إسلام ويب

بين يدي كتاب اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعددت مناهج المفسرين، فاللغويون اهتموا باللغة، والقصاصون أكثروا من رواية الإسرائيليات، والمتكلمون شحنوا تفاسيرهم بمباحث كلامية فلسفية عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع.

    والباطنية من الصوفية والشيعة جاءوا بتحريفات عجيبة يضحك الجاهل والطفل الصغير من سخافتها، أما أهل السنة فإنهم يفسرون القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بما صح عن الصحابة والتابعين، وبما فهم من كلام العرب.

    1.   

    أهمية تفسير القرآن

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

    والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    يصل بنا الإمام البخاري -رحمه الله- هذه الليلة إلى قمة القمم، وإلى بيت القصيد، وإلى المعنى واللباب، إلى كتاب التفسير من صحيحه، ويوم نظرنا إلى كتاب التفسير لم نجد تفسير القرآن كاملاً في صحيحه، بل وجدنا أحاديث وتركت أكثر منها بعشرات المرات أضعافاً مضاعفة؛ لأنه يشترط في الحديث الصحة، فهو لا يأخذ إلا ما كان على شرطه، فرأيت أنه من السُعْدى ومن البركة والخير أن نبدأ بأول القرآن، وأن نعيش مع القرآن، وأن نحيا بالقرآن، وأن ننغمس في أنهار القرآن، وأن نتأدب بآداب القرآن، وأن نعيش سويعات في مثل هذه الليالي المباركة مع القرآن.

    إنني لسعيد جداً يوم أتل آيات الله المباركات على هذا الجمع المبارك النبيل الحافل، وأستمع ماذا قال فيها العلماء والمفسرون، وإنني أعلم أن من العلماء من يفسر، ولكن لكلٍّ مشرب ولكلٍّ مقصد، ومقصدنا جميعاً هو -إن شاء الله- ما يرضي ربنا تبارك وتعالى.

    والقرآن يا أمة القرآن ينبغي أن يأخذ كثيراً من دروسنا ومن اجتماعاتنا، ولقاءاتنا ومحاضراتنا وندواتنا. والقرآن يا أمة القرآن يفسر تفسيراً يفعله بعض العلماء، لا تفسيراً آخر.

    إن بعض الناس عندما يفسر القرآن يجعله كتاب صرف، أو كتاب نحو، أو كتاب لغة، فأخذ يعرب الآيات والكلمات حتى ذهبت طلاوة القرآن، وذهبت حلاوة القرآن!

    هذا الكتاب الخالد الذي أخرج الأمة الضائعة من الضلالة إلى الهدى، وبصرها وعلمها ورفع رأسها، هذا الكتاب هو كتاب العقيدة، هذا الكتاب هو كتاب العبادة، وكتاب الاقتصاد، وكتاب الأدب، واللغة، هذا الكتاب الذي أخرج الأمة من رعي الغنم إلى أن قلدها مفاتيح التاريخ، وأعطاها منبر الدنيا، وأركبها صهوة المجد، وقال: أنتِ الأمة المجيدة الرائدة.

    نريد أن نسمع القرآن في هذه الليالي، ونعيش مع القرآن إن شاء الله من الفاتحة إلى الناس، وسوف لا نطيل بخلافيات وصرفيات ونحويات، لكننا نورد القرآن بالقرآن، والحديث الذي يفسر القرآن واللغة العربية، ثم نصل إلى قضايا: منها قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] وقوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1].

    وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:192-195].

    وقال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:1-8].

    دعني ومدحي آيات له لمعت      كلمع برق سرى ليلاً على علم

    أتى على سفر التوراة فانهزمت      فلم يفدها زمان السبق والقدم

    ولم تقم منه للإنجيل قائمة      كأنه الطيف زار الجفن في الحلم

    القرآن من قرأه أجر، ومن عمل به أجر، ومن تدبره أجر، القرآن يذهب عنك الوساوس والخطرات والهواجس. والقرآن يشفيك شفاءً ظاهراً وباطناً ويقودك إلى الجنة. والقرآن يعلمك الإيمان والحب والطموح. ولكن قبل أن نبدأ بسورة الفاتحة؛ أريد أن نأخذ الخمس والست والسبع آيات ونبدأ بقضايا كبرى عن القرآن:

    1.   

    مناهج التفسير في القرآن

    ما هي مناهج التفسير في القرآن؟

    وتتلخص مناهج المفسرين في أربعة مناهج:

    المنهج الأول: منهج الصوفية.

    المنهج الثاني: منهج الرافضة.

    المنهج الثالث: منهج المتكلفين المتنطعين.

    والمنهج الرابع: منهج أهل السنة والجماعة حشرنا الله في زمرتهم: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)

    هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا      أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا

    ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم      وإن حاولوا في النائبات وأجملوا

    منهج الصوفية في تفسير القرآن

    أما الصوفية: فإنهم دخلوا في مقاصد لم يقصدها القرآن، لا من قريب ولا من بعيد، تركوا القرآن بالقرآن والسنة النبوية واللغة العربية، وأتوا ينحتون من أفكارهم وشعوذاتهم، وزواياهم ومن مرقعاتهم؛ كلاماً يُضحك عجائز نيسابور..!

    اسمع إلى بعض تفسيراتهم.. يقول الحقي في التفسير الذي نقلته عنه وقرأته قبل ساعات وهو عجمي ونحن لا نقول هنا العرب والعجم بل نقول الإسلام:

    أبي الإسلام لا أب لي سواه      إذا افتخروا بقيس أو تميم

    لكن من باب التعريف، يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، بدأ الله بالباء لعشرة أسباب:

    السبب الأول: أن الباء فيها تواضع وانكسار، ولذلك تمتد على السطر... نقول: فتح الله عليك..! أأنزل القرآن لهذه المعاني؟! تمتد على السطر منكوسة على رأسها، ومطروحة على ظهرها، ولذلك بدأ الله بالباء..هكذا يقول في تفسيره.

    السبب الثاني: لأن الباء فيها تواضع ولذلك ما وقفت مثل الألف.

    يقول: الألف متكبرة وترى نفسها وتفتخر فوقفت وقوفاً! أما الباء فانصرعت وتواضعت فبدأ الله بها.

    السبب الثالث: من تواضع الباء جعلت النقطة تحت أرجلها! لأن الجيم أخذت النقطة في بطنها، والخاء على رأسها والحاء تركت النقطة..! لكن الباء من تواضعها جعلت النقطة تحتها.

