إسلام ويب

من أخبار علمائناللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة يقف بنا الشيخ على كثير من قصص العلماء في تحملهم لمشاق طلب العلم، وبذلهم العلم لمحتاجيه، وقولهم كلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم، وزهدهم في الدنيا، وخشيتهم لله تعالى، وتأليفهم، وتواضعهم.

    1.   

    طلب العلم

    الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله ما اجتمع الصالحون، وما تواصى الأخيار الأبرار المفلحون، والحمد لله ما ذكر إلَهَهم الذاكرون، والحمد لله ما غفل عن ربهم الغافلون.

    وصلى الله وسلم على المعلم الأول، الذي أتى وقال الله له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وأتى بـنْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1] الذي تكلم للناس، فكان أفقههم، لم يقرأ ولم يكتب.

    كفاكَ باليُتم في الأمِيِّ معجزةً      في الجاهلية والتأديب في اليُتَمِ

    وصلى الله وسلم على آله مصابيح الدجى، وغيوث الندى، وليوث الردى، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين واقتفى.

    شكر الله لفرع جامعة الإمام نشاطها، وزادها توفيقاً وهداية ورشداً، وشكر الله لأخي وزميلي الشيخ عبد الله بن محمد بن حُميد على تقديمه، وشكر الله لكم حضوركم.

    عنوان هذا اللقاء: (من أخبار علمائنا) وإنها لأخبار عجيبة وجميلة، يطرب لها القلب، وتتشنف لها الآذان، وتثلج بها الصدور.

    أخبار علمائنا الذين جعلهم الله عزَّ وجلَّ كأنبياء بني إسرائيل، لكنني سوف أقص عليكم قصصاً عجيبة من أخبارهم.

    أما عناصر هذه المحاضرة فهي كالآتي:

    العنصر الأول: تحملهم المشاق في طلب العلم.

    العنصر الثاني: زهدهم في الدنيا وإعراضهم عنها.

    العنصر الثالث: قولهم كلمة الحق، لا يخافون في الله لومة لائم.

    العنصر الرابع: بذلهم العلم لطالبيه، ونشرهم المعرفة.

    العنصر الخامس: خشيتهم لله تعالى.

    العنصر السادس: تأليفهم وتراثهم الخالد.

    العنصر السابع: تواضعهم لربهم تبارك وتعالى.

    العلم أشرف مطلوب، وهو يوصل صاحبه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو يوصله إلى نار تلظى.

    مِن الناس مَن طلب العلم، فكان حجة عليه وخيبة وندامة، ومِن الناس مَن كان كالحمار يحمل أسفاراً، كما قال الله عزَّ وجلَّ في علماء بني إسرائيل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وقال في عالِمهم الضال المجرم: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176].

    صون العلم وتعظيمه

    هذا عبد العزيز الجرجاني كان عالماً، وهو أديب عجيب، وقصيدته من أحسن القصائد، وكان ينقبض عن الناس، فقال له الناس: " ما لك تعتزلنا، ولا تخالطنا، ولا تذهب إلى السلاطين؟" فردَّ عليهم بقصيدة هي من أحسن ما حظي به الأدب العربي، يقول من ضمن أبياتها:

    يقولون لي فيكَ انقباضٌ وإنما      رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

    أأشقى به غَرْساً وأَجنِيْهِ ذلَّةً      إذاً فاتباعُ الجهل قد كان أحزما

    ولم أبتذِلْ في مطلب العلم مُهجَتي      لأخدم مَن لاقَيْتُ لكن لأُخدَما

    إلى أن يقول:

    ولو أن أهل العلم صانوهُ صانَهم      ولو عظَّموه في النفوس لعُظِّما

    ولكن أهانوه فهانوا ودَنَّسوا      مُحَيَّاهُ بالأطماع حتى تَجَهَّما

    قال أحد أهل السِّـيَر: " كان من العلماء المسلمين عالِم طلب العلم وحفظ القرآن والحديث، ثم أدركه الخـذلان والعياذ بالله، خرج إلى المسجد يصلي، فنظر إلى بيت من البيوت، فرأى امرأة طَلَّت عليه كشمس الضحى، لكنها نصرانية، مسيحية، ملحدة، كافرة، فوقع عشقها في قلبه، فترك المسجد، وعاد إلى البيت، فراسلها، فاشترطت عليه ألا يتزوجها إلا إذا ارتد عن الإسلام - لا إله إلا الله رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] - حاول أن يتزوجها فقالت: مهري أن تترك الإسلام، والمسجد، والقرآن، فتزوجها بعد أن ارتد عن الإسلام، وذهبت به إلى أرض المسيحيين النصارى، فمرَّ به أحد زملائه، فوجده يرعى الخنازير.

    وانظر إلى سوء الخاتمة وسوء المنقلب، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] وجَدَه يرعى الخنازير، فقال له: يا فلان! أين القرآن؟ وأين الحديث؟ قال: والله ما أصبحت أحفظ من القرآن إلا آيـة واحدة، قال: ما هي؟ قال: قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2] " هذ الآية منطبقة عليه في هذه الحالة.

    1.   

    تحمل المشاق في طلب العلم

    أما تحمل علمائنا للمشاق: فأمر عجيب، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ذكر موسى في القرآن، وأخبر أنه ركب البحر في طلب العلم، وبوَّب البخاري في كتاب العلم: (باب ركوب البحر في طلب العلم) وموسى عليه السلام قد وقف خطيباً في بني إسرائيل، فقالوا له: أتعلمُ أعلمَ منك في الأرض؟ قال: ما أعلمُ أعلمَ مني، فلامه الله وعاتبه على أنه ما ردَّ العلم إلى الله، فقال الله: بل عبدنا بـمجمع البحرين الخضر أعلمُ منك.

    فسافر إليه وطلب منه أن يعلمه، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتابع قصة موسى والخضر في القرآن باشتياق، فلما انتهت القصة وقال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] قال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله موسى، ودِدْتُ أنه صبر حتى يُقصَّ علينا مِن نبئهما) يقول أهل العلم - والحديث صحيح -: (لما ركب موسى والخضر عليهما السلام في القارب، وأصبحوا في البحر، وإذا بعصفور ينقر من البحر - يشرب من البحر - فقال الخضر: يا موسى! ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أنقص هذا العصفور من هذا البحر).

    ذكر البخاري: سافر جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه شهراً كاملاً في طلب حديث واحد من المدينة إلى الصحابي الجليل عبد الله بن أنيس في مصر، في العريش، فخرج عبد الله بن أنيس ورأى صاحبه فعانقه، فقال له: [[ادخل واجلس، قال: لا. إنما خرجت لوجه الله، ولا أريد أن أفسد هجرتي، أريد الحديث الذي سمعتَه من الرسول عليه الصلاة والسلام]] فأخذ الحديث وهو واقف، ثم ركب ناقته وانصرف.

    أما سعيد بن المسيب فيقول عن نفسه: [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كنت أسافر الثلاثة الأيام بلياليهن في طلب حديث واحد]] ولذلك بارك الله في علمهم وجهدهم، رغم أنه لم يكن عندهم ما عندنا من الوسائل الحديثة: كالسيارات، والهواتف، والمطاعم الشهية، والمراكب الوطية، والملابس الهنيَّة المَرِيَّة، ولكن قلَّ التحصيل، ونشكو حالنا إلى الله الواحد الأحد.

    يذكرون عن القفال - أحد علماء الشافعية - أنه سافر لطلب العلم، وكان عمره أربعين سنة، فلما مشى في الطريق، قال له الشيطان: "كيف تطلب العلم في الأربعين؟ - والشيطان يوسوس - فرجع من الطريق، ولما رجع مرَّ برجل يعمل على سانية، والساقية وكان الرجل يُخرج الماء من البئر، وقد أثر الرشا والحبل في الصخر، فقال القفال بعدما اعتبر بتأثير الحبل في الصخر مع المداومة:

    اطلب ولا تضجر من مطلب      فآفة الطالب أن يضجرا

    أما ترى الحبل بطول المدى      على صليب الصخر قد أثرا

    قيل لـعامر الشعبي وهو عالم جليل: " بم طلبتَ العلم؟ قال: بصبر كصبر الجمال، وببكور كبكور الغراب "، يبكر في الصباح مثل بكور الغراب، من بعد صلاة الفجر يطلب العلم، ويصبر كصبر الجمال في طلبه حتى حصله.

    كم سافر الإمام أحمد؟ دخل أكثر من ثلاثين إقليماً في طلب الحديث، مشياً على رجليه، معه بُقْشَة فيها خُبْزُه من شعير وملح، دخل خراسان، ومدنها: سمرقند، وبخارى، وتركستان، وطشقند، والسند، وأطراف الهند، وأطراف أفغانستان -على ما يُنقَل في سيرته- ودخل مصر والعراق، والحجاز، وذهب إلى الشام، ثم دخل اليمن، وطاف الأقاليم، حتى قال بعضهم: " لو جُمِعَت سَيرته، أو المسافات التي سارها لطوقت الدنيا ".

    كان يمشي ليل نهار، ذهب إلى عبد الرزاق في صنعاء يطلب العلم منه، فوفقه الله بـعبد الرزاق وهو يطوف عند البيت، فقال يحيى بن معين: " يا أحمد! هيا بنا، هذا عبد الرزاق قد حضر نأخذ العلم منه ونعود، قال أحمد: أنا خرجت لله، وأريد أن يعود عبد الرزاق إلى صنعاء؛ لأذهب إليه ولتكون سفرتي في سبيل الله، فلما عاد عبد الرزاق إلى صنعاء، سافر الإمام أحمد إليه، وانتهى ما لدى الإمام أحمد من شرابه وطعامه حتى قال: عملت حصَّاداً في بعض الأيام لنفقة بطني " عمل حصاداً يحصد الزرع لما انتهت نفقته في طلب الحديث، وعاد بحديث كثير، وترك لنا: المسند، الذي لو كُتِب بالدموع أو بالدماء ما أنصف.

