اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هدي الرسول وأصحابه في رمضان للشيخ : عائض القرني


هدي الرسول وأصحابه في رمضان - (للشيخ : عائض القرني)
يقول تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) فأمرنا بالاقتداء به وباتباع هديه صلى الله عليه وسلم.وفي هذه المادة عرض لهديه عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان؛ هديه في مدارسته للقرآن، في قيامه لليل، في صدقته وسخائه، في اعتكافه، في الإكثار من العبادات والطاعات... إلى غيرها من أحواله وعيشه في رمضان.
النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، رفع الله به رءوسنا وكانت مخفوضة، وشرح به صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع به آذاننا وكانت صماً، وبصَّر به عيوننا وكانت عمياً، فعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.واعلموا أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هو المعصوم الذي على قوله تصحح الأقوال، وعلى فعله توزن الأفعال، وعلى حاله تقاس الأحوال، فإن الله أصلحه ظاهراً وباطناً، وسراً وجهراً، ورضيه قدوة للناس لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].فهو عليه الصلاة والسلام معصوم لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4] وهو بأبي هو وأمي، نفسه طيبة، وقوله طيب، وفعله طيب، فهو مبارك أينما حل وارتحل، زكَّاه الله ظاهراً وباطناً، وامتدح أخلاقه وأعماله وأفعاله وأقواله، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وقال له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].فإذا علم ذلك، كان على المؤمن إذا أراد أن ينصح نفسه أن يتبع هذا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يقتدي بكل ما أتى عنه وصح وثبت، فإنه عليه الصلاة والسلام قائد كل موحد وكل مؤمن إلى الجنة، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بغير الهدي الذي أتى به، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولا ينظر إليه يوم القيامة ولا يكلمه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.فلا إله إلا الله ما أعظم ربح من اتبع أقواله، واقتدى بأفعاله، وسار على منواله، ولا إله إلا الله ما أشد خسارة من تنكَّر لشريعته، وجحد سنته، وخالف فعله عليه الصلاة والسلام.إذا علم ذلك فإننا نريد أن نعيش معه صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي غير رمضان، وإن كان للعمر مواهب، وللحياة بقية، وللأيام لذة فإنما هي في العيش معه صلى الله عليه وسلم.نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلَّى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا وقد أطل علينا ضيف كريم، ووافد عظيم، وهو شهر رمضان الذي كتبه الله عز وجل على من قبلنا، كتبه للتقوى، ولترتفع الأرواح من موبقاتها، ولتتوب النفوس من شهواتها، وليراجع الناس أنفسهم مع ربهم تبارك وتعالى، فمرحباً بشهر رمضان.مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام فاغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسام لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهـرنا جنح الظلام فلننظر إلى هديه عليه الصلاة والسلام، وإلى هدي أصحابه الأبرار، وسلف الأمة الأخيار، كيف استقبلوا هذا الشهر.كيف صاموه وقاموه؟وكيف قضوا أوقاته؟وكيف عاشوا ساعاته؟ لنكون على بصيرة، فإنه بمثلهم يقتدى، وعلى منوالهم يحتذى.فعن طلحة بن عبيد الله: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى الهلال -وعند الترمذي هلال رمضان- قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال خير ورشد) قال الترمذي: حديث حسن.هذا الحديث عجيب، فهو يقول للهلال: ربي وربك الله، فأنت مخلوق كما أنا مخلوق؛ لأن الأهلة والشمس والقمر كانت تعبد من دون الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس ويخبر الأجيال أن الكائنات كلها مخلوقة لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.فيقول: ربي وربك الله أي: فلا يحق لأحد أن يعبدك من دون الله، فالذي أهلَّك وأبداك وجملك وأبدعك هو الله! فكما أنني مخلوق لله، فأنت مخلوق لله، فأخطأ من عبدك أو توجه إليك من دون الله، وأخطأ من توجه لمخلوق من دون الله.وفي الحديث لمسات التوحيد التي أتى بها عليه الصلاة والسلام.