    ونحن نقول: الياء أكثر تواضعاً لأن تحتها نقطتان! فهكذا يقول.. إلخ.

    وهذه الأسباب ولا أريد أن نضيع الوقت في نقل مثل هذه الأشياء.

    ونقول: أأنزل القرآن لهذا؟! لو سألت ابن عباس وابن مسعود وخالد بن الوليد الذين فتحوا الدنيا ووصلت خيولهم إلى المحيط الأطلنطي وعمروا منبر التاريخ، وأقاموا لا إله إلا الله في الأرض أيقولون الباء بدئ بها لهذه الأسباب؟! لا والله.

    ويقول من ضمن الأسباب: لأن الباء مكسورة، والكسر معناه انكسار القلب والتواضع والرقة.

    قلنا: حاشا وكلا ما نزل القرآن لهذا، زيدونا من تفسيركم يا أيها الصوفية! ففيهم كما ترون الخير، يحمد فيهم أشياء، ولكن هناك أمور غلوا فيها لا نقبلها؛ لأنها وزنت على السنة فرمت بها السنة على شفا جرف هار فانهار بها في نار جهنم.

    أحد الصوفية لما قال الله عز وجل في سورة آل عمران: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] أي: من الصحابة. فأهل المغانم لما نزلوا وتركوا عبد الله بن جبير -قد قتل مع السبعين في أحد -وتركوا الجبل وحماية الموقف قال الله لهم: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا [آل عمران:152] المتاع: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا [آل عمران:152] ومنكم من يريد جنة عرضها السماوات والأرض كـمصعب، وكـأنس بن النظر، وعبد الله بن عمرو الأنصاري الذين يأتون إلى الواحد الأحد تتدفق دماؤهم، ولسان حال الواحد منهم يقول: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى.

    فيقول هذا الصوفي: سبحان الله! وأين الذي يريد الله؟ فهذا يريد الدنيا وهذا يريد الآخرة ولا أحد يريد الله؟!

    قلنا له: يا غبي! الذي يريد الآخرة يريد الله. ولذلك سمعت أن بعض الناس يقول: إن رابعة العدوية تقول: ما عبدت الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره -قلنا: لماذا عبدت الله؟- قالت: إنما عبدته حباً فيه.

    قلنا: هذا يخالف منهج أهل السنة والجماعة؛ والله عز وجل ذكر السنة وأهل الصلاح فقال: يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً [الفتح:29] وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133] وجعفر تتحكم السيوف على رأسه يوم مؤتة ويقول:

    يا حبذا الجنة واقترابها      طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها      كافرة بعيدة أنسابها

    ثم يطير بعد ساعات بجناحين من شجرة إلى شجرة في الجنة، والله يقول: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [آل عمران:170].

    ما هذا التخلف؟! تقول للذي يريد الآخرة أنه لا يريد الله؟! فهذا كلام رابعة مرفوض ولا نقبله؛ لأنه وزن بالقرآن والسنة فأصبح كلاماً خاطئاً لا صحة له.

    يقول أحد الصوفية وهو يعظ الناس: يا قلب! يا لسان! اذهب إلى فرعون إنه طغى. قالوا له: من هو فرعون؟ قال: قلبي. قالوا: وموسى؟ قال: لساني.

    ففرعون هنا يقول: إنه القلب، قال: وأرسل الله اللسان إلى القلب فقال: يا لسان! اذهب إلى فرعون إنه طغى.

    كأن هذا المتخلف ما علم أن الله خلق فرعون وخلق موسى، وأوجد صراعاً عالمياً، وتحدياً حضارياً، بين دعاة التوحيد ودعاة الضلالة، بين أهل العمالة وأهل الحق، وقامت الدنيا، حتى قال بعض المفكرين: موسى وفرعون حربهم جوية وبحرية وبرية.

    فكان الثعبان يشتغل في الجو، والبحر يدمر فيه فرعون، والبر ينازله فيه موسى. وبعد هذا كله ينسى التاريخ ويقول: اذهب يا لساني إلى قلبي -فقلبي فرعون- إنه طغى.

    منهج الرافضة في تفسير القرآن

    أمَّا الرافضة فهم أجهل الناس؛ يقول ابن تيمية: هم من أضل الناس في المنقولات ومن أجهلهم في المعقولات، لا خبر ولا علم ولا شيء.

    وهذا مثل أحد الناس كان يقرأ: "فخر عليهم السقف من تحتهم" والقرآن يقول من "فوقهم" لكن هذا أعمى بليد جاهل لا يعرف الآية، ولا يعرف معنى اللغة، فقال: "فخر عليهم السقف من تحتهم!" قال ابن تيمية: لا عقل ولا قرآن؟! فالسقف دائماً من فوق ولو لم يقرأ الإنسان، وهل يأتي السقف من أسفل؟!

    واسمع إلى تفسيراتهم.. قالوا: الم "ألف": ألف الله محمداً فبعثه هادياً ورسولاً، "لام" لام الله المشركين، "م" مقت الله معاوية. أهذا كلام؟ حتى الذين ما قرءوا وما كتبوا وهم في أدغال إفريقيا وأحراش آسيا لا يقولون مثل هذا الكلام.

    وقالوا في تفسير قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19] قالوا: البحرين علي وفاطمة!

    وقوله تعالى: بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [الرحمن:20] قالوا: التقوى والعفاف.

    قلنا: وقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22] قالوا: الحسن والحسين.

    قال مفسرهم في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] قال: البقرة عائشة؛ لأنهم يلعنونها، نعوذ بالله من الخذلان والحرمان، وكذبوا لعمر الله! فهم ما علموا القصة ولا قرءوا اللغة، ولا عاشوا مع موسى وهو يقول هذا لقومه.

    فهذا تفسيرهم.

    منهج المتكلفين في تفسير القرآن

    أما تفسير المتكلفين فهم من العصور المتأخرة، من عهد الرازي إلى هذه العصور، يقول بعض العلماء: إن الرازي أدخل في كتابه كل شيء إلا التفسير. فهو أدخل الكيمياء والفيزياء والطب والهندسة والتاريخ والجغرافيا لكن لم يتكلم فيه بالتفسير.

