مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

1178420

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8404

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6397

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

3372

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2659

(...)
6

أذان بصوت- الشيخ ياسر ..

1820

ياسر الدوسري
7

قراءة متن الشاطبية

1775

مشاري راشد العفاسي
8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1597

9

خطبة عيد الفطر المبارك

1568

محمد المنجد
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1523

عباراتٌ رائعة، سردها الشيح متناسبة مع روعة العنوان -صفات أولياء الله- ذكر من صفاتهم عشر صفات، أوردها إجمالاً في مستهل حديثه، ثم تكلم عنها بالتفصيل، ذاكراً في ثنايا كلامه ضوابط مهمة في الأولياء، وفي معرفتهم وآراء أهل السنة والجماعة في مختلف القضايا.

يا محفل الخير حَيَوا لي محياه      نداء حق من الفصحى سمعناه

قد أطرب الأذن فانصاعت لنغمتـه      وأطرقت برهة تسعى لفحواه

يقول للجيل والإيمان رافده      عودوا إلى الله قد ناداكم الله

عُبَّاد ليل إذا جن الظلام بهـم     كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه

وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم      هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً      يُشيدون لنا مجداً أضعناه

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سلام الله عليكم يا أولياء الله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:101-105] هم أولياء الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63،62].. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32].

عنوان هذا الدرس: صفات أولياء الله. جعلنا الله من أوليائه، وحشرنا الله في زمرة أوليائه، وأظلنا الله في ظله مع أوليائه.

من هم أولياء الله؟

أمن لبس العباء وتمشلح بالقباء ونام في العراء؟

من هم أولياء الله؟

أمن أتى بالمراسيم، وقُبِّل كفه حتى أنزل منزلة العظيم، وانحني على صدره حتى كأنه ملك كريم؟

من هم أولياء الله؟

أمن لبس العمائم أو الغتر الحمراء، أو الثياب البيضاء، أو المناصب العالية، أو المراكب الوطية، أو الفلل البهية؟

من هم أولياء الله؟

أأهل الحشود والجنود والبنود؟ أأهل الأعلام الفئام؟!

من هم أولياء الله؟

العلماء أم طلبة العلم؟ العوام أم الجنود؟ التجار أم الفلاحون؟

من هم أولياء الله؟

ذلكم ما سوف نجيب عليه إن شاء الله.

أولياء الله لهم عشر مواصفات جمعتها عموماً ومجملاً، وإلا فتفصيلها يدخل في مئات الجزئيات، فمن وجد ذلك في نفسه فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه..

إذا كان هذا الدمع يجري صبابة      على غير سعدى فهو دمع مضيع

 صفات أولياء الله مجملة

أول صفاتهم: إخلاصهم للواحد الأحد.

ثانيها: أنهم يرضون بالرسول صلى الله عليه وسلم إماماً وقدوة وأسوةً ومعلماً، ولا يرضون بغيره ولا يحكمون بعد كلام الله إلا كلامه، فهو معصوم.

والصفة الثالثة: يحبون في الله، ويبغضون في الله، ويوالون في الله، ويعادون في الله، ويعطون في الله، ويمنعون في الله، لا على مشرب ولا هيئة ولا انتماء ولا تحزب قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55].

الصفة الرابعة: سلامة صدورهم للمسلمين، فصدورهم للمؤمنين بيضاء وألسنتهم سليمة عفيفة من أعراض المسلمين.

والصفة الخامسة: حرصهم على إتمام الفرائض وأداء النوافل، فيتقربون إلى الله بالسجود وبالعبادة والخشوع، وبالتلاوة والصدقة وصيام النوافل، وسوف يأتي لها تفصيل.

الصفة السادسة: سلفيتهم في المعتقد وسنيتهم في السلوك، فلا يصانعون مبتدعاً ولا يداجون مارداً.

اعتقادهم اعتقاد السلف، فلا يتجمعون تحت مظلة بدعية، ولا يرضون بمبتدع أن يكون أخاً لهم أو حبيباً أو قريباً، ولا يتنازلون في المعتقد؛ بل معتقدهم معتقد السلف الصالح: معتقد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي حنيفة وأحمد والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأضرابهم وأمثالهم من أهل السنة والجماعة، فلا منازلة ولا اختيار ولا مداجاة، ولا لبس ولا غبش، فعقيدتهم سلفية صرفة مأخوذة من الكتاب والسنة.

أما الصفة السابعة: يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون الحق ويقبلونه ممن قاله، ويستضيئون بالحق، ويصبحون على الحق ويمسون على الحق.

الصفة الثامنة: أنهم يحبون الجماعة -جماعة المسلمين- الذين يستقبلون القبلة خمس مرات في كل يوم وليلة، هؤلاء هم جماعة المسلمين الذين يجتمعون على الكتاب والسنة؛ تجار وعوام وعلماء وجنود وفلاحون، يحبون جماعة المسلمين ويكرهون الفرقة، ويسعون إلى جمع الشمل ونبذ الاختلاف، فمن سعى في تفريق الكلمة فقد نقص في الولاية بنقصه من هذه الجزئية.

والصفة التاسعة من صفاتهم: أنهم يعودون إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فيتحاكمون إلى الكتاب والسنة إذا اختلفوا، ولا يرضون منهما بديلاً، ولا يعودون إلى الآراء والأهواء.

أما الصفة العاشرة: فيقولون بالحق وبه يعملون وإليه يدعون، ثم إن لهم منهج تنظير مؤسس وهو الكتاب والسنة.

 من أولياء الله أبو بكر الصديق

يا إخوتي في الله: لم ترفع أبا بكر الصديق تجارته، فقد كان تاجراً ولكن أنفقها في سبيل الله، ولا منصبه فقد كان خليفة لكن -والله- ما رفعه ذلك عند الله.

الذي رفعه أنه ولي من أولياء الله.

يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: {إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الريان، دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد..} إلى آخر تلك الأبوب، فينبري أبو بكر ويقول: {يا رسول الله! أيدعى أحد من أبواب الجنة الثمانية؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم. وأرجو أن تكون منهم} يقول ابن القيم:

من لي بمثل سيرك المدلل      تمشي رويداً وتجي في الأول

و في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: {من زار منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من شيع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال صلى الله عليه وسلم: من تصدق منكم اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: لا تجتمع في رجل في يوم واحد إلا دخل الجنة} قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:1-11] هذه مواصفات أولياء الله تبارك وتعالى.

من مواصفات أولياء الله إخلاص العمل لوجه الله، قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66] تباً لمن عمل لغير الله، ونعوذ بالله من الرياء والسمعة، ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به).

فصفة أولياء الله أنهم يريدون بعملهم وجه الله، يقولون لأحد الصالحين وهو ابن سيرين: صل بنا. قال: لا والله، أخشى أن أتقدم لأصلي بكم فينصرف الناس يقولون: صلى بنا ابن سيرين. فترك الصلاة خوف الشهرة!

وقالوا عن إبراهيم النخعي: كان إذا جلس عنده أربعة قام وتركهم وقال: أخاف أن يجتمع علي الناس.

إنهم أخلص منا، ولكن كما قال الأول يوم خالط مثلنا:

لعمر أبيك ما نسب المعلى      إلى كرم وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرت      وصوح نبتها رعي الهشيم

إنهم كانوا يلاحظون الله في خطراتهم وسكناتهم.

وفي الحديث: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ قرأ القرآن، يقول الله: أقرأتك القرآن وعلمتك العلم، فماذا فعلت به؟ قال: قمت به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل تعلمت العلم ليقال عالم وقد قيل، خذوه إلى النار؛ فيدهده على وجهه في النار) وكذلك صاحب المال والمقاتل في المعركة.

إذاً أول ميزة لعباد الله: إخلاص العمل، قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

فأول ما ندعو أنفسنا وإياكم إلى إخلاص العمل لوجه الله.

أبو إسحاق الشيرازي عالم الشافعية في القرن الخامس يقولون: ما كان يتكلم بكلمة، ولا يلقي درساً إلا بعد أن يصلي ركعتين، ويدعو الله أن يتقبل منه.

ابن الجوزي واعظ الدنيا، كان إذا أراد أن يخطب في الناس ويعظهم مرغ وجهه في التراب وبكى وقال: يا رب استرني وتقبل مني (أو كما قال).

