إسلام ويب

مبشرون لا منفرونللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم أوصاف الدين الإسلامي أنه جاء بالتبشير لأتباعه.

    ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم رسولاً عزيز عليه ما فيه عنت لأتباعه، حريص عليهم وعلى هدايتهم، وهو بهم رءوف رحيم.

    وفي هذه المادة عرض لكثير من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم التي يظهر فيها بجلاء يسره في التعليم والتوجيه حتى مع العصاة.

    1.   

    التبشـــيـر في الإسلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    نعم، " مبشرون لا منفرون " عنوان هذه المحاضرة.

    بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا     من العناية ركناً غير منهدم

    لما دعا الله داعينا لطاعته     بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم

    لماذا هذا العنوان؟ لأن الله ابتعثنا مبشرين ميسرين، لا معسرين ولا منفرين، فإن زعم زاعم، أو ظن ظان أن الدعاة ينفرون الناس ويشددون ويكلفون، فقد أخطأ سبيله وضل سعيه، فأتباعه عليه الصلاة والسلام يحملون البشارة، وقبل أن أبدأ بالموضوع أخبركم أني أحبكم في الله حباً عظيماً، وهو الحبل المتين الذي أتى به عليه الصلاة والسلام، والمعجزة الكبرى التي بثها في الناس، أن يجمع بين الأبيض والأسود، وبين الأبيض والأحمر، وبين الأشعث الأغبر والمرفه تحت مظلة: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] ولسان حالي هذه الليلة يقول:

    أنا الحجاز أنا نجد أنا يمنٌ أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

    بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا     بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

    وفي ربى مكة تاريخ ملحمةٍ     على ثراها بنينا العالم الفاني

    في طيبة المصطفى عمري وواولهي     في روضة المصطفى عمري ورضواني

    النيل معي ومن عمان تذكرتي     وفي الجزائر آمالي وتطوان

    دمي تصبب في كابول منسكباً     ودمعتي سفحت في سفح لبنان

    فأينما ذكر اسم الله في بلد     عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

    إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد عليه الصلاة والسلام في الكون، ولكن أيضاً لماذا اخترت هذا العنوان؟، لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمهد لهم حبال الود إننا مبشرون لا منفرون.

    إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط.

    إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة، أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير.

    الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر قبل أن يكون نذيراً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب:45] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف:2] وذكر الله كتابه، فقال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء:9].

    المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه.

    الأصل في الإسلام التبشير

    إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد عليه الصلاة والسلام في الكون، ولكن أيضاً اخترت هذا العنوان لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمد لهم حبال الود: إننا مبشرون لا منفرون.

    إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير، وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط.

    إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير.

    الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر قبل أن يكون نذيراً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب:45] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف:2] وذكر الله كتابه فقال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء:9].

    المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه.

    صور من التبشير

    يا أخي! يا تلميذ محمد عليه الصلاة والسلام، يا جنديه في معترك الحياة! صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه نزل في الخندق في جوع ومجاعة، وربط على بطنه حجرين فأخذ المعول ليضرب الصخرة في وقت الأزمة الذي وصفه الله- عز وجل- بأنه: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:10-11].

    نزل عليه الصلاة والسلام ليحفر والأحزاب تتجمع لغزو المدينة والكفر طغى والظالم اعتدى، فيضرب عليه الصلاة والسلام بالمعول، فيبرق بارق فيبتسم عليه الصلاة والسلام ويقول: {أريت قصور كسرى وقيصر وسوف يفتحها الله علي} فيتغامز المنافقون ويضحك اللاعبون، ويقولون: الواحد منا ما يجترئ من الخوف أن يبول، وهذا يريد أن يفتح قصور كسرى وقيصر، فقال الله عنهم: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] وبعد خمس وعشرين سنة يفتح أصحابه الدنيا، ويحكمون الدهر، وتنصت لهم المعمورة، ويصفق لهم التاريخ.

    أيضاً: يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله عليه الصلاة والسلام وهو في مكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45] وهذه بشرى النصر، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله عليه الصلاة والسلام: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ [فصلت:53] وأراهم الله آياته في الآفاق، وعلم رسوله عليه الصلاة والسلام تلكم الآيات.

    أيضاً وقف عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه في مكة والحديث في الصحيحين من حديث صهيب: {والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه} وحدث هذا.

    وفي السيرة لابن إسحاق يقول عليه الصلاة والسلام وهو يطرد من مكة ويطرد من الطائف وتسيل أعقابه بالدماء ويتلفت إلى الناصر المعين إلى الله، ثم يقول: {يا زيد إن الله جاعل لهذا الأمر فرجاً ومخرجاً} ويحدث هذا الفرج والمخرج وينتصر عليه الصلاة والسلام، ويحكم الجزيرة العربية بمنهج رباني، بل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.

    وفي القرآن نهي مطلق عن التنفير، ونهي مطلق عن الحزن، ونهي مطلق عن اليأس والقنوط، قال أهل التربية: وهو اليأس قتل للإرادة.

    ولما ذكر أبو إسماعيل الهروي في منازل السائرين قال: ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] منزلة الحزن، قال ابن القيم: هذا خطأ ليس من منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] منـزلة الحزن، ولم يأمر به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولم يرضه، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعيذ الله من الحزن، فيقول: {اللهم إني أعوذ بك من الهم والغم، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله عليه الصلاة والسلام: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] والبخع عند العرب هو قطع النخاع بشيء حاد، فيقول: لعلك تمزق دماغك حزناً عليهم، أنت منهي أن تحزن، لست عليهم بمصيطر، لست عليهم بوكيل، بلغ دعوتك ولا تكن فظاً، لا تجرح الهيئات، ولا الأشخاص، ولا الأجناس، ولا تكن عدواً للأمة، ولكن كن حبيباً للقلوب.

    أيضاً: نهى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الأمة نهياً مطلقاً، فقال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] قال سيد رحمه الله في الظلال: نحن الأعلون سنداً، والأعلون متناً، والأعلون منهجاً، والأعلون إرادة... إلى آخر تلك الأعلون التي هي كالدرر جمعها أثابه الله.

    التيسير في الدين

    والتبشير روح يسري في القلب والعروق، ويصل إلى الإرادة فيحركها، بعث عليه الصلاة والسلام من أصحابه مبشرين في العالم، وصح من حديث أنس عند البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: {يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا}.

    وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولـمعاذ:{بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا}.

    إذاً: هو منهج، فأين كثير من الدعاة من أمثالي من المقصرين عن هذا المنهج الرباني الرائد؟ إننا قبل أن نكون مؤدبين للناس، معزرين بالكلمات مجرحين، لا بد أن نكون محببين نقودهم إلى رضوان الله وإلى الجنة، وهذه هي مهمة الداعية، وهي مهمته عليه الصلاة والسلام وهديه.

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة: { أنه قال: إن الدين يسر} قال بعض العلماء -وهذه قاعدة- مقدمة من الرسول عليه الصلاة والسلام {إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه} وضبطت {ولن يشاد الدين أحداً إلا غلبه}.

    أي: إن الذي يريد أن يتعمق ويستولي على جزئيات الدين، وألا ينقص في أي مرحلة من مراحل الدين، أو أن يعبد ربه على أكمل وجه دون أن يثلم ثلمة، أو أن ينقص نقصاً، فلن يستطيع، أو أراد أن يأتي بجميع الطاعات والقربات والنوافل فلا يستطيع.

    ومن حديث بريدة عند أحمد -قال ابن حجر والحديث حسن- قال عليه الصلاة والسلام: {عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه}.

    أيضاً: من يشاد الدين في الدعوة ويريد أن يحول المجتمع إلى مجتمع رباني، وصنف من الملائكة، فليعلم أن مجتمع الرسول عليه الصلاة والسلام ما تحول كله إلى مجتمع (100%) من الاستقامة والالتزام، فكان في عصره صلى الله عليه وسلم الزناة وشربة الخمر والسارقون والخونة والمنافقون، ومع ذلك أصلح عليه الصلاة والسلام ووجه، ولمح ولم يصرح وكان يقول: {ما بال أقوام...}.