    الإنفاق في طلب العلم

    أما الشافعي: فقالوا: " أنفق ثلاثين ألف دينار " وهي ميزانية هائلة، كان كلما أتاه عطاءٌ أنفقه في طلب العلم، سكن مكة مع أمه، وكانت فقيرة، وبيتهم كان ضيقاً، فكان يذهب يطلب العلم، ولا يجد أوراقاً؛ لأنها غالية الثمن -ونحن عندنا مطابع ودفاتر ووسائل وترجمة، لكن: أين من يُحَصِّل؟! - فكان يأخذ اللخاف، والرقاع، والعظام، والصخور الملساء، ويكتب فيها العلم بالفحم، حتى ضيَّق على أمه السكنى، وقالت: " يا بني! أنخرج ونترك البيت لكتبك؟ " - أي: أصبح الدار مكتبة، وأصبح هو وأمه في طرف البيت.

    ثم ذهب إلى البادية، فحفظ أشعار ثلاثين شاعراً من شعراء هذيل، ثم عاد، فقال له رجل من أهل مكة: " إني أراك نابها،ً فصيحاً، ذكياً، فاذهب إلى عالم المدينة مالك بن أنس، فاطلب منه العلم "، فذهب.

    قال الشافعي: " حفظتُ الموطأ في تسع ليالٍ "، لا إله إلا الله! الموطأ مجلد كامل تعادل آثاره، وأحاديثه، ومقطوعاته، ومرسلاته، وموقوفاته ثلاثة آلاف حديث حفظه في تسع ليالٍ عن ظهر قلب، فلما جلس عند الإمام مالك، كان يقرأ عليه، فقال له: " إني أرى عليك نوراً، فلا تفسده بالمعصية ".

    الصبر والذل في طلب العلم

    أما عطاء بن أبي رباح فكان عبداً -وكلنا عبيدٌ لله، والإسلام لا يعترف بالدماء، ولا بالأنساب، ولا بالقبائل، ولا بالأسر؛ ولكن ميزانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] - لامرأة من مكة، فأصيب بمرض الشلل، وأصيب بمرض في جسمه، فتركته، فمكث في الحرم ثلاثين سنة يطلب العلم، حتى بَرَّز في العلوم، يقول: [[ما رفعت فراشي من الحرم مدة ثلاثين سنة]] ليلاً ونهاراً وهو يطلب العلم؛ حتى أصبح عالم المسلمين.

    أما ابن عباس: وكان الأَولى أن يُقدَّم في هذا الباب، ولكننا نقدمه مهما تأخر لفظاً فإنه متقدم رتبة.

    ابن عباس رضي الله عنهما قال -واسمَع لهذه العبارة وقد صحَّت عنه--: [[ذَلَلْتُ طالِباً فَعَزَزْتُ مطلوباً]] ويقولون:

    العلمُ حربٌ للفتى المتَعالي      كالسيل حربٌ للمكان العالي

    فمن تكبر لا ينال العلم.

    وعند البخاري موقوفاً على مجاهد: [[لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر]].

    فلا إله إلا الله! ما أحسـن طلاب العلـم إذا تواضعوا في طلبه! قالوا لـابن عباس: كيف حصلت العلم؟ قال: [[كنت أخرج في الظهيرة في شدة الحر، فأذهب إلى بيوت الأنصار، فأجد الأنصاري نائماً، فلا أطرق عليه بيته، فأتوسد بُرْدي عند باب بيته، فتلفحني الريح بالتراب، فيستيقظ الأنصاري، ويقول: يا بن عم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ألا أيقظتني أُدْخِلك؟ فأقول: أخاف أن أزعجك]] فأصبح عالم الأمة رضي الله عنه وأرضاه، ولنا عودة لهذا العنصر.

    1.   

    زهدهم في الدنيا وإعراضهم عنها

    أما زهدهم في الدنيا وإعراضهم عنها: فمن يعرف الدنيا ويذوقها ويستمرئها فإنه سوف يعرف أنها لا تساوي شيئاً، وأشرف ما تطلبُه في الحياة أن تنقذ نفسك من النار: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    قيل لأحد العلماء: " كيف عرفت الدنيا؟ قال: دلني العلم على الزهد فيها ".

    وفي حديث اختلف أهل العلم فيه، بعضهم يصححه، وبعضهم يضعفه، وأرى أنه حسن: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) والناس اليوم قد زهدوا في ما عند الله.

    وقد صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلاَّ ذكر الله وما والاه، أو عالم، أو متعلم) سكنوا القصور، وعمروا الدور، وتوسعوا في البساتين والحدائق، لكنها بلا إيمان لا تساوي شيئاً، أما الصالحون من العلماء والعباد والزهاد فرأوا أن طريق الجنة بالزهد في الدنيا لأن الله يقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16] اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20].

    زهد الخوارج

    هذا عمران بن حطان شاعر خارجي، والخوارج فيهم ثلاث صفات سيئة -وهم كلاب النار- وفيهم ثلاث صفات جيدة: فهم زُهَّاد، وصادقون، وشجعان.

    أما الشجاعة: فيضربون الرءوس ويقطعونها تقطيعاً بارعاً.

    وأما الزهد: فلا يلتفتون إلى الدنيا أبداً.

    وأما الصدق: فلا يكذبون، ولذلك قَبِل البخاري رواية عمران بن حطان في الصحيح.

    وعمران هذا هو صاحب الأبيات المشئومة، في قُتِل علي بن أبي طالب مِنْ قِبَل ابن ملجم؛ قال ابن حطان يمدح ابن ملجم:

    يا ضربةً مِن تقيٍّ ما أرادَ بها      إلا ليبلُغ مِن ذي العرش رِضوانا

    إني لأذكرُه يوماً فأحسَبُه      مِن خير خلق عباد الله ميزانا

    فرد عليه علماء أهل السنة، وقالوا لـعمران ذاك:

    يا ضربةً مِن شقيٍّ ما أرادَ بها      إلا ليبلُغ مِن ذي العرش خسرانا

    إني لأذكرهُ يوماً فألعَنُه      وألعنُ الكلبَ عمران بن حطانا

    وذكر الذهبي أن عمران هذا أوقف قتادة بن دعامة السدوسي أحد علماء أهل السنة، وأخذه بتلابيب ثوبه -وكان قتادة أعمى- ثم قـال: " يا قتادة! اسمع أبياتاً لي في الدنيا ما قالها أحد، قال: قُل قال:

    أرى أشقياءَ الناسِ لا يسأمونها      على أنهم فيها عراة وجوَّعُ

    أراها وإن كانت تَسُرُّ فإنها      سحابةُ صيفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ
    "

    والمعنى: أنهم لا يسأمون الدنيا، وأشقياء الدنيا خدم أهل الدنيا.

    زهد العلماء في الأعطيات

    لما فتح أجدادنا كابل وهي عاصمة أفغانستان، وكان قائدهم قتيبة بن مسلم -لله دره- وكان قبل المعركة يسجد ويبكي، ثم يسأل الله النصر فيفتح الله عليه، كان رجلاً قوياً مهاباً، يقولون: إذا دخل المسجد، كان ينكس رأسه، لكيلا يصطدم رأسه بسُرج المسجد لأنها كانت مسرجة بالزيت، وآتاه الله قوة في الجسم، وشجاعة هائلة، ذهب لفتح كابل بمائة ألف من المجاهدين المسلمين، وكان معهم محمد بن واسع الزاهد العابد، عالِِم أهل الكوفة، ومحمد بن واسع أزدي، أجداده من الجنوب والطحاوي وعبد الغني المقدسي من الجنوب، ولا تَمَيُّز ولا نفتخر بذلك، ولكن عَلَّ الابن أن يقول:

    نبني كما كانت أوائلُنا      تَبْنِي ونفعلُُ مثلما فعلوا

    هم القومُ يَروُون المكارمَ عن أبٍ      وجَدٍّ كريمٍ سيِّدٍ وابنِ سيِّدِ

    وهَزَّتُهم يوم الندى أرْيَحِيَّةٌ      كأن شربوا مِن طعم صهباءَ صرخدِ

    يقولون لـمحمد بن واسع: " لماذا لا تتكئ؟ -وكان يجلس دائماً خائفاً- فقال: لا يتكئ إلا الآمن، وأنا لست بآمن، لا أتكئ حتى أجوز الصراط " إذا تعديتُ الصراط فسوف أتكئ، أما في الدنيا فلا.

    وصل محمد بن واسع وقتيبة، وقبل أن تبدأ المعركة بوقت بسيط، قال قتيبة للمسلمين: " ابحثوا لي عـن محمد بن واسع، فذهبوا فوجدوه قد صلى ركعتي الضحى، ثم قام بالرمح واتكأ عليه، ورفع سبابته إلى الحي القيوم وهو يقول: يا حي يا قيوم! برحمتك نستغيث، اللهم انصرنا.

    فعادوا إلى قتيبة فأخبروه، فدمعت عيناه وقال: والله الذي لا إله إلا هو لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف شاب طرير.

    وبدأت المعركة وانتصر المسلمون، وأتوا بالغنائم كرءوس الأبقار من الذهب والجواهر والدرر، فالتفت قتيبة إلى الغنائم وقال: ما رأيكم لو عرضت هذه الأموال على أحد من الناس أيَرُدَّها؟ قالوا: ما نرى أحداً يرفضها - مَن الذي يرفض الذهب والمال والدرر والجواهر؟ - قال قتيبة: والله لأرينكم قوماً من أمة محمد عليه الصلاة والسلام المال عندهم مثل التراب، نادوا لي محمد بن واسع فأتى، فقال له قتيبة: خذ هذا المال - مثل رأس البقرة من الذهب- فأخذه محمد بن واسع، فقال قتيبة: اللهم لا تخيب ظني فيه!

    فخرج به من الخيمة، فقال قتيبة لأحد الجنود: تتبع محمد بن واسع وانظر أين يذهب بالمال؟ فتتبعه وقد أخذ صرة الذهب، فمر فقير في الجيش وهو يسأل الناس، فأنا فقير، فأعطاه كل المال، فذهب الجندي إلى الفقير، وقال له: أجب قتيبة، فأتى فقال له: من أين أخذت هذا المال؟ قال: من محمد بن واسع، فالتفت قتيبة بن مسلم إلى الناس، فقال: أتنظرون إلى زهدهم في الدنيا؟ "، هكذا كانوا؛ لأن رضوان الله لا يعادله شيء.

