالألوف المؤلفة وعشرات الآلوف,وإذا أتيت لأهل الدروس، وأهل الطلعات الخيرة، وأهل الصحوة الإسلامية وأهل الوجوه النيرة تستصغرهم بجانب أولئك.

    تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا      فقلت لها إن الكرام قليل

    وما ضرنا أنا قليل وجارنا      عزيز وجار الأكثرين ذليل

    لأن الأقلين فيهم خير فلا يعجبك كثرة الخبيث.

    والناس ألف منهم كواحدٍ      وواحدٌ كالألف إن أمر عنا

    وإن تفق الأنام وأنت منهم     فإن المسك بعض دم الغزال

    خرج عليه الصلاة والسلام للأمة العربية، وهي قبائل مثل الموج, فأتى يدعو فأخذ أبا بكر ثم عمر وعثمان وطلحة وعلياً والزبير فكان يربيهم حتى أصحبوا ما يقارب الثلاثمائة, فغرس الإيمان في قلوبهم، وسكب لا إله إلا الله في أرواحهم، ووجههم إلى الدار الآخرة؛ ففتحوا الدنيا, فلما فتح الله عليهم الفتوح أتوا يدخلون بالعشرات، لكن كل عشرة بريال..! نحن لا نستهزئ بأحد لكن أتجعل مسلماً في الفتح كمسلم ما قبل الفتح؟ لا يستوون، والله ذكر ذلك, ولذلك يكون الذين أسلموا بالعشرات والمئات فروا في المعارك وما بقي إلا الأسماء اللامعة التي أسلمت على يقين, قال الله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [النصر:1-2] ما دخلوا في أول الإسلام أفواجاً لكن اليوم دخلوا بكثرة، فقال الله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:3].

    إذا -أيها الأخيار- يضل الله من يشاء بالأمثلة ويهدي من يشاء, ويثبت هذا الحديث بما يليق به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويليق بجلاله وصفاته وذاته وعظمته تبارك وتعالى وتقدس وتنـزه.

    1.   

    أسباب الهداية

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26].

    وأسباب الهداية أربعة:

    من أسباب الهداية: تدبر القرآن والسنة

    فإنك إذا تدبرت الكتاب والسنة زادك الله هداية وفتحاً وتوفيقاً.

    من أسباب الهداية التدبر في آيات الكون

    كل شيء في الكون تتدبره ونتفكر فيه.

    بك أستجير ومن يجير سواكا     فأجر ضعيفاً يلتجي بحماكا

    أذنبت يا ربي أصابتني ذنوب      ما لها من غافر إلاكا

    إبليس يخدعني ونفسي والهوى     ما حيلتي في هذه أو ذاكا

    هذا شاعر السودان يعلن الإيمان في قصيدته.. لأن بعض الناس يدخل الجنة بالشعر, وبعضهم يدخل النار وهو يسمع القرآن, ثم أتى يتحدث وقد ذكرتها أكثر من عشرات المرات لكنها جميلة:

    قل للطبيب تخطفته يد الردى     من يا طبيب بطبه أرداكا

    وأحد شعراء اليمن واسمه ابن دريد

    يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا

    وابن دريد هذا عقلية فياضة، لغوي وإن أسرف في اللغة, جلس يتعلم في اللغة حتى أسرف وتجاوز الحد ولو فرغ هذا الجهد في القرآن والسنة لكن أحسن, له زميل له اسمه نفطوية , كانا يتحاسدان فألف ابن دريد كتاب الجمهرة , قال نفطوية: ابن دريد بقرة ألف كتاب الجمهرة..! فرد عليه ابن دريد قال:

    أحرقه الله بنصف اسمه     وجعل الباقي عويلا عليه

    حيث إن اسمه: "نفطويه"..! ونفط: هذا الديزل والبنزين المعروف فيقول: يحرقه بهذا وجعل الباقي "ويه" عويلاً عليه.