    أيضاً: من حديث محجن بن الأدرع، وهو حديث حسن أيضاً، عند أحمد في المسند: {إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة} وهذا منهج أيضاً للدعاة، فإن من يريد مغالبة المجتمع بأن يفرض سيطرته وكلمته يخطئ قال تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22] أي: أنت لا تحمل كرباجاً ولا عصاً ولا سيفاً لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:66] وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

    قدم نصحك، وقدم كلمتك، فإن اهتدت القلوب فهذا هو المطلوب، وإن تولت، فأجرك كامل على الله ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22] أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99].

    أيضاً من حديث جابر عند البزار وفي سنده لين، لأن في سنده رجلاً عابداً لكن يهم في الحديث، يقول فيما يروى عنه عليه الصلاة والسلام: {إن هذا الدين متين، فأوغلوا برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى} والمعنى: أنه شديد، والدخول فيه عميق، وهو طاقة تفجر، والذي يملك الدين بلا عقل يتفجر هو، ولذلك لا يحمل الدين إلا العقلاء، ويوم يحمله الحمقى يتفجرون ويتفجر بهم الدين.

    منهج الخوارج في التيسير

    الخوارج كانوا عباداً مسبحين مهللين، قراء صوام أهل صلاة، لكن كانوا حمقى بمعنى الكلمة.

    قال ابن تيمية: والسبب أن الخوارج أخذوا بظاهر القرآن وأبطلوا حقائق النصوص - لله درك! وهل هذا إلا الإبداع؟ صدقت! أخذوا بظاهر القرآن يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عنهم: {تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية}.

    عبد الرحمن بن ملجم هذا الفاجر العنيد، كان يقوم من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، أُتي به بعد أن قتل علي بن أبي طالب - تلكم القتلة التي لا تزال جراحها في قلوب المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتبكي عجوز العراق مع السحر لما قتل علي وتقول:

    يا ليتها إذ فدت عمراً بـخارجةٍ      فدت علياً بمن شاءت من البشر

    يؤتى بـعبد الرحمن هذا وفي جبهته كركبة العنز من كثرة العبادة، يسأله ودمه يسيل في الأرض- فيسبح الفاجر لئلا يضيع وقته في الحديث. عجباً لك يا فاجر! تقتل أكرم الناس، وأزهد الناس، وأخشى الناس في عهده وتسبح، حتى يقول عمران بن حطان -كلبهم-:

    يا ضربة من تقي ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

    هكذا معتقده

    إني لأذكره يوماً فأحسبه     من أفضل الناس عند الله ميزانا

    قال شاعر أهل السنة:

    يا ضربة من شقي ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا

    إني لأذكره يوماً فألعنه     وألعن الكلب عمران بن حطانا

    هذه عقيدتهم، وهذا تصورهم، ماذا يفعلون؟ خُطَب الجمعة تكفير في علي، وتكفير في معاوية، وتكفير في عمرو بن العاص والصحابة كفار عندهم، العلماء مارقون ومنهزمون، هذا منهج ضال لا يرضاه رسولنا عليه الصلاة والسلام.

    منهج القرآن في الوسطية والبشرى

    لكن تعال بنا إلى منهج القرآن في الوسطية والبشرى قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] أن تتكلم للناس وأنت تعرف أن لهم طاقات محددة، فلا تكلفهم فوق الطاقة قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] فطبيعة الدين أنه ميسر يناسب الفطر رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] وفي الحديث الصحيح: {قد فعلت قد فعلت} وابن تيمية يرويه في الفتاوى أنه قال: {نعم، نعم، نعم} وهذه رواية مسلم، ومن طبيعة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] أي: أن الأغلال التي كانت على الأمم السابقة قد وضعها عليه الصلاة والسلام عن أمته.

    أتى بهذه الآية ابن تيمية رحمه الله وهو يتكلم عن مسح الخفين، والحقيقة انظر إلى العقل إذا تدخل في الشريعة فوق حدوده، أتى بعض الفقهاء، وقالوا: يشترط في الخفين تسعة شروط: أن يكون (جلداً- مخروزاً - قائماً بنفسه - لا ينفذ الماء - يمشى فيه-...) إلى آخر تلك الشروط التي كأنها شروط المجتهد المطلق. من أين نأتي لكم بخف تنطبق عليه هذه الشروط؟ أنأتي به من السماء.

    قال ابن تيمية: شروط باطلة، الرسول صلى الله عليه وسلم يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] هذا مثل من الأمثلة.

    أيضاً يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن المتنطعين: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] من هذا المبتدع الذي يبتدع أحكاماً ويسير الأمة على مزاجه؟ فمن حاد عن مزاجه وعن منهجه وعن موقفه هو، فهو فاسق كافر يميت القضايا، منهزم يميع المنهج الرباني، هكذا يحكم على الناس، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] أنا أعرف أن من يتسرع ويتعجل يريد رضوان الله، ولكن ليس كل من ابتغى رضوان الله أصاب، والله عز وجل ذكر المبتدعة، فقال: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر:8] قال سفيان بن عيينة: نزلت هذه الآية في المبتدعة، زين الله لهم سوء أعمالهم، أتظن عمران بن حطان كان يظن أنه فاجر أو مخطئ، أو الجعد بن درهم، أو الجهم بن صفوان؟ لا، يقول ابن المبارك في الجهم -لأنه كان داعية، وكان يضحي عن مبادئه أكثر من تضحيتي أنا وأنت عن مبادئنا- يقول:

    عجبت لدجال دعا الناس جهرةً إلى النار     واشتق اسمه من جهنم

    الجعد بن درهم ماذا فعل؟ مخطئ فاجر ضال؛ رفض أن يتنازل عن خطئه ويظن أنه صائب، قال له خالد بن عبد الله القسري: أتعود عن رأيك، قال: لا، فقال في خطبة العيد: يا أيها الناس! إن الجعد بن درهم زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ألا إني مضحٍ بـالجعد بن درهم ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم، ثم نزل فأخذه بالخنجر قتله حتى يقول ابن القيم:

    من أجل ذا ضحى بـجعد خالد      القسري يوم ذبائح القربان

    إذ قال إبراهيم ليس خليله     كلا ولا موسى الكليم الداني

    شكر الضحية كل صاحب سنةٍ     لله درك من أخي قربان

    يقول: من أراد أن يضحي فليضح مثله، البدنة عن سبعة.

    أيضاً يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] يقول بعض المفسرين: مفهوم المخالفة في الآية أن تسعد، نزل القرآن للسعادة، فالتلاوة فيها سعادة، والحكم به في الناس سعادة، تبيينه للناس سعادة، لا أن تشقي الناس، لماذا نشقي الناس بالقرآن؟ لماذا نشقي الناس بالسنة؟ وسوف أصل -إن شاء الله- في هذه المحاضرة إلى مواقف محمد عليه الصلاة والسلام، وليست من كلامي ولا من كلام آخر من المجاهيل النكرات، لكن من كلام من يجب علينا على رغم أنوفنا أن نستمع له، وأن نتحاكم إليه، كما قال مالك: ما من إنسان إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] فاليسر من طبيعته في العبادة، وفي الدعوة، وفي التربية، والأخلاق، والسلوك، تقول عائشة كما في صحيح مسلم: {ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما} إذا كان الناس يستجيبون لك بالكلمة اللينة، فلماذا الغضب؟! ولماذا التشنج في العبارة؟! ولماذا الجرح؟! ولماذا الوصم بالكفر والفسق؟! لماذا؟!

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] فلا تطلب من الضعيف في العبادة ما تطلبه من القوي؛ لأنه قد علم كل أناس مشربهم.

    ومن صفاته عليه الصلاة والسلام: أنه رحمة للعالمين، فهل سأل كل واحد منا نفسه؟ هل سأل الإمام والخطيب والعالم والقاضي ورجل الهيئة نفسه: هل هو رحمة للعالمين أم هو شقاء للعالمين؟ رحمة للعالمين، فلم يقل رحمة للناس فيخرج الحيوانات، ولم يقل للمؤمنين فيخرج الكافرين، ولم يقل للرجال فيخرج النساء أما الرازي فقد مد نَفَسَه في هذه الآية وتكلم كثيراً، والعجيب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رحمة للعجماوات، رحمة للطيور، رحمة للزواحف ورحمة للوحوش.