    علي بن أبي طالب له كلمة تُسَجَّل بماء الذهب، وهي في صحيح البخاري، يقول: [[ارتَحَلَتِ الآخرةُ مُقْبِلَةٌ، وارتَحَلَتِ الدنيا مُدْبِرَةٌ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل]].

    كان علي من أزهد الناس، يقول - وهو يصعد على بغلته، ويمشي في الأسواق، ومعه ثوب -: [[أنا أبو الحسن، أهنتُ الدنيا أهانها الله]] كان لا يلتفت إليها أبداً، ولذلك عظَّم الله أجره في الآخرة ورفع ميزانه.

    كلكم يسمع بـسليمان بن عبد الملك، وأنا أريد أن أورد القصص أكثر مما أتحدث؛ لأن في قصصهم عبرة وحياة، قال مجاهد: [[القصص جند من جنود الله، يرسلها على من يشاء]] وقال أبو حنيفة: [[سِيَر أهل العلم وأهل الفقه أحب إلينا من كثير من الفقه]] فكانوا يتذاكرون السِّيَر.

    كان سليمان بن عبد الملك الذي بويع على الخلافة ينظر في المرآة ويقول: [[أنا الملك الشاب، أنا السلطان الهيَّاب]] لكن الشباب والهيبة لم تفده، لما أتته سكرات الموت صُرِع وما أغنى عنه ماله، ولا نسبه، ولا أصله، ولا مُلكه، حَضَرَ سكرات موتِه عمر بن عبد العزيز الخليفة بَعْدَه، فأخذ سليمان يقول - وهو في سكرات الموت -:

    أفلحَ مَن كان له كبارُ      إن بَنِيَّ صبيةٌ صغارُ

    بيتٌ واحد يقول فيه: أفلح الذي عنده أبناء كبار بوليهم المـلك بعـده؛ لأن أبناءه كانوا صـغاراً، قال عمر بن عبد العزيز: [[لا يا سليمان. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15]]] أما من عنده أبناء صغار، أو كبار، أو سود، أو حمر لا يفلحون، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف:196].

    دخل سليمان المدينة، فسلم عليه أهل مدينة محمد عليه الصلاة والسلام، وباركوا له بالخلافة إلا قيس بن أبي حازم -أحد العلماء- لم يبارك له ولم يأت إليه، فأرسل له سليمان الجنود، فأتوا به فدخل عليه وقال: [[السلام عليكَ يا سليمان، قال: الناس يقولون: السلام عليكَ يا أمير المؤمنين وأنت تقول: يا سليمان، قال: لأني لم أبايعك بالخلافة، وأنت بُويِعْتَ بالخلافة على غير رضىً مني، فكيف أسميك أمير المؤمنين؟!

    قال: ما لنا نحب الحياة ونكره الموت يا قيس؟

    قال: لأنكم عمَّرتم حياتكم وخرَّبتم آخرتكم، فأنتم تكرهون الانتقال من العمار إلى الخراب، قال: ما رأيك أن تصحبنا؟ قال: كيف أصحبك؟ قال: أعطيك نصف ملكي وتصحبنا، قال: لا. إن الله يقول: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113] وكم تعطيني من جناح بعوضة؟ أتعطيني نصف جناحها وقد قال عليه الصلاة والسلام: {لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء}]].

    وسليمان هذا يبخت في القصص، محظوظ في المجابهات العلمية، دخل الحرم يطوف، فوجد سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وانظر إلى الثلاثة! عبد الله أفضل من سالم، وعمر أفضل من عبد الله، وابنه هو سالم.

    إن العصا مِن هذه العُصَيَّةْ      لا تَلِدُ الحيَّةُ إلا حَيَّةْ

    كان سالم يطوف بالبيت وحذاؤه بيده -وهو زاهدٌ عابد يقولون عنه: ثَمَّنَّا ما عليه فوجدناها بثلاثة عشر درهماً- فمر سليمان بالموكب ومعه الوزراء والأمراء، فلما رأى سالماً توقف واقترب منه ليُقَـبِّل يده لأنه عالم الأمة، فسحبها، فقال لـه سليمان: [[يا سالم! ألَكَ إليَّ حـاجة؟ قال سالم: يا سليمان! أما تستحي من الله؟ أتعرض عليَّ المسائل في بيت الله؟ فتركه، فلما خرج عرض عليه السؤال، قال: ألَكَ إليَّ حاجة؟ قال: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، أما الآخرة فلا يملكها إلا الله، قال: والله الذي لا إله إلا هو، ما سألت حوائج الدنيا من الذي يملكها وهو الله، فكيف أسألها منك؟]].

    هذا درس للواعين والنابهين أن يعلموا أن ما عند الناس لا يساوي شيئاً: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96].

    وأما أفضل ما يمكن أن يكنـزه العبد: فهي العبادة، والصلاح، والعلم النافع، قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    دخل أحد الخلفاء إلى المدينة، قيل إنه الوليد بن عبد الملك، فأتى إلى الناس بأعطيات، وجاء بأعطية لـسعيد بن المسيب (ذهب وفضة) جعلها في كيس، وأرسل جندياً إليه بها، فذهب إلى سعيد فوجده يصلي ركعتين، فلما سلَّم قال: خذ هذا العطاء يا بن المسيب، قال: ممن هذا العطاء؟ قال: من الوليد بن عبد الملك، قال: هيه! يسرق أموال المسلمين ويعطيني العطاء، ويحاسبني الله على عطائه، ربما أراد غيري، قال: لا. بل أرادكَ أنتَ، قال: اذهب إليه بالعطاء واسأله -وكان الوليد جالساً في طرف المسجد- هل يريدني أم يريد غيري؟! فأخذ الكيس وذهب به، وأخذ سعيد بن المسيب حذاءه، وخرج من المسجد.

    وأمرهم عجيب في ذلك، ومقصودهم في الزهد كما قال ابن تيمية: " الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة "، أما ما ينفعك في الآخرة فهو من أحسن ما يكون إذا أتى من وجه شرعي مباح لا مغبة فيه ولا ريبة ولا حرج.

    1.   

    قولهم كلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم

    يقول عليه الصلاة والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) إذا سُلَّ السيف وأصبحت الدماء تسيل، وقام العالم يتكلم فكلمته أفضل الجهاد؛ وهذه لا يستطيع لها إلا القلائل، مثل: النابلسي، الذي ترجم له الذهبي.

    النابلسي يُسْلَخ لقوله الحق

    النابلسي محدِّث وعالم من علماء الإسلام، كان راوياً يحفظ الأسانيد والأحاديث، وكان الحكام في عهده هم الفاطميون، جدُّهم هو اليهودي ابن قداح، يقول ابن تيمية: " لا ينتسبون لأهل الإسلام "، وكثير من المؤرخين اليوم يقول: " ينتسبون لـعلي بن أبي طالب" كلا، وحاشا، والله إنهم يهود، أشرار، أنذال، زنادقة، خرجوا على الإسلام بسيف الطاغوت، وذبحوا الإسلام ذبحاً.

    كان الحاكم بأمر الله الفاطمي يخرج يوم الجمعة قبل الصلاة إلى السوق، فإذا رآه الناس سجدوا له، والذي لا يسجد يقتله، أخذ المصحف وداسه وبال عليه، والمصيبة أنه ذبح المسلمين حتى أسكتهم، وأتى الفقر في عهده حتى أكل الناسُ الحميرَ، قال ابن كثير في: البداية: " اجتمع سبعة على حمارة فذبحوها، وأكلوها في عهده "، قال: " ومات كثير من المشايخ وتلاميذهم في المسجد وانتهوا "، وأتى الحاكم بأمر الله بحماره فوقف عند قصره، ليأخذ غرضاً ويعود، فلما خرح وإذا الحمار مذبوح، وقد تُقُسِّمَ لحمُه، مهلكة، أهلك الله الأمة في عهده بذنوبه وخطاياه.

    قام النابلسي في مجلس الحديث، فسأله أحد الطلاب -وبعض الطلاب مبارك في الأسئلة- قال: " ما رأيك في الفاطميين، هل يصح جهادهم؟ " قال هذا العالِم -أوقفه الله الآن على الصراط إما أن يقول: نعم، أو لا-: " أرى أن من عنده عشرة أسهم، أن يرمي الروم بسهم واحد، ويرمي الفاطميين بتسعة أسهم ".

    وارتفعت الكلمة، ولم تأتِ صلاة الظهر إلا والكلمة قد وصلت -بحفظ الله ورعايته- إلى الحاكم، وأتى الحاكم فأزبدَ وأرعدَ، وقام فأخذ السيف وغمسه في الدم، وقال: " عليَّ بـالنابلسي "، فأتوا بـالنابلسي، فأجلسوه، قال له الحاكم ولم يفهم الكلمة بعد.

    أقول له زيد فيكتب خالداً      ويقرؤه عمراً ويفهمه بكراً

    قال الجدارُ للوتدِ لِمَ تَشُقني      قال اسألْ مَن يَدُقني

    فيقول الحاكم: " ما لك يا نابلسي! تقول فينا كلاماً؟ قال: ماذا قلتُ فيكم؟ قال: تقول فينا: إذا كان عند الرجل عشرة أسهم، يرمينا بسهم، ويرمي الروم بتسعة أسهم؟ قال: لا. خطأ، العبارة ليست هكذا، قال: وما هي العبارة؟ قال: العبارة التي قلتُ: من كان عنده عشرة أسهم يرميكم بتسعة، ويرمي الروم بسهم.

