اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البعوضة في القرآن للشيخ : عائض القرني


البعوضة في القرآن - (للشيخ : عائض القرني)
إن الله سبحانه وتعالى شرع الدين الإسلامي، وعضده بوحي من عنده وهو القرآن الكريم، الذي أنزله الله بلغة العرب، ليفهموا كلامه وليفقهوا أمثلته، ومن الأمثال التي أوردها الله سبحانه وتعالى البعوضة، وقد رد سبحانه في هذه الآية على من يكفر بالله، ويستبعد أن يضرب هذا المثل، ويذكر الله في القرآن الكثير من هذه الأمثلة،فيهتدي أناس ويضل أناس.
شرح آية ضرب المثل بالبعوضة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..ومع كتاب الله النور المبين, والصراط المستقيم, ومع آيات محكمات, وعظات بالغات:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:26-27].فما زال الحديث في القرآن معترك بين الكفار والمؤمنين, والله عز وجل قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25] فلما انتهى سُبحَانَهُ وَتَعَالى من هذه الآية، وكأنه أنزل أهل الإيمان الجنة دار الرضوان، وكأن أهل البغي والطغيان أنزلهم ناراً تلظى، قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] والسؤال: ما هو سبب نزول هذه الآية؟ والسؤال الثاني: هل يطلق الحياء على الواحد الأحد؟
 أقسام الناس بالنسبة لما ينزل من القرآن
فقال سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26] يعلمون أنه الحق, فما هو هذا الحق؟ قيل: القرآن, وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم, وقيل: الإسلام.والقرآن إذ نزل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إذا قرئ حتى اليوم وبعد اليوم ينقسم الناس تجاهه إلى قسمين: قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الكفار: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً [فصلت:44] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19].والخطيب يوم الجمعة إذا قرأ الآيات، انقسم الناس إلى قسمين: قسم يزداد إيماناً وبصيرة وهداية ورشداً وتوفيقاً، وقسم يزداد نقصاً؛ لأنه منافق فاجر لا يريد القرآن ولا السنة, وهو إنما يصلي مع الناس عادة لا عبادة، قال الله: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142].إذاً فيقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26] يعلمون أن هذا الدين والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن حق من عند الله.وقال بعضهم - وهو الصحيح إن شاء الله-: يعلمون أن المثل -وهو الصحيح إن شاء الله- من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وأنه يضرب الأمثال وأنه يقص سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ما شاء, فسبحان الله كيف يتفاوتون إيماناً!!وتصور أن الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي بك صلاة الفجر أو العشاء، وتصور كيف يتلقى أبو بكر وعمر وعثمان وعلي القرآن، فإنهم كل يوم يزدادون إيماناً, وتصور المنافق كيف يزداد عمى من القرآن؛ لأنه يبغض القرآن ولا يحبه, قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].ثم يقول: فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26] أي: هذا المثل وأنه وارد، وأنه صحيح, والله ضرب الأمثلة كثيراً في القرآن قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى--: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد:35] أي: صفة الجنة, وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] وقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25]ثم ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مثلاً آخر: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً [البقرة:26] أي: لماذا يأتي بهذه الأمثال؟ ما هو المقصود منها؟ فهم كفروا وشكوا، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26] قيل: يضل بالرسول ويهدي به, وقيل: يضل بالقرآن ويهدي به, ويضل بالإسلام ويهدي به, ويضل بالمثل ويهدي به.يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26].أولاً: هل يضل الله عباده؟قال تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25] والله هو الهادي, وجعل محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً، فقال: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7] وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] , وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى طالباً المؤمنين أن يدعوه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وقال جل شأنه: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35] فهو يهدي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.