إسلام ويب

هدي الرسول وأصحابه في رمضانللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقول تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) فأمرنا بالاقتداء به وباتباع هديه صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذه المادة عرض لهديه عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان؛ هديه في مدارسته للقرآن، في قيامه لليل، في صدقته وسخائه، في اعتكافه، في الإكثار من العبادات والطاعات... إلى غيرها من أحواله وعيشه في رمضان.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

    والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، رفع الله به رءوسنا وكانت مخفوضة، وشرح به صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع به آذاننا وكانت صماً، وبصَّر به عيوننا وكانت عمياً، فعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    واعلموا أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هو المعصوم الذي على قوله تصحح الأقوال، وعلى فعله توزن الأفعال، وعلى حاله تقاس الأحوال، فإن الله أصلحه ظاهراً وباطناً، وسراً وجهراً، ورضيه قدوة للناس لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    فهو عليه الصلاة والسلام معصوم لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4] وهو بأبي هو وأمي، نفسه طيبة، وقوله طيب، وفعله طيب، فهو مبارك أينما حل وارتحل، زكَّاه الله ظاهراً وباطناً، وامتدح أخلاقه وأعماله وأفعاله وأقواله، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وقال له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    فإذا علم ذلك، كان على المؤمن إذا أراد أن ينصح نفسه أن يتبع هذا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يقتدي بكل ما أتى عنه وصح وثبت، فإنه عليه الصلاة والسلام قائد كل موحد وكل مؤمن إلى الجنة، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بغير الهدي الذي أتى به، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولا ينظر إليه يوم القيامة ولا يكلمه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.

    فلا إله إلا الله ما أعظم ربح من اتبع أقواله، واقتدى بأفعاله، وسار على منواله، ولا إله إلا الله ما أشد خسارة من تنكَّر لشريعته، وجحد سنته، وخالف فعله عليه الصلاة والسلام.

    إذا علم ذلك فإننا نريد أن نعيش معه صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي غير رمضان، وإن كان للعمر مواهب، وللحياة بقية، وللأيام لذة فإنما هي في العيش معه صلى الله عليه وسلم.

    نسينا في ودادك كل غالٍ     فأنت اليوم أغلى ما لدينا

    نلام على محبتكم ويكفي     لنا شرفاً نلام وما علينا

    ولما نلقكم لكن شوقاً     يذكرنا فكيف إذا التقينا

    تسلَّى الناس بالدنيا وإنا     لعمر الله بعدك ما سلينا

    وقد أطل علينا ضيف كريم، ووافد عظيم، وهو شهر رمضان الذي كتبه الله عز وجل على من قبلنا، كتبه للتقوى، ولترتفع الأرواح من موبقاتها، ولتتوب النفوس من شهواتها، وليراجع الناس أنفسهم مع ربهم تبارك وتعالى، فمرحباً بشهر رمضان.

    مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام     يا حبيباً زارنا في كل عام

    قد لقيناك بحب مفعم     كل حب في سوى المولى حرام

    فاغفر اللهم ربي ذنبنا     ثم زدنا من عطاياك الجسام

    لا تعاقبنا فقد عاقبنا     قلق أسهـرنا جنح الظلام

    فلننظر إلى هديه عليه الصلاة والسلام، وإلى هدي أصحابه الأبرار، وسلف الأمة الأخيار، كيف استقبلوا هذا الشهر.

    كيف صاموه وقاموه؟

    وكيف قضوا أوقاته؟

    وكيف عاشوا ساعاته؟

    لنكون على بصيرة، فإنه بمثلهم يقتدى، وعلى منوالهم يحتذى.

    فعن طلحة بن عبيد الله: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى الهلال -وعند الترمذي هلال رمضان- قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال خير ورشد) قال الترمذي: حديث حسن.

    هذا الحديث عجيب، فهو يقول للهلال: ربي وربك الله، فأنت مخلوق كما أنا مخلوق؛ لأن الأهلة والشمس والقمر كانت تعبد من دون الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس ويخبر الأجيال أن الكائنات كلها مخلوقة لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    فيقول: ربي وربك الله أي: فلا يحق لأحد أن يعبدك من دون الله، فالذي أهلَّك وأبداك وجملك وأبدعك هو الله! فكما أنني مخلوق لله، فأنت مخلوق لله، فأخطأ من عبدك أو توجه إليك من دون الله، وأخطأ من توجه لمخلوق من دون الله.

    وفي الحديث لمسات التوحيد التي أتى بها عليه الصلاة والسلام.

    جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان

    يقول ابن عباس -رضي الله عنهما، ترجمان القرآن، وحبر الأمة، الذي عاش الآيات، وعاش الأحاديث، وعاش الإسلام كله، واستضاء بنور هذا الدين-: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس -وانظر ما أحسن التحفظ- وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن} {وما قال لا إلا مرة} كما في المسند من حديث جابر ثم قال بعدها:{وأستغفر الله} أي: أستغفر الله من كلمة لا، لأنها ثقيلة؛ عليه فاستغفر منها صلى الله عليه وسلم.

    ما قال لا قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعم

    يغضي حياءً ويغضى من مهابته      فما يكلم إلا حين يبتسم

    فكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه أستاذه وشيخه جبريل فيدارسه كتاب الله، ومواعظه في آياته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى {فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة} والريح المرسلة هي الصبا التي تهب من نجد، فإنها معطاءة باردة، وإذا وصف الشاعر العربي الرجل الكريم، قال: هو أجود من الصبا، أو أجود من الريح المرسلة.

    فأكبر المعالم في سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم في رمضان الجود والعطاء والإنفاق والبذل والهبة والسخاء، فهو أكبر معلم نراه في سيرته صلى الله عليه وسلم، لا يمسك شيئاً، حتى الثياب الأسمال التي عليه، إذا سُئل أعطاها، ففي الحديث الصحيح عن سهل بن سعد قال: {نسجت امرأة للرسول صلى الله عليه وسلم ثوباً، فلبسه محتاجاً إليه، فعرض له رجلٌ، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الثوب، فقال الصحابة لهذا الرجل: صنع الله بك وصنع، لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليه، فجئت فسألته وهو لا يرد أحداً، فقال الرجل: أرجو أن يكون هذا الثوب كفناً لي} فأعطاه الله ما تمنى، وسأل، فكان كفناً له كُفن فيه.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام يوم يأتي رمضان يستقبله بنفس معطاءة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما كان العبد سخياً كريماً، جازاه الله بمثل فعله من السخاء والكرم.

    مدارسته صلى الله عليه وسلم للقرآن في رمضان

    ومن المعالم الأخرى في حياته صلى الله عليه وسلم والتي تؤخذ من هذا الحديث: مصاحبته صلى الله عليه وسلم للقرآن، وعيشه معه وتدارسه لآياته مع جبريل عليه السلام، فهذا الشهر شهر القرآن شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] فكان إذا دخل عليه الشهر صلى الله عليه وسلم يهيئ نفسه، ويخفف من ارتباطاته ومشاغله، ليعيش تدبر القرآن وقراءته.

    والقرآن أخذ الحظ الأوفر والدقائق الغالية، والساعات الثمينة من حياته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كتابه الوحيد ومعجزته الكبرى، أرسله الله في الدنيا معجزة لا يضاهيها أي معجزة؛ لأن المعجزات تنصرم وتنتهي إذا مات أنبياؤها، كالعصا في عهد موسى فإنها انتهت بانتهائه عليه السلام، وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في عهد عيسى فإنها انتهت بانتهائه عليه السلام، ولكن القرآن أخذ يشق طريقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأخذ يثبت جدارته، ويعلن قوته، ويبدي دعوته في قوة وخلود ويخاطب الأجيال.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام جعل أكبر وقت للقرآن هو وقت رمضان، ولذلك سئلت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم، كيف كان خلقه عليه الصلاة والسلام؟ فقالت: {كان خلقه القرآن} فهو يعيش مع القرآن أينما حل وارتحل، وإذا وجد وقت راحة وإقبال قلب، وسفر روح إلى الله شغل هذا الوقت بالقرآن.