    قال: أما تدري أني أريد أن أذبحك اليوم؟ قال: اذبح أو لا تذبح، والله ما نفسي تساوي عندي هذه، ثم أخذ زراره فقطعه، ثم رماه في وجه الحاكم، فقام وقال: لا أذبَحُكَ، لا يذبَحُكَ إلا يهودي، قال: افعل ما بدا لك " -وهذه أشنع قتلة في التاريخ- فأخرجوه في الشمس، ثم علقوه من رجليه بحبل، ونكَّسوه على رأسه، وبعض الرواة يقولون: " أتت سحابة وهو معلق فغطته من الشمس " والقدرة صالحة، وكرامات الأولياء واردة، وأخـذ اليهودي يسلخ جبهته بالسكين كما يسلخ الشاة، أتدرون ماذا كان يقول النابلسي؟ كان يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". ويقال: " إن الله عزَّ وجلَّ ربما رفع عنه ألم السلخ "؛ لأن الله يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52] وبعضهم يقولون: " أول ما قطرت منه قطرات من دمه -وذكرها الذهبي، ولم يعلق عليها، وأنا لا أعلق عليها- كَتَبَت في الأرض: الله، الله، الله " فلما وصل اليهودي إلى قلبه بعد أن سلخ كل الجلد، رحم اليهودي النابلسي، فأخذ سكيناً فغمسها في قلبه فمات، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    عُلُوٌّ في الحياة وفي المماتِ      بِحَقٍّ أنت إحدى المعجزاتِ

    كانوا يقولون الحق، لكن في مواطنه، يوم تنفع كلمة الحق، يوم يكون من الحكمة أن يقولها، يقولها إذا كان من المصلحة للإسلام أن يقولها، لكن في قالب من النصيحة يؤدونها، لا تشهيراً، ولا تجريحاً، ولا تضليلاً، ولا تبجحاً، ولا رياءً، ولا سمعة، كانوا ينصحون الخاصة للخاصة، والعامة للعامة.

    الصحابة يقولون الحق ويقبلونه

    أتى عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأنا لا أضرب بـعمر مثالاً للجبابرة، بل هو سيد العدول، وهو الولي الكبير، وهو الزاهد العابد، قام على المنبر كما يذكر بعض المؤرخين، فقال: [[يا أيها الناس! اسمعـوا وعُـوا - أتدرون ما السبب؟ كان لـعمر جلباب كبير رضي الله عنه، لبسه يوم الجمعة، وأعطى الصحابة من جلباب واحد، لكن عمر كان طويلاً فأخذ جلبابين، وهذا عند المسلمين لا يصح - فقال سلمان في المسجد: والله لا نسمع ولا نعي، قال: ولِمَه يا سلمان؟ -وسلمان الفارسي، مَوْلَى، لَيْتَهُ كان علياً، أو عثمان - قال: تلبس ثوبين، وتكسونا من ثوب واحد، قال: قم يا عبد الله أجب سلمان، فقام عبد الله بن عمر وقال: إن أبي طويل، وإنه قد أخذ ثوبي إلى ثوبه، قال سلمان: الآن، قل نسَمْعْ، وأمر نُطِعْ]].

    وفي ترجمة عمر أنه قام على المنبر، فقال: [[يا أيها الناس! ما رأيكم لو حِدْتُ عن الطريق هكذا؟ -أي: لو مِلْتُ عن الطريق المستقيم- فسكت الصحابة، وخجلوا، واستحيوا، فقام أعرابي معه سيف عند سارية في آخر المسجد، فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو لو حدت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم عمر، وقال: الحمد لله الذي جعل من رعيتي من إذا حدت عن الطريق هكذا، يقول بالسيف هكذا]].

    هذه شرعية الكتاب والسنة والعدل في الإسلام.

    الشجاعة في قول الحق

    والعلماء لهم مواقف في ذلك؛ لأنهم كانوا يجعلون عرش الله بارزاً أمامهم إذا سئلوا في مسائل محرجة.

    الزهري العلامة المحدث، دخل مع كثير من العلماء على هشام بن عبد الملك آخر أولاد عبد الملك بن مروان، وكان خليفة ولكنه ناصبي يبغض علياً، والناصبي هو: الذي ينصب العداء لأهل البيت.

    إن كان رفضاً حبُّ آلِ محمدٍ      فليشهدِ الثقلان أني رافضي

    حبهم قربة من الله عزَّ وجلَّ: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] لكنَّ هشاماً كان ينصب العداء لهم، وهشام أوحى إليه الشيطان أن المقصود بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11] أنه علي بن أبي طالب، والذي تولى كِبْرَه هو عبد الله بن أبي بن سلول كما قال أهل العلم.

    فقال هشام للعلماء: [[يا سليمان بن يسار! من الذي تولى كِبْرَه؟ قال: عبد الله بن أبي، قـال: كذبـتَ، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول - يقول: ما دام أنتَ خليفة فأنت أعلم، وهو في الحقيقة خليفة لا يعلم - فقال: يا فلان! من الذي تولى كِبْرَه؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبتَ، الذي تولى كِبْرَه علي، قال: أمير المؤمنين أعلم.

    قال: يا زهري، قال: نعم. قال: من الذي تولى كِبْرَه؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبتَ، فقام وسط الناس الزهري -وكان الزهري جالساً- قال: كذبتَ أنتَ وأبوكَ وجدك، الذي تولى كِبْرَه عبد الله بن أبي بن سلول، حدثني بذلك عروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعلقمة بن وقاص وعائشة، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذبَ حلال ما كذبتُ، فانتفض هشام وقال: لعلنا هيجنا الشيخ، لعلنا هيجنا الشيخ]].

    قول الحق صعب وثقيل، لكنه في مواطن ينبغي أن يقال، لكن بقالب من نصح أولاً كما قال تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ولا يعني ذلك أن الإنسان يتبجح بقول الحق، أو يجرح المشاعر، أو يظلم الناس، فإن النفوس لا تقبل، والنفوس لا بد أن تعطيها كرامتها ومنـزلتها، ثم تقول الحق في قالب من النصح حتى يصل إلى القلب.

    هارون الرشيد خليفة المسلمين، دخل عليه رجل فقال: " يا أمير المؤمنين! اسْمَع كلاماً شديداً وتَحَمَّلْني، قال: والله لا أسمع، والله لا أسمع، والله لا أسمع، قال: ولِِمَ؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فقال له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] " لأن هذا هو المطلوب في المسلم، أن يقدم كلمة النصح في قالب من الخير.

    وفي موقف آخر، واستشهادٍ ثانٍ: الأوزاعي:

    عبد الله بن علي عم أبي جعفر المنصور، كان يسمى السفاح، دخل دمشق واستباحها ساعة، فقتل ستة وثلاثين ألفاً، وأدخل بغاله وجماله في المسجد الأموي -الجامع الكبير- وربط الفرسان الخيول بالسواري، وقال للناس: " أترون أحداً يعترض على ما فعلتُ؟ قالوا: نظن الأوزاعي يعترض.

    فاستدعى الأوزاعي، قال الأوزاعي: انتظِروا قليلاً، فدخل فلَبس أكفانه بعد أن اغتسل وتطيب، ولبس ثيابه فوق أكفانه، ودخل على عبد الله بن علي، قال الأوزاعي: والله الذي لا إله إلا هو، لَمَّا دخلتُ عليه كأنه ذبابٌ في عيني، وكأني أتصور عرش الله بارزاً للناس، قال: فانعقد في جبينه عرق، وفي يده خيزران والسيوف قد أُشْرِعَت على رأس الأوزاعي، قال: يا أوزاعي! ما رأيك في الدماء التي سفكناها؟ فحدثه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة} فغضب، قال: ورفعتُ العمامة أنتظرُ السيفَ، ورأيتُ بعض وزرائه يرفعون ثيابهم حتى لا يصيبهم دمي، قال: فسألني في الأموال، قلت: حلالها حساب، وحرامها عقاب، قال: اخرج، فخرجت، قال: ارجع، فرجعتُ وأنتظر السيف، قال: خذ هذه البُدرة، يقول: بُدرة من فضة وذهب قال: فأخذتها، ووزعتها على الجنود، ثم رميتُ بالكساء عليه، ثم خرجت، وبقي قدره عند الأمة مرتفعاً؛ لأنه ضحى بدمه في سبيل الله عزَّ وجلَّ.

    والإمام أحمد فعل ذلك عند المعتصم، فقد حاول الخليفة المعتصم وهو الرجل الشجاع، والعسكري القوي، صاحب عمورية، حاول أن يجعل الإمام أحمد يقول: القرآن مخلوق، فلم يقل بذلك الإمام أحمد، وجُلد جلدات، يقول الذي جلده: " والله لقد جلدته جلداً، لو جلدته جملاً لمات "، كلما جُلد الإمام أحمد أُغْمِي عليه، فإذا أفاق بعد أن يرشوه بالماء قالوا: " ماذا تقول؟ قال: ائتوني بآية أو حديث، حاولوا به وبدَّلوا وغيَّروا فلم ينفع، فثبت على الحق، حتى جعله الله إمام أهل السنة والجماعة، ونصره الله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله.

    1.   

    بذلهم العلم لطالبيه

    أما بذلهم العلم لطالبيه، ونشرهم المعرفة، فهي مسألة نعيشها نحن، في هذه الأزمنة المتأخرة، فقد صرنا نعيش أزمة علماء، وأزمة دعاة، منهم من يُقَطر العلم قَطْرة قَطْرة كالقَطَّارة، ومنهم من ينفق العلم كأنه يصرف من جيبه، والساحة تشتكي وتريد أن ينـزلوا لأن الأجيال بحاجة للعلم، فانظروا إلى نشر العلم عند السلف.

    كان عروة بن الزبير يتألف الناس على حديثه، يعطيهم المال لكي يحضروا، يقول لطلابه: [[من يحضر منكم اليوم له دينار]] لأنه يريد أن ينشر هذا العلم الذي عنده، لأن العلم حياة، والعلم إذا حُبس ضاع ونقص.