فهل يضل عباده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟ عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله خلق العباد وأفعالهم, قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] وأن الله خلق الهداية، وخلق الإضلال، وأنه قدر الخير، وقدر الشر, ولكن مع خلق الله عز وجل للإضلال وتقديره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لكنه لا يحبه ولا يرضاه, خلق الكفر ولا يحبه, وقدره ولا يرضاه, وأراده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولكنه لا يحبه, وهذا الإضلال من كسب العبد, فإن للعبد مشيئة لكنها تحت مشيئة الله, قال سبحانه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29] فمن ضل فلا يحتج بالقضاء والقدر بل له كسب وسبب, فهو الذي فعل, ولو أن الله قدر عليه لكن لا حجة له, ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة:26] والسؤال: كيف يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة:26]؟ لأن الأستاذ مثلاً -ولله المثل الأعلى- إذا قيل له: أنجح الطلاب أم رسبوا؟ فيقول: نجح كثير من الطلاب ورسب كثير من الطلاب, وإن قلت: نجح قليل ورسب كثير كان الجواب صحيحاً, لهذا يقال: قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة:26] أي أن هؤلاء الكثير بالنسبة لغيرهم قليل, لأن الله عز وجل يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] وقال: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].نزل عمر بن الخطاب إلى السوق فسمع أعرابياً يبيع ويشتري، ويقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل, فوكزه عمر بالدرة, وهذه الدرة كانت تقوّم الذين في رءوسهم وساوس, هذه الدرة تدخل النور في بعض القلوب وتوقظ بعض الأذهان, فضربه ووكزه قائلاً: ما لك ولهذا الدعاء؟ فسّر لي هذا الدعاء؟ قال: يا أمير المؤمنين! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] فأسأل الله أن يجعلني من ذاك القليل, قال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر..! بل أنت من أفقه الناس, ومن أعلم الناس.وأقل الناس الآن هم أهل الهداية، ولذلك لا تستغربوا أن تجدوا في هذا المسجد أو في غيره من المساجد كثيراً من الناس؛ لكنهم بالنسبة للفجار، وللمنحرفين والضائعين والضالين لا يساوون نسبة تذكر. قاعات من قاعات الغناء والسمر والساعات الحمراء يحضرها الألوف المؤلفة, الأستاد الرياضي يحتشد فيه بالألوف المؤلفة وعشرات الآلوف,وإذا أتيت لأهل الدروس، وأهل الطلعات الخيرة، وأهل الصحوة الإسلامية وأهل الوجوه النيرة تستصغرهم بجانب أولئك.تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل لأن الأقلين فيهم خير فلا يعجبك كثرة الخبيث.والناس ألف منهم كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمر عنا وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال خرج عليه الصلاة والسلام للأمة العربية، وهي قبائل مثل الموج, فأتى يدعو فأخذ أبا بكر ثم عمر وعثمان وطلحة وعلياً والزبير فكان يربيهم حتى أصحبوا ما يقارب الثلاثمائة, فغرس الإيمان في قلوبهم، وسكب لا إله إلا الله في أرواحهم، ووجههم إلى الدار الآخرة؛ ففتحوا الدنيا, فلما فتح الله عليهم الفتوح أتوا يدخلون بالعشرات، لكن كل عشرة بريال..! نحن لا نستهزئ بأحد لكن أتجعل مسلماً في الفتح كمسلم ما قبل الفتح؟ لا يستوون، والله ذكر ذلك, ولذلك يكون الذين أسلموا بالعشرات والمئات فروا في المعارك وما بقي إلا الأسماء اللامعة التي أسلمت على يقين, قال الله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [النصر:1-2] ما دخلوا في أول الإسلام أفواجاً لكن اليوم دخلوا بكثرة، فقال الله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:3]. إذا -أيها الأخيار- يضل الله من يشاء بالأمثلة ويهدي من يشاء, ويثبت هذا الحديث بما يليق به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويليق بجلاله وصفاته وذاته وعظمته تبارك وتعالى وتقدس وتنـزه.
أسباب الهداية
قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26]. وأسباب الهداية أربعة:
 من أسباب الهداية: مجالسة الصالحين وزيارتهم