    فأتى ابن دريد بقصيدة مشرقة فيها حكم يقول:

    يا ظبية أشبه شيء بالمها     ترعى الخزامى بين أشجار النقا

    والناس ألف منهم كواحدٍ      وواحدٌ كالألف إن أمر عنا

    ثم يقول في القصيدة:

    وإنما المرء حديث بعده     فكن حديثاً حسناً لمن وعى

    يقول: أنت بعد موتك ستكون حديثاً فكن حديثاً حسناً, فاستهزأ به نفطوية وعارضه بقصيدة هزلية يقول فيها:

    وحمل بر من حمول تستر     أفضل للمسكين من حمل النوى

    يقول: من حمل على الجمل براً أفضل له من أن يحمل عجم الفصم هذا..!

    من دخلت في عينه مسلة     فاسأله من ساعته عن العمى

    من طبخ الديك ولم يذبحه     فر من القدر إلى حيث انتهى

    الشاهد أنه جاء رجل من أهل اليمن مؤمن موحد, ذكر عنه أنه كان يستسقي للناس فما يعودون من المصلى إلا والغيث يبلُّ ثيابهم, ويقولون: ترك هذا اللعب والتغزل وأتى بقصيدة اسمها "منظومة التوحيد" استطلعها قال:

    سبحان من يعفو ونهفو دائماً     ولم يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعه     جلاله عن العطا لذي الخطا

    من أحسن الظن بذي العرش جنى      حلو الجنى الشائك من شوك السفا

    إلى أن يقول:

    لا بد أن ينشرنا كما زوى     جوداً وأن يمطرنا كما ذوى

    لطائف الله وإن طال المدى     كلمحة الطرف إذا الطرف سجى

    يقولون: ألقى هذه في صلاة الاستسقاء، فعاد الناس والغيث على رءوسهم يسكب سكباً, علم الله تلك القلوب كيف أشرقت بحبه ووصلت إليه, وهو الذي يريده صلى الله عليه وسلم من القلب وهو أن يتعرف على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, الذي أنا قلت: من أسباب الهداية الكتاب والسنة والثاني: التأمل في آيات الكون، في الزهرة وفي النحلة، وفي لمعة الضياء، وفي الماء، قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105] كم نخرج إلى النزه؟ كم نجلس في الرحلات في الحدائق الغنَّاء؟ لكننا لم نتفكر فيها ولو لمحة, تنظر إلى فعل البشر ولا تنظر إلى فعل خالق البشر, تنظر إلى إبداع البشر ولا تنظر إلى إبداع رب البشر.

    حتى طلاب العلم والدعاة يجلسون في حديقة من حدائق البلدية، فينظر أحدهم إلى السور ويقول: سبحان الله ما أحسن إبداعهم في هذا السور..! انظر إلى الحديد كيف ركبوه..! وهذه اللمبات الكهربائية، والماء كيف أجروه..! وكيف ضربوا هذه البويات وأخرجوا هذا الزجاج..! لكنهم لا يقولون: انظر إلى النبات، وكم أنواعها، إنها مئات الأنواع هذا أبيض، وهذا أحمر، وهذا طويل، وهذا قصير. سبحان الخالق! قال تعالى: وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق:7] وقال: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] لكن من يتلذذ ومن يتفكر؟! ومن يسأل النبت من الذي خلقه وأبدعه؟! إنه الله.

    من أسباب الهداية: كثرة الدعاء

    من أسباب الهداية: كثرة الدعاء والالتجاء إلى الله الواحد الأحد:

    فتطرح نفسك بين يديه، فإنه سوف يهديك لا محالة, قال ابن تيمية: " من أكثر من الدعاء فتح الله عليه فتوحاً لا تدور بالخيال ولا تخطر بالبال " أحد المحدثين في خراسان اسمه الحمَّال كان يدرس الناس الحديث, فأراد السلطان أن يقطع هذا الدرس فأرسل إليه رسول يقول له: لماذا لا تقطع الحديث، السلطان سوف يقتلك؟ قال: لا والله، بل يقتله الله قبل أن يقتلني, قالوا: سبحان الله! هو حي يرزق وسوف يقتلك الليلة, قال: والله لن يقتلني إن شاء الله, قالوا: ولم؟ قال: لأني سجدت لله، فقلت: يا قاصم الجبابرة! اقصم فلاناً.. قالوا: فخرجوا من المسجد فوجدوه قد اغتيل في السوق.

    وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن سفيان الثوري دخل الحرم وكان أبو جعفر المنصور يبحث عن سفيان الثوري ولو وجده بين النجوم ربما أرسل من يأتي به, وسفيان الثوري لم يأخذ مالاً ولا سلاحاً ولا دوراً ولا قصوراً, إنما كان إذا لقي أبا جعفر أمام الناس يأخذ بتلابيب ثيابه وينصحه, خليفة الدنيا, فأراد أن ينكبه لأنه أيضاً يتكلم في الظلم ويتكلم في المنكر, فدخل الحرم وسفيان الثوري يصلي, قال له الناس: يا سفيان أقبل أبو جعفر المنصور ليدخل الحرم، فتعلق بأستار الكعبة، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله لن يدخل الحرم, قالوا: ولِمَ؟ قال: يقتله الله, فلما بلغ بئر ميمون -وأنتم تعرفون التاريخ- مات قبل ليلتين من الحرم.

    ابن تيمية في معركة شقحب وهذا من القسم على الله عز وجل، وهو سؤال الله أتى بالمصحف، وبالسيف وأخذ كأساً من الماء فشربه أمام الناس في 17رمضان وقال للناس: "افطروا جميعاً، الفطر في هذا اليوم أفضل, والله الذي لا إله إلا هو لننتصرن" فقام تلاميذه وقواد الجيش، قالوا: قل: إن شاء الله يا أبا العباس قال: والله لننتصرن, قال: قل: إن شاء الله قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً, فوقعت المعركة وانتصروا بإذن الله, حتى خرج النساء والأطفال يتباكون على سقوف المنازل، قالوا: وكانوا يرون ابن تيمية يلمع بسيفه بين الصفوف، هذا هو ابن تيمية , ومن استطاع أن يأتي بمثل ابن تيمية فليأت بمثله!

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم      إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    أتى في أول الجيش، وهو يرفع صوته، وله صولة وهولة وجلالة ومهابة الله أعلم بها، والسيف بيده يقطر دماً، وكذا ثيابه، وكلها دماء.

    تردَّى ثياب الموت حمراً فما أتى      لها الليل إلا وهي من سندس خضر

    فتىً كلما سالت عيون قبيلة     دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر

    إلى أن يقول:

    وما مات حتى مات مضرب سيفه     من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

    فرجع يقول: قال تعالى: فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف:119] فالمقصود: الالتجاء إلى الله هو شاهدنا في مسألة الهداية؛ لكننا لم نعرف نحن طعم الدعاء, وكثير من الناس يقول: يا رب! نجحني في الامتحان. وهو يفكر في الغش في الفصل, وآخر يقول: اللهم! ارزقني وهو يفكر كيف يخدع مسلماً ليأخذ بضاعته, فهذا كله دعاء من قلب لاهٍ، وثبت عن ابن مسعود أنه يقول: [[إن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاهٍ ساهٍ]].

    يقول الأصمعي: مررت بأعرابي يسأل الله عز وجل الحاجة, يقول: فأجلس امرأته، وقال: اجلسي هنا فجلست, فنظر إلى السماء قال: يا رب! إني جالس كما ترى وامرأتي جالسة كما ترى فما ترى ربنا..؟! أي: يقول: ماذا ترى في جلوسنا هنا؟

    وقد نقل إلينا بعض الدعاة أن قرية من القرى جاهلة -لكن أوردها للعبرة- خرجوا للاستسقاء وهم جهلة، حتى أن بعضهم لا يعرف الفاتحة؛ لكن علم الله لجوءهم إليه, قرية جاهلة لا يوجد فيها عالم، ولا داعية ولا طالب علم, لكن اشتد بهم القحط، وماتت بقرهم وإبلهم وغنمهم، فعلموا أنه لا يأتي بالغيث إلا الذي فوق سبع سموات, فخرجوا: فلما اقتربوا من المصلى كان على أحدهم غترة من العمامات القديمة, وعادة بعض القبائل أنه إذا أردت طلباً من رئيس أو من وجيه، أو من رجل ذي سلطان، أو من رجل كريم ومقدم في جماعته يلقي عليه غترته, أي: يدخل عليه أن ينفذ هذا الأمر, قالوا: فتقدم هذا الشيخ الكبير الصادق الذي علم الله صدقه, قال: يا رب! وضعت بين يديك عمامتي, والله لو كنت مكاني وكنت مكانك ما أرضى لك هذا الحال..! قالوا: فلما رجعوا يقول هذا الداعية: والله ما رجعوا من المصلى إلا والسيول تجرف جرفاً، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] علم الله جهله ولكن علم لجوءه إلى الله الواحد الأحد.