    في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد طلابه وتلامذته: {اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! -ما أحسن هذا الأدب! وما أجل هذا الحياء!- قال: اقرأ علي القرآن فإني أحب أن أسمعه من غيري} أحب أن أتلقاه غضاً طرياً من غيري إذا قرئ علي.

    فانطلق ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه يقرأ، والرسول عليه الصلاة والسلام يُنصت، فلما بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] قال: {حسبك الآن قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه أفضل الصلاة والسلام} تأثر الحبيب بكلام حبيبه، وتذكر صاحبُ هذا الكلام سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الذي أنزله، والذي تكلم به من فوق سبع سماوات، فعندها بكى صلى الله عليه وسلم.

    رقة قلبه صلى الله عليه وسلم مع القرآن

    روى ابن أبي حاتم في تفسيره: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ربما خرج في بعض الليالي ليستمع القرآن في بيوت الأنصار، يوم كانت بيوت الصحابة تشغل بالقرآن، ويوم كانوا يعيشون ساعات الليل في تدبر آيات الله الواحد الديان، ولا يشغلهم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة الوقت في الترهات والأغنيات والسخافات عن ذلك، يوم كانوا رهباناً في الليل شجعاناً في النهار، فرساناً لرفع لا إله إلا الله يوم يحمى الوطيس.

    خرج عليه الصلاة والسلام فسمع امرأة عجوزاً تقرأ سورة الغاشية، فوقف عند بابها وجعل رأسه على الباب، وهو يستمع إليها وهي تقرأ وتردد وتبكي -عجوزاً فأين شباب الإسلام؟! عجوز فأين فتية الحق؟! عجوز فأين شباب الصحوة؟- هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] من هو المخاطب؟ هو الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول الله له: يا محمد! هل أتاك حديث الغاشية، أي: أما أتاك أن يوم القيامة حديث عجيب، ونبأ غريب، وحدث جلل.

    فأخذ يبكي ويقول: {نعم أتاني} كلما قالت: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] قال: نعم أتاني، إلى هذا الحد يتأثر عليه الصلاة والسلام بالقرآن، فهو كتابه الوحيد الذي تركه للأمة مع السنة المطهرة.

    وفي الصحيح أيضاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى أبي المنذر أبيّ بن كعب سيد القراء رضي الله عنه وأرضاه، الذي جعل وقته لتعليم القرآن، فهو أقرأ الأمة بلا شك، فقال له صلى الله عليه وسلم: { إن الله أمرني أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ [البينة:1] فيقول أبيّ بن كعب في ذهول: أو سماني لك؟! -أي: سماني الله من فوق سبع سماوات لك، كأن لسان حاله يقول: من أنا حتى أُسمى في السماوات السبع، من أنا حتى يسميني الله عز وجل- قال: نعم} فذرفت عينا أبي وأخذ يبكي تأثراً بهذا.

    عيشه عليه الصلاة والسلام مع القرآن

    الرسول عليه الصلاة والسلام يوم عاش مع القرآن، عاش مع القرآن عملاً وتدبراً واستنباطاً، يقول لـأبيّ: {يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [البقرة:255] فضرب عليه الصلاة والسلام بيده اليمنى في صدر أبيّ، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر} أي: والله ليهنك العلم الصافي، والنمير العذب، فإن هذا هو العلم يا أبا المنذر.

    وعيشه صلى الله عليه وسلم مع القرآن، عيش تذكر وتدبر، يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، كما في سنن أبي داود: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء} والمرجل هو: القدر إذا استجمع غلياناً، فصدره يتخضخض من البكاء، وله صوت أزيز تأثراً بكلام الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وفي حديث أبي ذر: {أنه صلى الله عليه وسلم قام ليلة من الليالي يقرأ، فافتتح قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أعادها بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أخذ يتأوه في النافلة ويقول: خاب من لم تدركه رحمة الله، خاب من لم تدركه رحمة الله}.

    نعم، هذه حياته صلى الله عليه وسلم مع القرآن؛ لأن القرآن أكبر مقاصده أنه كتاب هداية، وليس بكتاب طب، ولا تاريخ، ولا جغرافيا، ولا هندسة، ولكنه كتاب هداية يقود القلوب إلى الله الواحد الأحد، فهذا مقصد القرآن وقد علم ذلك صلى الله عليه وسلم.

    وعند ابن مردويه وأورده كثيرٌ من المفسرين في تفاسيرهم بأسانيد أن بلالاً رضي الله عنه وأرضاه، مر في السحر ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر، فسمعه يقرأ قول الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] فقال لـبلال وهو يبكي: {نزلت علي آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبر} فأعظم معالم حياته صلى الله عليه وسلم في رمضان هذا القرآن.

    ولذلك رأى بعض السلف الصالح أن شهر رمضان يخصص لتدبر القرآن، ولا يشتغل بغيره مهما كان العلم فاضلاً.

    وورد عن الإمام مالك أبي عبد الله إمام دار الهجرة، أنه كان إذا دخل عليه رمضان ترك الفتيا والتدريس، وتحديث الحديث، وأخذ يقرأ كتاب الله ويقول: هذا شهر القرآن، هذا شهر القرآن.

    وذكر ابن حجر في ترجمة الإمام البخاري، أنه ختم القرآن في رمضان ستين ختمة، ختمة في الليل وختمة في النهار، وأُوردها لهدف واحد؛ لأنها تدل على شدة اعتنائهم بالقرآن في رمضان.

    ولكن هل هذا هو السنة؟ هذا فيه كلام، فإن سنته صلى الله عليه وسلم الاعتدال والتدبر في قراءته، وورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاثة أيام} وقال لـابن عمرو في الصحيحين وفي غيرهما {اقرأه في ثلاث} فكأن السنة إلى ثلاثة أيام، وإنما أذكر هذا لأبين شدة اعتناء السلف الصالح بالقرآن، وكيف عاشوه، وتلذذوا بقراءته، وتعلموا منه وتدبروه؟!

    فإذا لم يكن شهر رمضان شهرك الذي تختم فيه القرآن، تدبراً وتوجيهاً واستفادة فمتى يكون إذاً؟! والله عز وجل إنما جعل هذا الشهر شهر عبادة، وقبول، وتوبة، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصدفت الشياطين} وإن شئت فقل فُتِّحت، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وضبطها بعض المحدثين بالتشديد للمبالغة وغُلِّقت أبواب النار، وفي لفظ: {النيران} وصفدت الشياطين، فهي لا تؤذي في ذاك الشهر؛ لأن الله عز وجل، أكثر من التوبة على عباده، وجعله موسماً للخيرات، ولقبول الأعمال، وللتوبة ورفع الدرجات وتقديم الحسنات، فطوبى لمن أدركه رمضان وأحسن فيه، وطوبى لمن أرضى الرحمن في شهر رمضان، ويا سبحان الله! كم هي فرحته وفوزه يوم يختم الشهر فيعتقه الله فيمن عتق.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم     في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً     قد شبت في الرق فاعتقنا من النار

    عظم منزلة الصوم

    في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه -وفي رواية وشهوته- من أجلي، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصيامه، ولخلوف فم الصائم -بضم الخاء المعجمة- أطيب عند الله من ريح المسك، فإذا كان أحدكم صائماً فإن سابه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وفي لفظ في الصحيحين قال: {كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي} وهو سر بين العبد وربه، وإلا فمن يراك إذا اختفيت بين الجدران وتسترت بالحيطان وغبت عن العيان إلا الله الواحد الديان! بإمكانك أن تأكل في عقر بيتك وفي قعر منزلك ولا تراك عيون الناس، ولا تنظر إليك أبصارهم، لكن الذي خلقك يراك في الظلام.