    في سنن أبي داود بسند صحيح: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس تحت الشجر مع أناس من الصحابة، فأتت حمامة -طائر أنثى- كان أحد الصحابة، قد أخذ أفراخها، فأتت تشتكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن بلا كلام، ولا نطق حامت على رأسه عليه الصلاة والسلام ففهم أنها تشكو، قال: من فجع هذه بأفراخها، قال رجل: أنا يا رسول الله! قال: رد عليها فراخها} فلما رد أفراخها، فرفرت فرحة جذلانة وعادت إلى عشها.

    يقول أحد الشعراء في هذه:

    جاءت إليك حمامةٌ مشتاقةٌ     تشكو إليك بقلب صب واجف

    من أخبر الورقاء أن مكانكم     حرم وأنك ملجأ للخائف

    هذه رحمته عليه الصلاة والسلام، وسوف أصل إلى وقفة مع رحمته عليه الصلاة والسلام فيما يأتي.

    أيضاً وصفه ربه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه (عزيز عليه ما عنتم) أي: أي شيء يعنت الأمة يعز عليه عليه الصلاة والسلام ويكلف عليه ويشق عليه قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة:128] وقرأ ابن مسعود: من أنفَسِكم، يعني: من أغلاكم، ومن أحسنكم، ومن أرفعكم نسباً وذكراً لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    1.   

    يسر الرسول صلى الله عليه وسلم

    أولاً: من صفات الإسلام أنه بسيط، ويسير، وأنه سهل ليس فيه تعقيد ولا تقعر ولا تشدق، وما صعبناه على الناس إلا يوم تقعرنا في العبارات، وأكثرنا من الحواشي والردود، وأكثرنا من البسط والأخذ والرد، فصعب الإسلام صراحة، وإلا فالرسول عليه الصلاة والسلام يشرح الإسلام في عشر دقائق لأعرابي ويذهب الأعرابي من المسجد، ويقول: والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، فيقول صلى الله عليه وسلم: (أفلح الرجل ودخل الجنة إن صدق) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، هذا هو الدين.

    في الصحيحين من حديث أنس قال: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فوفد أعرابي فعقل ناقته في طرف المسجد، وجاء يمشي قال: أين ابن عبد المطلب؟ يقصد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أشهر عند العرب بجده من أبيه، قال الصحابة: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، قال: يابن عبد المطلب، قال: نعم، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل ما بدا لك، قال: من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك فتربع عليه الصلاة والسلام، وقال: اللهم نعم، فأخذ يسأله عن أركان الإسلام، فلما انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، فيتولى، فيشهد له صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة).

    هذا هو الإسلام، هذا هو الدين البسيط، لماذا لا نشرحه للناس؟ لماذا لا نتحدث به؟ تعال الآن إلى كثير مما يُتحدث عنه من القضايا حتى المعتقد: التعقيد، الردود، استحداث الإشكال، التشبع بما لم يعط، حتى لا يفهم الناس من العقيدة شيئاً، وهذا فعل أهل البدع كـالمعتزلة والخوارج والروافض.

    يسره عليه الصلاة والسلام في التعليم والتوجيه

    يأتيه أعرابي فيصلي معه الصلاة - والحديث في الصحيحين - ويقرأ معه التحيات، فيرفع الأعرابي صوته في آخر التحيات، ويقول: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف من هو الأعرابي، من هو الذي قال هذه العبارة، لأن أبا بكر

    لن يقول هذا، ولا عمر

    ، ولا أبي

    ، ولا زيد

    ، وهذا في الصف الأول، لكن أتظن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول أنت قلت العبارة، لا، لا يواجه، يقول أبو سعيد

    كما في الصحيحين: {كان أشد حياء من العذراء في خدرها} حتى ذكروا عنه في السيرة: أنه ما كان يبده ببصره الإنسان، يعني: ما كان يشد نظره إليك، فإذا نظرت أنت إليه، خفض طرفه من الحياء قال الله: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:4]. قال صلى الله عليه وسلم: {من قال آنفاً -كيت وكيت وتلا العبارة- فسكتوا، قال: من قال؟ فقال الأعرابي: أنا يا رسول الله! قال: لقد تحجرت واسعاً إن رحمة الله وسعت كل شيء} أي: فأين الملايين المملينة ممن يريدون جنة عرضها السماوات والأرض؟ وأين البشرى؟ وأين التسهيل؟ وأين الرحمة المهداة والنعمة المسداة التي حملها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لينقذ الألوف المؤلفة من النار ومن العار والدمار؟ أبقى أنا وأنت فقط في الجنة وتصير الأمم في النار، كما يفعل بعض الناس حين يقول: من فعل كذا ففي النار، ومن فعل كذا فعليه لعنة الله، ومن فعل كذا غضب الله عليه، ومن فعل كذا فهو في جهنم، لم يقلها رسولنا أبداً عليه الصلاة والسلام، قام الأعرابي وبال في طرف المسجد؛ ضاقت عليه الدنيا بما رحبت إلا المسجد، قام الصحابة يريدون أن يبطحوه أرضاً. كل بطاح من الـ ـناس له يوم بطوح قال صلى الله عليه وسلم: {اتركوه} لأن المشكلة سهلة، ومعالجة الأخطاء بأخطاء أفدح عنف، والنار لا تطفأ بالبترول، إنما تطفئ بالماء، وإذا أردت أن تصلح الخطأ وتعنف، وتريد أن تؤدب حينها ينقلب القط أسداً، لو أغلقت على القط في البيت، وقمت تحارشه حوله الله من قط إلى هزبر، وهذا فعل الناس ولذا قال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ)) [النحل:125] وقال: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)) [فصلت:34] استدعاه عليه الصلاة والسلام وأخبره وبين له، وأخذ ذنوباً من الماء وصبه على البول وانتهى، وعاد الأعرابي داعية إلى قبيلته فأسلموا عن بكرة أبيهم. دخل معاوية بن الحكم

    -والحديث في مسلم

    - وهو لا يدري أن الكلام في الصلاة حرام، فقال: السلام عليكم ورحمة الله -والصحابة يصلون- فما ردوا، فعطس واحدٌ منهم، قال: يرحمك الله، فضربوا على أفخاذهم قبل أن يعلموا التسبيح، فقال: ويل أمي أأحدثت شيئاً! فلما سلم قال: {دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت معلماً قبله ولا بعده أرحم منه، وكان على كرسي من حديد، فعلمني وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي للذكر والتسبيح وقراءة القرآن} انتهى وصلاته صحيحيه، لأنه تكلم عن جهل، قال أهل الفقه: من تكلم بجهل أو ناسياً فصلاته صحيحة. أيضاً: الدين أتى بما تفهمه العقول لا بما تحار فيه، وربما يأتي إنسان فيورد قضايا على الناس فتحار فيها عقولهم، قال عبد الله بن مسعود

    : [[]]. كثير من القضايا أرى أن طرحها ليس صحيحاً، وأن طرحها على الملأ ليس من الحق ولا من العدل، وكلام الخاصة للخاصة، وكلام العامة للعامة. كان الإمام أحمد

    يقول للمعتصم

    كلاماً بينه وبينه لم يقله للناس، وقال للناس كلاماً يصلح للناس.

    الدعاة تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم في التيسير والمحبة للناس

    أيضاً ليس بيننا وبين أحد من الناس عداء، لا يتصور بعض الناس أن الدعاة يريدون شيئاً من الدنيا، أو يريدون شيئاً من الأراضي، أو المناصب، أو الممتلكات، أو القصور، فوالله ما رأيت داعية ممن يوثق بعلمه ودعوته إلا يريد الخير، ولا يريد سبباً إلا إن كان شيئاً لا نعلمه في نيته فالله المطلع، وما لسان حال كل منهم إلا كما قال القاضي الزبيري:

    خذوا كل دنياكم واتركوا     فؤادي حراً طليقاً غريبا

    فإني أعظمكم ثروة      وإن خلتموني وحيداً سليبا

    وهو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ [هود:88] وهناك قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86] لا يطلبون أجراً على دعوتهم، ولا يريد الواحد منهم كنزاً، إنما يعيش لدعوته فقط.