فلذلك ميز أهل السنة عن غيرهم إخلاصهم العمل لوجه الله، وفي الصحيح يقول الله عز وجل للمرائين يوم القيامة: (اذهبوا إلى من أشركتم معي فيه فخذوا أجوركم منهم) أو كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الحديث.

 حقيقة الإخلاص

يا إخوتي في الله.. أما في حقيقة الإخلاص: فهو كما قال القشيري في رسالته.

الإخلاص أن تعمل عملاً لا ترجو ثوابك فيه إلا من الله. وقال غيره: ألا يحول بينك وبين الله خلق. وقال غيره: أن يكون عملك أمام الناس وفي الخلوة سواء، تصلي وحدك كأنك أمام الناس، وتصلي أمام الناس كأنك وحدك.

ابن تيمية -وأنا أذكره كثيراً وبعض الناس يلومون عليَّ ذلك، وقد كان ابن الجوزي كما يذكر عنه ابن رجب في طبقات الحنابلة أنه قيل له: فيك خير إلا إنك تكثر من ذكر الإمام أحمد. فقال: سبحان الله! تلومونني من ذكر الإمام أحمد كثيراً! ثم أنشد على المنبر:

أتوب إليك يا رحمن مما      جنت نفسي فقد كثرت ذنوبُ

وأما عن هوى ليلى وتركي     زيارتها فإني لا أتوب

يقول: لا أتوب من ذكر الإمام أحمد، بل دونه قطع الرءوس.

فـابن تيمية كان مخلصاً لله، حتى ذكر ابن عبد الهادي أنه لما دخل الإسكندرية اجتمع له الناس، فيقول أحد تلاميذه: يا شيخ الإسلام! هؤلاء يريدون قتلك؛ فنفخ في كفه وقال: والله كأنهم ذباب.

لماذا؟ لأنه عرف الله فـ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:1-3].

 اعتقاد أن القدرة لله سبب للإخلاص

ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء أن علي بن أبي طالب سيف الله المنتضى والإمام المرتضى جلس تحت حائط يريد أن ينقض، يقضي بين رجلين فقال أحد المسلمين لـعلي: الحائط يريد أن ينقض عليك. قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما قضى بين الرجلين وقام من مجلسه؛ انقض الحائط مكانه! قال علي رضي الله عنه في بيتين:

أي يومي من الموت أفر      يوم لا يقدر أو يوم قدر

يوم لا قدر لا أرهبه      ومن المقدور لا يغني الحذر

فالذي بيده الضر والنفع هو الله، والمغني هو الله والمفقر هو الله والمحيي والمميت هو الله.

ولذلك كان من أسباب الإخلاص عند أهل السنة والجماعة وأولياء الله أنهم جعلوا القدرة لله والنفاذ والحكم والتصريف والخلق والإماتة والرزق والتدبير لله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].

إذاً -يا إخوتي في الله- علينا أن نطالب أنفسنا بالإخلاص؟

وأخص خصائص أولياء الله الإخلاص، دعوتهم لوجه الله، صلاتهم لله، طلبهم العلم لله، وذكروا عن أيوب بن أبي تميمة السختياني أنه كان يبكي إذا ذكرت عنده أحاديث الرقائق (إذا ذكر الموت بكى) فيشوص أنفه ويقول: ما أشد الزكام! كأنه مزكوم وهو يبكي، يقول ابن الجوزي:

أفدي ظباء فلاة ما عرفن به      مضغ الكلام ولا مزج الحواجيب

يا للصدق! يا للوضوح! بعض الناس يريد أن يدري الناس أنه زاهد، فيأخذ ثوباً ممزقاً مقطعاً، وقد سكنت الدنيا في قلبه بعماراتها وسياراتها ومعارضها وأسواقها! يشتري ثوباً بخمسة عشر ريالاً وقلبه يريد ثوباً بألفي ريال! الزهد ليس في الثياب الممزقة، ولا في الرقع المخرقة، ولكن الزهد في صدق القلوب، ومجافاة الحرام، والتقلل من الدنيا بشيء لا يزري بك عند الله ثم عند الناس.

أما الصفة الثانية من صفات أولياء الله تعالى: فهي أنهم يرضون برسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً ويحكمونه ويقتدون به، ويكون أحب إليهم من أسماعهم وأبصارهم، يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) وقال تعالى: a=6000557>فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

 تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم

الإمام مالك كان يدرس الموطأ في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أثناء قراءته الكتاب، أتته عقرب فلدغته ثلاث عشرة لدغة، فما تغير إلا وجهه، وبعدما انتهى رأى اللدغات في ساقه فمسحها بترياق. قيل له: لِمَ لم تقطع الحديث؟ قال: سبحان الله!! أقطع حديث الحبيب من أجل لدغ عقرب!! أي حب هذا وأي اشتياق؟!

سعيد بن المسيب سئل عن حديث وهو في مرض الموت، فقال: أجلسوني، لا ينبغي أن يذكر صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع.

ولذلك كان كثير من الصالحين إذا رأوا آثار معالم الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وما حولها بكوا، فكيف لو رأوه؟!

أمر على الديار ديار ليلى      أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي      ولكن حب من سكن الديارا

وفي الصحيح يلتفت محمد عليه الصلاة والسلام إلى جبل أحد ويقول: {أحد جبل يحبنا ونحبه} سبحان الله.. حتى الجبال تحبك! نعم.. لأن لك بإذن الله منة على الأرض بمنة الله تبارك وتعالى.

يقف في أول خطبة يخطبها صلى الله عليه وسلم على المنبر الجديد ويترك جذع النخلة الذي كان يخطب عليه منذ زمن، فيحن الجذع كحنين النوق العشار (الإبل) ويسمع له كبكاء الأطفال! خشبٌ يبكي! إنه لحق مثلما أنكم تنطقون -هذا في صحيح البخاري عن جابر - فينزل الرسول صلى الله عليه وسلم فيضع يده على الجذع، ويسكته حتى يسكت.

يقول الحسن البصري معلقاً: عجباً لكم! جذع يحن للرسول عليه الصلاة والسلام وأنتم لا تحنون!

 حب النبي وتقديمه على كل أحد

إذاً من صفات أولياء الله: حبهم العظيم للرسول عليه الصلاة والسلام فلا يرضون إماماً غيره.

وأنا أحذر نفسي وإياكم، خاصة طلبة العلم والدعاة، أن يغالوا في بعض الأشخاص من المنظرين وممن لهم زعامات أن يجعلوا في مكانة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي صدارته.. فذلك خطأ وغلو والله تعالى يقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171].

يا إخوتي في الله.. محمد عليه الصلاة والسلام معصوم، وما رضي الله إلا هو ليكون لنا قدوة، بعض الناس يذكر بعض الأشخاص أكثر من ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام.

إذاً من صفات الأولياء أنهم يقتدون بالرسول عليه الصلاة والسلام، خالف ذلك أهل البدعة فاقتدوا بأئمتهم كـالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأذنابهم وأمثالهم من الفجرة.

وخالف في ذلك غلاة الصوفية فاعتقدوا بمشايخهم وجعلوهم أئمة.

وخالف في ذلك متعصبة المتفقهة من أهل المذاهب الغالية فقدم بعضهم أقوال الأئمة، كـأقوال أبي حنيفة أحياناً، وأقوال مالك أوالشافعي أوأحمد أحياناً أخرى على قول الرسول صلى الله عليه وسلم!! وتوسط أهل السنة فجعلوا إمامهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

إذاً فليحفظ هذا المبدأ: إن القدوة لـأهل السنة وأولياء الله محمد عليه الصلاة والسلام في كل شيء، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فإنني أطالب نفسي وإياكم بالاقتداء به، في المعتقد والحال، والفعال والأقوال، ولا نجعل بيننا وبين الله في التبليغ واسطة إلا محمداً، وأما في الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء، فلا نجعل بيننا وبين الله واسطة أبداً.

من صفات أولياء الله وهي الصفة الثالثة: حبهم وبغضهم في الله، يحبون الأشخاص لقربهم من الله ويبغضون الأشخاص لبعدهم عن الله، قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55]

يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسند صحيح: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)

إذاً فلا يحبون أحداً لنسب إضافية، أو لمواصفات أو ملابسات أو لأنه وافقهم في مشرب، أو اتجه معهم في اتجاه، أو ذهب معهم تحت مظلة، فإنهم إذا أحبوا هذا الشخص لهذه المواصفات فقد أخطئوا خطأً بيناً، ولا نعفيهم من أنهم صرفوا شيئاً من العبادة لغير الله.