 قيام النبي صلى الله عليه وسلم ليالي رمضان
كان صلى الله عليه وسلم إذا أجنه الليل في ليالي رمضان قام متبتلاً لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وما أعظم قيام الليل! وخاصة في رمضان، وما أحسن السجدات! وبالخصوص في رمضان، وما أحسن الوضوء والتبتل والدعاء والبكاء! وبالخصوص في ليالي رمضان.قلت لليل هل بجوفك سرٌ عامرٌ بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار وقيام الليل لما تركته الأمة الإسلامية -إلا من رحم الله- ذبل في صدورها غصن الإيمان، وضعف اليقين، وعاش الجيل، لكنه لم يعش بمثل ذاك الجيل الذي عاش مع الرسول صلى الله عليه وسلم، جيلٌ فيه برود، وتهاون وتكاسل إلا من رحم ربك وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] فلما علم ذلك كان يمضي صلى الله عليه وسلم ليالي رمضان متهجداً لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].فكما قمت في الليل فسوف تقوم يوم القيامة، وموقفك وقيامك في الليل أشبه شيء بموقفك عند الله يوم تقوم شافعاً مشفعاً بإذن الله، يوم يتخلى الأنبياء عن الشفاعة، وتأتي أنت تشفع:واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذي الموقف وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها فمقامك يوم قمت في الدنيا بالقرآن، أن تقوم يوم القيامة على ملأ بين يدي الرحمن سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].وعجيب الليل وخاصة في رمضان، والذي ينبغي للمسلم الذي يريد أن ينصح نفسه أن يكثر من تلاوة القرآن ويكثر من صلاة الليل، فإن هذا الشهر شهر تجديد للروح، وفرصة ثمينة لا تتعوض أبد الدهر، وشهر توبة وعتق من النار، وخيبة وندامة وهلاك وبوار لمن أدركه رمضان ولم يتب من المعاصي والخسران، ولم يعتقه الله من النيران.وكان عليه الصلاة والسلام كما جاء عند مسلم عن عائشة {لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة} ولكن الركعة الواحدة تساوي آلاف الركعات من ركعات كثير من الناس، يقف في الركعة الواحدة أمداً طويلاً، فيناجي ربه، ويتدبر كلام مولاه، ويحيي روحه بتدبر القرآن، يبكي ويتباكى ويناجي ويسجد ويركع طويلاً، فتصبح الركعة حسنة جداً ما أحسن منها، والله يقول: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] ولم يقل أكثر عملاً.لذلك كان التجويد في التراويح والقيام أحسن من التكثير بلا جودة، وكان الكيف أحسن من الكمِّ حتى بالتلاوة، فلا يهذرم القرآن، ولا يهذُّ هذَّا، ولا يحدر حدراً شديداً فتضيع معانيه وحروفه على حساب الختم، فإن المقصود هو التدبر والمعايشة للمعاني، فإن من الناس من يختم القرآن في رمضان مرة، ولكن يا لها من ختمة ما أحسنها وأجودها! وما أجلها وأعظمها! شافا أمراض نفسه بكلام الله، وداوى جراحات قلبه بكلام مولاه، فكان للقرآن أثر في قراءته.وأناس يقرءون فيختمون كثيراً، لكن مقصودهم الأجر فهم مأجورون، لكن غذاء الروح، ومدد اليقين وماء الإيمان لا يحصل إلا بالتدبر ومعايشة القرآن.
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصوم
كان له صلى الله عليه وسلم سنن كثيرة في صيامه ولكن نذكر أهم معالمها:
 الاعتكاف
كان من هديه عليه الصلاة والسلام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.والاعتكاف: لزوم مسجدٍ لطاعة الله عز وجل، فيحيي قلبه بالذكر والتلاوة، ويقطع مشاغله وارتباطاته بالناس، ويحيا مع الله عز وجل، فيفرغ القلب لمولاه، ويكثر من دعاء ربه تبارك وتعالى، ويحيي قلبه بالآيات البينات.والاعتكاف سنة من أحسن السنن وقد عطل إلا من بعض الأشخاص، وهو أحسن ما يمكن أن يربى به القلب، يوم تتفرغ من الناس، ومن كلامهم، والاتصال بهم، لتتصل برب الناس وملكهم وإلههم، وهل ثَم أحسن من هذا؟وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يبشر به الأمة الإسلامية الخالدة، أمة لا إله إلا الله، وفي بعض الآثار: { أن الله عز وجل يعتق في كل ليلة من ليالي رمضان مائة ألف، وأما في آخر ليلة فيعتق بقدر ما أعتق في كل ليلة مرت}.فهل بعد هذا من بشرى للأمة؟ إنها مبشرات وليست بشرى واحدة، وإنها مكرمات وليست مكرمة واحدة، وإنها أعطيات وليست أعطية واحدة، وكان عليه الصلاة والسلام في رمضان يقوم الليل -كم أسلفت- وربما قام الناس معه جماعة، وربما ترك عليه الصلاة والسلام الجماعة وصلى وحده، ولذلك أتى عمر فجمع الناس في صلاة التراويح.