    أيضاً ليس بين الدعاة وبين أحد من الناس ثارات جاهلية، أو نزعات، أو مسألة أساء إلي فلا بد أن أنتقم لنفسي، أو ميراث أخذه جده أو عمته أو جدته، لا، مسألة الدين فقط، الإسلام فحسب، وإلا الرسول صلى الله عليه وسلم جرح عرضه صراحةً، وأدمي عقبه، ووضع سلى الجزور عليه، وأهين في مواقف، وقتل من أصحابه سبعون، وشج رأسه، وكسرت ثنيته، ومع ذلك يقول: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون}.

    أيضاً الإسلام أيها الإخوة الكرام! أتى موافقاً للفطرة، فلا تحاول أنت أن تلغي هذا الدين الذي تقبله القلوب، والعالم الآن أصبح عالماً متديناً، نسبة التدين في العالم الآن من (76%) إلى (77%) حتى العالم الشيوعي أصبح يتدين بغض النظر عن الديانة التي يعتنقها، وقبل سنوات -كما تعرفون- اعتنق جرباتشوف النصرانية وغيره كثير من الحزب الشيوعي وتخلوا عن مسألة الإلحاد، لأنها نظرية خاطئة، والله يقول: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] لكن كيف يتدين الناس تديناً صحيحاً؟ يوم يرون عرض الإسلام عرض التبشير، عرض السهولة , عرض اليسر.

    وإني من هذا الموقف أقول كلمة ويوافقني عليها الدعاة ولا أعلم داعيةً يخالفني في هذا والله لا أريد بها مجاملة ولا محاباة والله الشاهد: إنني لا أعلم في هذا العصر عالماً له منهج رباني (من الأحياء) علمه سديد، ودعوته ومنهجه، ويسره وفتاويه كسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وإنه يستحق أن يكتب في منهجه، في الدعوة، وفي التعليم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتب، وأن تدرس وأن تعلم، انظر إليه الآن في منهج الفتوى، فليس هو بذاك الذي يتعلق بالفروع ويطرح النصوص، ولا هو بالظاهري الجامد على ظاهر النص، ولكنه الموافق المتألق الذي يستوحي معلوماته من الكتاب والسنة بفهم صادق، ونية يريد بها الله والدار والآخرة، هذا أمر يستحق محاضرة عن منهج سماحته في الدعوة حتى نري شبابنا وجيلنا عالماً في الأحياء، وإلا فمن عدل الله ألا يعدم الأمة من عالم حجة ومجدد، من عدله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ألا يعدم الدنيا من ذلك.

    مراعاة واقع الناس، أنا أدعو إخواني من الدعاة أن يراعوا واقع الناس، وألا يطلبوا من مجتمعنا هذا أن يكون كمجتمع أبي هريرة وسلمان وسعد بن أبي وقاص، لأن القدوة عندهم محمد عليه الصلاة والسلام، وجبريل يتنزل بالوحي صباح مساء، أما زمننا أيها الإخوة! فشرور وفتن وابتلاءات وإغراءات ومحن، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه -فيما نسبه العلماء إليه كـابن عبد البر والخطيب البغدادي - قال: [[إنكم في زمن من ترك عشر ما أمر به هلك، وسوف يأتي زمن من فعل عشر ما أمر به نجى]] وهذا ليس على إطلاقه، ولكن يقصد به من النوافل، أو ما زاد على الفرائض.

    منهجه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع العصاة

    مراعاة واقع الناس، الضغوط التي تقع عليهم، لماذا عصى صاحب المعصية؟

    صاحب المعصية لا نفرح أنه عصى الله، لا يبشر بعضنا بعضاً أنه عثر على رجل يشرب الخمر، الواجب أن نبكي إذا رأينا رجلاً يشرب خمراً، لا ندين الناس بالتهم، لا نذهب ونحرج الناس إلى أن يعترفوا، أنا أرى أن هناك ممارسات خاطئة، مثلاً: نجد رجلاً شرب الخمر وينكر أنه شرب الخمر، ولا نجد للخمر رائحة ولا علامات، فنقول: لا، وتحت السوط، وتحت التقارير، وتحت الشهود حتى يعترف، هذا ليس منهجه عليه الصلاة والسلام.

    أيضاً لا نتهم الناس في نياتهم، ولا في مزاولاتهم لأعمالهم التي ظاهرها الخير.

    وأيضاً لا نتجسس لنكشف أناساً تستروا بالمعاصي وما جاهروا بها، ثم لا نفرح بالمجتمع أنَّا أدنَّاه بالخطأ.

    في الصحيحين أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أتي بشارب خمر شرب الخمر كثيراً، وفي بعض الروايات في غير الصحيح أنه شرب إلى خمسين مرة. تصوروا أيها الإخوة! لو أتي لنا برجل الآن شرب الخمر خمسين مرة، بعض الناس لا يسلم عليه ولا ينظر لوجهه أصلاً، فقال أحد الصحابة: {أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به في الخمر! فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} فأثبت له أصل الحب، وبين أن فيه خيراً وأنه لا زال على الفطرة، ومعنى الكلام: لماذا نخسر هذا الرجل ولو تكرر منه الذنب، علَّ الله أن يصلحه، وكلنا مذنبون وكلنا خطاءون.

    سبحان من يعفو ونهفو دائماً     ولم يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعه     جلاله عن العطا لذي الخطا

    أيضاً في الصحيحين: أن ماعزاً الأسلمي زنى، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تصوروا تلكم الشفافية في التقوى الذي بلغها مجتمع الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يقول ابن الوزير في العواصم والقواصم: والله الذي لا إله إلا هو لعصاة أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام خير من طائعي زماننا، لم يكن عند الرسول صلى الله عليه وسلم أجهزة تجسس ولا مباحث ولا استخبارات ولا هيئات، ولم يرسل للناس أناساً يكبسون عليهم بيوتهم، لكنها التقوى، فلما زنى تذكر الله والقدوم على الله والجنة والنار.

    أتى ماعز بنفسه ووصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل عليه وقال: زنيت يا رسول الله! فهل استبشر صلى الله عليه وسلم! لو قيل لبعض الناس: اعترف فلان بالزنا لقال: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسكلوه أثبتوا عليه، اكتبوا محضراً، خذوا بصماته؛ لأننا نخاف أن ينكر غداً، ليس هذا منهجه عليه الصلاة والسلام ماذا فعل؟ -حول وجهه من الجهة اليمنى إلى اليسرى- غضب، لا يريد صلى الله عليه وسلم أن يفتضح الناس.

    يقول كما روى الحاكم عن ابن عباس: {يا أيها الناس من ابتلي بشيء من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد} هذا قوله عليه الصلاة والسلام وهذا الحديث في بلوغ المرام لـابن حجر.

    {فحول وجهه- صلى الله عليه وسلم- فاعترف ماعز حتى تكلم أربع مرات، وذهب به ورجم وفر قبل الرجم، فمسكه الصحابة ورجموه، قال صلى الله عليه وسلم: ألا تركتموه} لماذا ما تركتموه يذهب؟ لعله ما زنى من يدري؟!

    وعند البيهقي فيما يروى عنه صلى الله عليه وسلم وبعض أهل العلم يصحح هذا الحديث لكنه يقبل التحسين ويرويه مثل ابن عدي: {ادرءوا الحدود بالشبهات} وزاد البيهقي {فإن الإمام أن يخطئ في العفو أحسن من أن يخطئ في العقوبة}.

    زنت امرأة ولا يعلم بزناها إلا الله، ولم يأت الرسول صلى الله عليه وسلم خبر من المجتمع، أو إخبارية، أو قرار أنها زنت، ولم يصله ملف اعتراف، ولكنها لما زنت تحرك الإيمان الذي في قلبها، الإيمان الذي في عصاة الصحابة أكبر من الإيمان الذي في قلوب الطائعين في هذا العصر، فذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام واعترفت، قال: {عودي حتى تضعي} لأنها حبلى من الزنا، فعادت ولم يكتب عليها بياناً ولم يثبت عليها ولم يأخذ منها تقريراً وردها إلى أهلها.