إذاً أهل السنة يحبون الأولياء، ولا بأس أن نقف مع الوليين العظيمين: الشافعي وأحمد اللذين هما من أولياء الله الكبار، ولذلك رفعهم الله، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] وانظر كم تردد ذكرهما في المحافل والندوات والمحاضرات والمنابر.

زار الشافعي أحمد في ليلة من الليالي -كما في السير- فقدم الإمام أحمد عشاءً للشافعي من عشائه، لا طازجاً ولا مثلجاً، خبزة من شعير وزيت، ذلك هو عشاء إمام أهل السنة والجماعة p=1000023>أحمد بن حنبل الذي يحفظ ألف ألف حديث فأكلالشافعي ماشاء الله وزاد عن عادته، فلما أراد أن ينام وضع له الإمام أحمد مطهرة يتوضأ فيها ليصلي الليل، فنام الشافعي فما قام حتى الفجر، فأتى الإمام أحمد فأيقظه، فلما صليا الفجر قال الإمام أحمد: عجبت منك بخصلتين. قال: ما هما؟ قال: قدمت لك عشاء فأكثرت الأكل على غير عادة أهل العلم، وقدمت لك طهوراً تتوضأ به فما توضأت وقمت تصلي، فكأنك ما صليت الليل. قال: أما عشاؤك فلي ثلاثة أيام ما أكلت طعاماً، فأردت أن آكل من طعامك، وعلمت أنه من حلال فأكثرت منه، وأما أنني ما قمت الليل فوالله ما نمت من صلاة العشاء إلى الفجر أتفكر في آيات الله..!

هذا الإمام الشافعي الذي كان يدعو له الإمام أحمد.. انظر الصفاء!

أما الآن فأكثر التشريح والتجريح والخناجر المسمومة في المجالس بين بعض طلبة العلم!

الإمام أحمد في السحر قبل صلاة الفجر يقول: اللهم اغفر للشافعي، اللهم ارحم الشافعي، اللهم ارض عن الشافعي؛ فيقول ابنه صالح: يا أبتاه أراك تدعو للشافعي كثيراً! قال: يا بني! أتدري ما مثل الشافعي؟ قال: لا. قال: مثل الشافعي كالشمس للأرض وكالعافية للأبدان فهل منهما بديل؟

يأتي الشافعي وهو أكبر من الإمام أحمد سناً، فيزوره دائماً ويجلس معه! فيقول تلاميذ الشافعي للشافعي: كيف تزور أحمد وهو أصغر منك؟! فرد عليهم في بيتين:

قالوا يزورك أحمد وتزوره      قلت الفضائل لا تغادر منزله

إن زارني فلفضله أو زرته      فلفضله فالفضل في الحالين له

خرج الشافعي من بغداد وهو يعانق أحمد وهو يبكي، فيقول الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم ولا أخشى من الإمام أحمد. إمام أهل السنة والجماعة.

فمن صفات الأولياء أنهم يتحابون في الله: الشافعي يكتب لـأحمد قصيدة ويقول:

أحب الصالحين ولست منهم      لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته المعاصي     وإن كنا سواء في البضاعة

الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وجد من بعض الملتزمين المستقيمين من يصلي الخمس ويصوم رمضان ويحج البيت، ولكن يحب العصاة! جلساته مع العصاة، سمراته وسهراته مع أعداء الله، معهم في الليالي الحمراء، في الشاطئ الأثيم المتهم، في جلسة تغضب المولى سُبحَانَهُ وَتَعَالى!

حب الله وحب أعدائه لا يلتقيان في القلب، إن من أحب الله أحب أولياء الله وكره أعداء الله.

يا إخوتي في الله: تمييز الولاء والبراء لمن؟

وممن يكون البراء ولمن يصرف الحب؟

حب الإنسان لسنته، الإمام أحمد يقول: أرى الشيخ الكبير يخضب لحيته (بالحناء أو ما شابهه) فأفرح به وأحبه، لأنه أحيا شيئاً من السنة.

فهنيئاً لك يا أبا عبد الله تحب إنساناً فقط لأنه أحيا سنة الخضاب من المسلمين! فكيف بمن يصلي الخمس ويصوم الشهر ويدافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب سنته!

ومن صفاتهم سلامة صدورهم للمسلمين.

 ترك الغل والحقد والحسد

ومن سلامة الصدور للمسلمين أنهم لا يجدون غلاً ولا حقداً ولا حسداً ولا غشاً لعباد الله عز وجل، ويوجد من يحقد حقداً ذريعاً على إخوانه وذلك لأنهم خالفوه في جزئيات أو فرعيات، فهو يريد لهم الموت الأحمر.

الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد، فيطلع رجل متوضئ تنطف لحيته ماء، قد أمسك نعله في يده الشمال وقبل أن يدخل يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: {يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فيطلع هذا الرجل وفي اليوم الثاني يقول مثل ذلك: فيدخل ذاك الرجل، وفي اليوم الثالث يقول مثل ذلك، فيذهب معه عبد الله بن عمرو ليرى عبادته فلا يجد هناك عبادة كثيرة، فيقول: إني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة، ثلاث مرات فطلعت أنت الثلاث مرات، ولم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال عبد الله: فانصرفت عنه، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشاً ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه} منزلة رفيعة! قال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

من ميزات أولياء الله: سلامةُ صدورهم، قال تعالى: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] صفاءٌ أطهر من حمام الحرم، وأنقى من ماء المزن، لا يجدون على المسلمين.

جاء عند أحمد في المسند بسند جيد: {ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم -من الغل والحقد والغشش والهيجان-: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم} فلابد من صفاء السريرة.

 حفظ أعراض المؤمنين

والجزئية الثانية في سلامة صدورهم: حفظ أعراض المؤمنين، فهم يحفظون أعراض المؤمنين في مجالسهم.

لسانك لا تذكر به عورةَ امرئ      فكلك عورات وللناس ألسن

وعينك إن أبدت إليك معايباً      فصنها وقل: يا عين للناس أعين

قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12] هذه هي صفات الأولياء، ليس هناك ألغاز وأحاجي في الأولياء، ليس لهم طول ولا قصر ولا ألوان ولا عمائم، ولا يلبسون القباء أو العباء.. بل مميزاتهم في صفاتهم.

غلاة الصوفية يقولون: من صفا واكتفى حتى بلغ الكفى... إلخ هذه الخرابيط ظلمات بعضها فوق بعض، وقد تجد بعضهم لا يعرف كيف يصلي؛ أو تجده مرابياً أو دجالاً أو مشركاً أو صاداً للناس عن عبادة الله، ويجعلونه ولياً من أولياء الله، وهو عدو من أعداء الله!

الولي لا يشترط فيه أن يكون أستاذاً أو مدرساً أو داعية أو تاجراً أو جندياً أو فلاحاً، وقد يوجد الأولياء من هؤلاء جميعاً، فلعلك تجد ولياً فلاحاً، فالذي يقيم الصلوات الخمس وينقي سريرته ومعتقده على السنة؛ فهو من أولياء الله تعالى. فسلامة أعراض المسلمين من ألسنة المؤمنين من علامات أولياء الله المتقين، بلغنا الله وإياكم منزلة الولاية، ويا شوقنا لتلك المنزلة!

يا إخوتي في الله: ليس الظفر بالرسائل غاية، والله إنها بلا إيمان هباء منثور، وإن رسائل الدكتوراه ولاية حقيرة هزيلة، وإنها غضب ولعنة على أصحابها إن لم يتقربوا بها إلى الله.

في المناصب، فرعون تولى أعظم منصب لكنه ملعون.

أما الأغنياء؛ فقارون تولى أعظم ثروة لكنه ملعون.

الأولاد: الوليد بن المغيرة عنده عشرة أولاد لكنه ملعون.

بلال عبد حبشي، لا يساوي عند الجاهليين فلسين، أسلم وتقلد بالولاية.

يقول عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]].