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة     والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    فهو سرٌ بينك وبين الله، لا يطلع عليك فيه إلا هو، الصلاة تصليها بمشهد، والزكاة تزكيها بمشهد، والحج تحجه بمشهد، ولكن الصيام سر، قد يختفي العبد فيأكل ويشرب، ويعود متظاهراً بالصيام، لكن من الذي علم أنه صام إلا الله.

    والخلوف كريح المسك عند الله، ولذلك رأى بعض الشافعية ألا يتسوك الصائم؛ لأنه يغير الخلوف، ولكن الخلوف من المعدة وليس من الفم، والسواك لا يزيدك إلا طيباً، ولكن لعظيم أجرك عند الله جعل مخلفات جوعك أطيب عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من ريح المسك، فدم الشهيد وخلوف فم الصائم سيان يفوح منهما يوم القيامة رائحة المسك، فما أحسن هذا الجزاء! وما أطيب أفواه الصائمين!

    وكان عليه الصلاة والسلام في رمضان يقوم الليل كغيره من الليالي، ولكن يجتهد في رمضان؛ فإنه شهر القيام والصيام، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: {من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} فقوله: إيماناً أخرج به من لم يصمه إيماناً، ولم يقر بصيامه، وإنما صامه هكذا عادة، واحتساباً: أخرج به من صامه رياءً وسمعة، فمن صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.

    قيام النبي صلى الله عليه وسلم ليالي رمضان

    كان صلى الله عليه وسلم إذا أجنه الليل في ليالي رمضان قام متبتلاً لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وما أعظم قيام الليل! وخاصة في رمضان، وما أحسن السجدات! وبالخصوص في رمضان، وما أحسن الوضوء والتبتل والدعاء والبكاء! وبالخصوص في ليالي رمضان.

    قلت لليل هل بجوفك سرٌ     عامرٌ بالحديث والأسرار

    قال لم ألق في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسحار

    وقيام الليل لما تركته الأمة الإسلامية -إلا من رحم الله- ذبل في صدورها غصن الإيمان، وضعف اليقين، وعاش الجيل، لكنه لم يعش بمثل ذاك الجيل الذي عاش مع الرسول صلى الله عليه وسلم، جيلٌ فيه برود، وتهاون وتكاسل إلا من رحم ربك وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] فلما علم ذلك كان يمضي صلى الله عليه وسلم ليالي رمضان متهجداً لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].

    فكما قمت في الليل فسوف تقوم يوم القيامة، وموقفك وقيامك في الليل أشبه شيء بموقفك عند الله يوم تقوم شافعاً مشفعاً بإذن الله، يوم يتخلى الأنبياء عن الشفاعة، وتأتي أنت تشفع:

    واستشفع الناس بأهل العزم في     إراحة العباد من ذي الموقف

    وليس فيهم من رسول نالها     حتى يقول المصطفى أنا لها

    فمقامك يوم قمت في الدنيا بالقرآن، أن تقوم يوم القيامة على ملأ بين يدي الرحمن سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].

    وعجيب الليل وخاصة في رمضان، والذي ينبغي للمسلم الذي يريد أن ينصح نفسه أن يكثر من تلاوة القرآن ويكثر من صلاة الليل، فإن هذا الشهر شهر تجديد للروح، وفرصة ثمينة لا تتعوض أبد الدهر، وشهر توبة وعتق من النار، وخيبة وندامة وهلاك وبوار لمن أدركه رمضان ولم يتب من المعاصي والخسران، ولم يعتقه الله من النيران.

    وكان عليه الصلاة والسلام كما جاء عند مسلم عن عائشة {لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة} ولكن الركعة الواحدة تساوي آلاف الركعات من ركعات كثير من الناس، يقف في الركعة الواحدة أمداً طويلاً، فيناجي ربه، ويتدبر كلام مولاه، ويحيي روحه بتدبر القرآن، يبكي ويتباكى ويناجي ويسجد ويركع طويلاً، فتصبح الركعة حسنة جداً ما أحسن منها، والله يقول: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] ولم يقل أكثر عملاً.

    لذلك كان التجويد في التراويح والقيام أحسن من التكثير بلا جودة، وكان الكيف أحسن من الكمِّ حتى بالتلاوة، فلا يهذرم القرآن، ولا يهذُّ هذَّا، ولا يحدر حدراً شديداً فتضيع معانيه وحروفه على حساب الختم، فإن المقصود هو التدبر والمعايشة للمعاني، فإن من الناس من يختم القرآن في رمضان مرة، ولكن يا لها من ختمة ما أحسنها وأجودها! وما أجلها وأعظمها! شافا أمراض نفسه بكلام الله، وداوى جراحات قلبه بكلام مولاه، فكان للقرآن أثر في قراءته.

    وأناس يقرءون فيختمون كثيراً، لكن مقصودهم الأجر فهم مأجورون، لكن غذاء الروح، ومدد اليقين وماء الإيمان لا يحصل إلا بالتدبر ومعايشة القرآن.

    1.   

    من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصوم

    كان له صلى الله عليه وسلم سنن كثيرة في صيامه ولكن نذكر أهم معالمها:

    تعجيل الفطر وتأخير السحور

    كان عليه الصلاة والسلام في رمضان يعجل الإفطار، ويقول: {أحب العباد إلى الله أعجلهم فطراً} والفطر هنا إذا غربت الشمس، كما في حديث عمر الصحيح {إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم} لأن اليهود كانوا يؤخرون الفطر، فعجل صلى الله عليه وسلم الإفطار، بشرط أن تغرب الشمس وأن يذهب النهار، وأن يأتي الليل، وكان يفطر صلى الله عليه وسلم على رطب، كما في حديث أنس عند أبي داود والترمذي بسند حسن، قال: {كان صلى الله عليه وسلم يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تميرات، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء} عليه الصلاة والسلام.

    وعند أبي داود والترمذي من حديث سلمان بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ليفطر أحدكم على تمر، فإن لم يجد فليشرب ماءً فإنه طهور} والعجيب أن في الرطب والتمر سرٌ عجيب للصائم، أورد ذلك ابن القيم، فإن البطن إذا جاع كان أحلى شيء يوافق المعدة التمر، فهو حلو يوافق الجوع، فسبحان الله من علمه وهداه -صلى الله عليه وسلم- سواء السبيل، فكان طبيباً للأبدان، وطبيباً للقلوب يقودها إلى الله تبارك وتعالى.

    وكان عليه الصلاة والسلام يؤخر السحور، بشرط ألا يصبح عليه الصباح، فيقول عليه الصلاة والسلام: {تسحروا فإن في السحور بركة} وبركة السحور تأتي بأمور ثلاثة:

    أولاً: أنه إحياء لهذه السنة العامرة من الرسول عليه الصلاة والسلام، فبركة السنة لا يعادلها شيء، وكثيرٌ من الناس قد يترك طعام السحور، وقد خالف في ذلك السنة ولو أن صومه صحيح، فالسنة أن تقوم فتتسحر بما يسر الله، ليبارك الله في قيامك وصيامك.

    ثانياً: أنها ساعة ينـزل الله فيها إلى سماء الدنيا فيقول: {هل من سائل فأستجيب له، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له} فإذا رآك الله وأنت متسحر ذاكرٌ له، مستغفر منيب تائب، غفر لك سبحانه، وقبل دعاءك وأجاب سؤالك، وتاب عليك فيمن تاب، وأعتق رقبتك من النار، فهنيئاً لك بتلك الجلسة الإيمانية، فمقصودها وسرها الثاني أن تكون مستغفراً في السحر، فما أحسن السحر! وما أطيب السحر!