السبب الرابع هو: مجالسة وزيارة الصالحين: وقد قال الإمام الشافعي رحمه لله:أحب الصالحين ولست منهم لعلي أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة ومن الأخطاء: أن ترى بعض الشباب هداه الله قبل مدة وجيزة مع أهل الخير، ثم تجده مع الفسقة فإذا قيل له: ما لك؟ قال: أريد أن أدعوهم إلى الاستقامة والالتزام، وأصبحت هذه ذريعة في يد كل إنسان، ويبقى سنتين وثلاث وعشر سنوات، وهم لم يتأثروا به، بل قد يسحبوه معهم، لأن بعض الناس ضعيف الشخصية، إذا جلس مع أهل الفساد جرّوه. إذاً حضور مجالس الخير هي من أسباب الهداية قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وتعالى يضل: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27] وعهد الله قيل: ما أخذه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من الناس من أنه لا إله إلا هو, وقيل: إذا عاهدوا قوماً نقضوه, وقيل: عهود الإسلام جملة وتفصيلاً وهو الصحيح. الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27] لمن هذا الخطاب؟ قيل: لبني إسرائيل، وقيل: للمشركين، وقيل: للمنافقين، والصحيح أنه للجميع.وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا وهذا شيخ كبير عجوز ضعيف نحيل فقير جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ابني جعت ليشبع، وظمئت ليروى, وسهرت لينام, وتعبت ليرتاح, فلما شب -يا رسول الله- وأملت فيه الأمل بعد الله تغمط حقي, ولوى يدي, وظلمني، وضربني, فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم, هل تتصور في العالم أفجر من إنسان رباه أبوه ثم بعد أن صار شيخاً كبيراً، معدماً ممقوتاً، أو محتقراً مصغراً عند الناس يريد أن يلتجئ بعد الله إلى ابنه، فيأتي هذا الابن بقوته وعضلاته فيضطهد هذا الشيخ..! هذا ظلم عظيم, قال عليه الصلاة والسلام أقلت فيه شعراً؟ -لأن العرب تنفس عن همومها بالأشعار, امرئ القيس طال عليه الليل فقال:الا عم صباحاً أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن إلا سعيد منعم قليل الهموم لا يبيت بأوجال فالشاهد أن العرب كانوا ينفثون همومهم بأشعار، فقال: نعم يا رسول الله, قال: ماذا قلت؟ قال: قلت لابني:غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل ثم يقول:فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظة وفضاضة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترعَ حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل يقول: ليتك فعلت كالجيران, ليتك تفعل مثل الناس, بعض أبناء الجيران أبر إليهم, وقد رأينا من بعض الآباء إذا أراد أن يرسل أحداً إلى الأسواق يعصيه ابنه فلا يرسله، ولا ينقله في مشواره ولا يؤدي له خدمة, فلا يؤدي له إلا أبناء الجيران.ولذلك ورد في بعض الآثار: [[لئن يربي أحدكم في آخر الزمان جرواً خير من أن يربي ابناً]] لا صلاة ولا صيام ولا قراءة ولا نوافل ولا صلاح ولا طاعة, إنما هو جثة هامدة في البيت, أبشر به في كل شر وأبشر به في كل جريمة، وأبشر به في كل معصية, لكنه عند الخير معطل, فهذا من باب القطيعة، بل من أعظم القطيعة؛ نسأل الله العافية والسلامة.ذكر أهل السير والأدب والأخبار: أن رجلاً من العرب أتاه ابنه في عشية من العشايا فقال له الأب: لم تخلفت؟ قال: وأنت تقول: لم تخلفت؟ فأخذ يد أبيه فلواها..! وقال: وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه قالوا: فلوى الله يد الابن حتى مات وهي ملوية..! وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ [البقرة:27] والقطيعة أن تقطع كل ما أمرك الله أن تصله، ومن قطعه فقد شمله هذا التنبيه والتهديد, أمرك الله أن تصل ما بينك وبينه, وما بينك وبين أبيك, وما بينك وبين أمك, وما بينك وبين أرحامك, وما بينك وبين الناس.وعند الطبراني في حديث قدسي: أن الله عز وجل يقول: {يا بن آدم! هي ثلاث: واحدة بيني وبينك, وواحدة لك, وواحدة بينك وبين الناس, فالتي بيني وبينك: أن تعبدني، وأن تشكرني، وتكف عن معاصيّ لأرحمك, والتي لك: كلما استغفرتني غفرت لك, والتي بينك وبين الناس: أن تأتي إلى الناس بما تحب أن يأتوا به إليك} وهذا من باب الصلة التي أمر الله بها تبارك وتعالى.
بيان معنى الإفساد في الأرض
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ [البقرة:27] الفساد في الأرض قال بعضهم: بقتل الأنفس كما يفعل بعض السفاكين المجرمين, تجده يسفك البشر سفكاً ذريعاً, ويقتل الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء المتهمين، ويعلن حالة الإعدام، والإبادة, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:204] إذا تكلم أمام الجماهير فإذا به يتكلم كلاماً معسولاً ولكن كلامه عسل، وضربه أسل, قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206] هذا مثل من أمثال الناس.