أبلال فاسلم يا إمام معاشر     ولأنت أعظم في الجباه السجد

وجلجلة الأذان بكل حي      ولكن أين صوت من بلال

بلال داعية السماء إلى أهل الأرض، في صحيح البخاري يقول صلى الله عليه وسلم: {دخلت الجنة البارحة، فسمعت دف نعليك يا بلال! فماذا كنت تصنع؟

ألأسرته؟ لا أسرة له.

ألمنصبه؟ لا منصب.

ألولده؟ لا ولد.

ألجاهه؟ لا جاه.

قال: يا رسول الله! إني ما توضأت في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت ركعتين، قال: فبذاك دخلت الجنة.}

 جليبيب وليٌّ من أولياء الله

في صحيح مسلم أن رجلاً اسمه جليبيب وهو مولى ضعيف ممزق الثياب، ليس عنده دار ولا شيكات ولا بنوك، ولا سيارات ولا فلل، يأتي بثياب ممزقه فيتبسم صلى الله عليه وسلم من حالته، حالة أهل الإيمان الذي يقول الله فيهم:وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] يقول صلى الله عليه وسلم لـجليبيب: {ألا تتزوج؟ قال: يا رسول الله! ومن يزوجني؟! لا أهل ولا جاه ولا مال} لكن عنده أعظم من الجاه الإيمان، وعنده أعظم من المال الإيمان، وعنده أعظم من الولد الإيمان.

هبوا لي معشراً قوماً صحاحاً      أدك بها حصون الكافرينا

ودكوا لي بالإيمان صرحـاً      متيناً من صروح الفاجرينا

خذوا كل دنياكم واتركوا      فؤادي حراً طليقاً غريبا

فإني أعظمكم ثروة     وإن خلتموني وحيداً سليبا

ماذا وجد من فقد الله وماذا فقد من وجد الله؟

قال في المرة الثانية: يا جليبيب ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟ لا أهل ولا جاه ولا مال. وفي الثالثة قال له: ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟! لا أهل ولا مال ولا جاه. قال: اذهب إلى أهل فلان من الأنصار واطرق بابهم وقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني ابنتكم. فذهب وطرق الباب، فخرج أبو البنت: ماذا تريد يا جليبيب؟ قال: أريد الزواج من ابنتكم. قال: الله المستعان.. جليبيب! قال: الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرني. فعاد يشاور امرأته (حق الفيتو عند المرأة) لا يصرم حبلاً ولا يبني جداراً إلا بعد أن يشاور المرأة؛ فشاورها وعرض عليها الأمر، فهزت رأسها، فهي تعرف جليبيباً، قالت: جليبيب..! الله المستعان! قال: أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم. فتلكأ الرجل وتلكأت امرأته، فسمعت البنت المؤمنة الصادقة الناصحة؛ التي نريد من فتياتنا المسلمات المؤمنات أن يكن مثلها، تحب الإيمان وتحب أن تتزوج من أهل الإيمان، ولا تفضل على أهل الإيمان أهل درهم ولا دينار ولا منصب ولا مال.

قالت البنت: أتريدون أن تردوا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا والله لأتزوجنه، فذهب ليأتي بالمهر فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مالاً يشتري به الصداق، فسمع بالجهاد فاشترى به عدة للحرب وترك الزواج وحضر المعركة فقاتل حتى قتل، بحث عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين افتقد كلٌ قريبه وصاحبه فيقول صلى الله عليه وسلم: {من افتقدتم؟ قالوا: فلاناً وفلاناً وفلاناً. قال: أتذكرون أحداً؟ قالوا: لا نذكر أحداً. قال: لكني افتقدت جليبيباً، ثم ذهب يبحث عنه فوجده قد قتل سبعة ثم قتلوه، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم}.

إذا اشتبكت دموع في خدود      تبين من بكى ممن تباكى

وقال عليه الصلاة والسلام: {قتلت سبعة ثم قتلوك! أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك}

أتى سلمان يبحث عن الإيمان، ترك أباه وأمه وزوجته وأهله، فلما تدرع بالإيمان، وهو لا يملك قصراً ولا داراً ولا منصباً، قال العرب: من أبوك يا سلمان؟ قال:

أبي الإسلام لا أب له سواه      إذا افتخروا بقيس أو تميم

فأولياء الله عز وجل من مواصفاتهم حفظ أعراض المسلمين وحمايتها بظهر الغيب.

 التزود بالنوافل بعد إتمام الفرائض

أما الخصلة الخامسة من صفات أولياء الله: فهي حرصهم على إتمام الفرائض والتزود بالنوافل، الإسلام هو الفرائض والنوافل، فإذا رأيت الرجل يحافظ على الفرائض ويؤديها على أكمل وجه ويتزود بالنوافل، ويجتنب المحرمات فهو ولي من أولياء الله، هذه صفته قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: {ما تقرب إلي عبدي بأحب ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به...}.

وعلم من ذلك أن من مواصفات أولياء الله أنهم على قسمين: مقتصد وسابق بالخيرات، فالمقتصد من يحافظ على الفرائض ويجتنب الكبائر، والسابق بالخيرات من يحافظ على الفرائض ويتزود بالنوافل، ويجتنب الكبائر والمحرمات والمكروهات.. هؤلاء هم أولياء الله، وهذه صفتهم.

شباب يأتون للرسول عليه الصلاة والسلام فيقول شاب: {يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود} وفي لفظ: {فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة}.

وهناك حديث ضعيف أورده ابن الجوزي وغيره في صفة الصفوة أن معاوية بن معاوية الليثي توفي والرسول صلى الله عليه وسلم في معركة تبوك فأتى جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {قم فصل على معاوية بن معاوية الليثي فقد حضر جنازته سبعون ألف ملك. قال: ولم؟ قال: كان يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4] قائماً وقاعداً وعلى جنبه}.

من صفات أولياء الله عز وجل التزود بالنوافل، وذكر الله وبذكر الله تطمئن القلوب، وقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وقال تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] وقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].

ومن صفاتهم أنهم يصومون النوافل، ذكر في ترجمة ابن العماد الحنبلي المقدسي أنه كان يصوم في شدة الحر، الناس يتوقون الحر بالمظلات ويسقط بعضهم على الأرض، وهو صائم في شدة الحر، فإذا ظن الناس أنه صائم؛ أخذ الكوب ووضعه على فمه -كما قال ابن رجب في الطبقات - حتى يظن الناس أنه يشرب وهو لا يشرب. أي صدق مع الله؟! كان الواحد من السلف إذا أراد أن يتنفل أرخى الستار على نفسه.

ذكر ابن كثير أن الأوزاعي إذا جلس أمام الناس كان لا يبكي، فإذا خلا بنفسه بكى وبكى حتى يسمع جيرانه بكاءه من داخل البيت..!

وكان ابن سيرين يضحك في النهار ويتمايل، فإذا أتى الليل بكى حتى يرثي له أهله من حالته، فهو بسام النهار بكاء الليل.

أولياء الله لا ينسون تلاوة القرآن، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29] هؤلاء أولياء الله، أولياء الله أهل صلاة الضحى وهي صلاة الأوابين حين ترمض الفصال.

 سلفية المعتقد

أما الصفة السادسة: فسلفيون في المعتقد ولا فخر.

لا يكفي أن يكون الإنسان عابداً ويكون بدعياً، تجد من المبتدعة من يصلي في اليوم خمسمائة ركعة، لكنه مبتدع ضال منحرف.

إذاً لابد من الاعتقاد السليم وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة الذي أتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام في التوحيد بأنواعه: في الأسماء والصفات، وفي العبودية، وفي اليوم الآخر، وفي كل ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من أمور المعتقد.

هذه من مواصفات أولياء الله عز وجل؛ ولذلك أشرت أنه قد يكون من المبتدعة أو من غلاة أهل التصوف من يكون عابداً لكنه منحرف سلوكاً وعبادةً.

يذكر الخطابي في كتاب العزلة: أن رجلاً من الصوفية مخرف جاهل، يعبد الله كثيراً، يصلي الليل والنهار، لكن ليس على معتقد سليم، وليس على سنة، أخذ لصقة ووضعها على عينه اليسرى، قالوا: ما لك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين.

سبحان الله! خلق الله له عينين وهو يبخل بالعين الثانية! يقول الله: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9] وهو يقول: إسراف أن أنظر بعينين إلى الدنيا!

أتى واحد من أوائل الصوفية إلى الحسن البصري قال: كل معي فالوذجاً قال: لا أؤدي شكره. قال: ثكلتك أمك وهل تؤدي شكر الماء البارد؟!