    أسألكم بالله لو أنكرت هي ووقفت في بيتها هل سيرسل لها الرسول صلى الله عليه وسلم من يأخذها؟ لا والله، وأتت بعد أن وضعت بطفلها -قال الراوي: وكان في لفائف- في أول يوم لكن الإيمان ارتفع في قلبها كالجبال، وقدمته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: (طهرني يا رسول الله!) -فاعتبرت الحد تطهيراً- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: عودي حتى ترضعيه، فإذا فطمتيه فتعالي -ولم يأخذ عليها شهوداً وكفى بالله شهيداً- فذهبت فأرضعت طفلها، فلما فطمته، أتت به وفي يده كسرة خبز قال صلى الله عليه وسلم: من يكفل هذا وهو رفيقي في الجنة كهاتين؟ فأخذه أحد الأنصار وذهبوا بالمرأة فرجموها، والرسول صلى الله عليه وسلم قيل في بعض الروايات: كان معهم، فقال أحد الصحابة: أخزاها الله لو أنها استترت بستر الله، قال: لا تسبها والذي نفسي بيده إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة، وفي الرواية الصحيحة: {والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم} وفي لفظ: {لو تابها صاحب مكس لغفر له} وفي بعض الروايات: {لو وزعت على أهل المدينة، لكفتهم}.

    هذا فضل الله، وهذه رحمته؛ وذاك عطاؤه لهذا العاصي أن يتطهر وأن يعود في الدين، وأن يدخل جنة عرضها السماوات والأرض.

    من الذي حجب الجنة عن السارقين والزناة وشربة الخمر بعد أن يتوبوا إلا الخوارج؟ ولذلك فهم مبتدعة عند أهل الإسلام، لكن ما دامت رحمة الله عز وجل وسعت هؤلاء العصاة وعادوا وأنابوا وجادوا بالنفوس، من منا الآن يجود بنفسه كما جادت المرأة الزانية، ثم تابت؟

    يجود بالنفس إن ضنَّ البخيل بها     والجود بالنفس أغلى غاية الجود

    الستر على العصاة

    نحن دعاة قبل أن نكون مؤدبين، وفرق يا أيها الإخوة! بين من يجاهرون الله بالمعاصي، كمن يبني خمارةً في بيته وقصره، ومن يروج المخدرات ويتعامل بها ويزاول ذلك، ومن ينشئ بيتاً للدعارة -والعياذ بالله- فهؤلاء مجاهرون محاربون لله ولرسوله، لكن إنسان عثر عثرة، أو تستر بشيء وهناك ظنون، وهناك اتهامات فقط، فلا نذهب عليه ونجمع الناس وندينه حتى يعترف! وإلا فهي ممارسات خاطئة، أنا أحاج بالكتاب والسنة أن هذا لم يكن هديه عليه الصلاة والسلام.

    أيضاً علينا أن نفتح باب التوبة للناس، وإني لأعلم أن كثيراً من العصاة ما ردهم من الهداية إلا لأنهم أحبطوا أمام الوعظ الناري الحار الذي أغلق عليهم باب الهداية.

    عند الترمذي من حديث سلمان بسند حسن: {إن الله ستير يحب الستر} فهو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحب أن يستر عباده.

    {يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم} وعند مسلم: {إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها}.

    1.   

    الرحمة بالمؤمنين والغلظة على الكافرين

    العنصر الرابع: الرحمة بالمؤمنين والغلظة على الكافرين والمنافقين:

    هذا مبدأ إسلامي، وأصل الاعتقاد لا يزول بمخالفة فرعية ولا بمعصية، هذه قاعدة لـابن تيمية رحمه الله.

    صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه بالمؤمنين رحيم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] هؤلاء هم المؤمنون، أشداء على الكفار رحماء بينهم.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة:73] لأن هناك دعوى تنشرها أجهزة الإعلام بين الفينة والأخرى، وتتكلم بها النخبة المثقفة -كما تسمي نفسها- وهي العارية عن علم الكتاب وعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه النخبة المثقفة في البلاد مثل: الضباط الأحرار في البلاد الأخرى، والأفكار واحدة، والمسار واحد، فيرددون: الوفاق العالمي، والأخوة الإنسانية، والعلاقة الدولية، والإنسان أخو الإنسان، ولا بد أن نسعى إلى بسط السلام ونبذ الفرقة أي أن المسلم واليهودي والنصراني والبوذي والماركسي كلهم تحت مظلة الوفاق الدولي، والإسلام يرفض ذلك، وليس من التشنج، وليس من الفضاضة، وليس من التنفير أن نهاجم معتقدات النصارى الصليبيين، ولا اليهود ولا أذناب اليهود ولا الماركسية بل مزيداً من تعريتهم وفضحهم، والله عز وجل قد لعنهم في كتابه سُبحَانَهُ وَتَعَالى ولعنهم رسوله عليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123] لكن لمَّا ذاب الولاء والبراء انقلبت الموازين، الآن يلقى الخواجة بالاحترام والشكر والتقدير، والعزايم والهدايا، والمرتب العالي، والسيارة الفخمة، والسكن في القصور، ويلقى المؤمن بالاتهام بالدروشة والفضاضة، والتنفير والغلظة حتى يقولون: إن الأشقر دائماً له من لونه نصيب، والأبيض له نبأ غريب وخبر عجيب، وتجد له كأن طابع انهزام المسلمين الداخلي من هذا المد الحضاري الذي يسمونه مد حضاري دخل عليهم حتى في المعاملات، فتجده إذا تكلم مع الخواجة تكلم بانبساط وانشراح وبشاشة وهشاشة ورضا، وإذا تكلم مع إخوانه المؤمنين إذا هو يغضب ويزبد ويرعد.

    قلب بعض الناس هذا المفهوم، فتجده أحياناً مع إخوانه في مسائل خلافية ويغلظ، بينما في مسائل كبرى لا يتكلم فيها، أحياناً تجد أفكاراً علمانية تطرح في الساحة وفي الصحف والمجلات، وفي الراديو على الشاشة ولا تجد من ينتقدها أبداً بحجة الهدوء والسكينة، لكنه على إخوانه الدعاة وطلبة العلم من أشد الناس تسلطاً ومن أضخمهم عبارة.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس غلظة ولا تشهيراً

    أيضاً ظن بعض الناس أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشهير، وهناك من يريد أن يلغي مسألة الهيئات، وأنها ليست من الإسلام، وأنها أساءت سمعة البلاد، وهذا ليس بصحيح،ويوم تلغى الهيئات، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلغى هوية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يقول تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الخونة العملاء المرتزقة من أهل البذاء والنفاق والعمالة العالمية من الصهاينة وغيرهم:لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] جريمتهم أنهم لا ينهون عن المنكر، مصيبتهم أنهم لا يأمرون بالمعروف، تريد ديناً ليس فيه محتسبون يأمرون وينهون، لا تقوم شئون العباد ولا البلاد إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    الاهتمام بالمنكرات الكبرى

    أيضاً: سكوت بعض الناس عن المنكرات الكبرى مع انقطاعهم إلى بعض المسائل واستحداثهم لبعض المشكلات؛ وفر جهدك بدل أن تتكلم ساعتين عن تحريك الإصبع، وهي من السنة ولا بد أن تحرك , وأنا لا ألغيها ولا أهاجمها، لكن وفر هذا الجهد في المسائل الكبرى كموضوع الربا، موضوع الفساد الذي يوجد في كثير من النواحي، الطرح الغثائي، مهاجمة العقيدة الإسلامية، الغثاء الفكري التي تعيشه الأمة، موت الولاء والبراء، انسحاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من القضايا.

    1.   

    التحليل والتحريم

    العنصر الخامس: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله، ربما يتسرع متسرع فيحب مسألة التحريم، يحب دائماً يقول: حرام حرام، حتى إن بعض المرتدين والمنافقين عيروا المهتدين والمستقيمين بذلك، حتى يقول أحدهم وهو يتبجح في مجلس: هؤلاء حرموا كل شيء حتى السُكرَّ، ويقول أحدهم: صليت الجمعة -اسمع الكذب- فقام خطيب يخطب فينا، فقال: حلق اللحية حرام، وإسبال الإزار حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، وكل شيء حرام. والله ما قاله، وهذا من التشويه، هذه النصوص المزيدة من أكياس التشويه لمعالم الإسلام.