    ولذلك ذكروا عن عيسى كما ذكر صاحب الإحياء وابن قتيبة في عيون الأخبار أن أحمقاً من بني إسرائيل كان له حمار, فأمطرت السماء وأنبتت الأرض من كل زوج بهيج، فانبسط هذا الإسرائيلي، فأخذ الحمار يرعاه وقال: يا رب! لك الحمد والشكر، والله لو كان لك حماراً لأرعاه مع حماري..!

    فالله جل وعلا من الأسماء والصفات ما هو بها جدير، وإنما أقصد ضرورة صدق اللجوء وكيف نلتجئ إلى الله؟ وكيف نصدق فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يأخذ بصدق القلوب, ويعفو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عما يأتي به العبد من سوء أدب معه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    من أسباب الهداية: مجالسة الصالحين وزيارتهم

    السبب الرابع هو: مجالسة وزيارة الصالحين: وقد قال الإمام الشافعي رحمه لله:

    أحب الصالحين ولست منهم     لعلي أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي     وإن كنا سواء في البضاعة

    ومن الأخطاء: أن ترى بعض الشباب هداه الله قبل مدة وجيزة مع أهل الخير، ثم تجده مع الفسقة فإذا قيل له: ما لك؟ قال: أريد أن أدعوهم إلى الاستقامة والالتزام، وأصبحت هذه ذريعة في يد كل إنسان، ويبقى سنتين وثلاث وعشر سنوات، وهم لم يتأثروا به، بل قد يسحبوه معهم، لأن بعض الناس ضعيف الشخصية، إذا جلس مع أهل الفساد جرّوه.

    إذاً حضور مجالس الخير هي من أسباب الهداية قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وتعالى يضل: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27] وعهد الله قيل: ما أخذه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من الناس من أنه لا إله إلا هو, وقيل: إذا عاهدوا قوماً نقضوه, وقيل: عهود الإسلام جملة وتفصيلاً وهو الصحيح.

    الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27] لمن هذا الخطاب؟ قيل: لبني إسرائيل، وقيل: للمشركين، وقيل: للمنافقين، والصحيح أنه للجميع.

    وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ     بصاحبك الذي لا تصحبينا

    وهذا شيخ كبير عجوز ضعيف نحيل فقير جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ابني جعت ليشبع، وظمئت ليروى, وسهرت لينام, وتعبت ليرتاح, فلما شب -يا رسول الله- وأملت فيه الأمل بعد الله تغمط حقي, ولوى يدي, وظلمني، وضربني, فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم, هل تتصور في العالم أفجر من إنسان رباه أبوه ثم بعد أن صار شيخاً كبيراً، معدماً ممقوتاً، أو محتقراً مصغراً عند الناس يريد أن يلتجئ بعد الله إلى ابنه، فيأتي هذا الابن بقوته وعضلاته فيضطهد هذا الشيخ..! هذا ظلم عظيم, قال عليه الصلاة والسلام أقلت فيه شعراً؟ -لأن العرب تنفس عن همومها بالأشعار, امرئ القيس طال عليه الليل فقال:

    الا عم صباحاً أيها الطلل البالي     وهل يعمن من كان في العصر الخالي

    وهل يعمن إلا سعيد منعم     قليل الهموم لا يبيت بأوجال

    فالشاهد أن العرب كانوا ينفثون همومهم بأشعار، فقال: نعم يا رسول الله, قال: ماذا قلت؟ قال: قلت لابني:

    غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً     تعل بما أجري عليك وتنهل

    إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت     لسقمك إلا شاكياً أتململ

    كأني أنا الملدوغ دونك بالذي     لدغت به دوني فعيناي تهمل

    ثم يقول:

    فلما بلغت السن والغاية التي     إليها مدى ما فيك كنت أؤمل

    جعلت جزائي غلظة وفضاضة     كأنك أنت المنعم المتفضل

    فليتك إذ لم ترعَ حق أبوتي     فعلت كما الجار المجاور يفعل

    يقول: ليتك فعلت كالجيران, ليتك تفعل مثل الناس, بعض أبناء الجيران أبر إليهم, وقد رأينا من بعض الآباء إذا أراد أن يرسل أحداً إلى الأسواق يعصيه ابنه فلا يرسله، ولا ينقله في مشواره ولا يؤدي له خدمة, فلا يؤدي له إلا أبناء الجيران.