انظر إلى الفقه الأعوج! ولذلك تجدونهم عباداً لكن لا يفقهون.

أحدهم يقول: ما أكلت الرطب أربعين سنة.

يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رأيت عابداً جاهلاً يصلي وهو ينعس في صلاة الظهر وهو واقف قلت: ما لك؟ قال: ما نمت البارحة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر أقوم الليل.

فهو يقوم بالنافلة ويخل بالفريضة! فأي فقه هذا؟!

ومن صفات أولياء الله أنهم يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يبخلون بالعلم فعلماؤهم رجال عامة، وشبابهم أهل تحصيل، وعوامهم يحرصون على الفائدة.

قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

 علماء أهل السنة رجال عامة

علماؤهم رجال عامة، ليس في الإسلام عالم يغلق على نفسه في البيت، فلا يرى الشمس إلا مرة في السنة، وهذا ليس من علماء أهل السنة.

علماء أهل السنة في المسجد وفي السكة والشارع، وفي الرصيف وفي الأندية، وفي مجامع الناس والكليات والجامعات، يفيد الناس، وينفق مما أتاه، قال الشاعر عن العلم:

يزيد بكثرة الإنفاق منه      وينقص إن به كفاً شددتا

الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هم علماء بني إسرائيل، فهم يكتمون العلم، تأتي عند العالم فتحلف ألف يمين فيقطر عليك بالقطارة، كأنه يعطيك من دمع عبده، ثم تسأله وتقبل جبينه وعينه اليمنى واليسرى وعلى كفيه وأرجله أن تفيدنا بحديث فيعطيك نصف حديث!! كأنه ينفق من لحمه ودمه، تتوسله وتداجي عليه وتخادعه، حتى يجلس جلسة نصف ساعة ثم يمتن بها ويقول: تكفيكم سَنَة.

الإمام أحمد نشر علمه في المسجد والشارع والسوق، وفي كل مكان.

أما بعض الناس -وهو منهج بدعي- فيرى أن الانتشار مع العامة وتحديثهم وإفادتهم ليس منهجاً دعوياً.. وهذا خطأ؛ ولذلك لا تثمر هذه الدعوة ولا ينجح هذا التنقيط؛ لأن الدعوة تدعو الناس إلى لا إله إلا الله، إلى الصلاة والصيام، والحج والزكاة، وغيرها من أمور الإسلام ندعو الناس إلى علم ظاهر، ليس عندنا أسرار ولا ألغاز ولا أحاجي.

صح عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [[إذا رأيت الناس يتناجون في دينهم فاعلم أنهم على دسيسة]] يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: {إنما الأعمال بالنيات} فارفع صوتك بها وليس في هذا حياء، هو علم فانشره في الناس، واجعله كالمطر.

علماء السنة يفيدون العامة، ينزلون إلى الناس، يقودون الشباب، يفرحون إذا طرق شاب على باب أحدهم فيخرج له ينظر ماذا يريد؛ هذا ثوبي فافترشه، وخذ الفائدة.

كان الزهري يدور على الناس يعلمهم الحديث، وصح عن عروة بن الزبير أنه كان يعطي الذهب والفضة والدراهم ويقول: تعالوا اسمعوا مني الحديث، فكيف بالإنسان الآن يقدم على العالم ويحتال عليه، ويكتب له عريضة كأنه يراجع في مشروع، ثم تخفق العريضة ولا يفتح بابه، والعصا جاهزة عند الباب! هذا ليس بصحيح! وليس بمنهج أبداً.

 شباب أهل السنة أهل تحصيل للعلم الشرعي

من علامة أولياء الله أن فتيانهم أهل تحصيل علم شرعي، ليس عندهم كثرة كلام ولا يكون جل حديثهم عن أحداث تقع ووقائع تنتهي، وإن كان علم الواقع لا بأس به.

لكن أين علم قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (علم السند ومدارسة الحديث).

أتى رجل إلى الإمام أحمد فقال: يا إمام! رجل يقول: أهل الحديث لا يفقهون شيئاً؟

قال الإمام أحمد: زنديق زنديق.

واليوم بعض الناس إذا رأى طالب العلم يحفظ صحيح البخاري أوبلوغ المرام أو رياض الصالحين قال: زاد نسخة في البلد ويقول: العلم ليس بحفظ المتون.

وأنا لا أدري ما هو العلم يا حضرة الشيخ؟!

فهل العلم كلام مصفف، رعيد وإربادات وإرعادات وإرهاصات ومرطبات ومشهيات وبالونات تنفجر في الهواء؟ لا.

العلم رواه أبو داود بسند جيد، العلم رواه ابن حبان والحاكم هذا هو العلم، أما الكلام المنفوش فليس بعلم.

فمن هدي طلبة العلم أولياء الله أنهم أهل تحصيل، إذا رأيت الإنسان يحمل صحيح البخاري وصحيح مسلم فاعرف أنه يسلك طريق الجنة، وإذا رأيته مشغولاً بالمجلات الخليعة والهيصات والجلسات والسمرات والوقائع، وكثرة الكلام، فاعرف أنه رجل مشبوه يحتاج إلى تأديب بستة أسواط أو سبعة، ويدعى له في أدبار الصلوات أن يرد الله عقله عليه؛ لأن بعض العقول تذهب وتأتي.

 عوام أهل السنة يحرصون على الفوائد

عوام أهل السنة يحرصون على الفائدة، يحضرون المحاضرات والدروس والأمسيات، ويستفيدون ويسألون أهل العلم.

وبخلاف ذلك من انحرف عن الطريق، فعلماء المبتدعة من أبخل الناس بالعلم، وعلمهم في الظلام، فهم لا ينشرون علمهم، وشبابهم يحرصون على الكلام (ورأيت وأرى) وهيجان ليس له حقيقة، وعوامهم لا يحرصون فهم جهلة، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق.

أما الصفة الثامنة: يحبون الجماعة ويكرهون الفرقة، ويسعون إلى جمع الشمل ونبذ الاختلاف.

تكوين دوائر ضيقة لتشتيت الأمة ليس من دين الله عز وجل، وكفى بالأمة تمزيقاً.

والله الذي لا إله إلا هو ما في المسجد هذا من رجل أراه أمامي إلا أحبه في الله، وأتمنى من الله عز وجل أن يجمعني وإياه في دار الكرامة، وإنني أعتقد اعتقاداً جازماً مهما خالفني في جزئية أو له مشرب -بشرط أن يكون ولياً من أولياء الله- أن من واجبي أن أحبه في الله، ولا أجد في نفسي عليه شيئاً ولو خالف مهما خالف، ولكن إدخال الأمة في دوائر ضيقة وتمزيق الأمة وتشتيتها لا يصح.

كل من في المسجد جماعة المسلمين، كلهم جماعة واحدة، يدخل فيهم الأغنياء والفقراء، والرؤساء والمرءوسون، وطلبة العلم والعلماء والكبار والصغار بشرط الولاية.. هذه هي جماعة المسلمين، ليس لهم مواصفات، وليس لهم أسس تنظيرية تجمعية، بل مواصفاتهم الكتاب من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، والسنة الكتب الستة ومسند أحمد وإن زدت المعاجم فلا بأس.

هذا التنظير لجماعة المسلمين، هذا التنظير أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وأراحنا من كل تنظير وتأسيس وتأصيل، كفى، كفى، كفى..

أيها الإخوة: أهل السنة يحرصون على الجماعة.

ولذلك يقولون: من علامة أهل البدعة: أنهم يطعنون في ولاة الأمر، وهذه أقولها صراحة وقد قالها أبو عثمان الصابوني وابن بطة الحنبلي.

فمن علامات أهل البدع أنهم يكرهون تجمع المسلمين، ويقولون: الجماعة غير هذا التجمع، ويقولون: العوام لا يدخلون في جماعة المسلمين.. خطأ، سبحان الله! قد يكونون أفضل، والكل جماعة المسلمين.

 العودة إلى الكتاب والسنة

ومن مواصفاتهم وهي الصفة التاسعة: أنهم يعودون إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ليس عندهم لصقات ولا منشورات وتنظيرات معلقة في حوائطهم من أقوال البشر.. بل عندهم الكتاب والسنة.