    يزيدُ بكثرة الإنفاق منه      وينقص إن به كفَّاً شدَدتا

    وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187] ويقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] وقد قالوا عن ابن عباس أنه: [[كان يجلس في الحرم بعد صلاة الفجر، فيقول: هيا، عليَّ بأهل القرآن، فيأتي أهل القرآن، فيقرءون إلى طلوع الشمس، فيقول: ارتفعوا، ائتوا بأهل الحديث، فيسألونه، ثم إذا انتهى منهم، قال: ارتفعوا، ائتوا بأهل الفقه، ثم أهل التفسير، ثم أهل العربية، ثم أهل الشعر]] وكان يفطرهم ويغديهم، ولا يطلب طالب من بعض الناس أن يغدي ويفطر طلابه؛ لأن ميزانية ابن عباس تختلف عن ميزانية بعض الناس، فقد كان ابن عباس موهوباً، وكان عنده مال، وكان يغدي أصحابه وطلابه اللحم والثريد، ويفطرهم لُبَاب العسلِ والبُرَّ، ولذلك يقول ابن تيمية عنه: " جمع الحسنيين في الدنيا: بذل العلم، وكرم اليد " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4] واليهود جمعوا خصلتين لئيمتين: البخل، وكتمان العلم.

    العلماء بذلوا العلم في سبيل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهنا أذكر من العصريين ممن سمعنا قصصهم، ورأينا وقرأنا أخبارهم:

    محمد بن إبراهيم رحمه الله، مفتي الديار السعودية، توفي قبل سنوات عديدة.

    ومنهم: الشيخ عبد العزيز بن باز، كان من أجلد الناس على بذل العلم، كان يجلس بعد الفجر فيدرِّس الناس إلى منتصف الضحى، ثم يذهب إلى بيته، فيأكل تميرات، ويجدد وضوءه، ويعود إلى المسجد فيدرس إلى الظهر، ثم يذهب إلى بيته فينام قليلاً، ثم يأتي ويدرس إلى العصر، ثم يرجع، فيدرس من العصر إلى المغرب في التفسير، ثم يأتي من المغرب إلى العشاء في الفقه، ثم يدرس بعد العشاء قليلاً، ثم يذهب إلى البيت.

    وهكذا يمر الدهر عليهم، بذل وعطاء في المسجد، ولذلك بعضهم الآن يقول: ليس في دراسة الكلية بركة، إنما الدراسة في المساجد، نقول: نعم. كان التدريس مثلما كان في عهد الشيخ محمد بن إبراهيم، تدريس كل اليوم، لكن تأخذ حصة في المسجد، وتترك الدراسة في الكلية، وتقول: لا بركة فيها؟ لا. أصبحت الكلية اليوم، والمدرسة، والمعهد، والثانوية، تقوم مقام حلقات أهل العلم؛ لأنك لو جلست في بيتك تقرأ صفحتين، ثم يأتيك النوم، فلا تنتج شيئاً، فالأفضل لك أن تحضر؛ لأنك تتلقى في اليوم خمسة محاضرات، من خمسة من العلماء المتخصصين، يأتيك عالم في أصول الفقه، رسالته وتحضيره ودراسته في أصول الفقه، وعالم في الحديث، وعالم في الفقه، وعالم في التوحيد، وعالم في التاريخ، وعالم في النحو، فهم يعطونك علماً لذيذاً، فاحرص عليه وأخلص النية.

    و الشيخ عبد العزيز بن باز -وكلكم يعرفه، وهو ممن تحبونه جميعاً- جعل وقته في بذل العلم نشراً، ورسائل، وحديثاً، في سيارته ومكتبه وبهاتفه يبذل العلم لمستحقيه، كبر وأصبح في الثمانين، وهو لا يزيد إلا بذلاً، لذلك زاده الله علماً وبصيرة؛ لأن من أعطى من هذا زاده الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ومن بخس ونقص حبس الله عليه منافع الخير، والهداية، والزيادة.

    وهناك الكثير ممن بذلوا العلم لطلابهم، قالوا عن الشوكاني: " كان له اثنا عشر درساً في اليوم ".

    وكان النووي يدرس اثني عشر درساً، وقيل: " ثلاثة عشر درساً " للطلاب؛ في الفقه، والحديث، والمصطلح، والتفسير، والقرآن، والتجويد، إلى آخر تلك العلوم.

    فنفع الله بهم، وبقيت أذكارهم، وأعمارهم، وكأنهم لم يموتوا.

    1.   

    خشية العلماء لله تعالى

    أما خشية الله عزَّ وجلَّ في أهل العلم من أهل الإسلام: فالله يقول في القرآن: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]؛ لأنهم تعرفوا على الله فهابوه، وكل شيء تقرب منه تأمنه إلا الله، فإنه كلما اقتربتَ منه خِفته، هذه قاعدة؛ لذلك تجد الفاجر لا يرهب الله، بل يضحك ويمرح، ويعربد بكلام سيء، ويعصي الله، ويفجر وليس بخائف، والمؤمن التقي العالم بالله إذا عصى معصية، أو فعل فعلة استوحش، وبقي في قلق واضطراب وفزع وخوف وحزن وهَمٍّ وغم، يقول سيد قطب في الظلال: " إن من الناس من يسحق الذنوب كالجبال ولا عليه منها، ومن الناس من يتحرج من مثاقيل الذر من الذنوب "، ويغني في ذلك حديث ابن مسعود الصحيح عند البخاري موقوفاً عليه: [[إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يريد أن يسقط عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار من على أنفه، فقال به هكذا]] سهل عندهم وبسيط، فكل شيء ميسر، جعلوا الكبائر صغائر، واستمرءوها، أما العلماء فخائفون من الله لخشيته.

    تأثر العلماء بالقرآن

    كان ابن عباس يبكي حتى يرحمه جلساؤه، قال أبو وائل: [[والله لقد رأيت جفن ابن عباس من البكاء كالشِّراكَين الباليَين]] وصح عنه: أنه قام ليلة في الحرم من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر يردد قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وهو يبكي: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123].

    أبو بكر لما نزلت هذه الآية كما في المسند سمعها من الرسول عليه الصلاة والسلام فتَماطَّ لها، قال: {ما لك يا أبا بكر؟ قال: يا رسول الله! كيف العمل بعد هذه الآية؟ قال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألستَ تهتم؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ تمرض؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: فإنه لا يصيب المؤمن مِن هَمٍّ، ولا وَصَبٍ، ولا غَمٍّ، ولا نَصَبٍ، ولا مرض، إلا كَفَّر الله بها مِن خطـاياه} أو كمـا قال عليه الصلاة والسلام.

    ومِمَّا يؤثر في هذا الجـانب ما ذكـره وكيع: أن ابن عمر رضـي الله عنهـما قرأ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54] فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، لماذا؟ لأن طريق الجنة لا يأتي إلا بخشية الله، وليست الخشية بالبكاء فقط، قال بعض أرباب القلوب: رُبَّ باكٍ دمعت عيناه، ولكن لا ينظر إلى نظر الله إليه، ورب ساكت ساكن يخاف من وقعات قدمه أن تطيش به في نار جهنم وليس المقصد البكاء، لكنه من دلائل الخشية، وإنما المقصد خشية الواحد الأحد: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    خرج ابن المبارك العالم، الزاهد، العابد، الشهير مجاهداً، فمر بقصر الطاهر بن الحسين، وهو قصر في خراسان، كان في الليل عنده سُرُج من الزيت والشحم، فنظر إلى القصر، وكان القصر بهياً مهولاً، فدمعت عينا عبد الله بن المبارك، وقال: " والله لقصيدة عدي بن زيد أحب إليَّ وأحسن عندي من هذا القصر "، وعدي بن زيد جاهلي، يقول في قصيدته:

    أيها الشامِتُ المُعَيِّر بالدهرِ      أأنتَ المُبَرَّأ الموفورُ؟!

    من رأيت المنون خلفن أم من     ذا عليه من أن يضام خفير

    أين كسرى كِسْرى المُلوك أنُو شر     وان بل أين قَبْلَه سابورُ

    ثم قال ابن المبارك وهو يبكي: [[ضيعنا حياتنا في بعض المسائل، وتركنا الجهاد]] وهو صاحب المقطوعة المليحة:

    يا عابدَ الحرمين لو أبصرتَنا      لعلمتَ أنَّك بالعبادة تلعبُ

    وهي مشهورة، وهو صاحب تلك المقطوعات الجيدة الرائعة غفر الله ذنبه، ورفع منـزلته عنده؛ لكن المقصد: خشيته سبحانه تعالى.

    قال مالك بن أنس: [[ما ظننت أن في أهل العراق خيراً -هذا مالك يرى ذلك- حتى رأيتُ أيوب بن أبي تميمة السختياني سلم على قبر الرسول عليه الصلاة والسلام -وهو عالم أهل العراق - فكادت أضلاعه تختلف من كثرة البكاء]].

    فعسى الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا وإياكم عينين هطالتين بالدموع، وأن يجعلنا ممن يخشونه خشية ظاهرة وباطنة بالأقوال والأفعال وليس بالكلام فحسب.

    1.   

    تواضع العلماء لربهم تبارك وتعالى

    ومن أخبار علمائنا: تواضعهم لربهم تبارك وتعالى:

    إن التواضع أكبر ميزة للعالِم؛ لأن العلم هذا يطغى كالمال، قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] الثقافة إذا لم يصحبها إيمان تطغى بصاحبها، ولذلك أكبر الناس كِبْراً وعتواً هم المثقفون بلا إيمان، فروخ العلمانية والنصرانية والماسونية وأذناب الشيوعية حصلوا على علم خارجي غربي تكنولوجي، وأمثاله من علم المادة، ولكن لم يحصلوا على الإيمان، فليس في قلوبهم ذرة من الإيمان، علم بلا إيمان علمنة، فلذلك تجد أحدهم بَرْوَزَ شهادته في البيت، وليس عليه من آثار العلم شيءٌ، إذا دخلت عليه كأنك دخلت على قارون أو هامان أو فرعون، لا يلتفت إليك، ويطمح بنفسه.