الصحابة في رمضان
والعجيب أن الصيام من أعظم ما يربي العبد على الصبر، ومن أعظم ما يقود روحه إلى مولاه تبارك وتعالى، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) وما معنى في سبيل الله كما قال أهل العلم أي: الغزو في سبيل الله، ومقاتلة الأعداء، بأن تصوم وأنت مقاتل، فقولوا لي بالله -يا أيها الجيل، يا أيها الأخيار- من منا أكثر من الصيام وهو ليس في سبيل الله، بل تحت الظل، ومع الماء البارد، وتحت المشهيات، ومع كل ما لذ وطاب؟!صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يصومون والقنا على رءوسهم، والسيوف تتحاك على آذانهم، والرماح تتشاجر بين وجوههم، ومع ذلك يصومون.روى ابن كثير وغيره عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، أنه لما حضر معركة مؤتة كان صائماً، وكان هو القائد الثالث، فلما قتل القائدان الاثنان زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، دعي إلى أخذ الراية رضي الله عنه وأرضاه، وقد سبق له قبل سنوات أن بايع في صك، أتى من رب العالمين، كما يقول ابن القيم - أملاه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ووقع عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن السلعة الجنة، وعلى أن الثمن أرواح المؤمنين، فكان ابن رواحة من المبايعين.يوم قال للرسول عليه الصلاة والسلام يوم بيعة العقبة: (يا رسول الله ماذا تريد منا؟ قال: أن تحموني مما تحموا منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم، فقال: ما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، فلم يكن لـابن رواحة الحق أن يقيل أو يستقيل.حضر في مؤتة وهو صائم، ودعي والشمس تميل إلى الغروب، وتأذن بالأفول، وهو جائع، وهو في شدة الحر والسيوف أمامه، والقتلى حوله، فقال: اتوني بعرق لعلي أشد به جوعتي، فأتوا له بقطعة من اللحم وهو صائم على فرسه، فنظر إلى الشمس، حتى في هذه الساعة الحرجة، والأرواح تتطاير، والنفوس تسافر، واللحوم تتمزق، والرءوس تضرب في الأرض يتحرى غروب الشمس.قال: أغربت؟ قالوا: نعم غربت، فأخذ لقمة وقال: باسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فأتى يأكلها، وقد دعي ليقود المعركة، وليدف دفة المعركة، وليدير كئوس الموت على رءوس الأعداء، فأكل مضغة فما وجد لها مذاقاً، فقد ذهب طعم الطعام، وذهبت لذة الشراب، وذهبت بقية الحياة، ما أصبح للطعام لذة، وما أصبح للشراب معنى، وكيف يكون له معنى وقد قتل زيد وجعفر والأحباب والأخيار وأصبحت الخيول تدوسهم بالسنابك، فلفظها من فمه، وأخذ جفنة السيف فكسرها على ركبته، وقال وهو ينشد نشيد المعركة، وأغنية الفداء، وأنشودة التضحية:أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة ثم خاض غمار المعركة، وما تم الغروب إلا وهو في روضة من رياض الجنة يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] رضي الله عنكم يا من رفعتم راية الإسلام على الجوع، ورضي الله عنكم يا من بذلتم الجهد والمشقة وأنتم جوعى في سبيل الله.من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمـ ـك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا وفي الصحيح من حديث أبي الدرداء قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كنا في أشد الحر، فكان الواحد منا يتقي حر الشمس بكفه، وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن رواحة، فانظر إليه في السفر وفي القتال كيف يصوم، كيف يتربى؟ وحياة -والله- ليس فيها صيام ولا تدبر للقرآن ليست بحياة الآدميين، بل حياة البهائم.ولذلك ذكروا في ترجمة روح بن زنباع -وهو أمير أموي- أنه مر بالصحراء معتمراً، وكانت له سفرة كبيرة فيها لحوم وفواكه وخضراوات ومشروبات، فمر بأعرابي وهو يرعى غنمه، فقال له روح بن زنباع: تعال أيها الأعرابي كل معي من الغداء.فقال الأعرابي: لقد دعاني من هو أكرم منك إلى مأدبته.قال: ومن هذا؟قال: الله رب العالمين، قال: بماذا؟قال: أنا صمت وسوف أفطر له.قال روح: أفطر اليوم وصم غداً.فقال الأعرابي: وهل تضمن لي أيامي يا أيها الأمير؟فبكى الأمير، وقال: حفظت أيامك وضيعنا أيامنا.فإن العبادة كل العبادة أن تكون في سبيل الله عز وجل، وأن تكون لوجهه، وأن تجد المشقة في سبيله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، حينها لا تجد للتعب في نفسك كلفة، ولا تجد للجوع ولا للظمأ مشقة.إن كان سَرَّكم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم عاش الصحابة وعاش السلف الصالح دقائق رمضان توجهاً وجهاداً وخدمة في سبيل الله، ولذلك كانت أعظم معارك الإسلام وأعظم انتصارات المسلمين في رمضان، فإن بدراً وفتح مكة وحطين وعين جالوت كلها كانت في رمضان.