إذا اختلفوا في شيء عادوا إلى الكتاب والسنة، يقول الله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] والرد إلى كتاب الله رد إلى الله، والرد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم دائماً يدعون: {اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم}

هؤلاء هم أولياء الله، يردون إلى الكتاب والسنة، ولا نحتاج مع الكتاب والسنة إلى أي تنظير أو تأصيل أو بناء، وكفى بما أتى في الكتاب والسنة.

 القول بالحق

أما صفتهم العاشرة والأخيرة: فيقولون بالحق، لا يحملهم الهوى على القول بالباطل، والرسول عليه الصلاة والسلام في حديث النسائي الصحيح كان يقول في الدعاء: {اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الغنى والفقر} والشاهد: وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا،و بعض الناس الآن إذا غضب على أخيه وزميله وحبيبه، غضب عليه وحمله الهوى على أن يقول فيه ما لا يقال؛ وإذا رضي على أخيه ولو كان فيه أخطاء سكت عن أخطائه..

وعين الرضا عن كل عيب كليلة      كما أن عين السخط تبدي المساويا

فنسأل الله أن نكون عدولاً كما أمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135] شهداء يقومون بالقسط ويقولون بالقسط والحق لا يجورون ولا يظلمون، وفي أثر يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه يقول: {وأن أقول الحق في الرضا والغضب}.

فمن صفاتهم أنهم يقولون بالحق، ويحكمون بالحق، ويقبلون الحق ممن قاله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً [هود:119] أي صدقاً في الأقوال وعدلاً في الأحكام.

وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] يقول: لا يحملكم بغض الناس على أن تحكموا عليهم بالمفتريات والزور، وتحيفون عليهم بالحكم الجائر لأنكم تبغضونهم، بل كونوا عدولاً، فـأهل السنة وأولياء الله يقولون بالحق، ولو خالفك في جزئية فيجب أن تحترمه، لا زالت له حسناته ومقامه وقيمته.

هذه عشر مواصفات لأولياء الله جمعت من كتيبات لـأهل السنة، هي صفات أهل السنة وهي مجملة، ويندرج في كل صفة جزئيات كثيرة، ولكن من عرف هذه ودرسها وفهمها، وحاول أن يعمل بها، كان ولياً بإذن الواحد الأحد، واستفاد مشرباً وسلامة وقصداً؛ ولذلك علم رسول الله صلى الله عليه وسلم حصين بن عبيد الخزاعي والد عمران وقال له: قل: {اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي} وقال لـعلي بن أبي طالب كما في صحيح مسلم: {قل: اللهم اهدني وسددني} وفي صحيح مسلم عن عائشة أنه: {كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم}.

والصراط المستقيم هو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، الكتاب والسنة، وهذه مواصفات أولياء الله عز وجل من أهل السنة والجماعة، الذين لا يحتاجون إلى منظر غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاجون إلى تأسيس غير الكتاب والسنة قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3].. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] فهؤلاء أهل السنة أولياء الله.

جعلنا الله من أولياء الله، سلام على أولياء الله، وحشرنا الله في زمرة أوليائه وأحبابه، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يقتدى به في سلوكه وأفعاله، وممن يكون على منهج الصالحين الذين مضوا من القرون المفضلة أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

أولئك آبائي فجئني بمثلهم      إذا جمعتنا يا جرير المجامع

سلام الله عليكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

آخيتمونا على حب الإله وما     كان الحطام شريكاً في تآخينا

إن السلام وإن أهداه مرسله     وزاده رونقاً منه وتحسينا

لم يبلغ العشر من قول يبلغه     أذن الأحبة أفواه المحبينا

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

 كيف نغرس في أنفسنا صفات أولياء الله

السؤال: كيف نغرس ونقوي في أنفسنا صفات أولياء الله تعالى في واقع حياتنا المعاصرة؟

وما هي أسباب الوصول إليها والمحافظة عليها؛ خاصة وأن الإيمان في القلوب يضعف، ويزيد وينقص، فهل من لفتة حول ذلك، وجزاكم الله خير الجزاء؟

الجواب: ما قاله هو تحصيل حاصل وتقرير أمر معلوم، ولكن أنبه على أمور: أن من صدق مع الله صدقه الله، وأن من أراد الله والدار الآخرة وفقه الله ويسره لليسرى، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] فأوصيك بأمور:

أولها: صدق النية واللجوء، والعزيمة على التوبة، والإقبال على الله عز وجل.

الأمر الثاني: عليك بالنور الذي يضيء لك هذا الطريق، وهو الكتاب والسنة.

إمامك في هذا الطريق هو محمد صلى الله عليه وسلم.

فسوف ترى -يا أخي- إذا أقبلت إلى الله، كيف يشرح الله صدرك، وكيف يزيدك تقوى وهدى وغنى، وسوف يسددك، لكن أقبل أقبل، وتعال تعال، فإنه من مشى إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذراعاً أقبل إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى باعاً، ومن أتاه يمشي أتى إليه هرولة، كما في الحديث القدسي الصحيح، فما عليك إلا أن تقبل، فعطاء الله ممنوح، وبابه مفتوح، وخيره يغدو ويروح.

فسبحان الله.. كم يقبل الله من المقبولين عنده! وكم يتوب على التائبين وكم يغفر ذنوب المستغفرين! فأوصيك أن تقبل على الله، وعليك بتدبر الكتاب والسنة، ولكني أوصيك بأمر آخر وهو مهم: أن تقاطع كل ما يشغلك عن السير إلى الله، من المعاصي وجلساء السوء، ومن الأغنيات الماجنة والمجلات الخليعة، والسهرات التي تغضب المولى؛ ليبقى قلبك صافياً مع الله عز وجل، وحينها يتقبل نور القرآن السنة.. هذا في المجمل.

وأما قولك أن الإيمان ينقص ويزيد فصحيح هذا ومقرر، ولكن لا يكون إيمانك ناقصاً دائماً، صحيح أنه سوف يعتريك أحياناً نقص لكن لا يكون هذا حالاً دائماً ولا مستمراً معك، بل تكون في زيادة، ويومك أحسن من أمسك، وغدك أحسن من يومك: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

 المرأة تكون ولياً لله

السؤال: هل تكون المرأة ولياً من أولياء الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟ وهل ما يقال عن الرجال ينطبق على النساء بالنسبة لولاية الله؟ وإن كان هناك فرق أو تفصيل فأرجو إيضاحه؟

الجواب: سبحان الله! كل الكلام الذي قيل يشمل الرجال والنساء إلا في جزئيات بسيطة يعرفها اللبيب، وإلا فما لنا كما قال الشاعر:

وإذا تكون كريهة أدعى لها      وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

أي: أن المرأة للرضاعة والحمل والكرب والمشكلات في البيت وأما الولاية فللرجال.. قال تعالى يرد على ذلك: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195] وقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] سبحان الله.. من أتى بالأولاد العظماء إلا النساء!

ومن أتى بالشهداء والعلماء والأدباء والزعماء إلا النساء.

من هي أم أبي بكر إلا امرأة، وخالد وسعد وحسان ومعاذ بن جبل وأضرابهم وأشباههم..

الأم مدرسةٌ إذا أعددتها      أعددت جيلاً طيب الأعراق

الأم نبت إن تعاهده الحيا      بالري أورق أيما إيراقِ

سلام على أمهات الأجيال، المسلمات المؤمنات القانتات، إي والله إنهن يدخلن دخولاً أولياً أصلياً في هذه الصفات، ومنهن الولية والعابدة والزاهدة، والحافظة للغيب بما حفظ الله، ولو اتسع الوقت لسقت نماذج من سير الصحابيات، ولكن أكتفي بإشارات فقد تمر مجملة على الأسئلة، وأقول للأخت: اعلمي أن ما قيل في هذه المحاضرة وفي غيرها، أنه ينص عليك نصاً أولياً وتدخلين فيه دخولاً أصلياً فأنت إن شاء الله من أولياء الله المقربين.

 معاصي الأولياء

السؤال: شخص من الصالحين ومن المحافظين على الصلاة، ويقوم الليل أحياناً ويحرص على أفعال الخير، والدعوة إلى الله في حياته، ولكن يحدث منه تقصير في التأخر عن الصلاة أحياناً، وربما الغيبة في بعض المجالس، وبعض التقصير والتفريط في بعض الصغائر من الذنوب، فهل مثل هذا يكون ولياً من أولياء الله؟ وما علاج مثل هذه الظواهر وأظنها كثيرة، نسأل الله أن يصلح أحوالنا جميعاً.