    خفف الوطءَ ما أظن أديمَ الـ      أرض إلا من هذه الأجسادِ

    صاحِ! هذي قبورُنا تملأ الرحـ      ـب فأين القبورُ مِن عهد عادِ

    ***

    وجوهُهم مِن سوادِ الكِبْرِ عابسةٌ      كأنما أُوْرِدُوا غَصْباً إلى النارِ

    هانوا على الله فاستاءت مناظرهم      يا ويحهم من مناكيد وفجار

    ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً      أهدوك من نورهم ما يتحف الساري

    تروى وتشبع من سيماء طلعتهم      بذكرهم ذكروك الواحد الباري

    هانوا على الله، يقولون: العبد إذا هان على الله تكبر، فيسقط من عين الله، فإذا رأيت المتكبر فاعرف أنه هين عند الله، وجزاؤه، كما في الحديث الصحيح: (يُحشر المتكبرون يوم القيامة في صورة الذر، يطأهم الناس بأقدامهم).

    من صفة العالِم: التبسم، طالب العلم يتبسم، يرخي كتفه لمن يسأله، يماشي من يطلبه، يرحم الضعيف، يقف مع المسكين، يقود الأعمى، يساعد الأرملة، يخدم بسيارته، بجاهه، بقلمه، بكتبه، بماله وبوقته، هذا هو طالب العلم الذي يريد الله والدار الآخرة.

    تهوينهم من شأن أنفسهم

    خرج ابن مسعود من المسـجد، فخرج تلاميـذه وراءه - روى ذلك الإمام أحمد في كتاب الزهد - فقال: [[عودوا إلى أماكنكم، والله لو علمتم ما علي من الذنوب لحثوتم التراب على رأسي]] هذا ابن مسعود صاحب قيام الليل، الصحابي الشهير، الذي قال بعض التلاميذ فيه: [[نمت عند ابن مسعود فتركني حتى نمت، وظن أني نائم، ثم قام يتلو القرآن كأنه نحلة حتى الفجر]] الذي جمع القرآن، يقول: [[عودوا والله لو علمتم ما علي من الذنوب لحثوتم على رأسي بالتراب]].

    يقول علامة الأندلس، يناجي الله في الليل ببيتين وهو يبيكي:

    يا من سترتَ مثالبي ومعايبي      وحلمت عن سقطي وعن طغيان

    والله لو علموا قبيحَ سريرتي      لأبى السلامَ عليَّ مَن يلقاني

    نحن في ستر الله، لماذا يتكبر العبد؟ ولماذا لا يعود إلى تاريخه المظلم؟! ولماذا لا يتذكر سيئاته وأفعاله مع الله الواحد الأحد في مكان لا يراه إلا الله؟! تصور أن الله كشف معاصيك، وفواحشك، وأخطاءك على الناس، والله لا يتحملون لك، ولا يسلمون عليك، ولا يزورونك، ولا يرحبون بك، ولا يستقبلونك، فكيف برب العباد الذي يرى الخطأ منك صباح مساء، ويغفر، ويعفو، ويستر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال أبو العتاهية:

    إلهي لا تعذِّبني فإنِّي      مُقِرٌّ بالذي قد كان مِنِّي

    يَظُنُّ الناسُ بِي خيراً وإنِّي      لَشَرُّ الناس إن لم تَعْفُ عَنِّي

    فكمْ مِن زلَّة لي في البرايا      وأنت عليَّ ذو فضل وَمَنِّ

    إلى آخر ما قال.

    إذاً: التواضعُ سِيَمُ أهلِ العلم.

    كراهيتهم للمدح

    دخل داخلٌ على شيخ الإسلام ابن تيمية فمدحه وقال: "يا ابن تيمية! أنت العالم البحر" فغضب ابن تيمية، واحمرَّ وجهُه وقال:

    أنا المُكَدِّي وابنُ المُكَدِّي      وهكذا كان أبي وجدِّي

    يقول: أنا فقير، وأبي فقير، وجدي فقير، وله قصيدة اسمها الفقرية، يشكو فقره على الله، ويقول رحمه الله:

    أنا الفقيرُ إلى رب السماواتِ      أنا الْمُسَيْكِيْنُ في مجموعِ حالاتي

    أوحى الله إلى موسى عليه السلام قال: يا موسى! إذا ذكرتني فاذكرني وأعضاؤك تنتفض من خشيتي.

    وفي الحديث الصحيح: {من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه}.

    كلما يتكبر العبد يقول الله: {اخسأ، فلن تعدو قدرك} وكلما تواضع قال الله: {انهض أنعشك الله} هذا في حديث وأثر يُرْوَى.

    إذا عُلِمَ ذلك: فإن مما ميَّزَ علماء أهل السنة: الخشية والتواضع لله عزَّ وجلَّ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63].

    إبراهيم بن أدهم توبته وتواضعه

    إبراهيم بن أدهم زاهدٌ، عابدٌ، قال بعض أهل العلم: " كان أميراً من أمراء خراسان، وكان عنده خيل، وجمال، ودنيا كثيرة، نزل إلى السوق - وبعض الناس طيب على الفطرة حتى ولو كان فيه معاصٍ- فوجد ورقة في السوق مرمية، مكتوب عليها: (الله) اسم الجلالة.

    لا إله إلا الله! انظر إلحاد العالَم اليوم! ماذا فعل الملحدون؟! كتبوها على بعض الأحذية، وقد أشرنا إليها في بعض الدروس والمحاضرات، عليهم لعنة الله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف:5].

    -وهنا استطراد-: وقد سمعت من الشيخ كشك قبل أيام خطبة جيدة في هذا، أحضر ورقة نخل معه في المسجد، مكتوب عليها بالخط الذي خطته قدرة الواحد الأحد: (الله) النخلة كتبت على نفسها في وجهها: (الله) وفي قفاها: (الله) بالخط الكوفي الجميل، وما خطه إلا الواحد الأحد، وربما تكون من الآيات، وهي من آيات الواحد الأحد.

    انظر لتلك الشجرة     ذات الغصون الناضره

    كيف نمت من حبة     وكيف صارت شجره

    من ذا الذي قومها      حتى استقامت شجره

    ذاك هو الله الذي     قدرته مقتدره

    ذو قدرة باهرةٍ     وحكمة منتشره

    تبارك الله رب العالمين، النخلة تسبح بحمد الباري، لكن الشاهد هنا: أن إبراهيم بن أدهم وجد الورقة مكتوب فيها: (الله). قال: " سبحان الله! يدوسون اسم الحبيب؟! " فأخذ الورقة، وذهب إلى بيته، وأخذ طيباً بدينار، ثم غسل الورقة، وطيبها، ورفعها، فنام تلك الليلة قَرِيْرَ العَين قال: " فسمع قائلاً يقول: يا من رفع اسم الله! ليرفعن الله اسمك "، وهذا لا معارضة فيه مع النصوص فالقصة توافق النصوص، ولا تعارضها، فرفع الله اسمه، وتاب، وأصبح زاهداً، عابداً من الصالحين.

    تواضعه يظهر في قصص منها: أنهم قالوا: " خرج مرة من المرات - وهو عابد - فمر تحت بيت من البيوت، فخرجت امرأة برماد في صحن فرمته من على البيت، وما عَلِمَتْ أن إبراهيم بن أدهم أسفل، فتلطخ بالرماد، فاجتمع أهل الحي وقالوا لها: حسيبنا الله هذا إبراهيم بن أدهم، فأخذ يقول: " لا عليكم، لا عليكم، إذا صُولِحتُ على الرماد فيكفيني، إني أخاف أن أدخل ناراً تلظى "، يقول: إذا كانت المسألة مسألة رماد فالأمر سهل، لكني أخاف من جمر في الآخرة، حتى يذكرون العبارة عنه، يقول: " إن من استحق النار، ثم صُولِحَ على الرماد لهو رابح "، يقول: من نازله الله إلى أن أعطاه الرماد بدون جمر، وبدون نار، فحالته طيبة إن شاء الله.

    تواضعهم لبعضهم ولمن دونهم

    أما الشافعي فكان في الناس أكثرهم تواضعاً وحلماً وأناةً، كان يزور الإمام أحمد في البيت وقد كان أصغر منه سناً، ويطلب منه العلم، ويستفيد منه، فقال تلاميذ الشافعي: " تزور أحمد؟! "؛ لأن بعض الناس اليوم لا يزور إلا من هو أكبر منه، أو أعلم منه، حتى يقول: أنا أزور فلاناً! لو زرتُه نقَّص من قدري! أنا لا أزور إلا أصحاب الوجاهات، وهذه هي زيارات الرياء والسمعة، كان طلاب الشافعي يقولون له: " كيف تزور أحمد وهو دونك "؟ قال:

    قالوا يزورُك أحمد وتزورُه      قلتُ: الفضائلُ لا تغادرُ منـزلَه

    إن زارنِي فلِفَضْلِهِ أو زُرتُهُ      فَلِفَضْلِهِ فالفضل في الحالَين لَه

    ولذلك كان أحمد يدعو له في السحر، ويقول لـابن الشافعي: " يا فلان! أبوك من السبعة الذين أدعو لهم في السجود وقت السحر "، فهؤلاء طلبوا العلم لله، فرزقهم الله علماً.

    يقول الشافعي: " يا ليتني لا أُذكر في الناس، يا ليت اسمي لا يُعرف، يا ليتهم يستفيدون من علمي وأنا في شِعب من شِعاب مكة ".

    وكان سفيان الثوري في التواضع مضرباً عجيباً في المثل، كان يلبس الصوف من تحت ملابسه، ويجلس مع الفقراء، ويقول: " مسكين يجلس مع المساكين ".

    مرَّ الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله عليه الصلاة والسلام بفقراء، فنـزل من على فرسه، وربط الفرس، وجلس معهم، قالوا: [[ما لك؟ قال: لعل الله أن يرحمني بمجلسي معكم]] غفر الله ذنوبهم.