    ولذلك ورد في بعض الآثار: [[لئن يربي أحدكم في آخر الزمان جرواً خير من أن يربي ابناً]] لا صلاة ولا صيام ولا قراءة ولا نوافل ولا صلاح ولا طاعة, إنما هو جثة هامدة في البيت, أبشر به في كل شر وأبشر به في كل جريمة، وأبشر به في كل معصية, لكنه عند الخير معطل, فهذا من باب القطيعة، بل من أعظم القطيعة؛ نسأل الله العافية والسلامة.

    ذكر أهل السير والأدب والأخبار: أن رجلاً من العرب أتاه ابنه في عشية من العشايا فقال له الأب: لم تخلفت؟ قال: وأنت تقول: لم تخلفت؟ فأخذ يد أبيه فلواها..! وقال:

    وربيته حتى إذا ما تركته      أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه

    تغمط حقي ظالماً ولوى يدي      لوى يده الله الذي هو غالبه

    قالوا: فلوى الله يد الابن حتى مات وهي ملوية..! وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ [البقرة:27] والقطيعة أن تقطع كل ما أمرك الله أن تصله، ومن قطعه فقد شمله هذا التنبيه والتهديد, أمرك الله أن تصل ما بينك وبينه, وما بينك وبين أبيك, وما بينك وبين أمك, وما بينك وبين أرحامك, وما بينك وبين الناس.

    وعند الطبراني في حديث قدسي: أن الله عز وجل يقول: {يا بن آدم! هي ثلاث: واحدة بيني وبينك, وواحدة لك, وواحدة بينك وبين الناس, فالتي بيني وبينك: أن تعبدني، وأن تشكرني، وتكف عن معاصيّ لأرحمك, والتي لك: كلما استغفرتني غفرت لك, والتي بينك وبين الناس: أن تأتي إلى الناس بما تحب أن يأتوا به إليك} وهذا من باب الصلة التي أمر الله بها تبارك وتعالى.

    1.   

    بيان معنى الإفساد في الأرض

    وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ [البقرة:27] الفساد في الأرض قال بعضهم: بقتل الأنفس كما يفعل بعض السفاكين المجرمين, تجده يسفك البشر سفكاً ذريعاً, ويقتل الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء المتهمين، ويعلن حالة الإعدام، والإبادة, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:204] إذا تكلم أمام الجماهير فإذا به يتكلم كلاماً معسولاً ولكن كلامه عسل، وضربه أسل, قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206] هذا مثل من أمثال الناس.

    إضلال المؤمنين وردهم عن الهدى من الإفساد في الأرض

    ومنهم من يفسد في الأرض بكلامه، فتجده دائماً يزعزع الإيمان في قلوب الناس, إذا رأى شاباً مهتدياً هداه الله وبصره، ودله الله وسدده، بعد أن كان في الظلام وفي حيرة، بعد أن كان مع الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، ومع رفقاء السوء، والمقاهي والمنتديات، والساعات الحمراء، فلما هداه الله أتى إليه ذاك يقول له: أصبحت مطوعاً؟! متزمتاً؟! متطرفاً؟! شوهت جسمك، وشوهت نفسك، وخربت مستقبلك، وهدمت طريقك, فيبقى يوسوس له حتى يفسده وهذا من الإفساد في الأرض.

    فكثير من الناس زعزعوا بهذا الكلام, وقد جلسنا مع شباب كثير قد اهتدوا لكن لما جالس المفسدين أضلوه، يأتي إليه الأول فيسخر منه، ثم الثاني فهزه بكلمة، ثم الثالث ثم الرابع حتى ترك الهداية..! فهذا من الإفساد في الأرض.