    فهو مر وترك التفسير على شماله، وما التفت إليه حتى وصل سورة الناس، لكن فيه بعض اللمحات واللطخات من التفسير، وهو يجهل الحديث النبوي مع أنه عقلية كبيرة، حتى إنهم فضلوه على ابن سينا -ابن خالته وعمته في المنهج- يقول الشاعر:

    كذب امرؤ بـأبي علي قاسه      هيهات يبلغ مستواه أبو علي

    ومن اللطائف أن الرازي يقول عنه ابن كثير أن عنده خمسين من الخدم، وكانت ملوك خوارزم تعظمه.

    وكان فصيحاً داهية لكنه ما تعلم الإيمان والحب والطموح من الكتاب والسنة، ولم يقرأ الحديث قراءة مكثفة، بل قرأ فلسفة سقراط وأرسطو وعماتهم وخالاتهم، وهذه عملة مزيفة، إذا أركبتها عملة محمد صلى الله عليه وسلم سقطت ولا تصلح، فإذا أتت عملة مختوم عليها من طيبة المدينة من محمد صلى الله عليه وسلم وتحت الختم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فاقبلها وإلا فردها فهي لا تصلح.

    فهو أخذ ختمه من سقراط وبقراط وأفلاطون وأتباعهم وأشباههم، فتموج الرجل وما انضبط.

    كان جالساً في المسجد بعد صلاة الفجر يدرس الناس الفلسفة، فتكتفت حمامة من البرد فوقعت على بردته فأخذها فضمها، فقال أحد الشعراء وهو جالس هناك:

    جاءت إليك حمامة مشتاقة     تشكو إليك بقلب صبٍ واجف

    من أخبر الورقاء أن مكانكـم     حرم وأنك ملجأ للخائف

    وهذا من أحسن ما قيل، على أننا لا نوافقه أنه (ملجأ للخائف) إلا بعد الله، لكن هذه من أحسن الكلمات، من يستطيع أن يأتي بهذا الإبداع، حمامة سقطت فاعتذر لها وقال: إنها خائفة، فأتت إلى الشيخ لتشكو إليه.. هذا تصوير أدبي، وهل الشعر إلا خيال وأسلوب؟!

    أما أن تقول للشجرة شجرة ولليل ليل وللنهار نهار فما فعلت شيئاً.

    يقول ابن عبد ربه في العقد الفريد: بعض الشعراء يقول:

    الليل ليل والنهار نهار      والأرض فيها الماء والأشجار

    فهذالم يأت بشيء.

    جلس أحد الطفيليين مع بعض الشعراء فحلفوا عليه أنه لا يقوم حتى يقول بيتاً -وهو ليس بشاعر، بل هو أكال فقط، يأكل ويشرب مجاناً- فقالوا: لا تقوم حتى تقول شعراً، فنظر فرأى النهر حوله ونظر إلى الشعراء وقال:

    كأننا والماء من حولنا      قوم جلوس حولهم ماء

    وهذا ليس إبداعاً.

    والمقصود: أن هؤلاء المتكلفين يبدءون من الرازي ثم تصعد إلى أن تصل إلى هنا.

    ,الأستاذ الداعية المتحمس للإسلام، الباكستاني القوي، أبو الأعلى المودودي سقى الله عظامه شآبيب الرحمة، كان قلمه مارداً جباراً على الطغاة، وعلى المفسدين من الشيوعيين وأذنابهم، وكان له ترجمان القرآن، تبدأ في الصباح باستهلاليتها، وكان بليغاً يأسر القلوب، حتى يقول أحد الناس: قرأت له مقالة، فأخذ قلبي بالمقالة فما رد قلبي إلى اليوم.

    يقول: قبل أن تقرأ القرآن انزع من ذهنك كل تصور سابق عن القرآن، فالقرآن ليس بكتاب تاريخ -صدق- ولا بكتاب هندسة أو جغرافيا أو طب، بل القرآن كتاب هداية؛ ولذلك يأتي بعض المفسرين فيقولون: يقول الله عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] فمعنى ذلك: أن كل قضية لابد أن تكون في القرآن.. سبحان الله! كل شيء؟ قالوا: كل شيء.

    على سبيل الدعابة: الإمام محمد عبده المصري الذي يسمونه إماماً مفسراً، وكان ذكياً لامعاً، توفي قبل سنوات، سافر في سفينة اسمها كوك إلى فرنسا، ومعه خواجة مستشرق يقرأ القرآن، فأراد أن يسخر من محمد عبده يقول: يا محمد عبده! يقول الله في كتابكم: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] فهل سمى السفينة هذه في القرآن؟ قال: ما اسمها؟ قال: كوك. قال: نعم، سماها في القرآن. قال: ماذا قال؟ قال: وتر كوك قائماً.. وهذه الآية التي في سورة الجمعة في قوله تعالى: وَتَرَكُوكَ قَائِماً [الجمعة:11] أي: تركوا الخطيب قائماً، لكنه يريد أن يهزأ من هذا ويضحك على عقله، وإلا فالقرآن ما أتى معجماً، حتى بعض الناس يقول: كيف لم يورد الله عز وجل تحريم الشيشة ولا الدخان في القرآن؟

    ونقول له: على استطراداتك لماذا لم يذكر الميرندا والبيبسي والموز والتفاح..؟!! هل تريد القرآن أن يأتي معجماً لكل اسم يرد في الكون؟ فلا تسعه الدور ولا القصور.

    فالقرآن قواعد كلية، يأتي بقاعدة تندرج فيها ملايين القضايا، فقوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ [الأعراف:157] أدخل فيه مليون قضية، وقوله تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] أدخل فيه مليون قضية.

    واسمع ما يقول المتكلفون، فأحدهم يفسر -وتفسيره موجود- ويقول القرآن فيه أسس علم الهندسة.

    قلنا: مثل ماذا فتح الله عليك؟

    قال: الخط المستقيم أقرب موصل بين نقطتين. قلنا من أين أخذته؟ قال: من قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] قال: والمثلث إحدى زواياه منفرجة. قلنا: من أين لك هذا؟ قال: من قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات:30-31].

    فالقرآن لم ينزل للتاريخ، ولم ينزل للجغرافيا، فلم يخبرنا متى ولد فرعون، ومتى تولى ومتى توفي. بل القرآن كتاب هداية، فلا بد أن نعرف هذا.

    والقرآن ليس كتاب صرف، والآن كثير من التفاسير كلها صرف، ما تقرأ فيه إلا ويقول وأصل الكلمة فيعمل فانقلبت الواو إلى ياء، فماتت الأمة وذهبت معتقدات الأمة ونحن من فيعل إلى فعول كانت ياءً فقلبها الله حتى صارت واواً، صحيح أن هذا فن مختص لكن لا يصح أن ندخله ليكون تفسيراً.