    كان زين العابدين إذا نام الناس وهجعوا وسكنوا وأظلم الليل عليهم، وبقي رب الناس يتنـزل في الثلث الأخير، فيقول: {هل من داعٍ؛ فأستجيب له؟ هل من مستغفر؛ فأغفر له؟ هل من سائل؛ فأعطيه؟} يقوم على التمر، والزبيب، والقمح، فيحمله على أكتافه، وينشره في بيوت المساكين، فإذا أتت صلاة الصبح؛ ذهب إلى المسجد، والناس لا يعلمون حاله هذا، فلما مات اكتشفت الأُسَر أنه هو الذي كان يُمَوِّنُهم، رضي الله عنهم وأرضاهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    فهذه باقة من القصص، ولعل سامعاً فيستفيد، ولعل في الأسئلة ما يكمل ما نقص من الكلام، ولا أريد الإطالة، فما بقي من وقت فيه الخير، وما سُمِع فيه الخير، لمن استمع فاتبع أحسن القول.

    أسأل الله لي ولكم توفيقاً، وعلماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وأن يجعلنا ممن يتأسى بأولئك السلف الصالح، وأن نقدمهم نموذجاً وبديلاً في عالم التربية، والتراجم، والتاريخ، والسير، بدل الأقزام الذين ضُخِّموا من الكفرة والملاحدة، وغيرهم فإن هؤلاء أحق والله أن يدرسوا، وأن تترجم سيرهم، وأن يستفاد منهم في التربية، وعلم النفس، والاجتماع، وأن تؤخذ كلماتهم العطرة، الطيبة، وتُنشر في الفصول، والمساجد، والمحافل العامة، ونلغي هذه الثقافات التي رانت وطاشت على الساحة، ونستبدل بتلك الثقافة الحية الواعية، ليخرج جيل يعرف الله عزَّ وجلَّ، ويسجد لله، ويدين بالولاء لله سبحانه وتعالى.

    وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    تأليفهم وتراثهم الخالد

    السؤال: ماذا عن مؤلفات علمائنا وذكر تراثهم؟

    الجواب: هذا عنصر، لكنني أظن أني تجاوزته في أثناء الشرح، تأليفهم وتراثهم الخالد لقد تركوا لنا مكتبات وعلماً جماً ونوراً، تجلس في المكتبة الواحدة فيجلس معك مئات العلمـاء، فأنـت إذا دخلـت مكتبتك كان معك ابن تيمية، وابن كثير، والمزِّي، وعلماء الصحابة كـابن عباس، وعلي، ومعاذ، وأبي، وعلماء السلف: كـأحمد، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي، علماء وأدباء، وسادة وأخيار، ولكن مَن يقرأ ومَن يفهم؟

    ومن التراث: الموطأ، كتبه مالك لوجه الله في أربعين سنة، وقال: ما كان لله يبقى، فأبقاه الله.

    ومن التراث: مسند أحمد، فيه بالمكرر أربعون ألف حديث، وبغيره: ثلاثون ألف حديث، طاف الدنيا وجمعه.

    ومن الكتب: الكتب الستة، لا سيما صحيح البخاري وصحيح مسلم، واسمع كيف نشر الله ذكرهم في الدنيا: الإذاعة، الصحيفة، المنبر، المجلس، الدرس، المحفل، المحاضرة، الدرس، الموعظة تتلى فيها: رواه البخاري، رواه مسلم، رواه الترمذي، وأبو داوُد، والنسائي، وابن ماجة.

    هل بعد هذا من شرف؟! وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4].

    ومما ألف ابن تيمية: الفتاوى، في سبعة وثلاثين مجلداً، ويقولون: " فتاواه لو جُمعت لكانت ثلاثمائة مجلد ".

    وابن تيمية لم يكن يكتب من مرجع، بل كان يكتب من رأسه، يخرج القلم، يسله في الصباح ضحىً بعد أن يسبح الله، ويكتب فينهمر عليه العلم، لا إنشاءً، ولا وعظاً، لكنه علم صافٍ ينفع ويصل إلى القلوب، وتحقيق مسائل، وانظروا إلى كتبه، تبلغ ثلاثمائة مجلد ومؤلف.

    ومنهم: ابن جرير الطبري: وقع تفسيره في ثلاثين مجلداً وتاريخه نحو ذلك.

    ومنهم: ابن كثير: تفسيره ما يقارب عشرة مجلدات لو طبع طباعة جيدة، وتاريخه أكثر من ذلك.

    تركوا تراثاً، لكن مَن يقرأ؟

    ومن الكتب: المغني والمجموع والمحلى، فهل من قارئ؟ وهل من مستفيد؟

    ابن عقيل أبو الوفاء الحنبلي: ألَّف كتاباً اسمه: الفنون، وقع في ثمانمائة مجلد، ألفه في أوقات الراحة والفراغ، وكَتَبَه من إملاءاته.

    توضيح وانتقاد على بعض الكتاب

    السؤال: أريد أن تتحدث عن هؤلاء الكُتَّاب: طه حسين، العقاد، باكثير، الغزالي، سيد قطب، النبهاني، وما رأيك فيهم؟

    الجواب: طه حسين رجل مشهور، توفي قبل سنوات، يسمونه: عميد الأدب العربي، وفي التسمية نظر، وهذه تسمية لا تصح أن تُطلق؛ لأنها ما أطلقت على خير.

    لا أدري لماذا حَقِدَ هذا الرجل على الإسلام؟! ولا أدري لماذا ثار عليه؟! ولا أدري لماذا ينقم على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين؟! أينقم طه حسين أن كان فقيراً فأغناه الله، وكان جاهلاً فعلمه الله، وكان مغموراً فأظهره الله؟! ما لَهُ؟! رأيتُ كتبه، وقرأت كثيراً منها، ورأيت الرجل في قلبه شيء، يريد أن يُبْدِي بشيء، يستهزئ بالغزوات، ويصف بدراً بأنها حروب حاقدة بين الأوس والخزرج، أو المهاجرين وقريش! عجباً لك يا طه حسين! وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123] أتجعل بدراً حروباً قبلية؟! أتجعل القرآن مِن هذا القبيل؟!

    طه حسين درس في فرنسا، وتزوج من هناك، وتأثر بهم، وجعل قبلته وكعبته ومصلاه فرنسا، فلذلك لا نقبله، ولا نرتضي كتاباته، صحيحٌ أن الرجل بليغ، ومفكر، وذكي، يتدفق بلاغة وفكراً وذكاء؛ لكن ليس كل ذكي زكي، فبعض الأذكياء ضلوا بذكائهم.

    صحيحٌ أن الرجل قصصي، ومؤثر، ومسرحي، ويجيد في هذه الفنون، لكن لا نرضاه، وهو أديب وليس بعميد أدبنا أبداً، فإن عندنا عمداء وزعماء في الأدب غيره، عندنا سادة يسيرون القلم، السحر الحلال، فيذوبونه ويسحرون ويخلبون بكلماتهم الألباب، عندنا شعراء وأدباء، كـابن القيم، أعتبره أكبر أديب، مَن يقرأ كتبه يعتبر أنه قمة في الأدب.

    من العصريين: الأستاذ علي الطنطاوي، مسلم، متحمس، مؤمن، يخاف الله، يمدح الإسلام، يبكيك وأنت تقرأ له، اقرأ: نحن المسلمين، في أول كتاب: قصص من التاريخ، واقرأ مذكرات كتبه في ستة مجلدات، مقطوعات كأنها من رحيق الجنة، هذا أدبنا، أما ذاك فلا نرتضيه، (لا لستُ من قيسٍ ولا قيسُ مِنِّي).

    أما عباس محمود العقاد: فقد تكرر الكلام عنه في مناسبات، ولكنه على كل حال أحسن حالاً من صاحبه، وأقرب قليلاً، ونحن نناسب بين الناس: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] كأن فيه رائحة خير، وكأنه يميل إلى الخير، كتب في: عبقرية محمد عليه الصلاة والسلام، فأساء في نواحٍ من هذا الكتاب، فقد قارن بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين نابليون، وكتب: عبقرية عمر، فأجاد في نواحٍ، وأساء في نواحٍ، وكتب: معاوية في الميزان، فمن هو العقاد، حتى يزن الصحابة؟ هو أقل من أن يزن الصحابة، هو يوزن صراحةً، أما الصحابة فلا يستطيع أن يزنهم.

    والعجيب: أنه كثير الاطلاع، وقد يستفاد من كتبه، مع ملاحظة ما فيه من نقص.

    وأما باكثير: القصصي الشهير، فقد توفي قبل فترة رحمه الله، وهو من أحسن من نرتضي قصصه، تخصُّصُه طبيبٌ، ولكنه قصصي بارع، ولـلشيخ الأستاذ العشماوي رسالة أظنها خرجت أو سوف تخرج، ومن يطلع عليها تكفيه في هذا.

    وأما الغزالي: فهما: اثنان، ورجلان، وكاتبان، ومؤلفان، الغزالي القديم، والغزالي الحديث، وعلى ذاك وهذا إشارة استفهام.

    أما الغزالي القديم ذاك: فإشارة الاستفهام عليه في ثلاث قضايا:-

    الأولى: أن الرجل فيه تصوف.

    الثانية: ليس عنده من الحديث شيء، فبضاعته في الحديث مُزْجاة.

    أوردَها سعدٌ وسعدٌ مشتملْ      ما هكذا تُوْرَدُ يا سعدُ الإبلْ

    كأنه يكيل تمراً، إذا أتى بالأحاديث فإنه يأتي بها مرة من صحيح البخاري، ومرة من كتاب الفردوس للديلمي، ويأتي بالموضوعات، والمشقلبات، والمقلوبات، ويقول: قال الرسول عليه الصلاة والسلام.

    الثالثة: لا تؤخذ منه العقيدة: فهو أشْعَري، فيه اعتزال بفلسفة، أي: أنه (حَيْصَ بَيْصَ) (مُبَرْقِع) لم يصفُ، أما إجادته: فهو زاهد على كل حال، وهو ذكي، ويُستفاد منه في الفقه وأصوله.

    أما الغزالي الحديث: فهو داعية، وفيه خير، وهو مفكر، وقد نفع الله به في جوانب الفكر، ولكن عليه ملاحظات، ولست أقولها تشفياً، ولا خيْبَةً، لكن نتكلم في الناس حتى نكون على بصيرة:

    أولاً: الرجل مَزْجِيُّ البضاعة: لا يعرف في الحديث شيئاً صراحةً، وسوف يخرج كتاب قريب إن شاء الله عنوانه: الغزالي في مجلس الإنصاف في تسعين صفحة يتحدث عنه بنقولات، وبأدلة، وببراهين على كتاباته، ونقولاته.