    من الإفساد في الأرض إشاعة الفاحشة وتتبع العورات

    وقيل: من الإفساد في الأرض قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19] الرجل المفسد في الأرض هو الذي يحب الفساد, لذا بعض الناس يكتب في الصحف والمجلات: المرأة مظلومة, المرأة لا تزال مقيدة, المرأة هنا ما عرفت النور, ماذا يريد؟! يريد شراً ويريد جحيماً وفاحشة، لكن ظاهره من قبله الرحمة وباطنه من قبله العذاب, فيظهر للناس أنه يريد الخير للمرأة لكنه يريد التبرج والسفور, ويريد أن تشارك في الأعمال والوظائف ليفسد المجتمع, وقد رأينا جيراننا وما حولنا من القرى ماذا فعلوا، فضاعت شيمهم، وقلوبهم وعقولهم، ومناهجهم يوم خرجت المرأة لتعمل موظفة ورئيسة ووزيرة، حينها ضاعت قلوبهم وأفكارهم وعقولهم.

    ومن الناس من يفسد في الأرض بأن تجده دائماً في الأسواق يتابع أعراض المسلمين, عينه تزني، وكذا يده، وبطنه، وفرجه, كلما أتى له مدخل فعل ذلك, فهو من المفسدين في الأرض.. إلى غير ذلك من الأمور التي تشمل الإفساد، فهي كلمة عامة تشمل كل ما يغضب عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويبغضه ولا يحبه من إفساد العامة والخاصة، الظاهر والباطن، من المعاني والمحسوسات، والله المستعان!

    كيف نعرف المفسدين في الأرض

    يقول تعالى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27] يكفي عن هذه الكلمة أن يقول الله عنهم: خاسرون, وإذا حكم الله على عبد بأنه خاسر فهو الخاسر, لأن بعض الناس يسمونه الضائع لأن ماله ضاع، لكن لم نسمع من أحد ضاع دينه فسمي بالضائع، وبعضهم إذا حفظ ماله وضيع دينه، قالوا: حافظ، رجل فيه من الفهم والتسديد كذا، ولو كان رجلاً محتالاً وداهية, ولو كان منسلخاً من العبودية لله.

    فهم ينظرون بمنظار التقويم والنور والهداية، أولئك هم الخاسرون, كتب الله عليهم الخسران.

    فأقول -وسوف أكرر-: إن معايير الناس تختلف، فأهل الهداية، وأهل العلم، والتربية، والفكر، والعقل يقوموِّن العبد بصلاحه, والضائعون يقومونه بما يأتي من فساد, الآن المغنـّي هل ترون أنه خاسر أم صالح؟ في منظر العقلاء والراشدون حتى من أعداء الله الكفار أنهم لا ينظرون إلى هؤلاء الراقصين والداعرين والمغنين إلا بمنظار الدون, ولذلك يوجد في بعض المذكرات لا يتولى في الحكومة ولا أن يكون عضواً في مجلس النواب، أو في مجلس الشيوخ، أو في مجلس الكونجرس إلا شخص غير ملابس لجريمة ما، وهذا موجود نيكسون الأمريكي عزل وسبب عزله من منصبه أنه تورط في فضيحة أو ترجيت وهي شركة ألبان، لكن الذي كشفته صحيفة في أمريكا اسمها أوترجيت , وقالوا: مرتشي وهو رئيس حكومة؟! فعزلوه..

    فالعقلاء دائماً يقومون الناس بصلاحهم ولو كان صلاحاً عاماً, ولكن أهل الحقارة والنذالة والضياع يقومِّون الناس بضياعهم, يأتون بمغنٍ مسكين ضائع, قالوا: كيف صعدت؟ كيف رأيت النور..؟ كيف شققت مستقبلك..؟ كيف بلغت إلى هذا المستوى..؟ مستوى ماذا؟ مستوى الحضيض. بل هو منكوس يصعد إلى الأسفل, فهذا ليس بمستقبل، بل خداع للأمة, وخداع للشباب, إذاً المستقبل لمن عرف طريق الجنة, ولمن حافظ على الصلوات الخمس, ولمن حفظ القرآن.