الجواب: أولاً: ليس الأولياء معصومين، فالولي يخطئ ويصيب، وقد يجهل بعض الحق، وقد يخطئ في الفرعيات، وقد يلتبس عليه بعض الأمور، وقد يكون عامياً، وقد ينقصه بعض الأدلة، وقد تشتبه عليه بعض الأمور، وقد يقع في بعض الكبائر أحياناً ويتوب، وقد تأتي منه الصغائر. فالولي ليس معصوماً فليعلم ذلك، وهذا أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة.

الأمر الثاني: أن الأولياء قسمان: مقتصدون، وسابقون بالخيرات، والذي يدخل الجنة في بعض الروايات التي رجحها شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يدخل الظالم في الجنة بعد أن يصفى، لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] والجمهور يقولون: يدخل الجنة المقتصد والسابق، والمقتصد هو الذي لا له ولا عليه، يأتي بالفرائض ويجتنب الكبائر، ولكن لا يتجنب المكروهات ولا يأتي بالنوافل، فهذا مقتصد لا يحب الفائدة وليس عليه دين.

وأما السابق بالخيرات فهذا رجل شق الغبار، وأصبح كالنجم المغوار، وكالسيل المدرار، فهو في المرتبة الأولى، إن كان في المصلين فهو في الصف الأول، أو الصائمين فهو أولهم، أو الذاكرين فلسانه لا يفتر، وفي المتصدقين يده مهملة في الصدقة.. وهذا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أما نحن..

لا تعرضن ذكرنا في ذكرهم      ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

لكن نحبهم في الله عز وجل، عسى الله أن يحشرنا في زمرتهم.. هذا أمر.

وأما ما ذكرت أنك تأتي بهذه الأمور ولكنك تتأخر عن الصلاة، فهذه معصية وتنقص من ولايتك، ولكن لا تخرجك من دائرة ولاية الله عز وجل، لا زلت ولياً لكن بنسبة، فكل ولي له نسبة قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] والولي قد يغتاب ويتوب، لكن أصفى الأولياء من لا يتأخر عن الصلاة ولا يغتاب فأنت بقدرك: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] وعلمك وعلم غيرك من الناس عند الله.

 الاستمرار على الطاعة

السؤال: ما إن ودعنا رمضان وودعناه، حتى ولت نفوسنا المريضة هاربة مولية، كأنها حمر مستنفرة فرت من قسورة، ونظير اجتهادنا في الطاعة في رمضان استبقنا نتفانى في معصية الله، وندنس صفحاتنا؛ نسأل الله أن تكون قد بيضت، فصرنا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فإلى الله نشكو حال أنفسنا.

فما هي الخطوات العملية التي يراها فضيلتكم للمواصلة على طريق الطاعة على شكل خطوات مختصرة وجزاكم الله خيراً؟

الجواب:

أولاً: أشكر السائل على رقته واستشهاده وروعة أسلوبه، فسؤاله يرمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر.

وأما ما ذكره فواقع، فإنه لما ولى رمضان انسحب كثير من الناس وأعلنوا -والعياذ بالله- تمردهم على المسجد، والله لقد رأينا من الناس من يفتح المصحف، وكأنه لا رب إلا في رمضان، ولا إله إلا في رمضان، ولا إيمان إلا في رمضان، فلما ولى رمضان أقفلوا المصاحف، وخرجوا من المساجد، وتخلفوا عن الصلوات، ورفعوا الأغنيات، وأكثروا من السيئات، وأغضبوا رب الأرض والسماوات..!

أي عقول هذه؟!

أما علموا أن رب رمضان هو رب شوال وشعبان وكل الأشهر والأيام؟

أما علموا أن الرقابة معهم في الليل والنهار فما لهم يفرون؟!

وإلى أي جهة يسيرون؟!

وإلى من يلتجئون؟!

فالمسألة الأولى: أن يعلموا أن الله معهم دائماً وأبداً في رمضان وفي غير رمضان.

والأمر الثاني: كيف ينقضون جداراً بنوه، وحصناً رفعوه، وحائطاً شيدوه؟

إنسان أحسن كل الإحسان وبكى في رمضان، حتى إنك تجد كثيراً من الناس بكى في التراويح والقيام، وأكثر الشكاية والدعاء والتبتل، ثم ضيع كسبه!

أرأيت إلى السفيه إذا بنى جداراً ثم هدمه؟!

أرأيت إلى المرأة التي شدت غزلها ثم نقضته من بعد قوة ومن بعد ما شدته؟!

أرأيت إلى الإنسان يبني بيتاً ثم يسحقه؟ ألا يكون سفيهاً؟ وأسفه منه من عمل صالحات وأتى بدرجات وحسنات ثم ضيعها وضاع.

ثم الأمر الثالث: ليعلم أخي في الله أنه على سفر، وأن من الناس من يحبط عمله، يصلح ويصلح ثم يحبط عمله، وإحباط العمل أمر يفعله كثير من الناس، يحسنون ثم يسيئون إساءة ما بعدها إساءة، فأنا أدعوهم إلى ملازمة السير الأول، ولا يأتي ذلك إلا بعزيمة، وبالابتعاد عن جلساء السوء، وبالتقليل من المشغلات والملهيات، والمغريات الحياتية والفتنة التي نعيشها، ولا يأتي ذلك إلا بحفظ العهد مع الله تبارك وتعالى، فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم..

فلا تجزعن من سيرةٍ أنت سرتها      فأول راض سيرة من يسيرها

أنت الذي جنى على نفسه، وأنت الذي ابتعد عن الله، وأنت الذي تنكر لبيوت الله، وأنت الذي هجر كتاب الله فمالك؟!

إن هذا من السفه والعياذ بالله، وأرجو كل الرجاء العودة إلى الله، وأسأل الله لي ولهم التوفيق إلى الله ثانية وثالثة حتى يتوفانا الله على الإسلام: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

 كرامات الأولياء

السؤال: لا شك أن لأولياء الله كرامات تحدث، هل يمكن أن تظهر اليوم بعض الكرامات لبعض أولياء الله من الصالحين؟

وكيف نعرف أن هذه كرامة، أرجو توضيح ذلك؟

الجواب: نعم. كرامات الأولياء أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة، دل عليه الكتاب والسنة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة آل عمران: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37] هذه كرامة.

ووقع لـأبي بكر تضعيف الطعام كما في صحيح البخاري وحصلت أيضاً للعلاء بن الحضرمي ولـخالد بن الوليد ولـسعد بن أبي وقاص ولـعباد بن بشر وغيرهم كثير من أولياء الله.

فالكرامة تقع، ولكن بعض الصوفية غلا في الكرامة حتى أتى بالأمور العادية المشغبات والمشوشات فجعلها كرامة، ذكر الذهبي عن أحد الصوفية أنه ترك الطعام ثلاثة أيام فطال عليه الجوع حتى خاش عقله وطاش وفاش، فرأى صوراً في الجو فقال: رأيت ملائكة، رأيت جبريل نزل ومعه ملك آخر.

قال الذهبي: والله ما رأيت جبريل ولا رأيت ملائكة ولكن عقلك طاش وخاش وفاش.

إنسان يبقى بلا أكل ولا شرب ويقول: كرامة! عجب عجاب.

وبعض الناس يجعل الأمور العادية كرامة، سمعت من بعض المولعين بذكر الكرامات يقول: سافرنا مرة فركبنا الحافلة، فضاع أحدنا في الحافلة فنزلنا فصلينا عند إطارات الحافلة ركعتين، فأخرجه الله لنا من الحافلة..!

الرجل موجود في الحافلة وما ضاع، وقال: هذه كرامة من كرامات الله عز وجل!

فما بقي إلا أن يصلي ركعتين عند الإشارة الحمراء حتى تولع الخضراء ثم يقول كرامة..!

هذه أمور عادية، والكرامة خرق للسنن التي جعلها الله عز وجل موجودة، ولكن المغالاة في الكرامات حتى إنه لا يحدث شيءٌ إلا قالوا: كرامة، مجانبة الصواب.