    ثانياً: الغزالي متذبذب في كتبه، يقول فكرة، ثم ينسخها في الكتاب الآخر، يعادي فكرة هنا، ويُقِرُّها هناك، ويُثْبِتُها هنا، ويَمْسَحُها هنالك، ويتحمس لها هنا، ويهاجمها هناك، فلا ندري أين يوجِّه.

    يوماً يمانٍ إذا لاقَيْتُ ذا يمن      وإن لقِيْتُ معَدِّياً فعَدْنانِ

    ثالثاً: يفتي الغزالي بفتاوى ليست بصحيحة، فإنه يُحِلُّ الغناء، وليس عنده حديث ولا دليل، وعنده فتاوى أخرى ليست بصحيحة، نقول له: سامحك الله يا غزالي، عُدْ إلى الحق، واطلبه من مظانه، وأنت لو كنتَ في الحديث وفي كتب السلف جيداً، ما كنتَ أفتيتَ بما أفتيت.

    ثم هو على كل حال حار حاد المزاج، ينال من شباب الصحوة غفر الله له، على كل حال لم أتكلم بهذا إلا لأني سُئِلْتُ.

    وأما سيد قطب: (كل الصيد في جوف الفراء) سيد قطب: عَلَم، نسأل الله أن يجعله شهيداً، أوصيكم بقراءة كتابه: الظلال، يقول بعض العلماء: " كأن سيد قطب قد دخل الجنة، ثم أصبح يكتب لنا من الجنة رسائل، سلم نفسه وأخذ السلعة، باع نفسه من الله، ووقع على العقد، وأخذ يكتب لنا رسائل الظلال من الجنة، يكتب بدمه، ما أخذها لأحد، ولا كتبها -إن شاء الله- إلا لله عزَّ وجلَّ، لـكن على كل حال لا يخلو البشر من الخطأ، ففي الظلال مواطن يُنَبَّه عليها، وكتابه لا يطلب منه العلم، ولا العقيدة، إنما يطلب منه معرفة الواقع، وربط القرآن بالواقع، فهو رجل عاش لله ومات لله إن شاء الله، فغفر الله ذنبه.

    أما النبهاني: فهو صاحب الكتب الصوفية، احذر منه أن يلدغك! فهو حَيَّة رقطاء رقشاء.

    وانتبه! فهذا النبهاني يهاجم ابن تيمية بلا سبب، لو دخل دورة المياه تجده يهاجم ابن تيمية، لو سألتَه: ما اسمك يا نبهاني؟ لقال: أعوذ بالله من ابن تيمية. فـابن تيمية دائماً عدوه، ينشب معه ومع ابن القيم، حتى يقول -واسمع وقد كررتُها-: " كُتُبُ ابن تيمية لم يرزقها الله القبول، ولم تنشر في الأرض "، فيرد عليه الألوسي: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] قيض الله لـابن تيمية من ينصره من أهل العراق وعلمائها، وليس من الجزيرة ولا من دمشق، قال: " عجباً لك يا نبهاني! أهي كتبك وكتب أشياخك التي رُزِقَت القبول، كتب ابن تيمية يا نبهاني! ذَهَبٌ إبْرِيْزٌ، وعسل مصفَّى، أما كتبك وكتب أشياخك فتصلح أن تكون مطارق للأحذية - أي: ردفه ثانية للحذاء - وكراتينَ للعلاجات، ومخال يوضع فيها الشعير للحمير" هذه كتبه، فلا يستفاد منها، لكن له كتب مجردة عن فكره، مثل: منتخب الصحيحين جيد، لا بأس أن يقرأ فيه، وله بعض الكتابات الحديثية، مثل: تعليقه أو زياداته على الجامع الصغير للسيوطي جيد، لأنه لم يتدخل من نفسه فيه، فهو جيد إذا جَمَعَ، ولكن إذا تدخل بقلمه فليُحْذَر؛ لأنه لا يعرف شيئاً.

    وأما سعيد حوى: غفر الله له مات قبل سنوات، وكتاباته أكثرها جيدة، جند الله ثقافة وأخلاقاً، والرسول صلى الله عليه وسلم، والله جل جلاله، فهذه من أحسن ما كتب، ولكن نلومه؛ لأنه أتى بكلام من العقاد في المقارنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونابليون، فأعاده في كتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم وتربيتنا الروحية، ولنا معه وقفات فيها؛ لأنها لا توافق أصول أهل السنة، وهناك بعض الملاحظات، ولكن على كل حال انتبه لبعض الكتب، واستفد منه كثيراً، وترحم عليه.

    ضعف حديث السوق والاختلاف في حديث الزهد

    السؤال: حديث السوق، وحديث الزهد ما صحتهما؟

    الجواب: حديث السوق ضعيف، وهو عند أحمد في المسند، قال رسول صلى الله عليه وسلم: {من دخل السوق فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) كُتِبَتْ له ألف ألف حسنة، ومُحيت عنه ألف ألف سيئة} حديثٌ ضعيف لا يصح.

    وحديث الزهد الذي أوردتُه: {ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس} عند بعضهم يصححونه، مثل: الألباني، وضعفه آخرون، كأحد طلاب العلم، له رسالة بعنوان: بذل الجهد في تحقيق حديثي السوق والزهد، وقد ضعَّف الحديثَين.

    التحذير من نزار قباني

    السؤال: ما رأيكم في نزار قباني؟

    الجواب: احذر من نزار قباني، طِرْ منه، وتعوَّذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، نزار قباني النظر إلى صورته ينقض الوضوء، وهذه دعابة، لأني أخاف أن يذهب ذاهبٌ منكم، فيراه في المكتبة فيتوضأ.

    وحَدَثُه حَدَثٌ أكبر، وجنابة كبرى، ولا يطهره إلا أن ينغمس في بيَّارة إلى رأسه، وهو شاعر جنس ومجرم، لا يعرف الله طرفة عين، وأظنه ما مسَّ المصحف، وأسأل الله أن يجنبه المصحف إن كان على حالته، إلا أن يهديه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أو يأخذه، وعسى أن تأتيه رصاصة طائشة في لبنان، لأن لبنان يبخت فيها بالرصاص، فتقع في رأسه فيموت.

    وهو - صراحةً - قوي في شعره؛ ولكنه مجرم، فانتبهوا له، واحذروا سمه الزعاف وضلالاته وخرافاته، وعودوا إلى شعراء أهل الإسلام، أمثال: محمد إقبال، وحسان؛ لأنهم شعراء الدعوة الخالدة.

    لقد تكاثرتِ الظِّباء على خُراشٍ      فما يدري خراشٌ ما يصيدُ

    قل فيه ما شئتَ: دُرْزي، وإن شئتَ فقل: بعثي، وإن شئتَ فقل: قومي، كل يوم له مشرب، يركب كل شيء إلا الإسلام، أي: أنه ركب على كل مذهب إلا الإسلام، فنعوذ بالله منه.

    طريقة حفظ القرآن

    السؤال: ما هي أحسن طريقة لحفظ القرآن؟

    الجواب: يحفظ القرآن بعدة طرق ويأتي هذا في شريط اسمه: كيف تعيش مع القرآن؟ لأنه لا يتسع المجال لإعادة هذا الكلام، أذكر منها:

    - الإخلاص.

    - التقليل من الحفظ، بمعنى: أن تأخذ آيات قليلة.

    - التكرار الكثير.

    - استصحاب زميل يعينك على الحفظ.

    - استماع الشريط من المقطع الذي تحفظ فيه.

    - القيام به في الليل إن استطعت.

    - قراءته في الصلوات.

    - كثرة الاستغفار.

    - قراءة معاني الآيات في التفسير.

    - ثم عليك أن تعمل به لينفعك عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    حكم اللحية

    السؤال: كثر القول في اللحية، فما رأيكم؟

    الجواب: لم يكثر القول، فـأهل السنة يقولون: " تربية اللحية واجب، وحلقها محرم " وهذا كالإجـماع، لقـوله صلى الله عليه وسلم: {خالفوا المجوس، اعفوا اللحى، وجزوا الشوارب} أو {اعفوا الشوارب، وأرخوا اللحى} فهذا مشهور بين أهل السنة، وشبه إجماع بينهم، لكن جاء بعض المتأخرين -الذين لا يفقهون في الأحاديث- متأثرين بثقافة الغرب، وقالوا: هذه قشور، قلنا: الثوب؟ قالوا: قشور، ولو أسبلت الثوب، ليس من أصول الإسلام، أي أن أصول الإسلام عندهم: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، فقط، قلنا: واللحية؟ قالوا: لا. هي قشور، لا تهمنا، فأصبح الدين هيناً عندهم، حتى إن أحدهم يأكل باليسار، ويحلق لحيته، ويلبس دبلة الذهب، ويسبل ثوبه، وإذا قلنا: الإسلام! قالوا: الإسلام في القلب، وهذا ليس بصحيح، لو صدق أحدهم مع الله لكان صادقاً في مظهره.

    يقولون: ذَهَبَ ذاهبٌ، جَبَرَه جيرانُه على أن يصلي في المسجد، فذهب وهو منكوس الخاطر، كأن عليه هموم الدنيا، فذهب وإذا الناس قد صَلَّوا، وباب المسجد مغلق، قال: (أنت مُسَكِّر، وأنا مبطل) فهذا (مُسَكِّر) عن الإسلام، والإسلام (مبطل) منه، لأن الإسلام لا يقبل إلا من أخذه جملة.

    يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    أراكَ تأخذُ شيئاً مِن شريعتهِ      وتتركُ البعضَ تدليلاً وتهوينا

    خُذْها جميعاً تَجِدْ خيراً تفوزُ بهِ      أو فاطَّرِحْها وخُذْ رِجْسَ الشياطينا

    لا ترقيع في الإسلام.

    وشكر الله لكم حضوركم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737336113

    عدد مرات الحفظ

    684508980