    وكثير من التفاسير كلها نحو، ما تقرأ إلا ويقول: الفاعل.. المفعول.. الحال.. المبتدأ.. الخبر، حتى تجد في القلوب قسوة، ننظر في السبورة والأستاذ يشرح فيقول: قال أصلها قول، وهي من الفعل الماضي، قال زيد لعلي: كذا وكذا.

    أين هذا الإبداع الذي أتى به القرآن؟ فالقرآن ما أتى لهذا بل أتى لمقاصد أبينها إن شاء الله.

    ثم هو ليس كتاب جغرافيا -كما قلت- فما ذكر المناخ ولا التضاريس، وما ذكر هبوب الرياح ولا دراجات الحرارة، ولا ذكر الصادرات والواردات وأهم المدن، بل هو كتاب هداية. لذلك يريد سيد قطب أن يقرر هذا المبدأ جزاه الله خيراً في كتاب الظلال، فهو يقرره دائماً، ويقول: كتاب هداية.

    منهج أهل السنة في تفسير القرآن

    أما تفسير أهل السنة، فرحم الله أهل السنة وجعلنا منهم، فهم يعتمدون في تفسيرهم على أربعة أسس:

    الأساس الأول: تفسير القرآن بالقرآن، فهم إذا رأوا آيات بحثوا لها عن مفسر من القرآن، ففسروا القرآن بالقرآن.

    الأساس الثاني: يفسرون القرآن بالسنة.

    الأساس الثالث: يفسرون القرآن بأقوال الصحابة كـابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب والخلفاء الراشدين، ثم بأقوال كبار التابعين كـ سعيد بن المسيب وقتادة والحسن البصري، وهؤلاء الكبار.

    الأساس الرابع: يفسرون القرآن باللغة العربية.

    1.   

    قضايا تتعلق بالتفسير

    ثانياً: قبل أن نبدأ في سورة الفاتحة، نبدأ بقضايا في التفسير وهو الباب الثاني، وهنا أربع قضايا فانتبهوا لها:

    القرآن كتاب هداية

    أولاً: القرآن كتاب هداية يدعوك للهداية وإلى إنقاذ نفسك من النار والعار والدمار.

    القرآن يدعوك إلى أن تنقذ بيتك ومجتمعك من لعنة الله ومقته وغضبه.

    القرآن يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

    القرآن يدعوك إلى ترك الوساوس والخطرات والشكوك والأمراض والمعاصي والمخالفات... فهو كتاب هداية.

    إعطاء كل قضية حقها

    القضية الثانية: القرآن يُعطي كل قضية حجمها وحقها، سبحان الله!

    إبداع القرآن، حيث يُعطي التوحيد أكثر لأنه قضية كبرى، والغيبة يعطيها آيتين أو ثلاث لأنها قضية محجمة، والنميمة يعطيها آية، وخفض الصوت يعطيه آية، والتواضع في المشي آيتين، أما الأسس الكبرى كالتوحيد، والإيمان، والإحسان، والإسلام، والصلاة، والبر، والعدل، والسلام، فيعطيه القرآن أكبر حجم؛ فهو يعطي كل قضية حجمها وهذا درس للدعاة.

    كيف نأخذ درساً للدعاة من هذا؟

    إن الداعية إذا قام يتكلم فإن عليه أن يُعطي القضية حجمها، وأثرها في الواقع، ولذلك قد تجد داعية لا يتكلم في التوحيد أبداً وهي قضية كبرى تكلم القرآن بثلاثة أرباعه في التوحيد، لكن يقوم بعد كل صلاة: يا أيها الناس! ربوا لحاكم، إن الله عز وجل سوف يسألكم عن اللحى يوم القيامة. قلنا: سمعنا وأطعنا، هذه سنة لا بد منها؛ لكن يبقى كل يوم بعد الفجر وبعد العصر وبعد الضحى دائماً في اللحية، فهذا قد أعطاها أكثر مما تستحق.

    فالقرآن يعطي كل قضية حجمها، وينتبه له الدعاة، يُبدأ بالأولويات، ثم بما يليها إلى أن تنتهي إلى التي أعطاها القرآن من المندوبات ومن المستحبات حتى تكون مقبولاً عند الناس.

    الاهتمام بالقضايا الكبرى

    المسألة الثالثة: القرآن يدعو إلى قضايا كبرى، والقضايا الكبرى في القرآن مثل: الإحسان، والإيمان، والعدل، والتقوى، والصدق. هذه دائماً تمر بك في القرآن كثيراً، وهي قضايا كلية لابد أن يتحدث عنها.

    ويمقت القرآن قضايا نعوذ بالله منها: مثل: الكذب، والسوء ووالفحشاء والمنكر، والخداع، والمكر، والظلم، والكفر، والنفاق. وهذه دائماً تتكرر معك في القرآن.

    الاهتمام بالسنن الكونية

    الأساس الرابع: القرآن مليء بالسنن الكونية، فقعد لك قاعدة وهي تصيب بلا شك،وهي قاعدة ثابتة ثبوت الجبل،بل أثبت من الجبل مثل: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] فهذه قاعدة، والعاقبة والنصر والفلاح دائماً للمتقين.

    قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21] فهذا يعلم به الناس أنه من ظلم لا يفلح أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، والتاريخ يصدق هذا بالاستقراء.

    منها قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52] من خان وظن أنه ينتصر على خصمه وزميله وقرينه فلا يهدي الله كيده ويكون هو المغلوب، فهي قاعدة.

    ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] المفسدون؛ لا يصلح الله عملهم ولو بهرجوا عملهم وغطوا عملهم بشيء من الكلام، لا يصلح الله عملهم أبداً.

    ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] من أحسن لا يضيع الله أجره لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه      لا يذهب العرف بين الله والناس

    قيل: إن هذا البيت هو أحكم بيت قالته العرب، وهو للحطيئة، وأستطرد مع الحطيئة.

    مر من جبال بني تميم فلما وصل إلى ماء عليه الزبرقان بن بدر الأمير جالس -وهو تميمي- قال: أقرني (ضيفني). فما أقراه وما ضيفه ولا عشاه -ولسان الشاعر تقطع بشيء من المال حتى لا يتكلم- فأعطاه أخزى قصيدة في التاريخ، يقول للزبرقان:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها      واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه      لا يذهب العرف بين الله والناس

    فلما سمع الزبرقان هذه الأبيات قامت قيامته وذهب إلى العبقرية المتحدرة، إلى عمر بن الخطاب وشكا إليه الوضع، فمن يحكم عمر في المسألة؟ أيحكم زيد بن ثابت الفرضي؟ لا. فهو تخصصه فرائض: جدة وعمة وخالة، أيعطيها خالداً؟ لا. فهو تخصصه ضرب الرءوس. أيعطيها ابن عباس؟ لا. فـابن عباس مفسر.

    فدعا حسان بن ثابت -أعطى القوس باريها- فهو أديب الإسلام؛ فدعاه فقال له: هل ترى في هذا هجاءً؟ قال حسان ما هجاه ولكن سلح عليه.

    فأنزله عمر في حفرة من بئر فأخذ يبكي فيها ويقول:

    ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ      زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

    (يقصد أبناءه في اليمامة)

    ضيعت كاسبهم في قعر مظلمة      فاغفر عليك سلام الله يا عمر

    فلما وصلت عمر القصيدة دمعت عيناه، وكان رقيقاً رققه الإسلام، وقواه الإيمان، ورباه القرآن، فقال: علي به، اقطعوا لسانه. ولكن قطعوه بالمال واشترى أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم منه، ووقع على العقد ألاَّ يسب مسلماً؛ فلما مات عمر أخذ يتكئ في المجالس ويسب من أراد ويمدح من أراد، وأمره عند الله.

    والمقصود من هذا: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] قاعدة.

    1.   

    حالة القرآن مع الخلف

    المسألة الثالثة قبل أن أبدأ بتفسير القرآن: حالة القرآن مع الخلف، بعض المناطقة الأغبياء يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم!

    أي: إن السلف دائماً لا يتكلمون في القضايا الحرجة، مثل الصفات، والغيبيات فقالوا: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.

    قلنا لهم: بل طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، وطريقة الخلف أغشم وأظلم وأجرم.

    أما القرآن فإنه طالت به العهود إلى أن أصبح للرقى والتمائم، إذا صرع مصروع ودخلت عليه جانة بركوا على صدره وقرءوا عليه القرآن.. ولا بأس بقراءة القرآن، لكن القرآن لم ينزل للمجانين فحسب، بل نزل للعقلاء ليحكموه في حياتهم وفي اقتصادهم واجتماعهم وأخلاقهم وسلوكهم، لكن مرحلة القرآن بعد قرون أصبحت لهذا الأمر، إذا صرع مصروع بركوا على صدره وقرءوا عليه آية الكرسي.

    إذا أتى حفل ومناسبة ووليمة بدءوا بآيات من القرآن الكريم وكأنهم يقولون: هذا القرآن للحفلات والتمائم: يكتبون عليها آيات القرآن، والأهازيج والمواليد التي ما أنزل الله بها من سلطان. ويجتمع المتصوفة وتنكس رءوسهم بعد أن يأكلون القصع من العصيد:

    وقالوا سكرنا بحب الإله      وما أسكر القوم إلا القصع

    فجعلوا القرآن لهذه الأمور.

    ثم جعل القرآن للتأكل به، فقد وجد صنف من الناس وقراء ما أخذوا طريق الراتب والمعاش إلا من القرآن، يريد أن يتعلم التجويد والقلقلة ليكون قارئاً في التلفاز وفي الراديو ليستلم راتباً!!

    سبحان الله! يتأكل بكلام الله! سلوكه وإيمانه ومعتقده في واد، والقرآن في واد آخر.

    رأينا حليقين عليهم من آثار البشاعة والخوف، ويصاب الإنسان برجفة إذا رآهم يقرءون القرآن ويتمتمون به فلا يصبح للقرآن طعماً ولا ذوقاً ولا أحاسيس؛ فهذا قرآن التأكل.

    والتأكل بالقرآن، للمسابقات وللجوائز، أنا لا أقول: حرام. لكن لا بد أن يكون مقصد الشاب الذي يتسابق وجه الله، ثم تأتي الجائزة فيما بعد، أما أن يسابق ليحفظ عشرة أجزاء لينال جائزة ثم ينسى العشرة ويأخذ الجائزة ولا يصلي ولا يعتبر بالقرآن، فهذا آثم يسحب على وجهه إلى النار -نعوذ بالله من النار-.

    فهذا القرآن أتى إلى تركيا فحولها إلى أمة إسلامية، فلما تركت القرآن في عهد أتاتورك وسجدت للعلم فسميت علمانية سلخ الإيمان والمهابة والقداسة من علم تركيا.

    أتى إلى باكستان فحولها إلى أمة إسلامية في عهد الفتوح، فلما تركت القرآن تحولت إلى أمة متخلفة.

    أتى إلى أمم كثيرة وكثيرة لا نذكرها في هذا المجال لأنكم تعرفونها، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

    ونحن اليوم نشكو حالنا إلى الله، والقرآن يشكو إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى من وضعنا معه، فكثير منا لا يقرأ القرآن إلا يوم الجمعة إذا تيسر له ذلك، فيقرأ سورة الكهف وهو نعسان لا يدري لماذا أنزلت؟ فلا يعرف تفسير القرآن، وما أحيا بيته بالقرآن، ولا عاش مع القرآن، ولا تدَّبر القرآن، حصيلته من القرآن قليلة جداً، حتى سمعت من بعض الناس يحلف لزميله ويقول: والله ما قرأت القرآن ستة أشهر. ويلك من الله، وتحلف! إذا بليتم فاستتروا، ستة أشهر بلا حياة! ستة أشهر بلا نور! ستة أشهر بلا فهم! ستة أشهر في تخلف! والله لو جمعت كتب الدنيا وقرأتها ثم لم تقرأ في القرآن، كأنك ما قرأت شيئاً.

    حتى يقول العلماء لما رجعوا إلى القرآن وكثير من المفكرين لما تابوا ومن الناس الكبار كـسيد قطب وغيرهم قال: لما أتينا إلى القرآن كأننا ما قرأنا شيئاً. وبدأنا مع القرآن.

    يقولمحمد إقبال: أنا ثروتي وكنزي أن أقرأ القرآن بعد صلاة الفجر. موجود هذا في روائع إقبال لـأبي الحسن الندوي.

    ودخل محمد إقبال على ملك أفغانستان قبل أربعين سنة فقال لملك أفغانستان: أريدك في كلمة بيني وبينك؛ فأغلق عليه الباب هو وإياه، فأخرج محمد إقبال -شاعر باكستان الشاعر العالمي- المصحف وقال: "يا فلان، يا ملك أفغانستان! أوصيك بهذا القرآن ". فبكى ذلك الملك وقال: والله من كذا وكذا سنة ما أسمر إلا على القرآن.

    وأورد ابن كثير في ترجمة المتقي لله أحد الخلفاء العباسيين قال: "لما تولى الخلافة أخذ مصحفاً وقال لوزرائه والأمراء: اخرجوا عني، كفى بالقرآن سميراً".

    قال الشاطبي في الموافقات: "من أراد أن ينصح نفسه، فليأخذ القرآن سميراً وأنيساً له".

    وهذا خالد بن الوليد في آخر حياته أخذ المصحف وأخذ يقرأ طيلة النهار ويبكي ويقول: [[شغلني الجهاد عن القرآن]] لم يقل شغلني لعب الكرة أو الشهوات أو الروحات أو الزملاء بل قال: شغله الجهاد عن القرآن.

    وعثمان بن عفان في سيرته بسند صحيح أنه كان يقرأ القرآن من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر، فيقول له الصحابة: لو رفقت بنفسك. قال: [[لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن]].

    كتاب أنزل على الناس ليحيي قلوبهم فكان حظه الهجر، وهجر التدبر، والتلاوة، ونأخذ الآن مذكرات ألفها البشر أساتذة، ونسهر عليها الليالي الطويلة أيام الامتحانات، ونضع تحت كل كلمة قالها الأستاذ وهو ينعس، ونخرج الدر منها والياقوت والمرجان وليس فيها در ولا ياقوت ولا مرجان، ثم نأتي وقد صممناها صماً ثم ننساها نسياناً، ولو أعطينا القرآن ربع هذا الاهتمام أو عشر هذا الاهتمام لعشنا بالقرآن؛ وأنا أتكلم عن غالب الناس وأمثالي من الناس، فهذا هو موقف الخلف مع القرآن.

    1.   

    القرآن يهدي للتي هي أقوم

    القضية الرابعة: يقول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

    قال أهل العلم: "أقوم في العقيدة، وأقوم في العبادة، وأقوم في السلوك والأدب، وأقوم في الاقتصاد فكل خير هو في القرآن، والقرآن متكامل ودستور حياة، فمن اعتقد بأنه سوف يهتدي بغيره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

    1.   

    افتتاح سورة الفاتحة

    بسم الله الرحمن الرحيم، ونبدأ بسورة الفاتحة.

    سورة الفاتحة الكافية تكفي عن غيرها ولا يكفي غيرها عنها.

    سورة الفاتحة شافية تشفي من الأمراض والهواجس والخطرات.

    سورة الفاتحة راقية يسترقى بها من الأوجاع والأمراض ومرض الصرع والجنون.

    سورة الفاتحة أم الكتاب فهي تقود الكتاب وهي ملخص القرآن.

    سورة الفاتحة السبع المثاني، ثني فيها القرآن.

    سورة الفاتحة موجزة للقرآن في سبع آيات.

    ولذلك ذكر ابن القيم في مدارج السالكين عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه كان إذا صلى الفجر مكث في مجلسه يقرأ الفاتحة ويرددها حتى طلوع الشمس أو ارتفاع النهار.

    قالوا: "ما لك إلا الفاتحة؟"

    قال: "إن الله أنزل أربعة كتب: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن فجمعها في المفصل وجمع المفصل في الفاتحة، وجمع حكمتها في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ".

    ابن تيمية تجده بدأ من القرآن فجدد في المعتقد وفي الأدب والسلوك والأخلاق، ولذلك لما دخل الإسكندرية اجتمع أهل الإسكندرية لقتله، لماذا؟

    لأن أكثرهم مبتدعة، وأشاعرة وصوفية، ومتخلفة، يريدون قتله. فقال له أحد زملائه: يـ ابن تيمية امكث في هذا المسجد ولا تخرج. قال: ولم؟ قال: هؤلاء جميعاً يريدون قتلك؛ فتبسم ثم نفخ في يده -هذا في سيرة ابن عبد الهادي - وقال: "والله ما يعادلون عندي ذباباً كلهم..!" فدخل المسجد فاجتمع عليه الناس فلما رآهم قام بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب يشرح: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يتهدر كالسيل.

    فمدرسة ابن تيمية مدرسة القرآن، ولذلك كان يعيش مع الفاتحة من الصباح إلى ارتفاع النهار، فأنا أوصي نفسي وإياكم بترديد الفاتحة، وبالعيش مع الفاتحة.

    إن كثيراً من الهموم والغموم والاكتئاب والمرض النفسي ما كان ينبغي له أن يوجد في بلاد الإسلام، وهذا الاكتئاب والقلق والمرض عند الخواجات، ونحن نشافي الناس بكتاب الله، فنحن نعالج الناس، ونصدر لهم ولا نستورد.

    ولذلك وجد في شباب الإسلام من ذهب إلى مستشفيات الغرب يقولون: مصروع، مجنون، عنده اكتئاب.

    فعندك القرآن والدواء فلا تطلبه من غيرك لأنك أنت صاحب الدواء وتوزعه على الناس.

    سبب تسمية سورة الفاتحة بهذا الاسم

    الفاتحة، سميت الفاتحة لأنه افتتح بها القرآن.

    ولأنها تفتتح بها الصلوات.

    ولأنها تفتتح بها القضايا الكبرى؛ فهي الفاتحة التي يفتح الله على من قرأها.

    فضل سورة الفاتحة

    أما فضلها: ففيها أحاديث صحيحة، وأنا أحرص بحول الله وقوته ألاَّ أورد في مجال التفسير -وهذه أول حلقة من حلقات التفسير- إلا حديثاً صحيحاً، روى البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد عن أبي سعيد بن المعلى -وهو أنصاري- قال: {كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقمت أصلي فدعاني صلى الله عليه وسلم فلم ألتفت -الرجل يصلي والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: يا أبا سعيد! - فلما سلم، قال له صلى الله عليه وسلم: لماذا لم تجبني؟ قال: كنت في صلاة يا رسول الله! قال: ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]؟ لأخبرنك بأعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من هذا المسجد قال: فأخذ يدي بيده}.

    انظر إلى التربية والرقة والتواضع، وهذا درس عملاق في التربية، وهو لفتة تربوية، لا ينتبه لها الناس، فقد كان صلى الله عليه وسلم أحياناً يربت على الكتف، وربما ضرب على صدر الصحابي لكن لها معان ومعان لا يدركها إلا القلة من الناس.

    قال: {فلما وصلنا إلى باب المسجد قلت: يا رسول الله! أخبرني بأعظم سورة، قال: ماذا تقرأ في الصلاة؟ قلت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال: هذه أعظم سورة في القرآن}.

    ورد هذا الحديث كذلك من حديث أبي بن كعب عند أحمد ومالك في الموطأ والترمذي وورد عن أبي هريرة عند أحمد كذلك، وعند أحمد عن أبي بن كعب قال: [[ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن كسورة الفاتحة]].

    حكم الرقية بالفاتحة

    أما كيف يرقى بالفاتحة فأعظم رقية يرقى بها المريض الوجع المصروع الذي أصابه جان، وكثير من الناس ينكرون هذه الرقى على مذهب محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وهؤلاء ينكرون الغيبيات كثيراً، وهذا ليس بصحيح، بل يرقى بالقرآن، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد قال: ذهبنا في البادية -أي: فرقة من الصحابة- فلدغ رجل من الأعراب -رجل بدوي لدغته عقرب أو حية، وعند العرب إذا لدغ الرجل سموه سليماً تفاؤلاً- يقول الأعشى في قصيدته الدالية التي يمدح بها الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ما وصل بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد رشاه أبو سفيان في الطريق بمائة ناقة، فعاد فوقع من على ناقته في درب قريباً من الرياض، فانكسرت عنقه فذهبت مائة ناقة ولا أسلم ولا نجا ولا كفى.

    يقول:

    ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا      وعادك ما عاد السليم مسهدا

    يقول: إنني بت في الليل لا أنام، شوقاً إلى المصطفي في المدينة صلى الله عليه وسلم.

    ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا      وعادك ما عاد السليم مسهدا

    ثم يقول وقد بز الشعراء ببيتين حسنين جميلين ظريفين يقول:

    إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى      ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

    ندمت على ألا تكون كمثله      وأنك لم ترصد لما كان أرصدا

    لكنه ما أسلم، فالشاهد أن السليم عند العرب هو الملدوغ، وقالوا له: سليماً تفاؤلاً، وقالوا للأعمى: بصير وهو أعمى، فسموه بصيراً تفاؤلاً، وقالوا للذي بعين: أبو عين كريمة. وهذا أحسنوا فيه، وبعض الناس عنده من الذكاء ما يخرج الموقف، إذا أحرج في المجلس يأتي بكلام طيب.

    دخل ابن هرثمة وهو أحد القواد العباسيين الكبار -وقيل غيره- في مجلس أبي جعفر المنصور، وأبو جعفر زوجته اسمها الخيزران، وبيد القائد خيزران وعنده الوزراء والأمراء، فقال أبو جعفر المنصور للقائد: ما بيدك؟ فإن قال: الخيزران تذكر أن امرأته في البيت اسمها الخيزران، فقال: يا أمير المؤمنين! هذه عصا تؤخذ من الشجر الذي يصنع منه الرماح؛ فأعطاه جائزة. واسم هذا الشجر الخطي، وذكر زهير بن أبي سلمى يقول:

    وهل ينبت الخطي إلا وشيجه      وتغرس إلا في مغارسها النخل

    فلذكائه قال هذا.

    فلدغ هذا الرجل فأتى أبو سعيد -وقيل: غيره- فرقى الرجل -هذه القبيلة للؤمها وقلة حيائها من الله أبوا أن يضيفوهم.

    بعض القبائل تحطم الرقم القياسي في البخل، تصلي معهم في المسجد فيتركون تسبيح ثلاثة وثلاثين ويذهبون وأنت تسبح ثلاثة وثلاثين..! لأنهم رأوك غريباً في المسجد، ولهم فنون في ذلك، وربما يتحالفون على الضيف حتى يتركوه، يحلف هذا أنك لا تأخذه ويحلف هذا أنك لا تأخذه فيبقى واقفاً، وتركوك قائماً.

    فالصحابة ذهبوا إلى القبيلة هذه فطلبوا منها القرى فرفضوا، فلدغ شيخهم فأخذ يتعقرص ويتعقرب في البيت فقالوا: هل منكم قارئ يقرأ عليه؟

    قال: والله الذي لا إله هو لا أقرأ عليه إلا بثلاثين شاة. وهذا بطل، أحرموهم عشاء شاة فأخذ عليه تسعاً وعشرين شاة.

    فقالوا: اقرأ عليه ونعطيك؛ فبرك على صدره وقرأ عليه الفاتحة فاستفاق بإذن الله، فأعطوه ثلاثين شاة.

    قال الصحابة بعضهم لبعض: لا تذبحوها حتى نسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فسألوه قال: {كلوا واضربوا لي معكم بسهم، وقال للقارئ: من أخبرك أنها رقية؟} -أي: أنه أصاب فإنها رقية تقرأ على المصروع فيشافى بإذن الله ويخرج الجان المتلبس في المصروع وإلا كيف تتكلم امرأة على لسان رجل؟ فهذا لا ينكر عقلاً ولا حساً قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] وقال تعالى: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام:128] والرسول صلى الله عليه وسلم رقى صريعاً كما في صحيح مسلم وأخرج الجان وقال: {اخسأ عدو الله أنا رسول الله} فهذه مسألة.

    1.   

    حكم قراءة الفاتحة في الصلاة

    قراءة الفاتحة في الصلاة تحتها مسائل منها:

    اختلاف الفقهاء في قراءة الفاتحة في الصلاة

    أولاً: قراءتها في الصلاة، عند أبي حنيفة والأحناف يجوز قراءة غير الفاتحة، فلك أن تقرأ غير الفاتحة في الصلاة، ولك أن تصلي صلاة رباعية أو ثلاثية أو ثنائية ولا تقرأ فيها الفاتحة ولو مرة، وتقرأ ما تيسر من القرآن.

    قلنا لهم: ما دليلكم؟ قالوا: قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20] فيكفيك أن تقرأ ما تيسر من القرآن سواء كانت آية أو آيتين آو ثلاثاً من أي سورة ولا تقرأ الفاتحة.. فهذا رأي الأحناف.

    وما هو دليل الأحناف غير الآية: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20]؟ في الصحيحين عن أبي هريرة في قصة المسيء: {ثم اقرأ ما تيسر معك في القرآن} قالوا: "ما تيسر" عموم، فلا نخصصه بالفاتحة ولا بغيرها.