    قام طاوس بن كيسان العلامة الكبير الزاهد العابد يزور أخاً له وقت السحر، فطرق عليه الباب، فقال له صديقه: أتأتيني في هذا الوقت، أيزار في هذا الوقت؟ فقال طاوس: والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن أحداً ينام في السحر، أي: من المسلمين.

    فانظر إليه من كثرة عبادته واتصاله بالله يستغرب أن ينام أحدٌ من الناس في السحر.

    ثالثاً: أنه يعينك بإذن الله على الصيام في النهار، ويسكن حالك وأنت تتلذذ بنعمة الله، وتتناول طعام سحورك، كأنك تقول: يا رب هذا الطعام الذي خلقته ورزقته أتقوى به على طاعتك، وهو من أنواع الشكر على النعمة، وما أحسن الطعام إذا نوى به العبد التقوي على عبادة الواحد الأحد.

    الإكثار من الذكر

    كان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان: أن يكثر من الذكر والتبتل والاستغفار والمناجاة والدعاء، فإنها حياة القلوب.

    كان يواصل الصيام وينهى الصحابة عن الوصال، فيواصلون ويقولون: يا رسول الله إنك تواصل، أي: مواصلة الليل بالنهار، قال: {إني لست كهيئتكم} وفي رواية: {لست بمثلكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين} وفي رواية: {إن ربي يطعمني ويسقين}.

    أورد هذه الروايات ابن القيم في زاد المعاد بألفاظها، قال: واختلف أهل العلم على قسمين: قوم يقولون: إنه طعام حسي وماء معروف يسقى به عليه الصلاة والسلام ويأكل، وليس هذا بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لما كان صائماً عليه الصلاة والسلام، ولو كان كذلك لما قال: {إني لست كهيئتكم} ولو كان كذلك لما كان له ميزة عليه الصلاة والسلام عليهم في الوصال.

    والصحيح أنه يطعم ويسقى بالمعارف التي تفاض على قلبه من الواحد الأحد، من لذة المناجاة، وحسن الذكر، وعذوبة دعائه لمولاه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وبما يغدق على روحه، ويسدل على قلبه من ذكر ودعاء وتبتل يشبع ويروي، ولذلك ترى بعض الناس إذا سروا بأمر تركوا الطعام والشراب، وإذا سروا بأمر نزلت دموع الفرحة من خدودهم.

    طفح السرور علي حتى إنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

    فبعض الناس لولهه ولكثرة سروره وفرحه يستعيض به عن الطعام، حتى قال الأول وهو يتحدث عن لذة قلبه بقدوم قادم، أو بكلام حبيب، أو بمناجاة صاحب:

    لها أحاديث من ذكراك تشغلها     عن الطعام وتلهيها عن الزاد

    لها بوجهك نورٌ يستضاء به     ومن حديثك في أعقابها حاد

    إذا تشكت كلال السير أسعفها     شوق القدوم فتحيا عند ميعادي

    فكأنه عليه الصلاة والسلام لفرحه بعبودية ربه كان من أسر الناس قلباً، ومن أشرحهم صدراً، يستعيض عن كثرة الطعام والشراب بهذا، ولذلك يقول الأندلسي أبو إسحاق الألبيري لابنه في قصيدته الرائعة المبكية الحارة التي توجه إلى كل شاب، وهي من أحسن القصائد والوصايا، يقول:

    فقوت الروح أرواح المعاني     وليس بأن طعمت ولا شربتا

    يقول: قوت القلب، وغذاء الروح هي جواهر المعاني من الآيات والأحاديث، وليس بأن تأكل وتشرب؛ لأن هذا للجسم، يقول:

    تفت فؤادك الأيام فتا     وتنحت جسمك الساعات نحتا

    وتدعوك المنون دعاء صدق     ألا يا صاح أنت أريد أنتا

    إلى أن يقول:

    فواظبه وخذ بالجد عنه     فإن أعطاكه الله انتفعتا

    فقوت الروح أرواح المعاني      وليس بأن طعمت ولا شربتا

    فكان عليه الصلاة والسلام يتغذى بالذكر والتهليل والتكبير والتسبيح والاستغفار، وبكثرة المناجاة، والدعاء، فأدعوكم -أيها الأخيار والأبرار- إلى استغلال هذا الشهر في كثرة الذكر.

    وننبه على الظاهرة التي نسأل الله أن يجعل مكانها خيراً ومبرةً ورحمة، ظاهرة استغلال النهار في النوم؛ فإنها وجدت عند الصالحين بكثرة، فتجد الصالح من الصائمين يقضي ساعات يومه في النوم، فما كأنه وجد للجوع حرارة، ولا للظمأ مشقة، ولا وجد لمعاناة العبادة كلفة.

    فأي حياة هذه الحياة في رمضان، إذا نام من الصباح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى الغروب، فما هو مفهوم الصيام إذاً في حقه، ثم أمضى الليل في السهر، وظاهرة تغيير برنامج المسلم في رمضان ليست بمحمودة، بل على المسلم أن يكون على وتيرته، وما هو الداعي إلى أن يغير وقته لهذا الوقت، فيجعل وقت المناجاة والذكر وحرارة الجوع، ومشقة الظمأ رقاداً ونعاساً ونوماً، فأين معنى الصيام؟!

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فأعظم مقاصد الصيام التقوى، والتقوى تحصل بأن تعيش ساعات ودقائق الصيام لتتعامل معه، فما الفرق بين المفطر الذي ينام النهار كله، وبين الصائم الذي ينام النهار كله.

    فوائد الصيام

    فوائد الصيام كثيرة، ويمكن أن نجمل بعضها، ولكن أعظمها تقوى الله عز وجل، فإنه ختم الآية فقال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ولم يقل: (لعلكم تعقلون) أو (لعلكم تذكرون) وإنما (تتقون) فالصيام سبب للتقوى لأنه:

    أولاً: يكسر قلبك عن المعاصي، ويرد جماح روحك عن الذنوب، ويأخذ بزمام نفسك عن الخطايا والمخالفات.

    ولذلك لما دعا صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الزواج كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} فجعل صلى الله عليه وسلم الصوم يقوم مقام الزواج في أنه يكسر النفس ويردها.

    ثانياً: أنه يفرغ الأوقات للعبادة، فإن الوجبات قد تأخذ كثيراً من أوقات العباد، وهل أخذ أوقاتنا وضيع ساعاتنا إلا كثرة الأكل والشرب، إننا نجلس في شرب الشاي والمرطبات ساعات طويلة تكفي مثل ابن تيمية وابن القيم إلى أن يؤلف رسائل في خدمة الإسلام، وكتباً في رفع راية هذا الدين.

    ولذلك يقولون: إن ابن تيمية ألف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وقررت في الكليات سنة كاملة، وما فهمها كثير من الطلاب، بل رسبوا في التدمرية؛ لأنها تدمر كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.

    فهذا الوقت يمكن أن يستغل في مرضاة الله عز وجل، وفي تلاوة كتابه والاستغفار وقد ذكر ذلك الغزالي في الإحياء وغيره من أهل العلم.

    ومن فوائد الصيام: أن فيه حياة للقلب، فإن القلب قد يموت بكثرة المباحات من مأكولات ومشروبات ومسكونات وملبوسات، فكلما أكثرت على القلب من هذه الأمور قتلته وأماتته، وبعض الناس يظن أن حياة القلب أن تكثر من الأكل والشرب، وهذا ليس بصحيح، فالروح إنما هي نفخة من الله، فكلما أقللت من علائقها من الأرض والتراب، كلما هاجرت إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ومن فوائد الصيام: أنه يذكرك بالأكباد الظمأى وبالبطون الجائعة من الفقراء والمساكين، فيجعلك تعيش آلامهم وآمالهم، وتعيش ما يعيشونه، وتذوق ما يذوقونه، وتحيا ما يحيونه، فتعيش تلك الساعات المريرة التي يعيشونها، ولم يفرض شهر رمضان ليظن أهل اللحم الذين يأكلون اللحم دائماً، ويشربون البارد دائماً، أن الناس ليسوا في مشقة، ولا يحتاجون إلى مساعدة، ولا إلى مد يد العون فعلمهم الله أنهم كما يصومون ويجوعون ويظمأون، أن هناك من يصوم الدهر كل الدهر جائعاً، ومن يصوم الدهر كل الدهر ظامئا، ومن يجد المشقة ليلاً ونهاراً.

    الاعتكاف

    كان من هديه عليه الصلاة والسلام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.

    والاعتكاف: لزوم مسجدٍ لطاعة الله عز وجل، فيحيي قلبه بالذكر والتلاوة، ويقطع مشاغله وارتباطاته بالناس، ويحيا مع الله عز وجل، فيفرغ القلب لمولاه، ويكثر من دعاء ربه تبارك وتعالى، ويحيي قلبه بالآيات البينات.

    والاعتكاف سنة من أحسن السنن وقد عطل إلا من بعض الأشخاص، وهو أحسن ما يمكن أن يربى به القلب، يوم تتفرغ من الناس، ومن كلامهم، والاتصال بهم، لتتصل برب الناس وملكهم وإلههم، وهل ثَم أحسن من هذا؟

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يبشر به الأمة الإسلامية الخالدة، أمة لا إله إلا الله، وفي بعض الآثار: { أن الله عز وجل يعتق في كل ليلة من ليالي رمضان مائة ألف، وأما في آخر ليلة فيعتق بقدر ما أعتق في كل ليلة مرت}.

    فهل بعد هذا من بشرى للأمة؟ إنها مبشرات وليست بشرى واحدة، وإنها مكرمات وليست مكرمة واحدة، وإنها أعطيات وليست أعطية واحدة، وكان عليه الصلاة والسلام في رمضان يقوم الليل -كم أسلفت- وربما قام الناس معه جماعة، وربما ترك عليه الصلاة والسلام الجماعة وصلى وحده، ولذلك أتى عمر فجمع الناس في صلاة التراويح.

    1.   

    الصحابة في رمضان

    والعجيب أن الصيام من أعظم ما يربي العبد على الصبر، ومن أعظم ما يقود روحه إلى مولاه تبارك وتعالى، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) وما معنى في سبيل الله كما قال أهل العلم أي: الغزو في سبيل الله، ومقاتلة الأعداء، بأن تصوم وأنت مقاتل، فقولوا لي بالله -يا أيها الجيل، يا أيها الأخيار- من منا أكثر من الصيام وهو ليس في سبيل الله، بل تحت الظل، ومع الماء البارد، وتحت المشهيات، ومع كل ما لذ وطاب؟!

    صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يصومون والقنا على رءوسهم، والسيوف تتحاك على آذانهم، والرماح تتشاجر بين وجوههم، ومع ذلك يصومون.

    روى ابن كثير وغيره عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، أنه لما حضر معركة مؤتة كان صائماً، وكان هو القائد الثالث، فلما قتل القائدان الاثنان زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، دعي إلى أخذ الراية رضي الله عنه وأرضاه، وقد سبق له قبل سنوات أن بايع في صك، أتى من رب العالمين، كما يقول ابن القيم - أملاه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ووقع عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن السلعة الجنة، وعلى أن الثمن أرواح المؤمنين، فكان ابن رواحة من المبايعين.

    يوم قال للرسول عليه الصلاة والسلام يوم بيعة العقبة: (يا رسول الله ماذا تريد منا؟ قال: أن تحموني مما تحموا منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم، فقال: ما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، فلم يكن لـابن رواحة الحق أن يقيل أو يستقيل.

    حضر في مؤتة وهو صائم، ودعي والشمس تميل إلى الغروب، وتأذن بالأفول، وهو جائع، وهو في شدة الحر والسيوف أمامه، والقتلى حوله، فقال: اتوني بعرق لعلي أشد به جوعتي، فأتوا له بقطعة من اللحم وهو صائم على فرسه، فنظر إلى الشمس، حتى في هذه الساعة الحرجة، والأرواح تتطاير، والنفوس تسافر، واللحوم تتمزق، والرءوس تضرب في الأرض يتحرى غروب الشمس.

    قال: أغربت؟ قالوا: نعم غربت، فأخذ لقمة وقال: باسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فأتى يأكلها، وقد دعي ليقود المعركة، وليدف دفة المعركة، وليدير كئوس الموت على رءوس الأعداء، فأكل مضغة فما وجد لها مذاقاً، فقد ذهب طعم الطعام، وذهبت لذة الشراب، وذهبت بقية الحياة، ما أصبح للطعام لذة، وما أصبح للشراب معنى، وكيف يكون له معنى وقد قتل زيد وجعفر والأحباب والأخيار وأصبحت الخيول تدوسهم بالسنابك، فلفظها من فمه، وأخذ جفنة السيف فكسرها على ركبته، وقال وهو ينشد نشيد المعركة، وأغنية الفداء، وأنشودة التضحية:

    أقسمت يا نفس لتنزلنه

    لتنزلن أو لتكرهنه

    إن أقبل الناس وشدوا الرنة

    مالي أراك تكرهين الجنة

    هل أنت إلا نطفة في شنة

    ثم خاض غمار المعركة، وما تم الغروب إلا وهو في روضة من رياض الجنة يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] رضي الله عنكم يا من رفعتم راية الإسلام على الجوع، ورضي الله عنكم يا من بذلتم الجهد والمشقة وأنتم جوعى في سبيل الله.

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمـ     ـك فوق هامات النجوم منارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما     صرنا على موج البحار بحارا

    أرواحنا يا رب فوق أكفنا     نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

    وفي الصحيح من حديث أبي الدرداء قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كنا في أشد الحر، فكان الواحد منا يتقي حر الشمس بكفه، وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن رواحة، فانظر إليه في السفر وفي القتال كيف يصوم، كيف يتربى؟ وحياة -والله- ليس فيها صيام ولا تدبر للقرآن ليست بحياة الآدميين، بل حياة البهائم.

    ولذلك ذكروا في ترجمة روح بن زنباع -وهو أمير أموي- أنه مر بالصحراء معتمراً، وكانت له سفرة كبيرة فيها لحوم وفواكه وخضراوات ومشروبات، فمر بأعرابي وهو يرعى غنمه، فقال له روح بن زنباع: تعال أيها الأعرابي كل معي من الغداء.

    فقال الأعرابي: لقد دعاني من هو أكرم منك إلى مأدبته.

    قال: ومن هذا؟

    قال: الله رب العالمين، قال: بماذا؟

    قال: أنا صمت وسوف أفطر له.

    قال روح: أفطر اليوم وصم غداً.

    فقال الأعرابي: وهل تضمن لي أيامي يا أيها الأمير؟

    فبكى الأمير، وقال: حفظت أيامك وضيعنا أيامنا.

    فإن العبادة كل العبادة أن تكون في سبيل الله عز وجل، وأن تكون لوجهه، وأن تجد المشقة في سبيله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، حينها لا تجد للتعب في نفسك كلفة، ولا تجد للجوع ولا للظمأ مشقة.

    إن كان سَرَّكم ما قال حاسدنا     فما لجرح إذا أرضاكم ألم

    عاش الصحابة وعاش السلف الصالح دقائق رمضان توجهاً وجهاداً وخدمة في سبيل الله، ولذلك كانت أعظم معارك الإسلام وأعظم انتصارات المسلمين في رمضان، فإن بدراً وفتح مكة وحطين وعين جالوت كلها كانت في رمضان.