    يا عامراً لخراب الدار مجتهداً     بالله هل لخراب الدار عمران

    ويا حريصاًعلى الأموال يجمعها     أقصر فإن سرور المال أحزان

    من يتق الله يحمد في عواقبه     ويكفه شر من سادوا ومن هانوا

    إلى أن يقول:

    من استعان بغير الله في طلب     فإنما نصره عجز وخذلان

    أو كما قال.. وهو أبو الفتح البستي في قصيدته الجميلة العظيمة التي وقرها أهل العلم وعرفوا حقها.

    فإذاً: إذا حكم الله على عبد أنه خاسر فهو الخاسر حقيقة.

    1.   

    معنى آية ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ... )

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].

    بعد أن ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى الآيات الكونية وبشارة أهل الإيمان وضرب الأمثلة وصرف الأحكام والآيات الكونية والشرعية, قال: كيف تكفرون بالله؟! ما لكم لا تؤمنون؟! ما هو السبب في كفركم؟! هل الآيات قليلة؟! هل المعجزات ضحلة؟! هل العلامات ما ظهرت في الأفق؟! كيف تكفرون بالله؟!

    سبحان الله! وكأن القرآن يوقفك وحدك، ويقف أمامك ويقول لك: كيف تكفر بالله؟! كيف تجحد الله؟! كيف تعطل حقوق الله؟! كيف تنسى الله؟!

    معنى قوله: ( وكنتم أمواتاً )

    قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً [البقرة:28] قال ابن عباس: [[كنتم نطفاً]] أي: نطفة, وقال غيره: كنتم عدماً, أي: كنتم أمواتاً في عالم العدم, لأنه إن كان ميتاً فلا يكون عدماً, يعني: كنتم أمواتاً في الأصلاب؛ لأن الميت له وجود, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الذي لا يوجد: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    ولذلك لما أتى العاص بن وائل وفت العظم ونفخه وقال: {يا محمد! تزعم أن ربك يحيي هذا؟! قال: نعم ويدخلك النار} قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] فكيف تكفرون وكنتم ماءً، أو كنتم قبل الماء في العدم فأتى بكم الله من العدم, فلما أحياكم وبصَّركم وأسمعكم ورزقكم وأطعمكم وسقاكم وساقكم وأوقفكم كفرتم بالله!! هذا جحدان ونكران، وهذا هو -والله- أخبث المعتقدات، ولم يحصل ظلم في العالم أظلم من الكفر.

    معنى قوله: ( فأحياكم )

    يقول الله: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [البقرة:28] أي: أحياكم بالنفخ في الروح, ثم كساكم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة:28] هذه هي الميتة الأولى وهي الموتة التي يموتها كل الناس, ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] يوم البعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28] أي: قال سبحانه: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:11].

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

    قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] الكافر يموت مرتين، والمؤمن يولد مرتين, فالمؤمن يولد أول مرة يوم ولدته أمه, والمرة الثانية: يوم ولد مع القرآن، ويوم عاش مع الإيمان، ويوم سجد للواحد الديان.

    والكافر يموت مرتين: يوم مات في الحياة الدنيا حين مات ويوم مات عن النور والهداية قلبه، فالكافر قطعة لحم ميتة، ولعنه الله وغضب عليه, والموت الثاني: يوم يلقى ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28] وهذه الآية فيها إثبات ميتتين:

    الأولى وهي عندما أتى من العدم.

    والثانية: إثبات ميتتين وإثبات الإحياء بعد الموت, وإثبات اليوم الآخر والرجوع إلى الله, وإثبات الحساب, وسوف يرى كل إنسان ما قدم.

    سوف ترى إذا انجلى الغبار     أفرس تحتك أم حمار

    وقال العظيم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    وطلب بعض الإخوة أن أذكر المسلمين لصيام الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر.

    وأقول: صدق أثابه الله, وله الأجر الكثير عند الله, فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كما صح عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر, وأن أوتر قبل أن أنام, وركعتي الضحى} قال بعض أهل العلم: أيام البيض لم يتركها صلى الله عليه وسلم حضراً ولا سفراً، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وهي تعادل صيام الدهر.

    في الختام أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق.