مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة البقرة

766723

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8021

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6029

4

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2608

(...)
5

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2599

طارق السويدان
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1534

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1467

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1453

9

خطبة عيد الفطر

1407

سعد البريك
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1346

كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس خوفاً من الله، وبعده الصحابة رضوان الله عليهم، ومن كان بالله أعرف كان له أخوف، ولما قست قلوبنا ابتعدنا عن الله، وابتعدنا عن الخوف من الله.

وقد تعرض الشيخ في أثناء حديثه لنماذج من الخائفين، ثم ذكر أسباب الخوف من الله، وبالمقابل ذكر موانع الخوف من الله، وكذا المظاهر التي تدل على صدق العبد في الخوف من الله.

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

اللهم لك الحمد خيراً مما نقول, وفوق ما نقول, ومثلما نقول, عزّ جاهك، وجلّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك, ولا إله إلا أنت, والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين, هدى الله به البشرية, وأنار به أفكار الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..

سلام الله عليكم يوم اجتمعتم على ذكر الله, وقلب لا يخاف الله عز وجل فليس بقلب، وحي لا يرجو موعود الله عز وجل فليس بحي وإنما هو ميت, قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

ومن يوم وقع رأس الإنسان في الأرض وهو مسئول أمام الله عز وجل, وهو واقع في مشكلة أريبة معقدة لا يقطعها ولا يحلها إلا الخوف من الحي القيوم, قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50-51].

ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

وأشرف ما يشرف هذا العبد الحي عبودية الواحد الأحد, فلا شرف له ولا خروج من المأزق إلا بأن يكون عبداً لله تبارك وتعالى, ولذلك شرف الله رسوله صلى الله عليه وسلم, وذكره في أشرف المواطن بالعبودية، فقال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1].

وقال في حقه: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19] , وقال عنه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1].

فالذي لا يتشرف بهذه العبودية، سوف يبقى ضالاً في الدنيا والآخرة ويحشر أعمى يوم يعرض الله الناس أولهم وآخرهم ليوم لا ريب فيه, ولذلك طالبنا سُبحَانَهُ وَتَعَالى بالخوف منه, وأخبرنا بأنه أعد جنتين اثنتين لمن خافه، حيث قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] , وقال: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

ولذلك أجمع أهل العلم على أن أفضل المنازل منزلة الخوف مع الإخلاص, فمن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل, والذي يخاف الله عز وجل يعمل, لأن المؤمن يحسن العمل ويخاف, والمنافق يسيئ العمل ويرجو، ولذلك فرق عند أهل السنة والجماعة بين أهل الإرجاء وأهل العمل الصالح من ناحيتين:

1- أهل العمل الصالح يخافون ويعملون.

2- وأهل التواكل والإرجاء يسيئون ويرجون.

وفرق بين الطائفتين وبون بين الفريقين.

ولذلك كان أخوف الناس هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم, ولا وجد أخوف منه لربه تبارك وتعالى, ولذلك يقول للصحابة وهم يجتهدون في العبادة, بعضهم من شباب الصحابة يرى ألا ينام الليل إلى الصباح، فقل لي بالله! أين شبابنا الذين يسهرون إلى الفجر على الليالي الحمراء وعلى الكلام الآثم الماجن الضائع؟

وقل لي بالله! أي جلسات تلك الجلسات التي يقطعها شيوخنا -إلا من رحم الله- في أعراض الناس بالغيبة والنميمة؟

يرى بعض الصحابة أن يقوم الليل ولا ينام حتى الفجر في عبودية الله, ويرى الفريق الآخر أن الأحسن أن يصوم النهار فلا يفطر أبداً إلا مع الغروب, ليجوع بطنه, ولتظمأ كبده, وليروى من الحوض المورود, يوم يذاد عن الحوض المورود بسبعين ألف ملك مع كل ملك مرزبَّةٍ من حديد, يريد أن يري وأن يشبع في ذلك اليوم, فيأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويعرضون عليه أحوالهم, فيقول: (أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له) وصدق عليه الصلاة والسلام, ولذلك أتى به الإمام البخاري في كتاب العلم في باب الخشية وعدها من أعمال القلوب التي ينكرها أهل الإرجاء، علم من ذلك أن أخوف الخلق لربه هو الرسول عليه الصلاة والسلام.

 خوف النبي صلى الله عليه وسلم من ربه عند قراءته القرآن

وروى ابن جرير الطبري وابن مردويه عنه صلى الله عليه وسلم: {أنه مرّ به بلال بن رباح -المؤذن, داعي السماء, الذي أخرج من أوضار الوثنية إلى نور الإسلام- قبل صلاة الفجر, فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم يبكي, فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ماذا يبكيك؟ قال: آيات أنزلت عليّ ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ثم تلى عليه الصلاة والسلام: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191]}.

والذي يتلو مثل هذه الآيات ولا يتدبر ولا يتفكر؛ فكأن قلبه طبع عليه إلا ما شاء الله, والطبع يصيب القلوب بالمعاصي وبالغفلة وبالشهوة, فنسأل الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم, ولذلك يقول جل ذكره مخاطباً الصحابة ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين -يقول بعض الصحابة: ما بين نزول هذه الآيات المعاتبة وبين إسلامنا إلا أربع سنوات-: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:16-17].

فكما يحيي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الأرض بالماء والغيث من السماء فإنا نطمع منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يحيي قلوبنا بالذكر فقد جفت ويبست وخمدت, فإنه الذي قال: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الأنعام:95].

ولذلك إذا نسي القلب موعود الله تبارك وتعالى, والعرض عليه, والقبر, وتلك الوقفات الهائلة الفظيعة أصبح قلباً فاجراً قاسياً بعيداً عن الله.

روى الإمام ابن كثير في البداية والنهاية المجلد الثاني عشر: عن السلطان نور الدين محمود وهو من سلاطين الإسلام الذين كانوا يقومون الليل ويصومون النهار, ذكر ابن تيمية هذا السلطان فقال: رحم الله تلك العظام؛ لأن تقوى الله يوزعها على البشر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, لا تختص بغني ولا فقير, ولا كبير ولا صغير, ولا أحمر ولا أسود, وإنما يوزعها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنه يعلم القلوب التي تستحق الهداية.

استعرض هذا السلطان فترة من فترات الذهول والغفلة في جيشه في دمشق وعمل مهرجاناً ضخماً حضره أمراؤه ووزراؤه وقواده, وحضره أهل دمشق في مقام بهيج وفي حفل مرعب, ولما اكتمل هذا الحفل دخل أحد علماء الإسلام اسمه ابن الواسطي، دخل ببردته وعصاه ووقف أمام السلطان ثم قال: اسمع أيها السلطان لموعود سلطان السموات والأرض؟

فتوقف الناس وخمد المهرجان وانتظروا ماذا يقول هذا الواعظ, فرفع صوته وقال لهذا السلطان وهو على سرير الملك:

مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

إن قيل نور الدين جاء مسلماً     فاحذر بأن تأتي وما لك نور

حرمت كاسات المدام تعففاً     وعليك كاسات الحرام تدور

ثم يقول:

هذا بلا ذنب يشيب لهوله..يعني: الوليد يخاف يوم القيامة وتشيب ناصيته لهول اليوم, يقول:

هذا بلا ذنب يشيب لهوله     كيف المصر على الذنوب دهور

فسقط السلطان من البكاء مغشياً عليه في الأرض, ورش بالماء، واستفاق وهو يقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:27-28].

وأصبح هذا الموقف له توبة إلى الله وعودة إلى الحي القيوم.

 خوف النبي صلى الله عليه وسلم من ربه أثناء الصلاة

كان عليه الصلاة والسلام دائماً وأبداً يخلط خطبه ودروسه ومواعظه بالمخافة من الله الحي القيوم, بل كان هو -كما سلف معنا- أخوف الناس، وأرجاهم لربه، وأخشى الناس لمولاه, يقول أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه -أبو ذر الصادق الزاهد العابد المنيب-: {بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي, فقام يصلي من الليل, فسمعته يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم.. ثم بكى! ثم عاد فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم بكى..! ثم عاد ثالثاً، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ثم بكى..! ثم قال وهو في صلاة النافلة: ويل لمن لَم تدركه رحمة الله} إي والله ويل لمن لم تدركه رحمة الله تبارك وتعالى.

 بكاء النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة ابن مسعود القرآن عليه

ويقول ابن مسعود ذاك الشاب الذي كانت هدايته على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ابن مسعود الذي جسمه وهو واقف كالرجل الجالس, ليس عنده جسم ولكن عنده قلب, والله عز وجل لا ينظر إلى الأجسام أو الصور أو الأموال أو المناصب أو الأولاد، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم -وفي لفظ: ولا إلى أموالكم- ولكن ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم} فالقلب محل نظر الرب تبارك وتعالى.

وقد ذم الله المنافقين الذين ماتت قلوبهم من النفاق، ولكن عاشت أجسامهم كأجسام البغال, قال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].

فالعبد الذي لا يعتني بقلبه ويخلصه لله لا ينفعه جسمه ولا ماله ولا منصبه ولا ولده, أتى ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه وأسلم لرب العالمين, كان راعي غنم، وأبو جهل كان سيداً من سادات مكة، إذا قال لأهل مكة هذا الأمر هو الأمر, قالوا: هو الأمر, وإذا نفى أمراً نفوه, وإذا أثبت أمراً أثبتوه, ولكن خسئ ذاك الفاجر؛ لأنه ما آمن برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأما ابن مسعود فآمن فرفعه الله عز وجل وأكرم منزلته, وجعله من عباد الله الصالحين.

صعد ذات مرة شجرة من الشجر وجسمه نحيف, فأخذت الريح تعبث بأوراق الشجرة وغصونها وهو عليها يهتز، فتضاحك الناس, جسم نحيل لطيف صغير, ولكن فيه قلب وعى القرآن، وفيه قلب معمور بلا إله إلا الله, وفيه قلب عاش على مبادئ لا إله إلا الله, فيقول عليه الصلاة والسلام: {أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده، إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد} هذا هو الإيمان, يوزن يوم القيامة، إيمان المؤمن ويقينه وثباته وصدقه وإخلاصه, ويتهاوى أهل الفجور فلا إيمان ولا إخلاص ولا صدق.

يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {يحشر المتكبرون يوم القيامة على صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم} فنعوذ بالله أن نتكبر في الدنيا ونحن من المهانين في الآخرة, ونعوذ بالله أن نتجبر على متن هذه الأرض ونحن من المعذَّبين في بطنها, نعوذ بوجهه وجلاله ونوره.

إذا علم هذا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحرك شجونه بالقرآن الكريم, لتذكره الآيات مخافة الله تبارك وتعالى, يقول لـابن مسعود كما في الصحيحين: {اقرأ عليّ القرآن؟ فيقول: يا رسول الله! كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ -حياء وأدب وسكينة من ابن مسعود يتعاظم أن يقرأ القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تعلم القرآن هو من رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيقول: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فاندفعت أقرأ في سورة النساء، فلما بلغت قوله تبارك وتعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41]

قال: حسبك الآن فنظرت فإذا عيناه تذرفان} فعليه أفضل الصلاة والسلام, ما كان أتقاه لله! وما كان أخوفه من ربه تبارك وتعالى! حتى كان عليه الصلاة والسلام إذا قام في النافلة كما يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير: {دخلت عليه صلى الله عليه وسلم فسمعت في صدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء} والمرجل: هو القدر إذا استجمع غلياناً.

انظر إلى أحوالنا اليوم، هل خلا أحد بنفسه فتباكى أو بكى؟

هل تذكر في الحفرة الضيقة يوم لا يدخل معه ولد ولا مال ولا زوجة ولا قريب ولا حبيب؟

هل تذكر ذاك المصرع؟

وإنه والله لعجيب! ولو تذكرناه كل يوم لزهدنا ولتورعنا ولتبنا ولاستغفرنا.

 خوف عمر بن عبد العزيز من ربه

يقول ابن كثير في البداية: صلّى عمر بن عبد العزيز رحمه الله صلاة العيد بالناس -عمر بن عبد العزيز زاهد من الزّهاد, تولى أمر الأمة الإسلامية على رأس المائة, فكان مجدداً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم, فلما انتهت الصلاة ذهب إلى بيته فاستعرضه الناس وأتوا بالموكب، فقال: باعدوه عني فما أنا إلا رجل من المسلمين, فلما مرّ بالمقبرة التفت إليها، وقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، ثم قال: آلله كم في هذه القبور من خد أسيل وطرف كحيل!

ثم قال للناس والوزراء والأمراء حوله وهو ينظر إليهم: ما كأنهم أكلوا مع من أكل, وما كأنهم شربوا مع من شرب, وما كأنهم استأنسوا بالدور ولا عمروا القصور, ثم رفع صوته وقال للمقابر: يا موت! ماذا فعلت بالأحباب؟ يا موت! ماذا فعلت بالأصحاب؟ فجاوب نفسه بنفسه، وقال: أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: لا. -هو يقصد بهذا الكلام مدرسة لهم حتى لا ينسوا هذا الدرس أبداً- قال: يقول: ذرفت بالعينين، وأكلت الحدقتين، وفصلت الكفين عن الساعدين, والساعدين عن العضدين, والعضدين عن الكتفين, وفصلت القدمين عن الساقين, والساقين عن الركبتين, ثم بكى حتى غشي عليه, هذا الرجل العظيم الذي خاف الله وموعود الله فأكرمه الله أن جعله من السعداء في الدنيا وفي الآخرة إن شاء الله, فما يذكر إلا ترحم عليه.

ولذلك لما حضرته الوفاة يوم عيد الفطر خرج الناس يلبسون الجديد يوم عيد الفطر إلا هو, فقالوا: ما لك؟ قال: أرى أن مصرعي اليوم وأني ألتقي بربي اليوم, فلما دخلت عليه زوجته والناس يصلون العيد, قالت: ماذا ترى؟ قال: اخرجي من البيت! فإني أرى ملأً ونفراً ليسوا بجن ولا إنس, قال أهل العلم: هم ملائكة, فخرجت، فلما قبضت روحه رحمه الله، قال أهل السير والتاريخ في ترجمته: سقطت على المصلين صحيفة من السماء مكتوب فيها: براءة لـعمر بن عبد العزيز من النار؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا علم من العبد أنه يخافه يؤمنه المخاوف سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

ولذلك قال أهل العلم: إذا خفت من الله خوَّف الله منك كل شيء, وإذا خفت من غيره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أخافك من كل شيء، ولذلك أذل الناس وأخوفهم وأخنعهم وأهزمهم وأفشلهم من لا يخاف من الله, ولو رأيته جباراً عنيداً فاعلم أن الله أذهب الهيبة من قلبه.

ولذلك يتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن الخوف, ما هو الخوف المطلوب؟

قال: ما حجزك عن المعاصي فهو الخوف المطلوب. أما ما زاد على ذلك فلا يطلب في الإسلام, فالذي يردك عن معاصي الله تبارك وتعالى فهذا هو الخوف الذي يطلب منك لتكون خائفاً منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وصحابة الرسول عليه الصلاة والسلام إنما امتازوا علينا بمخافتهم من الحي القيوم.

 خوف أبي بكر الصديق

ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد بسند جيد, أن أبا بكر الصديق -رحمه الله رحمة واسعة- أنفق أمواله, ووقته, ودمه, ويومه, ونهاره, وليله, وكل ما يملك من قليل وصغير للإسلام, حتى أتي بثوبه الذي يلبسه فكُفِّن فيه، ما وجد له كفناً من التركة وهو خليفة المسلمين.

يذكر عنه الإمام أحمد: أنه دخل هو وبعض الصحابة في مزرعة رجل من الأنصار في المدينة، فكان النخل يانعاً بالثمار, وقد تدلّت غصونه بالرطب وعليه الأطيار, فأما الصحابة فارتاحوا, وأما أبو بكر فجلس يبكي, فقالوا: ما لك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: [[طوبى لهذا الطائر يرد الشجر ويأكل منها، ويرد الماء ويشرب منه، ثم يموت لا حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت طائراً! يا ليت أمي لم تلدني! فبكى الصحابة!!]].

فانظر إليه -رضي الله عنه وأرضاه- والرسول عليه الصلاة والسلام بشره بالجنة, وهو مع ذلك يخاف, وهو مع ذلك يحاسب نفسه, حتى يقول: والله لا آمن مكر الله، ولو كانت إحدى رجليّ في الجنة والأخرى خارجها!! لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون, والذي يأمن عقاب الله وعذابه، فقد أضله الله على علم, وقد طمس الله على بصيرته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنه من يأمن أخذه الله؟ ومن يعتقد أن أعماله مقبولة!

نعم. صلينا آنفاً صلاة المغرب؛ لكن من يدري منا هل ارتفعت صلاته أم بقيت؟ هل قبلها الحي القيوم أم ردت عليه واضرب بها في وجهه؟

ولذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: رب مصليين اثنين وقفا في صف واحد كلٌ بجانب صاحبه ما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض؛ لأن بعض الناس إذا قام للصلاة خاف لقاء الله وموعوده, وخاف العرض على الله, وتذكر أنه سوف يقف مثل هذا الوقوف يوم القيامة! فإن الناس يقفون يوم القيامة عند الله كما يقفون في صلاتهم, وقد صح في الحديث: {أن الله تبارك وتعالى إذا قام العبد وقف تجاهه في الصلاة, فإذا انصرف بقلبه انصرف الله عنه} فنعوذ بالله أن تنصرف قلوبنا في الصلاة فينصرف الله عنا, وكم تنصرف القلوب إلى الأسواق! والشهوات! والنزوات! والأغراض؟! وكم نعطي الله عز وجل من صلاتنا ونحن نقف بين يديه تبارك وتعالى؟

ولذلك كثير من الناس يتذكر المقام بين يديه تبارك وتعالى بمقامه في الدنيا, قال ابن الجوزي رحمه الله: المؤمن يتذكر بكل شيء ما يحدث له يوم القيامة, إذا أتى ينام وتلحف بلحافه تذكر القبر, وإذا رأى الخضروات والفواكه والنعم تذكر الجنة, وإذا رأى النار في الدنيا والمعذَّبين والمحبوسين تذكر جهنم -نعوذ بالله من جهنم- ولذلك لا يزال من فكرة في فكرة!

 خوف ابن أبي ذئب

دخل المهدي الخليفة العباسي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وكان الناس مجتمعين فيه, طلبة العلم، وأهل الحديث والفقه والتفسير, ومنهم الزاهد العابد العالم ابن أبي ذئب، فلما دخل الخليفة ومعه قواده وحرسه قام له الناس في المسجد احتراماً إلا ابن أبي ذئب فما قام ولا تحرك, فاقترب منه الخليفة قال: لِمَ لَمْ تقم وقد قام لي الناس جميعاً؟

قال: والله الذي لا إله إلا هو، لقد أردت أن أقوم لك، فتذكرت قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] فتركت القيام لذلك اليوم, فانظر كيف تذكر بقيام الناس يوم يقوم الناس من قبورهم!

ولذلك الذي نعني به في هذا المكان أن الذي ينبغي علينا أن نحصِّل أسباب الخوف, وأن نتذكر ما يمكن أن نتوصل به لنكون خائفين من الله عز وجل, لأن من خاف من الله أمَّنه يوم الفزع الأكبر, ومن أمن منه اليوم خوَّفه يوم الفزع الأكبر, قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103] ثم يقول عز من قائل عن هذا اليوم: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104].

ولقد كان وعداً عليه أن يرث الأرض ومن عليها ويجمعنا ليوم لا ريب فيه.

ولذلك كما أسلفنا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه, ما كان خوفه مجرد خوفٍ نظري، لأن بعض الناس في المواعظ يخاف, ولكن إذا خرج نسي -نعوذ بالله من الغفلة- هو يخاف إذا ذُكِّر, ولكن ما يمر عليه برهة أو ذهب من الزمن إلا قدر الموعظة, أما أبو بكر وأمثال أبي بكر فكان خوفهم معهم يصاحبهم دائماً وأبداً ليل نهار.

وذكر ابن القيم: [[أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لما تولى الخلافة كان يخرج إلى ضاحية من ضواحي المدينة المنورة بعد صلاة الفجر كل يوم, فتفقده عمر بن الخطاب وسأل عنه! فقالوا: لا ندري أين يذهب؟ قال عمر: لأذهبن وراءه هذا اليوم وأرى ماذا يصنع! فذهب وراءه رضي الله عنه وأرضاه وإذا به دخل خيمة امرأة أعرابية مسلمة فتركه عمر حتى خرج من الخيمة, فدخل وراءه وأبو بكر لا يرى عمر، فأتى عمر فوجد امرأة عجوزاً عمياء معها أطفال، فقال: يا أمة الله! من أنت؟ قالت: أنا عجوز حسيرة كسيرة في هذه الخيمة, قال: ومن هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: رجل لا أعرفه من المسلمين -لم تعرف أنه أبو بكر - قال: ماذا يصنع إذا دخل عندكم؟ قالت: يأتينا كل يوم لأن أبونا مات منذ زمن, فيصنع طعامنا للإفطار، ويكنس بيتنا، ويحلب شياهنا, فجلس عمر يبكي ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر!]] إي والله أتعبت الخلفاء بعدك, وأتعبت كل مسئول حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

تصوروا أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة المسلمين الذي ضمن له صلى الله عليه وسلم الجنة, يأتي ويصنع الإفطار لهذه العجوز وأطفالها ويأتي ويكنس البيت ويحلب الشياه, فرضي الله عنه وعن أمثاله وحشرنا في زمرتهم.

 خوف عمر بن الخطاب

يأتي عمر فيكون من الخائفين لله, أول مخافته من الله يوم خطب أول خطبة للجمعة, أول ما أعلن فيها مبادئه وأسسه التي ينبغي أن يسير عليها، قطع له البكاء, فقالوا: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: والله لوددت أنني لم تلدني أمي, يا ليتني كنت شجرة تعضد.. إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام:15].

وهذا هو مقصود الخوف منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, ولا يكفي الخوف النظري كما قلت, بل صاحب ذلك خوف منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إن كان في أعماله كان خائفاً من الله.

يذكر الذهبي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنه خرج ذات ليلة من الليالي يطوف في سكك المدينة -فكان خليفة لا ينام إلا قليلاً، تقول له زوجته عاتكة بنت زيد: [[يا أمير المؤمنين! لماذا لا تنام؟ قال: إن نمت في النهار ضاعت رعيتي، وإن نمت في الليل ضاعت نفسي]] فأما الليل فصلاة, وأما النهار فمحافظة وسعي لصالح الأمة- فسمع امرأة تبكي من وراء الباب, فأنصت قليلاً وهو يبكي..!! فقال له أسلم: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه المرأة في النفاس، وإنك لا تدري ماذا تجد من ألم الولادة! قال: اذهب بنا يا أسلم، قال: فعدت معه إلى بيت مال المسلمين، فحمل جراباً من شحم، وجراباً من زيت، وجراباً من دقيق، قال: احمله على ظهري -وهو خليفة- قلت: يا أمير المؤمنين! أنا أحمله عنك؟

قال: أأنت تحمل أوزاري يوم القيامة؟ قال: فحمله ووالله لقد رأيته يهرول أمامي ثم دخل البيت واستأذن وقام في طرف البيت يصنع عشاء هؤلاء الأسرة, فتقول له المرأة: من أنت رحمك الله! والله لأنت خير من عمر بن الخطاب -تقول: أنت بتواضعك وخدمتك وقيامك على شئوننا خير من الخليفة عمر، وهي لا تعلم أنه هو عمر - قال أسلم: فلما انتهينا انطلقت معه وقد أذن لصلاة الفجر, فقام يصلي بنا، فلما بلغ قوله تبارك وتعالى في سورة الصافات: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:24] بكى..! حتى سمعنا بكاءه من آخر الصفوف, ثم عدناه شهراً كاملاً من خوف الله عز وجل.

فأين هذه القلوب؟ وأين هذه الأرواح التي تربت على القرآن؟ وما لنا حل ولا صلاح ولا فلاح ولا سعادة إلا أن نراجع حسابنا مع الله عز وجل, وأن نعود بسير هؤلاء وبأمثالهم نستقرؤها, ونكررها في المجالس والمنتديات والمحافل ونعيدها دائماً وأبداً؛ لأن الله يقول: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111] وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

قال أبو حنيفة -رحمه الله-: سير الرجال أحب إلينا من كثير من الفقه؛ لأن الفقه أحكام مسيرة يقوم بها طائفة من الناس, أما السير والمواعظ والرقائق؛ فإنه ينبغي لكل عبد أن يكون خائفاً من الله, راجياً موعود الله, مخلصاً لله تبارك وتعالى صادقاً فيما بينه وبين الله.

يقول ابن أبي حاتم في تفسيره: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من الليالي, فمرّ ببيت امرأة من الأنصار, فسمعها تقرأ من وراء الباب تردد في الليل بعض الآيات، عجوز تقرأ! انظر إلى هذه العجوز المسنة الطاعنة كيف تتربى مع القرآن!! فأين نساء المسلمين؟! وأين الأمهات اللواتي كن يتربين على كتاب الله عز وجل؟! وأين تلك البيوت التي كانت كدوي النحل من كتاب الله عز وجل ومن ذكره ومن تلاوة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بُدّلت بالغناء الماجن, وغيرت بالكلام القبيح, واستولت عليها الغيبة والنميمة والفحش واللعن والسب والشتم إلا من رحم الله, فهل آن للبيوت أن تعود إلى الله عز وجل؟ وهل آن للأمهات المسلمات أن يراجعن حسابهن مع الحي القيوم, فإن قبلهن عائشة وأسماء وأم سليم وعاتكة وغيرهن.. هن يوم القيامة أسوة لكل امرأة مؤمنة تريد الله والدار الآخرة.

وقف عليه الصلاة والسلام ووضع رأسه على الباب والمرأة هذه تتلو قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] وتبكي..! ثم تعود، وتقول: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] فأخذ صلى الله عليه وسلم بيده على رأسه ويبكي، ويقول: (نعم أتاني.. نعم أتاني) المخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله له: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] أي: ما أتاك وما عرفت وسوف تعرف, والغاشية والزلزلة والطامَّة والواقعة والصاخة والقارعة كلها أسماء ليوم القيامة, لأن الله ضخَّمه وفخَّمه فهل وعته العقول؟ هل تدبرت؟ هل تذكرت؟

 خوف عائشة رضي الله عنه

يقول أحد التابعين: مررت بـعائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها وأرضاها، الصادقة بنت الصدّيق, المطهرة المبرأة من فوق سبع سموات, زوجة رسولنا عليه الصلاة والسلام، التي أتاها في يوم واحد كما يقول عروة بن الزبير من معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة في دمشق ثمانون ألف دينار فوزعتها وهي صائمة، ونسيت نفسها من الإفطار! فقالت لها مولاتها وجاريتها: يا أم المؤمنين! كيف لم تبق دنانير نأخذ بها إفطاراً؟

قالت: والله إني نسيت, يا سبحان الله! من ثمانين ألف دينار تنسى نفسها!- قال هذا التابعي وأظنه الأسود بن يزيد: [[مررت بها وهي تقرأ في صلاة الضحى: ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)) [الطور:27-28].

قال: وسمعت لبكائها نشيجاً، فذهبت والله إلى السوق وعدت وهي تقرأ مكانها في ركعة واحدة]] عائشة رضي الله عنها وأرضاها التي بقيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, أما ليلها فمناجاة للحي القيوم وتلاوة وذكر ودعاء, وأما نهارها فصيام.

عائشة التي كانت تربي بكلماتها ما لا يربيه ألف أستاذ وألف داع وداعية اليوم, كانت كلماتها من نور؛ لأنها تربت في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما أعقلها وما أعلمها بالله تبارك وتعالى!

 خوف أم سليم رضي الله عنها

كانت أم سليم امرأة عاقلة من الأنصار, عرفت قدر الإسلام, والمرأة المسلمة لابد أن تعلم بأن القرآن يخاطبها, وأن السنة تندبها, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث للرجل والمرأة، ولذلك يقول عزَّ من قائل: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195]

فالأجر حاصل, وجهادها في بيتها وصدقها مع ربها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أجر ومثوبة, ويمكن أن تكون تربيتها لأبنائها على منهج كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من نوافل الصيام والصلاة إذا قصدت بذلك وجه الله تبارك وتعالى.

يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: [[ما سمعنا بمهرٍ في الإسلام أعظم من مهر أم سليم -أي: أمه- قال الناس: وما مهرها؟ قال: كان مهرها الإسلام]].

أتى لها رجل من الأنصار وهو مشرك قبل أن يسلم فأراد أن يتزوج بها، فقالت: أنت مشرك وأنا مسلمة، والله لا أتزوجك حتى تسلم فيكون مهري معك الإسلام, فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, ثم أتت بـأنس وعمره عشر سنوات, فقالت: يا رسول الله! تفّكرت في الدنيا فإذا هي ذاهبة, وأردت هدية أقدمها لك فما وجدت أغلى من ابني، شجا روحي، وفلذة كبدي، فخذه هدية يخدمك في الحياة الدنيا, فقال عليه الصلاة والسلام: {غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ثم قالت: يا رسول الله! ادع لابنك أنس؟ -أي: ابنها- فقال عليه الصلاة والسلام: {اللهم أطل عمره -وطول العمر على طاعة الله سعادة- وكثر ماله وولده، واغفر ذنبه} فأما عمره فطال حتى قارب المائة، وقيل: نيّف على مائة, وأما أولاده فكثر ذرية بعضها من بعض, يحفظون كتاب الله ويناجونه ليلاً نهاراً, حتى يقول عن نفسه كما في الإصابة وأسد الغابة وغيرها: [[دفنت من ولدي لصلبي وولد أولادي يوم دخل الحجاج الكوفة مائة نفس]] وأما جسمه فإنه صح فما مرض وما سقم, وأجرى الله عليه رزقه, وأما غفران الذنب فهذه سعادة الآخرة يوم يلقى الله.

ثم يقول عليه الصلاة والسلام: {دخلت الجنة البارحة -أي: شبه الرؤيا والمنام- فرأيت الرميصاء أم سليم في الجنة} وأخبرها صلى الله عليه وسلم, لماذا؟ لأنها صدقت مع الله عز وجل, وأنها عرفت موعود الله فأخلصت للا إله إلا الله.

 خوف الخنساء

وتأتي الخنساء السلمية في معركة القادسية، والناس قد اصطفوا للقتال, المسلمون في جهة والكفار في جهة, حزب الله في ناحية, وحزب الباطل في ناحية, ولا إله إلا الله ترتفع هنا, وراية الباطل ترتفع هنا, فالتفتت إلى القبلة ورفعت يديها، وقالت: [[اللهم إنه ما عندي اليوم أغلى من أبنائي الأربعة, اللهم إني أقدمهم لك، اللهم ارزقهم الشهادة هذا اليوم, فتأتي إلى أبنائها الأربعة, ليس لها عائل يعولها في الدنيا إلا هؤلاء الأبناء, وليس لها في الناس أحب إليها من هؤلاء الأبناء, مات أبوهم وأقاربهم, فقالت: يا أبنائي! اذهبوا واغتسلوا وتحنطوا وتكفنوا, فذهبوا واغتسلوا وتحنطوا ولبسوا أكفانهم ثم أتوا, فقالت: والله ما خنت أباكم ولا خدعت خالكم، والله إنكم أبناء رجل واحد, فإني أحتسبكم عند الله يوم العرض الأكبر, وأقدّمكم هذا اليوم, فإذا أتيتم فأخلصوا بلا إله إلا الله ولله، ثم لا أراكم إلا يوم العرض الأكبر, فلما انتهت المعركة أتوا يبشرونها، قالوا: قتل أبناؤك الأربعة, فتبسمت! وهذا من فرح المؤمن.

طفح السرور عليّ حتى إنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

وقالت: الحمد لله الذي رفع منزلتي بشهادتهم, اللهم اجعلهم عندك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]]] الوداعة لا تضيع عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا استودعت غيره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ضيعت وديعتك، أما الله فلا تضيع عنده الودائع.

ولذلك حفظ لنا الإسلام هذه النماذج الخالدة يوم أن كنا مسلمين, يوم كانت بيوتنا تبيت مع القرآن, وتصبح مع القرآن, فلما استبدلنا بالقرآن الغناء الماجن والعهر والفحش -إلا من رحم الله- ضاعت أجيالنا, وضاع شبابنا, وضاعت نساؤنا وبناتنا, وأصبحنا نتلفت فلا نجد إلا قلوباً جافة خامدة هامدة قست من المعاصي, فأملنا في الحي القيوم أن يعيدنا كما كان عليه سلفنا الصالح.

يأتي معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، فيسافر إلى أرض اليمن داعية, فيوصيه صلى الله عليه وسلم بأجمع وصية، وصية المخافة من الله تبارك وتعالى وتقوى الله, ولذلك إذا أردت أن توصي حبيبك أو قريبك أو صاحبك أو ولدك فلا توصيه إلا بحفظ الله, فإنه إذا حفظ الله حفظه الله, وإذا ضيع الله ضيعه الله.

 وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ

يقول عليه الصلاة والسلام له كما في سنن الترمذي: {يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن}.

وفي سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمة معاذ: فيبكي معاذ! فيقول له صلى الله عليه وسلم: {ما لك تبكي؟ قال: يا رسول الله! والله ما بكيت لأمر فاتني من الدنيا, لكن أخشى أن يكون آخر العهد بك ولا أراك إلا يوم القيامة, قال: يا معاذ! لا تجزع، فإن الجزع من الشيطان, إنك لن تراني بعد يومي هذا} ثم يقول له صلى الله عليه وسلم يزوده زاد السفر, ليس زاد السفر الأكل والشراب والطعام هذا زاد دنيوي, لكن زاد الآخرة, قال: {يا معاذ! اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن} , ثم قال له: {يا معاذ! اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر, فإنك إذا ذكرت الله كان الله معك} هذه وصيته عليه الصلاة والسلام.

 وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس

ويقول صلى الله عليه وسلم وهو يزود ابن عباس من زاد الآخرة كما في الترمذي: {احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأقلام وجفت الصحف}.

ولذلك كان معنا فيما سلف معاذ رضي الله عنه وأرضاه أخذ وصية الرسول عليه الصلاة والسلام, فكانت نصب عينيه مخافة الله, ومراقبة الله عز وجل, لأن بعض الناس يراقب الله عز وجل في الجلاء, ولكن لا يراقبه في الخفاء, يراقبه أمام الناس فإذا خلا بمحارم الله انتهكها وضيعها وهدّ حدود الله عز وجل وانتهك معاصيه.

ولذلك جاء في سنن ابن ماجة في كتاب الرقاق قال ثوبان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لأعلمن رجالاً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، يجعلها الله هباءً منثوراً, قال الصحابة: يا رسول الله! أليسوا مسلمين؟ قال: بلى مسلمين, يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون, ولهم حظ من الليل -أي: يصلون في الليل- ولكنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها} نعم. إن العجيب أن تخشى الله في السر, والخفاء يوم لا يراك إلا هو, يوم تنام عنك عيون الناس ولا تنام عينه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, يوم يغفل عنك الناس ولا يغفل عنك سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, ولذلك يقول الأندلسي لابنه:

وإذا خلوت بريبة في ظلمة     والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

فلا يراك إلا الحي القيوم, ولا يراقب تحركاتك وسكناتك إلا هو وقد غفل عنك الناس فتذكره, ولذلك يقول أهل العلم: إذا خلوت عند الناس ورأيت الكواكب فاسأل: من كوكبها؟! وإذا رأيت النجوم! فاسأل: من أنارها؟! وإذا رأيت السماء! فاسأل: من رفعها؟! فإنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى معك أين ما ذهبت! واعلم أنك إن لم تكن تراه فإنه يراك تبارك وتعالى.

أتت سكرات الموت إلى معاذ في هذه الآونة, فتفكر بماذا يقدم على الله عز وجل, فقال وهو في سكرات الموت لابنه: اخرج انظر هل أصبح الصباح؟ فنظر ابنه وقال: لا ما أصبح, فجلس قليلاً ثم رفع طرفه، وقال: [[اللهم إنك تبارك في القليل وتكثر الصغير، اللهم بارك في هذا الجرح -وكان جرحاً من الطاعون- قال: كيف تدعو على نفسك بالموت؟ قال: مللت والله الحياة، وسئمت والله البقاء, فقال لابنه: اخرج هل أصبح؟ قال: أصبح, قال: أعوذ بالله من صباح يوم إلى النار]].

كانوا يذكرون بعض المناقب يوم تأتيهم سكرات الموت؛ لأن في سكرة الموت يذهب الكبر والخيلاء, ويذل فيها الجبار, ويذعن فيها المتكبر, ويفتقر فيها الغني, ويضعف فيها القوي, فأين الكبر عنهم؟ إنما يذكرونها للأمور التربوية للأمة التي بعدهم وللجلاس.

ولذلك يقول الأعمش لما حضرته سكرات الموت -رحمه الله رحمة واسعة، وهو من الزهاد العباد الكبار- لما بكى عليه أبناؤه, قال: يا أبنائي! لا تبكون فوالله الذي لا إله إلا الله، ما فاتتني تكبيرة الإحرام ستين سنة مع الإمام, ما قالها تفاخراً ولا تكبراً, وإنما قالها ليربيهم على تكبيرة الإحرام, ويقول ابن إدريس الزاهد العابد لابنه وهو يبكي عند رأسه: يا بني! اتق الله عز وجل, يا بني! لا تعص الله في هذا البيت الذي سكنته أنا وإياك فيه، فوالله لقد ختمت فيه القرآن أربع آلاف مرة, ذكرها الذهبي في سير النبلاء، وذكرها صاحب أهل الهمم العالية في تذكر الأيام الخالية.

بعض الصالحين يُورِّثون أشقياء -والعياذ بالله- فجرة, بدل القرآن وبدل قيام الليل يحل الغناء الماجن, ويحل الفجور والبعد عن الله عز وجل, بدل الصيام تحل المعاصي, بدل تلاوة الحديث تأتي الأفلام الخليعة الماجنة, والصحف المنهارة التي تبث السموم, وهذا سوء وراثة يبتلي الله عز وجل بها بعض الناس, فمن أراد أن يحفظه الله في أبنائه فليخف من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وليحفظ الله, فإن أهل الكنز الذين في سورة الكهف حفظ الله عليهم كنزهم، فقال: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82] قال ابن المسيب -رحمه الله تعالى-: انظر كيف حفظ الله الكنز لهؤلاء، وقال: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82] فلما كان صالحاً حفظ الله عليه أبناءه وكنزه, قال تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف:196] فكل من يتولى الله يتولاه الله في أهله وزوجته وأولاده ورزقه في مدخله ومخرجه حتى يلقى الله.

الصحابة ميزهم عن الناس خوفهم من الله تبارك وتعالى, ولذلك سلف في مناسبة أن عمر لما خرج إلى بيت المقدس تلقته الجيوش الإسلامية, أتى ليفتح بيت المقدس ويأخذ مفاتيحه, فخرج المسلمون في جيوشهم بأبّهة وزينة وجمال وخيول وكتائب وجنود, فلما رآهم عمر رضي الله عنه وأرضاه ترك الطريق إليهم، وانحرف إلى طريق أخرى, فلحقه أبو عبيدة فوجد عمر يبكي, فقال له أبو عبيدة: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: [[ضيعنا والله، نسينا ما كنا عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم]] ثم قال لـعمرو بن العاص: ما لك يا عمرو؟ قال: يا أمير المؤمنين! جمعت الجيوش لأرهب بها أعداء الله, فيقول كلمته الخالدة التي يجب أن نحفظها وأن نرددها كثيراً يقول عمر: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] ولذلك من اعتز بغير التقوى أذله الله, ومن اعتز بمنصبه ونسي طاعة الله، أذله الله وأخسأه وحقره؛ لأن الله أخذ على نفسه أن من تواضع له رفعه, وأن من تكبر عليه وضعه.

فدخل عمر وخطب الناس في الجابية ثم دخل على أبي عبيدة في الليل, فقدم له أبو عبيدة أقراصاً من شعير, فقال له عمر: أما لك طعام غير هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، العطاء الذي نأخذه منكم ننفقه في سبيل الله, فأخذ عمر يبكي! فلما أتى النوم قدم له شملة فالتحف نصفها عمر وافترش نصفها وأخذ يبكي، ويقول: [[غيرتنا الدنيا إلا أنت يا أبا عبيدة]] عمر -رضي الله عنه وأرضاه- بإمكانه أن يفعل كما يفعل من سبقه من ملوك كسرى وقيصر وأن يستخدم الدنيا, ولكن خاف موعود الله ولقاءه.

مرّ عمر بـجابر بن عبد الله كما في ترجمته, فوجد عنده لحماً, فقال لـجابر: [[ يا جابر! ما هذا الذي معك؟ قال: يا أمير المؤمنين! لحم اشتهيته فاشتريته, قال: كلما اشتهيت اشتريت؟ والله إني أملك الذهب والفضة وأنفقها في سبل الخير، وإني أعلمكم بلباب البر وبصغار الماعز وبنسل العسل, وكنت أخلط هذا بهذا ثم آكله، ولكن أخشى أن أعرض على الله يوم القيامة فيقال لي: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20]]].

من أين تعلم عمر مخافة الله؟

تعلم من كتاب الله عز وجل ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في صحيح البخاري: (أنه دخل رضي الله عنه وأرضاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة قال: فدخلت فوالله ما رأيت في المشربة ما يلفت النظر إلا شيئاً من شعير في قطف, فدمعت عيناي, فقال صلى الله عليه وسلم: ما لك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله! -وكان جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثر فيه الحصير- هذا كسرى وقيصر يتمتعون بما يتمتعون به وأنت رسول الله، والله فضلك على الناس في هذا العيش؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: أفي شك أنت يـ ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) فمن رضي بموعود الله وبحكم الله فليرض بطاعة الله, فوالله لساعة واحدة يجلسها المؤمن في مثل هذا المجلس والمسجد يذكر الله فيها ويتصل به سُبحَانَهُ وَتَعَالى لهي خير ممن ملك ألف سنة وسنة في الدنيا وغير الدنيا؛ لأنها ذاهبة, قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

ولذلك ذكروا أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه حضر المقبرة ورأى إنساناً يقبر، فبكى حتى غشي عليه وحمل إلى بيته صريعاً, فقالوا: نراك تقرأ القرآن ولا تبكي! وتذكر ببعض الذكريات ولا تبكي، فإذا رأيت القبر انصرعت, قال: سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار).

ولذلك يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: [[ما أحسن ظواهركم! -أي: ما أحسن ظواهر القبور- ولكن ليت شعري ما في بواطنكم]] المصائب الحيات والعقارب داخل القبور, تبدو القبور لنا مزينة مجملة هامدة ساكتة, ولكن ليت أخبارنا مع أخبارهم, يقول علي رضي الله عنه وأرضاه وهو يسلم على المقابر، قال: [[ألا أخبركم عنا لتخبرونا عنكم؟ ثم قال: أما أخبارنا فعدنا من بعد أن دفناكم، فأما البيوت فسكنت, وأما الزوجات فتزوجت، وأما الأموال فقسمت, فما هي أخباركم؟ ثم بكى وقال: سكتوا ولو نطقوا والله لقالوا: تزودوا فإن خير الزاد التقوى]].

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت بانيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الموت نبنيها

فاعمل لدار غدٍ رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

قصورها ذهب والمسك تربتها     والزعفران حشيش نابت فيها

والأمور التي تحدث الخوف عند المؤمن من أربعة أمور, إذا تذكرها وتدبرها أحدثت له رقة وذكرته موعود الله عز وجل, ولقاء الله:

 زيارة المقابر

فإن فيها الأولاد والأحفاد والأجداد, وفيها الأحباب والأصحاب والأصدقاء.

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب

نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها     وعلّ الردى مما نرجيه أقرب

ونبني القصور المشمخرات في الهوا     وفي علمنا أنا نموت وتخرب

ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام كما في سنن الترمذي: {زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة} ويقول عليه الصلاة والسلام وهو يزور المقبرة: {السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية, اللهم لا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم}.

فزيارة القبور لما تركت أو قلل منها قست القلوب, ونسي الإنسان مع بهرج الحياة قصورها ودورها وسياراتها وعماراتها ومناصبها فجف القلب وقسا! فأعظم ما يذكر وما يحدث الخوف زيارة القبور, ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام وهو يزور مقبرة بقيع الغرقد في المدينة: {ليهنكم -يا أهل بقيع الغرقد - ما أمسيتم فيما أمسى فيه الناس, فتناً كقطع الليل المظلم -أي: أقبلت- يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً, ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع دينه بعرض من الدنيا} نعوذ بالله من ذلك, ونسأل الله العافية, فأولها زيارة القبور، والوقوف عليها طويلاً، وهي للرجال وليست للنساء, فإن النساء منهيات في شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة المقابر, ويكفي المرأة أن تتذكر الموت في بيتها, وأن تتذكر موعود الله ولقاءه في بيتها, لتلقى ربها وهي سليمة مبرأة من كل ما يصرفها عن الله تبارك وتعالى.

وقد زار الصالحون كثيراً المقابر, يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير في سيرته وهو من الصالحين الكبار: [[كنت آتي من بادية البصرة إلى البصرة لأصلي الجمعة في جامع البصرة، فكنت آتي قبل صلاة الجمعة بليلة، فإذا أتيت في الليل مررت المقابر، فسلمت عليهم ودعوت لهم كثيراً, إلا ليلة من الليالي مررت وكان المطر نازلاً وكان الليل بارداً فذهبت إلى بيتي وما وقفت على المقبرة ولا دعوت ولا سلمت, قال: فنمت تلك الليلة، فرأيت رجلاً من أهل المقابر يكلمني، ويقول لي: يا مطرف! أحرمتنا هذه الليلة من الدعاء والله الذي لا إله إلا هو، إن الله ينور علينا مقابرنا أسبوعاً كاملاً بدعائك]] فهم من أحوج الناس, فقد انقطعوا عن الأعمال وعن الصلة، وانقطعوا عن الأصحاب والأخلة والأحباب، وبقي لهم الدعاء منا, ومن دعى لقريبه أو حبيبه أو لأي مسلم وقد مات وصله ذلك ونفعه, وهم في أحوج الحاجة مرتهنون بأعمالهم.

خرس إذا نودو كأن لم يعلموا     أن الكلام لهم حلال مطلق

فالموت آت والنفوس نفيسة     والمستعز بما لديه الأحمق

فهم مرتهنون لا يكشف ضرهم ولا بلواهم إلا الحي القيوم, لا أنيس لهم إلا ما قدموا, ولذلك يقول محمد بن واسع: مررت بمقبرة، وقلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسمعت هاتفاً من المقابر يقول: يا محمد بن واسع! تزود منها فوالله لو تعلمها لأخرجتها مع أنفاسك, لقد حيل بيننا وبين لا إله إلا الله فما نستطيع أن نقولها.

من يصلي عنك إذا لم تصلِ في الحياة؟ ومن يصوم عنك بعد أن تموت؟ ومن يتصدق عنك؟ ومن يحسن خلقه عنك؟ ومن يبذل الخير عنك؟ لقد انقطع العمل وبقي الدعاء.

 تذكر الموت دائماً وأبداً

كلما أصبح العبد أو أمسى, وكلما آوى إلى فراشه عليه أن يتذكر الموت دائماً، تقول فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه: كان عمر إذا أوى فراشه تقلب كالطائر الخائف من البرد, فقالت: يا أمير المؤمنين! لم لا تنام؟ قال: كيف أنام، وقد ذكّرني هذا الفراش القبر؟ تذكر القبر فما استطاع أن ينام, وقال الذهبي عن سفيان الثوري رحمه الله: ثبت عنه أنه قرأ: أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2] من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر, فإذا أتى لينام يقول: [[كيف أنام والقبر أمامي؟]].

فيا عباد الله! تذكروا الموت دائماً وأبداً, وذلك بقراءة سير الصالحين وأخبارهم, وأعلامهم في الكتب, وسماع المحاضرات التي تدعو إلى ذلك, وقراءة كتب الرقائق, والجلوس مع الصالحين الذين يذكرونك بموعود الله سبحانه وبلقائه.

 تذكر أن الله شديد العقاب

ومما يدعو إلى مخافته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: تذكر أنه شديد العقاب, وأنه إذا أخذ لم يفلت, وأنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا انتقم انتقم انتقاماً قوياً, ولذلك يقول عمر وقد كتب لبعض عماله: اعلم أن الله شديد العقاب فهل نسيت ذلك؟ ويقول عمر بن عبد العزيز لـعدي بن أرطأه: [[يا سبحان الله! ما الذي أذهلك حتى ظلمت واعتديت، أما مررت على المقابر؟ أما علمت أن الله شديد العقاب؟]].

يقول ابن تيمية: القلب بيت الرب, ولا يمكن أن يصح هذا البيت ولا أن ينقى ولا أن يصدق سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلا كلما لاحظت أن الله ينظر إليك.

كان الإمام أحمد إذا دخل بيته تربع وهو وحده وجلس خائفاً متخشعاً, فقالوا: ما لك تجلس مع الناس ولا تخشع، وإذا جلست وحدك خشعت؟ قال: يقول الله: {أنا جليس من ذكرني} كيف لا أتأدب معه تبارك وتعالى؟

هذا من أعظم ما يلاحظ مخافته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, أن يلاحظ المؤمن عين الله عز وجل ومراقبته, وإن لم تكن تراه فإنه يراك.

إذا علم هذا، فاعلموا -بارك الله فيكم- أنه قد صح في أحاديث أن الله عز وجل إذا حاسب العبد يوم القيامة يدني سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كنفه من كنفه, أي: كنفه من كنف عبده, فيحاسبه ويقرره بذنوبه، فإذا رأى العبد أنه هلك أو أنه على شفير هلاك, قال الله عز وجل: {يا عبدي! أما خفتني في يوم من الأيام في الحياة الدنيا؟ فإن كان خافه العبد نجى وسلم بإذن الله وإن لم يكن هلك}.

وذكر بعض أهل العلم من أهل السير والسلوك والآداب, أن أسباب عدم مخافته سُبحَانَهُ وَتَعَالى تكمن في أربعة أسباب, فإذا توفرت هذه فقد نسي العبد ربّه ومولاه تبارك وتعالى, وأصابته الغفلة وارتكب الشبهة والشهوة, وضل قلبه في أودية الدنيا, هذه الأربعة هي سبب عدم مخافته تبارك وتعالى, وينظر بعض الناس إلى بعض, فيجدهم يفجرون ويرتكبون الأخطاء مثل الجبال ثم لا يحسون بمخافة, ولا بقلق, ولا بندامة, ولا بتوبة, فيتفكر ويتأمل، فإذا هم مصابون بأربعة أو بواحد من هذه الأربعة:

 الغفلة

فإن الغفلة إذا رانت على القلب، طبعته فلا يمكن أن يكون مستقيماً ولا يعي الذكر ولا يفهم أبداً, وقد ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن لبعض الناس قلوباً لكن لا يفقهون بقلوبهم, ولهم أسماع لكن لا يسمعون بها, ولهم أعين ولكن لا يبصرون بها, يعيشون بها في الحياة الدنيا ولكن عليها الران, فهي لا تعرف ولا تفهم ولا تتلقن, ولذلك ذكر الله في القرآن الكريم قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:37].

والناس كلهم لهم قلوب, لكن بعضهم له قلب حي وبعضهم له قلب ميت, فالذي له قلب حي فهو صاحب القلب, أما الآخر فلا. قال تعالى: أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

قال أهل العلم: أقفالها منها, فالغفلة إذا رانت على القلب أنسته موعود الله وذكر الله, تحدثه بالمواعد فلا يفهم ولا يعي ولا يعقل أبداً، طمس على قلبه وطبع عليه, وهذا لا يستفيق إلا -كما يقول ابن القيم - بسوطين، سوط الخوف من الله عز وجل, وسوط الرجاء, أن تخوفه وعود الله، وأن ترجيه فيما عند الله وأنه أحسن مما عنده هنا في الدنيا.

 المعاصي

فإنها أعظم ما يحجب العبد عن مولاه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وهي الحجب.. ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] وكلما كثرت المعاصي رانت على القلب, أول ما تحدث الغين، ثم تحدث الران، ثم تحدث الطبع, فالطبع آخرها وهو الذي يصيب الكافر, والران يصيب الفاسق, والغين يصيب المؤمن, ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام -وهذا في صحيح مسلم -: {يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مائة مرة} وفي رواية: {في سبعين مرة} , ويقول في حديث الأغر المزني: {يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإنه يغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة}.

أما الران فيقول سبحانه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] أي: تراكم عليها وحدث لها، وهذا يشمل الفاسق والكافر, وأما الكافر فإنه يتحد وينفرد بالطبع, وإذا طبع الله على القلب فلو تناطحت جبال الدنيا بين عينيه ما اتعظ أبداً, ولو وعظته بعلوم الأولين والآخرين ما سمع أبداً, فنعوذ بالله من الطبع.

 كثرة المباحات

وهذه التي وقعنا فيها جميعاً, التفاخر في الدنيا والتكاثر منها, والتوسع فيها وتقديمها على أغراض الآخرة وعلى مطالب الآخرة, ومطالب ما عند الله عز وجل, هذه من الأمور المضنية: كثرة المباحات من أكل وشراب وخلطة بالناس وملبوس ومركوب ومسكون كلها من الأمور التي تصد عن مخافة الله.

 ضياع الوقت

وأعظم ما يمكن أن يحاسب عنه العبد يوم القيامة ضياع وقته عند الله عز وجل, وكثير من المسلمين لا يحسبون للوقت حساباً, يحسبون الدرهم والدينار, لكن تذهب الأيام والليالي فلا يتفكرون فيها أبداً, ولذلك يقول جل ذكره: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:115-117].

فعلم أن المحاسبة تكون على الوقت يوم القيامة, ولذلك يقولون: أتعس من يقف يوم العرض الأكبر على الله رجلان: رجل منحه الله عز وجل وقتاً وأصح جسمه فلم يستخدمه في طاعة الله, ورجل طوله الله عز وجل وخوّله في الدنيا فأخذ فسعى في الأرض ليهلك الحرث والنسل, وفي صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: {لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن أربع وذكر منها: الوقت -العمر فيما أبلاه وفيما صرفه-} الحديث.

ولذلك يقول ابن عباس كما في الصحيح: يقول عليه الصلاة والسلام: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ} وأعظم ما يستغل الوقت فيه بعد أداء الفرائض ليس أداء الفرائض كما نؤديها ونشكو حالنا إلى الله ونستغفر الله من ذلك, لكن أداء الفرائض بمعنى أداء الفرائض, يقول ابن تيمية وقد سئل: ما هو الحل لمرض الشبهات والشهوات؟ قال: أعظم ما يمكن أن يداوى به هذا المرض: أن تصلح الفرائض ظاهراً وباطنا, فأما إصلاحها في الباطن فأن تخلص قصدك وعملك لوجه الله عز وجل, وإذا نصبت قدميك في الصلاة أن تتذكر وقوفك أمام الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, فهذا إخلاصها في الباطن, وأما إخلاصها في الظاهر فأن تكون على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام, وأن تكون مؤداة كما صح بها الحديث, فهذا إصلاحها باطناً وظاهراً.

وبعد الفرائض التزود من النوافل, وما سجد عبد لله سجدة إلا رفعه بها درجة, يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: يا عجباً لمن عرف أنه سوف يموت كيف لا يجعل كل نفس من أنفاسه طاعة لله! ويقول: لقد صح في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم يقول: {من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة} وهذا في سنن الترمذي، فيقول: يا سبحان الله! كم يفوتنا من النخل لا نسبح الله, إذا علمت أن من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة, فأي وقت يذهب وأي ساعات تسير؟!

ولذلك استحضر كثير من أهل العلم منهم ابن رجب في جامع العلوم والحكم أهل الطاعة, وقال: إنما حملهم على الطاعة المخافة من الله, حتى ذكروا أن خالد بن معدان كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة, ذكره في قوله عليه الصلاة والسلام: {لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} قال: فلما أتوا به في المقبرة حملته الملائكة من أيدي الرجال, ذكره ابن رجب بسنده, وقال: ورؤي في المنام، فقالوا: ما فعل الله بك؟ قال: رفعني في عليين, قالوا: بماذا؟ قال: بكثرة ذكري له في الحياة الدنيا! فقل لي بالله: أي تعب يحدث على المسلم إذا حفظ وقته بالذكر؟

سئل ابن تيمية -في المجلد العاشرمن الفتاوى - سأله أبو القاسم المغربي: ما هو أعظم عمل تدلوني عليه بعد الفرائض؟

قال رحمه الله: لا أعلم بعد الفرائض أعظم ولا أحسن ولا أفيد ولا أنفع من ذكر الله عز وجل، وهو أسهل العبادات وهو شبه إجماع بين أهل العلم, ولذلك يقول جل ذكره: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

ويقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152].

فإني أوصيكم ونفسي بحفظ الوقت بذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, فهذه عوامل المخافة إن كنا صادقين أن نخاف من الله عز وجل.

وعلامات الصدق في المخافة أربع علامات:

 أن يستوي ظاهر العبد وباطنه

يستوي الظاهر والباطن فيكونا سيان, لا يكون ظاهره خير من باطنه, خاشع أمام الناس، لكنه متهتك في حدود الله في الخفاء, فنعوذ بالله من ذلك, وفي الترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: {يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ليكونن أقوام يظهرون للناس التخشع يلبسون للناس جلود الضأن من اللين, ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمر من الصِّبر, فبي حلفت لأنزلن فتنة تدع الحليم حيران، أبي يغترون أم عليّ يجترءون؟} فنعوذ بالله أن تكون ظواهرنا جميلة ولكن بواطننا خبيثة, فإن هذا هو المصيبة وهذا عدم المخافة منه تبارك وتعالى.

 أن يكون العبد صادقاً مع الله عز وجل في جميع أحواله

والصدق ليس في القول فحسب, قال أهل العلم: الصدق على ثلاثة مراتب: صدق في الحال, وصدق في الفعال, وصدق في المقال.

فصدقك في المقال: ألا تتكلم إلا بصدق؛ لأن من تذكر لقاء الله لا يكذب أبداً.

وصدقك في الحال: أن تكون حالك كحال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, على الكتاب والسنة.

وصدقك في الفعال: أن تكون فعالك تطلب بها مرضاة الله عز وجل, فالذي يطلب بفعله الرياء والسمعة يذهب الله بها في الدنيا والآخرة.

وصح في صحيح مسلم عن شفي الأصبحي قال: دخلت على أبي هريرة وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقلت: أسألك بالله -يا أبا هريرة - أن تحدثني حديثاً سمعته أنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: والله لأحدثنك حديثاً سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام, ثم بكى حتى نشق -أي: غشي عليه- ثم استفاق، فقال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: {أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة, عالم علمه العلم -قارئ قرأه الله كتابه- فيقول الله: ألم أعلمك العلم؟ قال: بلى يا رب, قال: ماذا فعلت؟ قال: تعلمت فيك وعلمت, قال: كذبت! ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقد قيل, خذوه إلى النار, فيجرونه على وجهه حتى يلقى في النار} ثم ذكر الجواد والشجاع... الحديث, قال شفي الأصبحي: فدخلت على معاوية فعلمته بهذا الحديث وكان على كرسي له وهو خليفة, فوقع على وجهه على الأرض يبكي وقال: صدق الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

 الندم على السيئة والفرح بالحسنة

خطب عمر الجيش رضي الله عنه وأرضاه فقال: [[أيها الناس! من سرته حسنته وساءته سيئته فهو المؤمن]] فإن سرتك الحسنة؛ تصدقت بصدقة, صليت ركعتين, ذكرت الله كثيراً, فانشرح بالك، وارتاحت نفسك، فاعلم أنك مؤمن, أسأت أخطأت اغتبت نظرت منظراً لا يجوز, ثم ندمت وحاسبت نفسك، فاعلم أنك مؤمن إن شاء الله, قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

 أن يكون يومك خير من أمسك وغدك خير من يومك

فمن ترقى في العبادة والصدق فهذا علامة الصدق والمخافة, ومن كان أمسه خير من يومه، ويومه خير من غده، فإنما هو يمشي القهقرى وقد دخله كذب في العبادة.

فعلينا أن نصدق مع الله عز وجل في المخافة, والذي أدل نفسي وإياكم عليه كما أسلفت آنفاً: قراءة السير، وسماع أخبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنهم خير جيل أخرج للناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, ربَّاهم صلى الله عليه وسلم على سمع وبصر, وعلمهم وقادهم وفقههم فكانوا أخوف, وأعلم الناس بربهم تبارك وتعالى.

والخوف -بارك الله فيكم- كما سلف يستفاد في أمور, يقول ابن تيمية: حد الخوف -أي: تعريف الخوف أو المطلوب في الإسلام من الخوف- ما حجزك عن المعاصي فما زاد فلا يحتاج إليه.

وقال أهل العلم غير ابن تيمية: الخوف من الله عز وجل: أن إذا جلست وحدك تصورت كأن الله بارز للناس على عرشه.

وقال أحد الصالحين: الخوف كأنك تتلظى في نار جهنم، وكأنك أفلست حتى من لا إله إلا الله.

وقال غيره: الخوف أن تأتي بأعمالك وأنت قد خجلت من الله عز وجل كأنها ردت عليك جميعاً, لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

قال ابن عمر: [[وددت -والله- أن الله تقبل مني مثقال ذرة, قالوا: لماذا؟ قال: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] , قالوا: أتخشى وأنت تعمل الصالحات؟ قال: والله ما أخاف من الصالحات ولكن أخاف أن أعمل صالحاً، فيقول الله: وعزتي وجلالي لا أقبلها منك]].

ولذلك يقول الله عز من قائل في سورة الزمر: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

كانوا يحتسبون أعمالاً صالحة لكن داخلها الرياء والنفاق والسمعة, فعادت إلى وجوههم وضرب بها وجه صاحبها؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه وما كان صواباً على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك سجد عمر فسمع وهو يبكي في سجوده، ويقول: [[اللهم اجعلني عبداً لك وحدك]] وهذا من أحسن الكلام! اللهم اجعلني عبداً لك وحدك, فإن بعض الناس يعبد مع الله نفسه, ولذلك يقول أحد أهل العلم وأظنه ابن تيمية: الصوفي يعبد نفسه والمسلم يعبد ربه, بعض الناس ولو بلغ في التصوف والتقشف والزهد مبلغاً لكنه عبد نفسه، كأنه يقول: انظروا إليّ.! أنا زاهد.. أنا عابد.. فعبد نفسه مع الله.

وبعض الناس يعبد الدرهم والدينار والريال فيجعله معبوداً من دون الله تبارك وتعالى فيكون عبداً له.

وبعضهم يعبد الزوجة, أو الوظيفة, أو الشهرة, فنسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن نكون عباداً له وحده, ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في كتاب الجهاد من صحيح البخاري: {تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش} فالعبد كل العبد الذي يكون عبداً لله وحده, في مقاله وحاله وفعاله.

فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن نكون عباداً له مخلصين صادقين، وأن يرزقنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مخافته وخشيته, وأن يجعلنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في السراً خير من العلن, وفي الباطن خيراً من الظاهر, وفي الخلاء خيراً من الجلاء, فإنه القدير على ذلك.

اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا, وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا, اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة, ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

نسخة نصية للطباعة , سر الخائفين للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2696392505
عدد مرات الحفظ
682330733

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009