    فلقد كانت الانتصارات الرائعة في هذا الشهر الذي نزل القرآن فيه ليحيي به الأمة الميتة التي ما عرفت إلا التقاتل على موارد الشياه والإبل والبقر، الأمة التي ما عرفت الحضارة ولا الثقافة، وبقيت في الجهل آلاف السنوات، نزل القرآن ليقول لها: استفيقي وانظري إلى السماء، أنقذي البشرية بلا إله إلا الله، وهذه الأمة لا يردها إلى الله إلا القرآن ورمضان، ولا تُقبل على الله إلا برمضان والقرآن.

    فيا أيها الأخيار! ويا من شابت لحيته في الإسلام! هذا شهرك -وكأنه الأخير- فاجعله خاتمة مطافك مع الله، ويا أيها الشاب الذي أقبل تائباً إلى الله! هذا شهرك شهر التوبة والإقبال فاغتنمه في التقرب إلى الله، ويا أيها المسيء الذي أكثر من العصيان! اليوم فرصتك الذهبية، ويومك الثمين، وعيد ميلادك يوم أن تلد في التوبة ميلاداً ثانياً؛ لأن الكافر يموت مرتين، والمؤمن يحيا مرتين.

    أما الكافر فيموت أول مرة يوم أن تموت روحه عن لا إله إلا الله، وتموت نفسه عن مبادئ لا إله إلا الله، ويموت ضميره عن ضوء لا إله إلا الله، ويموت مرة أخرى يوم تخرج روحه.

    والمؤمن يولد مرتين، ويحيا حياتين: الحياة الأولى: يوم أن تأتي بك أمك فتقع على الأرض وأنت على الفطرة، والحياة الثانية: يوم أن تحيا بالإسلام، ويوم أن يتوب الله عليك، فإن كثيراً من الناس أحياء وليسوا بأحياء، يأكلون ويشربون ولكنهم ليسوا بأحياء، لأن الحياة أن يسافر قلبك إلى الله، وتعيش مع الله، وتقضي عمرك في عبادة الله أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سروراً

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

    أقول ما تسمعون، وأسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها، وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم، وأن يجعلنا ممن مَنَّ عليهم بالتوبة، وممن جعلهم من ورَّاث الجنة، وممن تاب عنهم في هذا الشهر، وممن ختم لهم بالحسنى، وممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    نصائح للنساء

    السؤال: ما تنصح به النساء بمناسبة قدوم هذا الشهر الكريم، نظراً لوجود نساء في هذه المحاضرة؟

    الجواب: صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أمامة أنه قال: {إن المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها} فإذا عرفت المرأة المسلمة هذه المبادئ وهذه الأمور في هذا الحديث فصلت الخمس الصلوات وأحسنتها ظاهراً وباطناً، وصامت هذا الشهر الفضيل وأطاعت زوجها، جعلها الله عز وجل من وراث الجنة، وانظر ما أحسن الكلام يوم قال لها ثلاث وصايا؛ لأنها كثيرة الحمل والولادة، والحيض، والمشاغل، وتربية الأبناء، والمزاولة في البيت، فلم يذكر لها نوافل، وإنما جعل نوافلها تلك الأعمال، واقتصر على هذه الفرائض.

    فالذي أنصح به المرأة المسلمة: أولاً: بتقوى الله عز وجل، وهي نصيحة لنا جميعاً.

    ثانياً: أن تحتسب صيام هذا الشهر على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن تتقرب إليه بما استطاعت من ذكر وعمل صالح وصدقة، وأن تطيع زوجها في رمضان وفي غير رمضان، ليرضى الله سبحانه وتعالى عنها.

    ثالثاً: أن تسأل عن أمور دينها وتتفقه فيه، فإن لها مسائل خاصة كالحيض والولادة والحمل، لا بد أن تعرفها، فإن الحامل إذا شق عليها الحمل وخافت على نفسها أفطرت وقضت، وإذا خافت على ولدها أفطرت وقضت، ومع القضاء تطعم عن كل يوم مسكيناً.

    والحائض لا يجوز لها أن تصوم، والصلاة عليها محرمة، ولكنها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، والنفساء كذلك تأخذ حكم الحائض، إذا علمت ذلك، فلتعلم ولتتفقه ولتسأل عن كل ما يخصها، فقد سهل الله العلم والعلماء والتفقه في الدين، ولها إن رأت ذلك هو الأصلح لقلبها والأخشى والأخشع أن تحضر صلاة التراويح مع الناس، إذا كانت هناك دروس علمية ومحاضرات، وكان يرق قلبها وتعلم من نفسها أنه أتقى لمولاها، فلتحضر وتصلي مع الناس متسترة لا تتطيب، ولا تلبس ثياب الزينة، ولا تأخذ البخور، وهذه الأعواد والروائح الجميلة بل تتركها؛ لأنها لزوجها في البيت.

    أما في مسيرها من بيتها، فلتتق الله، ولتأخذ ثياباً مبتذلة ولتصلِّ فيها، فإن علمت أن الأخشى والأخشع لها هو بيتها فلتتق الله، ولتصلِّ في بيتها، لئلا تفتن المسلمين، ولئلا تتعرض لغضب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    نصيحة لمن لا يستطيع أن يقرأ القرآن من الأميين

    السؤال: بماذا تنصح كبار السن المستمعين إليك والذين لا يعرفون القراءة في رمضان، حيث إنهم يقضون أغلب رمضان في النوم وضياع الوقت لعدم قدرتهم على قراءة القرآن في رمضان؟

    الجواب: سبحان من جعل أبواب الجنة ثمانية، ليدخل القارئ من باب، والصائم من باب، والمجاهد من باب، والمتصدق من باب إلى آخر تلك الأبواب، فالكبار في السن، والذين شابوا في الإسلام هنيئاً لهم، فإن الله يستحي أن يعذب من شاب شيبة في الإسلام، والشيب لهم وقار، فعليهم أن يوقروا الله عز وجل في رمضان وفي غير رمضان، ونصيحتي لمن لم يستطع قراءة القرآن بكثرة التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد.

    ولذلك ورد عند الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه وأرضاه، أنه أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو شيخ كبير، فقال: {يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فماذا تنصحني به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} فأنصح هؤلاء الذين فنيت أجسامهم في الطاعة، وشابت رءوسهم واحدودبوا من الكبر، وما استطاعوا قراءة القرآن والصلاة بكثرة الذكر.

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: {لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس} وعند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {سيروا هذا جمدان -جبل بين المدينة ومكة - سبق المفرّدون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات}.

    فأنصحك أيها الشيخ الكبير أن تكثر من التسبيح والتهليل والاستغفار، والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكثرة الدعاء، وإن استطعت فالصلاة تنفل؛ لأنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة.

    ضياع الأوقات عند التلفاز

    السؤال: يكثر مشاهدة برامج التلفاز في رمضان وغيره، فنستفتيك حفظك الله أن تبين لنا ما هو الحلال وما هو الحرام في التلفاز؟ وهل الأفلام المتحركة لها أثر على الأطفال؟ مع أن فيها تسلية لهم، أفتونا جزاكم الله خيرا؟

    الجواب: المسلم مطالب بحفظ وقته وقلبه ونظره وكل جارحة فيه، والله عز وجل لا يزيل قدمي عبد يوم القيامة حتى يسأله عن أربع، عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه، هذه الساعات الثمينة وهذا الليل والنهار الذي امتن الله به في القرآن، فقال: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:61-62] أتظن أن كل هذا يذهب سدىً؟!

    أتظن أن هذا الليل والنهار ليس بنعمة عليك، بل هو من أفضل النعم، ولا تستثمر الصالحات ولا ترفع الدرجات إلا في الأوقات، والله يقول: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] وعند البخاري من حديث ابن عباس في الرقاق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ} تجد العبد صحيح الجسم قوي البنية متكامل الأعضاء، وهو عاطل باطل كسول، ليس عنده تحرك ولا همة ولا نشاط، فيخسر وقته وعمره، إذا علم ذلك فأعظم ما نخسره الأوقات إذا ذهبت في غير طاعة الله.