    أيضاً: يصفون الدعاة بالعنف:

    وأنا أجزم جزماً أنه ليس هناك عنف، وإن كان في العبارات غلظة؛ فهذا الذي أريد أن أعالجه هذه الليلة إن استطعت، أو وفقت، لكن أن يكون هناك عنف بمعنى العنف الذي يتعارف عليه الناس، فليس هناك عنف ولا تطرف، العنف يا أخي: مهاجمة المؤسسات بالحديد والنار، العنف: الاغتيال، العنف: إسالة الدماء، العنف: فتنة طامة عامة، العنف: حمل السلاح، العنف: قطع الرءوس، العنف: اقتحام المنازل للقتال، لكن هذا لم يحدث أبداً، ولم نسمع بصورة ولو واحدة أنه حدث، فلماذا يوصم هؤلاء بالتطرف؟!

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

    أيها الإخوة: ليس لأحد من الناس أن يحرم إلا ما حرم الله ورسوله، ولا يحلل إلا ما حلل الله ورسوله، ولا يوجب إلا ما أوجب الله ورسوله، ولا يستحب إلا ما استحبه الله ورسوله، ولا يكره إلا ما كرهه الله ورسوله، ولا يبيح إلا ما أباحه الله ورسوله، هذه قاعدة يذكرها شيخ الإسلام في أصول الفقه كثيراً، لأن بعض الناس جعلوا من أنفسهم مشرعين، وهذا يدل على الجهل، وقلة الوعي، عدم المعرفة، وتحريم الحلال كتحليل الحرام سواءً بسواء، حتى المسائل الخلافية ليس لك أن تسارع إلى التحريم فيها.

    ذكر ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين أن الإمام أحمد كان إذا سئل عن مسألة فيها تحريم، قال: أكرهها، أو أكره هذا، أو أخشى أن تكون حراماً؛ من الورع، لأنه لا يدري هل هي حرام أم لا.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101] فالواجب الورع وعدم إحراج الناس في تحريم ما لم يحرمه الله عز وجل، وما زاد عن حده انقلب إلى ضده، وقد يكون تنطعاً، ولذلك لما تنطع النصارى فحرموا على أنفسهم أموراً حرمها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليهم، وفيه حديث: (إن من أعظم الناس جرماً عند الله يوم القيامة من سأل عن شيء لم يحرم فحرمت من أجل مسألته).

    وورد في الحديث وهو يحسن عند أهل العلم ولو أن ابن رجب نقد هذا الحديث: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها).

    1.   

    التسرع في التكفير

    العنصر السادس: التحذير من التسرع في التكفير:

    (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) كما قال عليه الصلاة والسلام، والتكفير عند أهل السنة والجماعة أضيق من ثقب الإبرة، ويذكر عن ابن تيمية في ترجمة ابن النفيس: أنه لما حضرته الوفاة استقبل القبلة، وقال: تبت عن كل من كفرته من أهل القبلة، وأقل الناس تكفيراً هو ابن تيمية ومن يقرأ الرسائل والرد على البكري يجد أنه يعتبر الكثير من الناس الذين اشتهروا عند الكثير منا أنهم كفار، ويحمل كلامهم على محمل جميل وينصف ويخاف الله في ذلك، لكن تجد التكفير يظهر على ألسنة الكثير لجهلهم في فقه الدين.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إما القائل وإما المقول فيه) فلماذا نقول كافر؟ ولماذا لا نستغني عن هذه العبارة؟ وهل كلفنا أن نكفر إلا من أعلن كفره وعرفنا باليقين أنه كافر؟

    أيضاً لا أريد في المقابل تمييع قضية التكفير فتقول: لا تكفر الناس بترك الصلوات الخمس، أو رجل يدوس المصحف بحذائه، فنقول: أحسن الظن به، أو يدمر حماة فيقتل ثلاثين ألفاً، فيقال: لا، لا تكفر اتق الله. كيف هذا؟! هذا إماعة للقضية ومن نواقض لا إله إلا الله، أو من نواقض الإسلام التي كتبها الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أن من لم يكفر الكافرين أو شك في كفرهم فهو كافر، فلا بد أن نكفر الكافرين، لكن لا نكفر المسلمين أو العصاة منهم.

    وقفة مع كتاب الحق الدامغ للخليلي

    قرأت من قريب كتاب الحق الدامغ، وهو للخليلي من عمان، واكتشفت فيما بعد أنه خارجي، وأتى بأهل المعاصي فأخرجهم من الملة جملةً وتفصيلاً، ولو سرنا على قاعدته، لخرجت دول الخليج من الإسلام ولم يبق أحد، وهذا المنهج خارجي بحت، والرجل في كتابه مبتدع، لأنه دافع عن ثلاث قضايا، وأنا أحذركم من هذا الكتاب، وهو يباع في الأسواق وهذه القضايا هي:

    1/ أن الله لا يرى في الآخرة.

    2/ أن أهل الكبائر كفار.

    3/ أن القرآن مخلوق.

    وهل أخطأ المعتزلة وكثير من الخوارج إلا بهذه المسائل وأمثالها وبدَّعهم أهل العلم إلا بها، فنعوذ بالله من قلة الفقه في الدين.

    للكفر موانع وله مقتضيات، قد تتخلف بعض المقتضيات وتوجد بعض الموانع، فأنت تجد إنساناً قد يقول كلمة هي كفر، لكن له موانع، أو مقتضيات، أو تسأله عن حكمها فلا يدري! يأتيك رجل في أرض المسلمين، لكنه عاش في البادية لم يصل الصلوات الخمس، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من ترك الصلاة فقد كفر} ويقول: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر} فتقول: كافر، هذا ليس بصحيح. بل تسأله: هل الصلوات الخمس مفروضة؟، فإن قال: نعم أعلم ذلك، لكني لا أصلي، حينها يكفر، لكن قال: لا أعلم ذلك، ولا أسمع بالصلوات الخمس إلا منك الآن، فهذا لا يكفر، وقس على ذلك من أمثالها.

    التقارب مع أهل البدع

    الخوارج متهالكون في التكفير حتى كفروا بعض الصحابة، وكفروا أهل الكبائر غير المستحلين لها، يقابلهم أيضاً مرجئة العصر، ومساراتهم وسيعة حتى إنهم يرون أنه لا خلاف مع أهل البدع، وأن المسألة اعتقاد فحسب، والمقصود أنه يوجد في الساحة من يميع القضايا، ويقول: المسألة مسألة عقيدة فقط، من قال: (لا إله إلا الله) فهو أخونا. ما رأيك في الرافضي؟، قال: أخونا وحبيبنا وليس بيننا وبينه خلاف، والخوارج أحبابنا، والمرجئة إخواننا، والقدرية أخوالنا.

    فإذا قيل له: من هو العدو؟ قال: شامير. فهل هو العدو فقط؟ أما هؤلاء -المبتدعة- فيقول: لا تفرق كلمة المسلمين، وادع إلى الاتفاق، ومدوا الجسور مع هؤلاء...!!

    إذاً فما هي ميزة أهل السنة والجماعة؛ المذهب الذي قدم صفوة العلماء دماءهم رخيصة من أجله، وشنقوا وجلدوا وحبسوا؟ لماذا سجن أحمد بن حنبل؟ لماذا ضرب بالسياط؟ تدري كم جلد الإمام أحمد بن حنبل يقولون: ما يقارب ألف وستمائة سوط في ستة وثلاثين شهراً حتى يقول له أحد الخمارين: -انظر العصاة للمبادئ يخدمون مبادئهم وهم عصاة- وكان مسجوناً معه: يا أحمد بن حنبل! اصبر على ضرب السياط، فإنك تجلد من أجل أمة محمد عليه الصلاة والسلام، والله الذي لا إله إلا هو لقد جلدت في الخمر ألف وستمائة سوط وما تراجعت، هكذا فلتكن الشجاعة والثبات.