فلقد كانت الانتصارات الرائعة في هذا الشهر الذي نزل القرآن فيه ليحيي به الأمة الميتة التي ما عرفت إلا التقاتل على موارد الشياه والإبل والبقر، الأمة التي ما عرفت الحضارة ولا الثقافة، وبقيت في الجهل آلاف السنوات، نزل القرآن ليقول لها: استفيقي وانظري إلى السماء، أنقذي البشرية بلا إله إلا الله، وهذه الأمة لا يردها إلى الله إلا القرآن ورمضان، ولا تُقبل على الله إلا برمضان والقرآن.فيا أيها الأخيار! ويا من شابت لحيته في الإسلام! هذا شهرك -وكأنه الأخير- فاجعله خاتمة مطافك مع الله، ويا أيها الشاب الذي أقبل تائباً إلى الله! هذا شهرك شهر التوبة والإقبال فاغتنمه في التقرب إلى الله، ويا أيها المسيء الذي أكثر من العصيان! اليوم فرصتك الذهبية، ويومك الثمين، وعيد ميلادك يوم أن تلد في التوبة ميلاداً ثانياً؛ لأن الكافر يموت مرتين، والمؤمن يحيا مرتين.أما الكافر فيموت أول مرة يوم أن تموت روحه عن لا إله إلا الله، وتموت نفسه عن مبادئ لا إله إلا الله، ويموت ضميره عن ضوء لا إله إلا الله، ويموت مرة أخرى يوم تخرج روحه.والمؤمن يولد مرتين، ويحيا حياتين: الحياة الأولى: يوم أن تأتي بك أمك فتقع على الأرض وأنت على الفطرة، والحياة الثانية: يوم أن تحيا بالإسلام، ويوم أن يتوب الله عليك، فإن كثيراً من الناس أحياء وليسوا بأحياء، يأكلون ويشربون ولكنهم ليسوا بأحياء، لأن الحياة أن يسافر قلبك إلى الله، وتعيش مع الله، وتقضي عمرك في عبادة الله أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً أقول ما تسمعون، وأسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها، وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم، وأن يجعلنا ممن مَنَّ عليهم بالتوبة، وممن جعلهم من ورَّاث الجنة، وممن تاب عنهم في هذا الشهر، وممن ختم لهم بالحسنى، وممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً.سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 الاعتكاف
كان من هديه عليه الصلاة والسلام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.والاعتكاف: لزوم مسجدٍ لطاعة الله عز وجل، فيحيي قلبه بالذكر والتلاوة، ويقطع مشاغله وارتباطاته بالناس، ويحيا مع الله عز وجل، فيفرغ القلب لمولاه، ويكثر من دعاء ربه تبارك وتعالى، ويحيي قلبه بالآيات البينات.والاعتكاف سنة من أحسن السنن وقد عطل إلا من بعض الأشخاص، وهو أحسن ما يمكن أن يربى به القلب، يوم تتفرغ من الناس، ومن كلامهم، والاتصال بهم، لتتصل برب الناس وملكهم وإلههم، وهل ثَم أحسن من هذا؟وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يبشر به الأمة الإسلامية الخالدة، أمة لا إله إلا الله، وفي بعض الآثار: { أن الله عز وجل يعتق في كل ليلة من ليالي رمضان مائة ألف، وأما في آخر ليلة فيعتق بقدر ما أعتق في كل ليلة مرت}.فهل بعد هذا من بشرى للأمة؟ إنها مبشرات وليست بشرى واحدة، وإنها مكرمات وليست مكرمة واحدة، وإنها أعطيات وليست أعطية واحدة، وكان عليه الصلاة والسلام في رمضان يقوم الليل -كم أسلفت- وربما قام الناس معه جماعة، وربما ترك عليه الصلاة والسلام الجماعة وصلى وحده، ولذلك أتى عمر فجمع الناس في صلاة التراويح.
الأسئلة

  حكم من جامع في نهار رمضان
السؤال: اثنان أحدهما جامع في نهار رمضان جاهلاً بالحكم فماذا عليه؟ والآخر جامع عالماً بالحكم فماذا عليه؟الجواب: روى الجماعة منهم البخاري ومسلم، من حديث سلمة بن صخرة البياضي أنه جامع في نهار رمضان، فأتى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: {يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا أجد، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: وهل أوقعني ما أوقعني إلا الصيام؟ قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: على أفقر مني يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها -أي: حرتي المدينة - أفقر مني، فأُتي صلى الله عليه وسلم بمكتل، فدفعه إليه} فتبسم صلى الله عليه وسلم من فعله يوم أتى يسأل، وعاد بهذا المال، فهذا كفارة من جامع في نهار رمضان عمداً.أما الجاهل فالذي يظهر من نصوص الشريعة أنه ليس عليه كفارة؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ حتى يأتيه الحكم، ورجح كثير من أهل العلم من المحققين أن الناسي يدخل في حكم الجاهل، وأن من نسي فجامع فليس عليه كفارة، فالجاهل والناسي في هذا الحكم.رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286]. ويقضي هذا اليوم الذي أفطر فيه بدون كفارة.ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هدي الرسول وأصحابه في رمضان للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net