    أشاب الصغير وأفنى الكبير     كر الغداة ومر العشي

    إذا ليلة هَرَّمت يومها     أتى بعد ذلك يوم فتي

    نروح ونغدوا لحاجاتنا     وحاجة من عاش لا تنقضي

    تموت مع المرء حاجاته     وتبقى له حاجة ما بقي

    وقال آخر:

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثوانِ

    ومما يحفظ أيضاً: البصر، فإنه يحفظ من المطالعة في أي محرم، سواء كان في هذه الآلة المذكورة أو في غيرها، وسوف يسأل الله العبد عن بصره وسمعه ويده ورجله وفرجه، وكل عضو فيه يوم القيامة؛ لأنها نعمة فهل صرفها في الطاعة أم في المعصية، أما القضايا التفصيلية والجزئية، فكل ما كان خبيثاً لا يجوز، وكل ما كان طيباً فهو المطلوب، لكن أي خبيث هذا وأي طيب ذاك، إنها مسائل جزئية تفصيلية، ليس هذا مجال بسطها، لكن مجال بسطها رسائل أهل العلم، وقد تكلموا فيها بما يشفي ويكفي، وهي رسائل موجودة بين أوساط الشباب.

    انقطاع دم الولادة قبل الأربعين

    السؤال: المرأة التي وضعت الحمل، وانقطع الدم قبل الأربعين، فهل تصوم وتصلي أم تنتظر حتى تنتهي الأربعين يوماً؟

    الجواب: ورد في حديث لـأم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: {كانت النفساء تمكث على عهده صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً} هذا حديث في السنن، لكن سنده ليس بذاك وهو ضعيف عند أهل العلم، إذا علم ذلك فالصحيح عند المحققين من أهل العلم، أن المرأة النفساء إذا ولدت وانقطع دمها ولو في يوم فتغتسل وتصوم وتصلي.

    وقال بعض الحنابلة: ولا يأتيها زوجها، بل يأتيها زوجها؛ لأن ابن عباس قال الصلاة أعظم، فما دام أنها إذا اغتسلت وانقطع الدم، تصلي وتصوم فيجوز لزوجها أن يأتيها، فلا عبرة بتحديد أربعين يوماً، بل الصحيح ألا يحدد زمن للولادة فقد ينقطع الدم في يوم أو يومين أو ثلاثة أو غير ذلك، فإذا انقطع الدم فعليها أن تغتسل وتصوم وتصلي ولا تنتظر الأربعين يوماً.

    نصيحة لمن لا يعبد الله إلا في رمضان

    السؤال: هناك كثير من الناس لا يعرف الصلاة والأعمال الصالحة إلا في شهر رمضان، وكأنهم يرون أن العبادة في شهر رمضان فقط، فما هي نصيحتك لهم جزاك الله خيراً؟

    الجواب: وجد في أوساط الناس لجهلهم وعدم فقههم وقلة خبرتهم بالكتاب والسنة من يعمل أعمالاً كأنهم يخادعون الله بها، يتركون الصلوات بقية الأسبوع فإذا جاء يوم الجمعة تطيب واغتسل، وتسوك بالسواك وأتى في الصف الأول يقرأ سورة الكهف، ظاناً أن هذا اليوم يكفر له سائر الأيام؛ لأن هناك حديث يقول: {والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهما} لكن في الحديث {إذا اجتنبت الكبائر}.

    ومن أعظم الكبائر ترك الصلاة في جماعة، أو ترك الصلاة بالكلية، فأي فقه هذا؟! ومن الناس من يسيء في السنة كلها، فإذا أتى رمضان أتى عبداً صالحاً، ودخل في رمضان بنسك وعبادة، وتحرى صلاة التراويح مع الناس، حتى إن بعضهم لا يصلي صلاة الجماعة مع المسلمين في المساجد، ويحرص على صلاة التراويح، والتراويح نافلة، وصلاة الجماعة يقول ابن تيمية فيها: شرط في صحة الصلاة، كما نقل ذلك عنه صاحب السلسبيل وقال غيره: واجب من الواجبات التي لا يعذر الإنسان بتركها إلا بعذر شرعي.

    فانظر لقلة الفقه، يأتي من مسافات بعيدة لصلاة التراويح، ويترك الصلاة الفريضة، وصلاة فريضة واحدة في جماعة أعظم أجراً من صلاة التراويح ثلاثين ليلة، فأي فقه هذا، فأنا أوصي من كان هذا حاله أن يستغفر الله ويتوب إليه، فإن رب رمضان هو رب الأشهر جميعاً سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو يطلع على السر وأخفى.

    وما أعجب العبد إذا خرج منه رمضان، ثم انسلخ من العبودية، وخلع جلباب الوقار، وترك الإقبال على الله عز وجل، وصار في حالته الأولى، فأي فائدة للصيام؟ وأي مصلحة في القيام؟! وما هي آثار رمضان عليه؟!

    حكم من صام في بلد وسافر إلى بلد آخر

    السؤال: ما حكم من ثبت في بلده دخول شهر رمضان، فصام ثم سافر إلى إحدى البلدان الغربية فوجدهم لم يصوموا بعد؛ لأنهم لم يثبت عندهم دخول شهر رمضان، فهل يعمل بصيامهم أم بصيام البلد الذي وصل إليه، وإذا أتم الشهر هناك، فهل يعيد معهم؟ وإذا لم يصم إلا ثمان وعشرين يوماً فهل يقضي يوماً؟

    الجواب: هذا السؤال فيه مسائل، وهي تبنى على أمور، منها: هل للناس رؤية واحدة ومطلع واحد، أم يصومون ويفطرون باختلاف المطالع، والصحيح أن لهم أن يصوموا باختلاف المطالع وباختلاف الرؤيا، لحديث مسلم عن كريب، أنه صام في الشام عند معاوية فرأوا الهلال يوم الجمعة، فقدم على ابن عباس، فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قال: رأيناه ليلة الجمعة، قال: فنحن لا نصوم حتى نراه أو نكمل عدة رمضان، فإنا ما رأيناه إلا يوم السبت.

    فمن صام في بلد وسافر إلى آخر، فعليه أن يصوم بصيام ذاك البلد ويفطر مع أهل ذاك البلد؛ لأنه ورد في حديث صححه الترمذي، وضعفه بعض أهل العلم: {الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس} فالمسلم إذا وجد في بلد لا يتعجل الفطر، بل يبقى حتى يفطر مع الناس في ذلك البلد.

    أما أن يكون ثمان وعشرين، فصورتها أن يتقدم الشهر في البلد الذي يسافر إليه، ويتأخر في بلده، فنقص عليه يوم، ثم سافر إلى ذاك البلد، فأتى عليه ثمان وعشرين.

    والذي أعرفه أن الشهر لا بد أن يكون تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً.

    يقول صلى لله عليه وسلم: {إنا أُمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا} أي: تسعة وعشرون يوماً، ثلاثون يوماً، أما ثمانية وعشرون فلم يكن الشهر ثمانية وعشرين، وقد ثبت أن الناس صاموا رمضان في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، لكنهم قضوا يوماً عنه، فالشهر لا بد أن يكون تسعة وعشرين، فعلى من صام ثمانية وعشرين يوماً أن يصوم يوماً، لكن لم أدر كيف الكيفية، هل له أن يفطر مع أهل أولئك البلد، ثم يقضي يوماً مكان ذاك اليوم، أو عليه أن يؤخر الفطر، ثم يكمل تسعة وعشرين يوماً ثم يفطر، هذه تحتاج إلى تحقيق، وهي تقبل الاجتهاد؛ لأني لا أعرف فيها نصاً، هذا ما يحضرني في هذه المسألة.