    يذكرون في بعض المذكرات عن الأكراد أن رءوسهم يابسة من الشجاعة، فقيل: إن سلطاناً من السلاطين كان حارسه كردياً وبينما الوزراء عنده جلوس والسلاطين لا يريدون أن يكسر لهم جاه، فقال السلطان للناس: الحبحب يقطع بالسكين أو بالمقص، قال الوزراء كلهم: بالسكين، قال السلطان: نعم بالسكين، قال الكردي: لا بالمقص، قال السلطان: أنت وليد نعمتي وتخالف أمري: بالسكين، أو بالمقص؟ قال: بالمقص، قال: أوقفوه، فأوقفوه يومين، ثم استدعاه في اليوم الثالث: المقص أو بالسكين؟ قال: بالمقص، قال: غيبوه في البركة في الماء، أنزله الجنود، تدريجياً في الماء يغرقونه، ويقول: بالمقص بالمقص بالمقص بالمقص، قالوا: فلما اختفى رأسه أخرج إصبعه ويقول بها كذا، هذا من التضحيات إلى آخر قطرة من الدماء، فالمقصود: أن تنظر إلى الخمارين والسكارى كيف يبذلون دماءهم في سبيل منهجهم، فلما عرف الإمام أحمد قال: فما شد قلبي أحد كما شد قلبي ذاك الرجل جزاه الله خيراً. الإمام أحمد يدعو له؛ لأنه لا زال مسلماً لا زال يقول: لا إله إلا الله، لا زال يصلي فدعا له، قال: جزاه الله خيراً، فاشتد قلب الإمام أحمد وانتصر بإذن الله، وحقق منهج أهل السنة والجماعة.

    لماذا سجن ابن تيمية؟ أصل ابن تيمية هذا عجيب فهو دائماً في الحديد يخرج من قلعة دمشق إلى الإسكندرية؛ لأنه لا يريد الباطل، يريد أن يثبت منهج أهل السنة والجماعة، فقصدي: أن مرجئة العصر يتقون الله فينا كلما تكلمنا عن طوائف المبتدعة، قالوا: اتقوا الله لا تشتتوا شمل المسلمين، المسلمون منهم الرافضة ومنهم المرجئة ومنهم الخوارج وهؤلاء كلهم مسلمون، لا أهل السنة والجماعة فقط.

    هذا هو المنهج الرباني الذي يجب أن نربي الناس عليه، وأن ننشره، وعليه دعوة الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب، وهؤلاء الثلاثة نجوم في عصورهم وحسبك بهم.

    تقريع الناس وتوبيخهم في الوعظ والتعليم ليس من هديه عليه الصلاة والسلام، التقريع والتعنيف تزكية ضمنية للمتكلم وإدانة للمستمعين، وإلى متى يحتمل الإنسان من يؤدبه ويجرحه؟ هو يجرحه ويعرض عليه سلبياته.

    من مناهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يوبخون على رءوس الملأ، ولا يقرعون بوعظهم الناس، ولا يشهرون العصاة بالأسماء، أو بالعلامات التي تفهم، بل إنهم يعرضون الحق ويعرضون الباطل.

    أيضاً: ليس من مناهجهم التكتم على الباطل أو المنكرات، أو الفجور الموجود بحجة أن يستروا على العصاة فلا يعرضون الباطل، لا، هذا خطأ، وقضية ألا تعرض إلا الجوانب الحسنة فقط، ولا تعرض السيئة في المجتمع غير صحيح، بل عرضها بشكل عام لا يفهم منه إرادة توبيخ أحد، أو تجريحه.

    كان صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: {ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا} وقال لقبيلة بني عبد الله:{يا بني عبد الله إن الله أحسن اسم أبيكم، فأحسنوا الاستجابة} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وأمره ربه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    تغليب الخوف على الرجاء

    أيضاً: تغليب الخوف على الرجاء، والترهيب على الترغيب، وهو منهج بعض الدعاة وهم قلة أنهم يتكلمون في الخوف أكثر من الرجاء، وفي العذاب أكثر من الرحمة، وفي سوء الخاتمة أكثر من حسن الخاتمة، وفي النار أكثر من الجنة، ويسبون أكثر مما يثنون، فالداعية عليه ألا يقدح ولا يمدح، بل يمدح الله عز وجل، والله يحب المدح، وهو الذي يستحق المدح، الداعية يعرض منهجه السليم السديد على الناس، وفي الترغيب والترهيب تسمى هذه النظرة السوداوية، وكأن العالم أغلق من الخير، وأنه أصبح عالم فتن ومصائب، وعالم كوارث فقط، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، والله قرن بين الترغيب والترهيب، فقال: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3] وقال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد:6].

    أخفق الحارث المحاسبي لما ألف كتاب الرعاية، ترك الناس المساجد وهو وإن أراد خيراً، لكن دخل في الخطرات والوساوس والواردات مثلاً: تريد أن تدعو العاصي وتقول: انتبه من صلى وقد وسوس في صلاته أظنها لا تقبل، ومن أتى إلى المسجد يريد رياء وسمعة الناس أظن إقباله باطل، ومن دخل المسجد ونظر إليه الناس فأعجبوا بخشوعه أظنه يبطل خشوعه، فإنه بالتالي يترك المسجد ويترك الصلاة ويترك الخشوع، هذا منهج الحارث المحاسبي، وتبعه في ذلك الغزالي في إحياء علوم الدين، وأنا أنصح أن يحذر الناشئة من قراءة هذا الكتاب، لأنه سوف يسحقهم سحقاً.

    أيضاً: بدون مجاملة، وقد أكون مخطئاً: ليت ابن القيم لم يؤلف مدارج السالكين، وليته حفظ جهده وذكاءه في كتب أخرى، وقال هذا مثل: محمد حامد فقي وغيره، والصحيح أن منهجه تتبع الخطرات والوساوس، وهي ليست من مناهج الصحابة، ولو أن ابن القيم سلفي صرف من أئمة أهل السنة والجماعة، لكن أمَّا في هذا الكتاب، فإنه يتعب في التربية، ويدخل بك في متاهات، ويريد أن ترتقي بروحك إلى مرتقى صعب، حتى لو أتيت بالصحابة ووزنتهم في مدارج السالكين، لرأيت بوناً شاسعاً عن ما يريده ابن القيم، هذه وجهة نظر.

    فتح باب التوبة للعصاة

    أيضاً: علينا ألا نغلق أبواب التوبة أمام العصاة، وأن نرحب بهم، وأن نخبرهم أن رحمة الله وسعت كل شيء.

    في الصحيح وقد أورده الشيخ / الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب" التوحيد ": {أن رجلاً قال لعاصٍ: تب إلى الله، قال: اتركني وربي، قال: تب إلى الله، قال: اتركني وربي، قال: والله لا يغفر الله لك، وفي لفظ: لفلان، قال الله- عز وجل-: من الذي يتألى علي؟ أشهدكم أني غفرت لهذا، وأحبطت عمل هذا}. غفر للعاصي، وأحبط عمل هذا الطائع المعجب بطاعته.

    أيضاً: مما يروى في كتب التاريخ أن أحد العلماء رأى أناساً في سفينة نزلت من دجلة، وهم يصفقون ويضحكون ويغنون، وعندهم مزامير وأعواد وكمنجة فضحكوا، فقال أحد الناس من المتشددين المنفرين: يا شيخ ادع على هؤلاء أن يغرق الله سفينتهم، فالتفت الشيخ الإمام العاقل الفطن إلى القبلة، قال: اللهم كما أضحكتهم في الدنيا، فأضحكهم في الآخرة في جنتك. وماذا يضر هذا العالم أن يدخل الجنة المغنون؟

    ولذلك من الأحكام الجائرة أنه مات بعض المغنين العالميين (موسيقار) فسمعت بعض الخطباء يقولون: مات إلى جهنم وسوء المصير. وهذا لا يجوز لأنه عند أهل السنة ضوابط في الحكم على الناس بالكفر والإيمان والحنة والنار حتى ولو كان عاصياً فاسقاً؛ فإنه لا يستطيع الحكم عليه بالنار إلا الله عز وجل.

    الوصول إلى من في وصوله الخير والنفع

    أيضاً: المطلوب مد الجسور مع الناس، والوصول إلى من في وصوله الخير والنفع، وإذا رأيت أن من النفع أن تصل إلى هذا الرجل، أو إلى ذاك، فصل إليه وتبسم له وحاول أن تكسبه.