 كيف نعرف المفسدين في الأرض
يقول تعالى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27] يكفي عن هذه الكلمة أن يقول الله عنهم: خاسرون, وإذا حكم الله على عبد بأنه خاسر فهو الخاسر, لأن بعض الناس يسمونه الضائع لأن ماله ضاع، لكن لم نسمع من أحد ضاع دينه فسمي بالضائع، وبعضهم إذا حفظ ماله وضيع دينه، قالوا: حافظ، رجل فيه من الفهم والتسديد كذا، ولو كان رجلاً محتالاً وداهية, ولو كان منسلخاً من العبودية لله.فهم ينظرون بمنظار التقويم والنور والهداية، أولئك هم الخاسرون, كتب الله عليهم الخسران.فأقول -وسوف أكرر-: إن معايير الناس تختلف، فأهل الهداية، وأهل العلم، والتربية، والفكر، والعقل يقوموِّن العبد بصلاحه, والضائعون يقومونه بما يأتي من فساد, الآن المغنـّي هل ترون أنه خاسر أم صالح؟ في منظر العقلاء والراشدون حتى من أعداء الله الكفار أنهم لا ينظرون إلى هؤلاء الراقصين والداعرين والمغنين إلا بمنظار الدون, ولذلك يوجد في بعض المذكرات لا يتولى في الحكومة ولا أن يكون عضواً في مجلس النواب، أو في مجلس الشيوخ، أو في مجلس الكونجرس إلا شخص غير ملابس لجريمة ما، وهذا موجود نيكسون الأمريكي عزل وسبب عزله من منصبه أنه تورط في فضيحة أو ترجيت وهي شركة ألبان، لكن الذي كشفته صحيفة في أمريكا اسمها أوترجيت , وقالوا: مرتشي وهو رئيس حكومة؟! فعزلوه..فالعقلاء دائماً يقومون الناس بصلاحهم ولو كان صلاحاً عاماً, ولكن أهل الحقارة والنذالة والضياع يقومِّون الناس بضياعهم, يأتون بمغنٍ مسكين ضائع, قالوا: كيف صعدت؟ كيف رأيت النور..؟ كيف شققت مستقبلك..؟ كيف بلغت إلى هذا المستوى..؟ مستوى ماذا؟ مستوى الحضيض. بل هو منكوس يصعد إلى الأسفل, فهذا ليس بمستقبل، بل خداع للأمة, وخداع للشباب, إذاً المستقبل لمن عرف طريق الجنة, ولمن حافظ على الصلوات الخمس, ولمن حفظ القرآن.يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران ويا حريصاًعلى الأموال يجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من سادوا ومن هانوا إلى أن يقول:من استعان بغير الله في طلب فإنما نصره عجز وخذلان أو كما قال.. وهو أبو الفتح البستي في قصيدته الجميلة العظيمة التي وقرها أهل العلم وعرفوا حقها.فإذاً: إذا حكم الله على عبد أنه خاسر فهو الخاسر حقيقة.
معنى آية ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ... )
قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].بعد أن ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى الآيات الكونية وبشارة أهل الإيمان وضرب الأمثلة وصرف الأحكام والآيات الكونية والشرعية, قال: كيف تكفرون بالله؟! ما لكم لا تؤمنون؟! ما هو السبب في كفركم؟! هل الآيات قليلة؟! هل المعجزات ضحلة؟! هل العلامات ما ظهرت في الأفق؟! كيف تكفرون بالله؟!سبحان الله! وكأن القرآن يوقفك وحدك، ويقف أمامك ويقول لك: كيف تكفر بالله؟! كيف تجحد الله؟! كيف تعطل حقوق الله؟! كيف تنسى الله؟!
 معنى قوله: ( فأحياكم )
يقول الله: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [البقرة:28] أي: أحياكم بالنفخ في الروح, ثم كساكم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة:28] هذه هي الميتة الأولى وهي الموتة التي يموتها كل الناس, ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] يوم البعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28] أي: قال سبحانه: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:11].ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] الكافر يموت مرتين، والمؤمن يولد مرتين, فالمؤمن يولد أول مرة يوم ولدته أمه, والمرة الثانية: يوم ولد مع القرآن، ويوم عاش مع الإيمان، ويوم سجد للواحد الديان.والكافر يموت مرتين: يوم مات في الحياة الدنيا حين مات ويوم مات عن النور والهداية قلبه، فالكافر قطعة لحم ميتة، ولعنه الله وغضب عليه, والموت الثاني: يوم يلقى ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28] وهذه الآية فيها إثبات ميتتين: الأولى وهي عندما أتى من العدم.والثانية: إثبات ميتتين وإثبات الإحياء بعد الموت, وإثبات اليوم الآخر والرجوع إلى الله, وإثبات الحساب, وسوف يرى كل إنسان ما قدم.سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار وقال العظيم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].وطلب بعض الإخوة أن أذكر المسلمين لصيام الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر.وأقول: صدق أثابه الله, وله الأجر الكثير عند الله, فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كما صح عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر, وأن أوتر قبل أن أنام, وركعتي الضحى} قال بعض أهل العلم: أيام البيض لم يتركها صلى الله عليه وسلم حضراً ولا سفراً، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وهي تعادل صيام الدهر.في الختام أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البعوضة في القرآن للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net