    صوم يوم العيد

    السؤال: هل يجوز صوم يوم العيد؟

    الجواب: أما صوم العيد من حيث هو فقد حرم صلى الله عليه وسلم صوم عيد الفطر وعيد الأضحى.

    الزينة الظاهرة

    السؤال: ما هي الزينة الظاهرة؟ وما حكم خروج طرف الثوب من تحت العباءة الطويلة، ومن غير قصد لإخراجه؟

    الجواب: الزينة الظاهرة هي كما قال تعالى: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31] قال ابن عباس رضي الله عنهما: [[ما ظهر من الثياب]] لكن كل ما يسمى زينة في اللغة، فهو زينة، وربما عذرت المرأة بإخراجها، لكن المقصود عند أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم هو زينة الحلي وزينة اللباس التي لا تلبسها المرأة إلا في البيت؛ لأنها من باب التزين لغير الزوج، وقد نهي عن التزين لغير الزوج أو الخروج بالزينة، أو خروج المرأة متطيبة متعطرة من بيتها فليعلم ذلك.

    وأما خروج الثوب من العباءة فلا بأس به إن شاء الله، إذا كانت المرأة حجبت وجهها ويديها، لكن المقصود في المسألة ألا يكون هناك زينة جميلة، تغري بالنظر، وتثير القلوب، وتأتي بالفتنة، وهي زينة الثياب الجميلة التي لا تلبس إلا للزوج، وأنا قلت في أول الكلمة: عليها أن تلبس ثياباً متبذلة، تخرج بها إلى المصلى ولا تتطيب حتى تعود من المسجد.

    الزكاة

    السؤال: هل في ثلث الميت الذي أوصى به زكاة؟

    الجواب: الميراث إذا حال عليه الحول فيه زكاة، والوصية التي أوصى بها إذا بقيت مع الورثة بأيديهم فإنها تزكى، لكن تصرف إلى الموصى به، فإذا لم تصرف الوصية حتى حال عليها الحول، فيزكيها من هي بيده الذي يسمى الوكيل أو الأمين أو الضمين، وأما إذا صرفت إلى مستحقها فيبدأ حوله منذ أن استلم هذا المال وهذه الوصية، ويبني على أول وصول الوصية إليه، ثم يزكيها على تمام الحول.

    إعانة المجاهدين

    السؤال: أنا شخص ذهبت إلى أفغانستان في الجبهة العربية، ووجدتهم بحاجة للتذكير والتعليم فما رأيك بالزيارة لهم؟

    الجواب: أحسنت بارك الله فيك، ونذكر الإخوان أن المجاهدين الأفغان والمجاهدين المسلمين في فلسطين بحاجة إلى عون، والعون هذا من أعظمه أن تدعو لهم في السر والعلن، وفي أدبار الصلوات بالنصر والتثبيت، ومنه المال، ومن استطاع أن ينفع بعلمه أو بدعوته فليذهب، وأما اقتراحك فمقبول، وإذا كتب الله ويسر فهذا وارد إن شاء الله.

    حال حديث أن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً

    السؤال: كتاب صور من حياة الصحابة يدرس في المرحلة المتوسطة وفيه حديث يقول: إن أبا عبيدة عامر بن الجراح يدخل الجنة وهو يحبـو، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: ربما الوهم منك أو من الأستاذ صاحب صور من حياة الصحابة، فالذي ورد أنه يدخلها حبواً هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، وليس أبا عبيدة عامر بن الجراح، وهذه القصة خطأ موضوعة وكذب، فـعبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، وقضية أنه يدخل الجنة حبواً لا تثبت، وقد ردها ابن تيمية وأنكرها، فالقصة نقلت عن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة، وليست عن أبي عبيدة ولا تصح كما قلت.

    التقليل من النوم في رمضان

    السؤال: أنا شاب أريد أن استفيد من شهر رمضان، فما هو البرنامج الذي تنصحونني به؟ وأيهما أفضل النوم في الليل أم السهر حتى وقت السحور؟

    الجواب: أنت أعرف بقلبك وبما يقربك من الله عز وجل، لكن الذي أنصحك به أن تقلل من النوم، ولا بد من شيء من النوم في رمضان في النهار، كقيلولة أو قبل الظهر، لكن تقلل من النوم، ولا تفعل كما يفعل كثير من الناس الذين ينامون كثيراً من النهار وبعضهم ينام كل النهار ولا يقوم إلا للصلوات، فهذا ما كأنه صام، ولو أن صومه صحيح، لكن أسرار الصوم، ومقاصد الصيام ما وصلت إلى قلبه إلى الآن.

    فأرى أنك إذا صليت مع المسلمين التراويح أن تذهب إلى بيتك فتنام، ثم تقوم وقت السحر، وتأخر السحور حتى ما يكون بينه وبين الفجر إلا شيء قليل، فتقوم فتذكر الله، وتصلي ما كتب الله لك وتتسحر، ثم تصلي مع الجماعة في المسجد، ثم تعود، فتذكر الله عز وجل حتى طلوع الشمس في بيتك أو في المسجد، ثم يكون لك ورد من القرآن ومن الضحى وتكثر منه وإذا لم يكن هناك دراسة منهجية، وإن كان هناك دراسة فتذهب إليها، فإذا عدت فلا بأس بالراحة، إما قبل الظهر وإما بعد الظهر.

    فإذا استيقظت من صلاة العصر فصلها ثم خذ هذا الوقت من العصر إلى الغروب، وقسمه بين تلاوة القرآن بتدبر، وبين ذكر، ودعاء، ومناجاة لله؛ لأنها فرصة لا تتكرر، وللصائم دعوة لا ترد، وهذا قبل إفطاره، فاغتنم الدعاء في مثل هذا الوقت، فإذا أفطرت وصليت المغرب، بقيت مع أهلك في إفطارك، وأنت تحمد الله عز وجل على هذه النعم، ثم تعود إلى برنامجك الأول.

    والمقصود أن تمضي أكثر الساعات في العبادة والذكر وتلاوة القرآن، وأن تجعل للنوم أوقاتاً محددة، وحبذا أن يكون غالبها في الليل لا في النهار.

    وأما قولك: هل تسهر من صلاة التراويح إلى السحر، فإن كان فيه منفعة كأن تصلي أو تقرأ القرآن أو ما أتى لك وقت في النهار، فلا بأس في ذلك، وإلا فالأفيد لك والأنفع أن تنام، وأن تأخذ مكانه من وقت النهار.

    حكم من جامع في نهار رمضان

    السؤال: اثنان أحدهما جامع في نهار رمضان جاهلاً بالحكم فماذا عليه؟ والآخر جامع عالماً بالحكم فماذا عليه؟

    الجواب: روى الجماعة منهم البخاري ومسلم، من حديث سلمة بن صخرة البياضي أنه جامع في نهار رمضان، فأتى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: {يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا أجد، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: وهل أوقعني ما أوقعني إلا الصيام؟ قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: على أفقر مني يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها -أي: حرتي المدينة - أفقر مني، فأُتي صلى الله عليه وسلم بمكتل، فدفعه إليه} فتبسم صلى الله عليه وسلم من فعله يوم أتى يسأل، وعاد بهذا المال، فهذا كفارة من جامع في نهار رمضان عمداً.

    أما الجاهل فالذي يظهر من نصوص الشريعة أنه ليس عليه كفارة؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ حتى يأتيه الحكم، ورجح كثير من أهل العلم من المحققين أن الناسي يدخل في حكم الجاهل، وأن من نسي فجامع فليس عليه كفارة، فالجاهل والناسي في هذا الحكم.

    رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286]. ويقضي هذا اليوم الذي أفطر فيه بدون كفارة.

    ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.