ونفي الكرامات ليس من منهج أهل السنة كذلك لكن إثباتها للصالحين، وشيخ الإسلام يشترط في الكرامة شرطين، وقد ذكر ذلك في المجلد الحادي عشر من فتاويه:

الشرط الأول: أن يكون صاحب الكرامة ولياً من أولياء الله على الكتاب والسنة، لا يأتي زنديق فيجعل البيض أكواباً أو يجعل الأكواب بيضاً، أو يأتي بالميكرفون ويجعله وردة وبالوردة ميكرفوناً، نقول: هذا زنديق لأن عمله مخالف للكتاب والسنة، ولذلك قال الشافعي: لا تغتر بالرجل ترى عليه الكرامة ولو طار في الهواء وسار على الماء حتى تعرض قوله وفعله على الكتاب والسنة.

فالشرط الأول أن يكون على الكتاب والسنة، وإلا صار السحرة من أهل الكرامات، يأتيك أحدهم فيقول: اسم ابنتك فاطمة؟

- فتقول: نعم.

- رقم سيارتك: كيت وكيت؟

- تقول: نعم.

- أنت ساكن في حارة كيت وكيت؟

- تقول: نعم.

فتقول: هذا ولي من أولياء الله مثل الشافعي! وهو زنديق يخبره الجن.

الشرط الثاني: أن يستغل هذه الكرامة في نصرة دين الله، لا يأتي بكرامة في تضليل عباد الله وأخذ أموال الناس بالباطل، وفي ضياع أوقات الناس ويقول: كرامة. مثل هؤلاء البهلوانيين والمشعوذين والسحرة.. لا. فهذان الشرطان لابد من توفرهما.

ولذلك أردت أن أقول: أعظم كرامة لزوم الاستقامة، يقولون: العامل لنفسه يسعى للكرامة وولي الله يسعى للاستقامة، فإذا رزقك الله الاستقامة فهذه أعظم كرامة.

 الأعراس في الإجازات

السؤال: نعلم أن الإجازة اقتربت وميزة هذه الإجازة كثرة الزواج، فماذا تنصحون أولياء الأمور وبماذا تنصحون الزوج والزوجة؟

ما رأيك لو استغلت هذه الأفراح بإلقاء من المشايخ كما يحدث في بعض الأفراح ونحو ذلك؟

الجواب:

أولاً: في هذا السؤال أمور: الأمر الأول: ذكاء صاحبه، فإنه علمه الله الذي أنطق كل شيء أن الإجازة قربت وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4].

والأمر الثاني: يظهر من سؤاله أنه يريد الزواج قريباً، وكأن الأيام تمر عليه، اليوم مثل الشهر والليلة مثل السنة، فنسأل الله أن يبلغه ما تمنى وأن يرزقه الحلال.

والأمر الثالث: اقترح اقتراحاً أن يكون هناك في الأعراس وفي الحفلات محاضرات، وهذا اقتراح جيد لا فُضَّ فوه؛ لأنه أحسن كل الإحسان، على كل حال فما قاله صحيح، ووجد في بعض الأماكن وأظن حتى في الرياض أنه يستدعى لبعض الأعراس والحفلات دعاة وطلبة علم وعلماء فيحيونها بذكر الله وقال الله وقال رسوله، أما هذا الفجور والخنى والغناء ويا ليل ويا عين وهذه الأمور السافلة الحقيرة فلا يفعلها إلا السفلة وأراذل الناس، تطبيل للرجال وتزهيق وغناء وموسيقى، وضياع للقيم وضياع للقرآن، وضياع للأصالة.. هذا ليس بصحيح، والدف للنساء خاصة بدون اختلاط، دف بالأيدي، أما أن يستورد مغن أو مغنية أو ماجن أو ماجنة أو فاجر أو فاجرة فهذا والعياذ بالله سحق للدين وعداء للإسلام، ولا يفعله إلا من قل عقله ودينه.

فأنا أشيد بهذا الأخ وأبارك له هذا السؤال، وأسأل الله أن يوفقنا وإياه.

ثم إني أدعو الطلبة وكلٌّ منهم مرشح لأن يكون داعية، أن يخترقوا هذه الحفلات، وأن يتكلموا بما يرضي الله، وليكن قوياً كالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، يتكلم أولو الأيدي والأبصار، ولا ينتظر حتى يستدعيه الناس، بل يقتحم ويتكلم بلين وحب عل الله أن ينفع به.

 مخالطة غير المسلمين ومعاملتهم

السؤال: نختلط في العمل بغير المسلمين، ويوادوننا ويحترموننا، فهل علي إثم بمعاملتهم بما يعاملوننا به، علماً أنني أقصد أحياناً إعطاءهم صورة طيبة عني كمسلم تمهيداً لدعوتهم للإسلام، أثابكم الله؟

الجواب: إذا ذكر البراء فليس معناه ضرب الكفرة صباح مساء بالأكف على الوجوه! لا. الله يقول لبني إسرائيل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] والناس كلمة عامة تشمل الكافر، وفرق بين حسن المعاملة والولاء، حسن المعاملة: أن تبتسم له لتحبب إليه الإسلام؛ لأنه إذا رآك قد كشرت في وجهه وعبست وبسرت فلن يسمع أذاناً ولا ديناً ولا استقامة ولا شهادة ولا يدخل في الدين، يقول: إذا كان هذا الدين ينتج كهذا الرجل فعلي أن أتوب من أن أفكر في دخول هذا الدين ويكفيني هذا الشاهد الملموس المحسوس.. هذا خطأ.

ولكن عليك أن تصافيه وتداجيه، وأن تدعوه وتزوره، وأن لا ترضى بفعله.

فمقصدي أن مداراته لإدخاله في الإسلام مطلوبة، وأما موادته للدنيا ولإقراره على عمله بدون دعوته فمذموم، ومن جعل الله له فرقاناً بين له ذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29].

 حاجتنا للفكر

السؤال: يتضح من كلامك يا فضيلة الشيخ! أن لك وجهة نظر في الكتب الفكرية مع أن هذا الزمان زمان فكر، والإسلام يواجه حرباً فكرية، فلا مجال في هذا الزمان للعاطفة ولابد من الفكر فما رأيكم؟

الجواب: أولاً يا أخي: إن شاء الله أني ما دعوت للعاطفة، بل أنا أدعو إلى الكتاب والسنة، ولو قصرت أنا في اتباع الكتاب والسنة أو في الإلمام بالكتاب والسنة فأدعو إلى الكتاب والسنة، والعاطفة شيء غير الكتاب والسنة، ومن يدعو إلى الكتاب والسنة لا يدعو إلى العاطفة.

أما الفكر فلابد من ضبط هذه الكلمة، فلا يجعل الفكر علماً كعلم الكتاب والسنة ونتشاغل به ونحسنه تحسيناً.. لا، هو أمر ثانوي ولابد منه، والله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم يوم علمه علم الواقع: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] أي نوضح لك الواقع الذي تعيش فيه، ونحن ندعو إلى دعاة يعرفون الواقع ولا يعيشون في عزلة عن الواقع، بل يعرفون ما يدور، والمذاهب والملل والفرق والمشارب والأحداث والوقائع التي تدور بهم وتكتنفهم ولابد من ذلك، لكن أن يجعل الفكر علماً يجتمع عليه الشباب، ويأخذ ليلهم ونهارهم فليس بصحيح، بعد ثلاثين أو أربعين سنة يخرج هؤلاء الشباب علماء ثم يبحثون عن رءوسهم، فلا يجدون إلا كلاماً ولا يجدون قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنا معك ولا أخالفك أنه لابد من معرفة شيء من الفكر لنرد على أعداء الله، وقد فعل كثير من الدعاة ذلك، فردوا بالفكر وعرفوا كلام الأعداء فردوا عليهم بمثل أقوالهم، أما أن نحجب أبصارنا فليس بصحيح، لكن التحذير لأنه وجد مغالاة حتى وجد من بعض الشباب من جنح عن كتب السلف، وأعرض عنها واتخذها ظهرياً، وأتى إلى كتيبات بيض أمامه فجعل منها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويفتي منها ويحاضر ويدعو، وهي مجرد كلام وكتب مفيدة، لكن الأصل المعين والصراط المستقيم كتب السلف التي عليها العمدة وهذه زيادة خير.. هذا رأيي، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

نسخة نصية للطباعة , صفات أولياء الله للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2702368059
عدد مرات الحفظ
682532347

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009