    موسى عليه السلام أرسله الله إلى فرعون، أنا قرأت وأنتم قرأتم أيضاً، وهذه موجودة في كتاب الشيباني في ترجمته لـابن تيمية فيما أظن أن ابن تيمية كان يخرج غالب الأيام ويذهب إلى ابن قطلوبك فيدخل عليه في قصره كثيراً، فيقول السلطان -مجاملة-: يا شيخ! يا إمام! أنت أولى أن نزورك في البيت، قال ابن تيمية: دعنا من كدوراتك، كان موسى يأتي فرعون في اليوم مراراً، فالله يرسله يقول: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:43] لا تنتظر أن يأتيك يطرق عليك بابك، لو بقيت خمسين سنة ما أتاك؛ لأنه غني عنك، ويتصور أن الدنيا عنده، وأن القرار بيده وأنه هو المؤثر، ولماذا يأتي عندك؟ فأنت تذهب إذا رأيت أن هذا الأصلح، وتتوكل على الله، وتدعو الله أن يكون عملك خالصاً لوجهه في نفع المسلمين، ثم لا تنافق ولا تجامل، ولا تتنازل عن ذرة من دينك، ولا تخاطر بمبادئك وتقدم النصح مثلما فعل أئمة الإسلام الزهري وابن تيمية وأحمد فعلوا ذلك.

    أيضاً: الدعاة كالأطباء يأتون مرضى الناس، والناس قريبون من الداعية، فهم على الفطرة، والرسول عليه الصلاة والسلام يجوب الأسواق والمنتديات ويصل إلى الطائف ويدخل سوق عكاظ، ويتكلم مع المنافقين ويصل إلى اليهود، ولكن صنف من الناس يريد أن يأتي الناس إليه في بيته ويطرقون عليه بيته.

    أنا أرى أن من النقص عند بعض المشايخ الأجلاء أنهم فوتوا وفرطوا وخسروا الجيل، خسروا الشباب صراحة، أيظن العالم أن من مهمته أن يبقى في بيته حتى نطرق عليه الجرس عشرين مرة، ثم يخرج نسأله عن مسألة في الطلاق والحيض فقط! أهذه مهمته في الحياة! ابن تيمية يا أخي! كان على الرصيف وفي المسجد، وفي السوق، وفي المعركة، ومع البقالين، أنا أريد العالم أن يكون مع الناس ومع العامة والأطفال والشباب في كل مكان، هذا هو العالم، العالم يتبسم، العالم يفرح أن يطرق بابه، ويرحب بهذا الجيل، ويحمد الله أن أتي إليه، وأنه حُبَّ في الله عز وجل.

    فأنا أقول: إن الكثير خسروا بسبب هذه الممارسات.

    أيضاً: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للرسول صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67] فعمم التبليغ، التبليغ ليس لطائفة فقط، كثير من المراكز الصيفية والمخيمات لا يدعى إليها إلا الملتزمون مع أنهم أصلاً جاهزون من قبل، الملتزمون مهيئون للطاعة، لكن من يذهب إلى المقاهي، وإلى المنديات، ونوادي الكرة، والمسرح، والملاعب، والقصور، والفلل؟ الدعاة المخلصون.

    عدم تكليف الناس في عبادتهم

    من الواجب على العالم والداعية عدم تكليف الناس في عباداتهم، فلا نريد التنفير في الطاعة لا في إمامة المسجد، ولا في خطابة الجمعة، ولا في القراءة على الناس، ولا في تعليم الناس.

    يا أيها الإخوة: دعونا نتحاج إلى الكتاب والسنة، صلى معاذ رضي الله عنه وهو أفقه فقهاء الأمة، وهو عالم الأمة، فطول بالناس، قرأ سورة البقرة ظن أنه أحسن؛ لأنه يقرأ قرآناً ويكسب أجراً، فمل بعض الناس من الصلاة ورفضوا أن يصلوا معه، لأنهم لا يتحملون هذا التطويل وشكوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فغضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً حتى يقول جابر: {ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد غضباً منه في تلك الموعظة، وقال: أفتانٌ أنت يا معاذ! أفتانٌ أنت يا معاذ! أفتانٌ أنت يا معاذ} وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:{يا أيها الناس! إن منكم منفرين، من صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف والكبير وذا الحاجة} وهذا درس للأئمة حتى لا يطيلوا على الناس، أتظن الناس على قلبك وقلب شباب الصحوة، رجل تاب من أسبوع، ورجل اهتدى من شهر، ورجل ترك الخمر أمس، ورجل كان يستمع الأغنية قبل الصلاة، فتريد أن تشده معك حتى يترك المسجد، اكسب الناس في صلاة التراويح، يبدأ بعض الأئمة والناس ملء المسجد، فشدد حتى ما بقي معه إلا صف فنقول: اتق الله واكسب الناس، وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: {إني لأدخل في الصلاة فأريد أن أطيل، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه} وفي سنن أبي داود قال عثمان بن أبي العاص الثقفي: {يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً} والشاهد: اقتد بأضعفهم.

    أيضاً: كان الرسول صلى الله عليه وسلم معاملته مع الثلاثة الذين شددوا على أنفسهم في العبادة، قال: {أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء , وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني}.

    رأى سعيد بن المسيب قوماً يصلون من الظهر إلى العصر -وهذا موجود في سير أعلام النبلاء في ترجمته- فقال له أحد العباد: ما شاء الله انظر يا أبا محمد! لهؤلاء الشباب يصلون من الظهر إلى العصر -معجب هذا الشيخ- قال سعيد بن المسيب سيد التابعين: لا، والله ليست هذه بالعبادة، إنما العبادة الكف عن محارم الله والتفكر في أمر الله، وهذه الذي بلغت سعيد بن المسيب هذا المبلغ. أما قضية أن يشد الإنسان على نفسه وعلى مجتمعه، فيكون نقمة عليهم حتى ينفرهم، فغير صحيح.

    أيضاً مثل: خطبة الجمعة لماذا تخطب ساعة في الناس؟ لماذا تعذب الناس ساعة كاملة ليستمعوا لك؟ هم ما جلسوا حباً فيك، لكنهم مجبرون على الجلوس؛ لأن وراءهم صلاة وبعضهم ساعة وربع! هذه محاضرة، ندوة، هذه أمسية شعرية، يقول- صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم من حديث عمار: {إن قصر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه}.

    أيضاً في الوعظ -وأنا طولت ما امتثلت لكن الله المستعان-!

    سلامة الصدر وحسن الظن بالمسلمين

    وفي الأخير أقول: المسلم سليم الصدر لا يسيء الظن حتى تظهر له البينات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ [يونس:36] وفي صحيح مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: {من قال: هلك الناس فهو أهلكهم} فلماذا نجعل الأصل في الإنسان سوء الظن؟ إذا تكلم بكلمة قلنا يريد كذا وكذا، فتقول أنت: لا، يريد أن يصلح، قال: لا، أنت ما تعرفه هو دائماً يريد السوء.

    أجل.. لقد فعل خيراً فاشكره على الخير، قال: لا، هو ما أراد إلا خبثاً ودهاءً ما أراد الخير.

    يقول عمر رضي الله عنه فيما صح عنه: [[من وجد لكلام المسلم محملاً فليحمله على أحسن العذر، أو على أحسن المحامل]] أو كما قال، ويقال: التمس لأخيك عذراً ما وجدت له محملاً.

    أيضاً: من مميزات المسلمين أنهم لا يسارعون في الحكم على الناس بالأحكام الجائرة: كالتفسيق، أحذركم منه وأحذر نفسي، رمي الناس بالتكفير وهذا قليل فينا ونادر -والحمد لله- لكني أخشى أن يتطور الحال إلى أن يصل إلى هذا المستوى بقلة علم أو فقه في دين الله عز وجل، فالأحكام الجائرة لا تخدم هذا الدين، واتهام الناس في نياتهم، وحمل كلام الناصح على أنه يريد السوء، أو الفوضى، أو أنه متطرف، أو أنه يريد أموراً الله أعلم بها، ليس هذا بصحيح، وهذا من الجهل ومن سوء التقدير.

    فأسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرحمنا وإياكم، وأن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يصلح الراعي والرعية، وأن يهدينا وولاة الأمر إلى ما يحبه ويرضاه، ونسأل الله أن يبقي من في بقائه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن يهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا مبشرين لا منفرين، وميسرين لا معسرين، وأن يهدي على أيدينا أمماً من الناس، ولا يرد بسببنا أمماً من الناس {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم} وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.