    إذاً: يقرأ الإنسان ما تيسر من القرآن.

    وقال الجمهور: لابد من قراءة الفاتحة في الصلاة لأدلة منها: قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: {لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة القرآن} وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن خزيمة وابن حبان بسند صحيح: {لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة القرآن} وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج خداج خداج} أي: باطلة. وهذه ثلاثة أحاديث صحيحة.

    حكم قراءة المأموم للفاتحة

    لكن القضية الكبرى التي يُنتبه لها هل يقرأها المأموم والإمام أم يقرأها الإمام فقط أم يقرأها المأموم في السرية دون الجهرية أم ماذا؟

    الأقوال في هذه المسألة ثلاثة أقوال وسوف أرجح الراجح بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى:

    القول الأول: يقرأها الإمام والمأموم في السرية والجهرية لعموم الأحاديث السابقة.

    القول الثاني: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة بالكلية لا في السرية ولا في الجهرية.

    قلنا: وما دليلكم؟

    قالوا: ما رواه أحمد والدارقطني عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له} وهذا القول الثاني للأحناف.

    قالوا: إذا قرأ الإمام فلا تقرأ أنت لا في السرية ولا في الجهرية، أي: تقف في الظهر نصف ساعة في الركعة الأولى وأنت صامت، أي: تعدد البطن، ويكفيك ألاَّ تتلفت بشيء، لا تستغفر ولا تسبح ولا تقرأ شيئاً من القرآن، لكن لا يجوز لك أن تقرأ قصيدة عصماء.

    قلنا: وما الدليل؟ قالوا: {من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له}.

    قلنا: الحديث ضعيف والحمد لله رب العالمين، وهذا الحديث من جميع طرقه لا يصح أبداً، وهو ضعيف لا ينجبر.

    القول الثالث: تجب على المأموم في السرية ولا تجب في الجهرية لما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري: {إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا}.

    يقولون: القول الثالث: يقرأها الإمام في السرية ولا يقرأها في الجهرية.

    التحقيق والترجيح: القول الراجح أن على المأموم أن يقرأها في السرية والجهرية وراء الإمام، ولا يزيد على الفاتحة في الجهرية، وأما في السرية فليزد ما تيسر؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب}.. {وصلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج خداج خداج} وقوله: {لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن} فعلى المأموم أن يقرأها في السرية والجهرية ولا يزد في الجهرية على الفاتحة، وهذا رأي الجمهور.

    وابن تيمية يرى خلاف ذلك فيقول: لا تقرأ في الجهرية ويستدل على ذلك من قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] وهذا فيه دليل عموم، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ فلابد لك من قراءتها في الصلاة السرية والجهرية وراء الإمام ووحدك؛ لأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة القرآن.

    فهذا ملخص في قضايا ولا نستطرد لأنها قضايا فقهية. ولكننا ندخل إن شاء الله إلى الاستعاذة؛ لأننا قد نقف على الاستعاذة في هذه الليلة ثم نبدأ فنأخذ الفاتحة في درس آخر إن شاء الله ونبدأ بالقرآن بما تيسر.

    1.   

    أحكام الاستعاذة

    الاستعاذة فيها مسائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    وهذا شرف للأمة أن علمها الله كيف تستعيذ من الشيطان الرجيم.

    وفيها مسائل:

    مشروعية الاستعاذة عند القراءة

    الأول: الأمر بالاستعاذة عند كل أول قراءة؛ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98] ماذا تفهم من الآية؟

    تفهم من ظاهر الآية أنك إذا قرأت القرآن وانتهيت قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه يقول: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98] لكن لا، فهناك كلام مقدر: إذا أردت أن تقرأ القرآن فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    حكم الاستعاذة في الصلاة

    المسألة الثانية: الاستعاذة على الندب في كل قراءة في غير الصلاة؛ فمندوب وليس بواجب أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، والاستعاذة بصفتين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وبعضهم يزيد لكن ما وردت الزيادة، وقد أورد القرطبي صوراً لذلك، لكن هذان اللفظان هما اللذان وردت بهما السنة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    وفي الصلاة، صح عنه صلى الله عليه وسلم، عند أبي داود وغيره: {أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه} همزه: الشعر، ونفخه: الكبر، ونفثه: السحر.

    قاله أبو عمرو أحد الرواة وهو أبو عمرو بن مرة، همزه: الشعر، والشعر إذا لم يضبط بالإسلام والقرآن والإيمان أصبح صاحبه مجنوناً: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:225-226] يقولون كلاماً لكنهم ما أصلوه بإيمان وقرآن.

    والنفث: السحر، والنفخ: الكبر؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ من هذه الأمور، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله في الصلاة.

    الاستعاذة ليست من القرآن

    المسألة الثالثة: أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية من القرآن، فيجوز للجنب أن يقرأ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    فضل الاستعاذة

    المسألة الرابعة: فضل التعوذ، ورد التعوذ في أمور، وفضل صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ العبد عند الغضب، فعن سليمان بن صرد قال: {استب رجلان عند الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام جالس في المجلس، الأول يسب الآخر ويتكلم عليه فغضب ذاك غضباً عظيماً حتى احمرت أوداجه فقال عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، فقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ما هي؟ قال: لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد، فقاموا فقالوا للرجل، فقال: لست بمجنون}.

    انظر إلى الكبر قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89] وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ [البقرة:206].

    قيل له: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال: لست مجنوناً والحمد لله.

    أنت أكبر مجنون!! ما دام أنك تكلمت بهذا السباب والشتائم والجرائم فأنت مجنون.

    فقال: لست مجنوناً.

    فمن غضب فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن أصابته غفلة ورانت على ذهنه، والغفلة: تأتيك دائماً وأبداً على مر الساعات وأنت في مكتبك، وفصلك، وأنت في طريقك، وسيارتك تمر بك الغفلة قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:24] فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا أتاك مرض الشهوة فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    ومن فضلها: ما رواه مسلم عن عثمان بن أبي العاص وعثمان بن أبي العاص شاب ثقفي، لكنه من شباب الإيمان والحب والطموح، شاب صغير لكنه تعلم القرآن حتى حفظ الكثير منه، ثم أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام -وهذا في سنن أبي داود بسند جيد- قال: {يا رسول الله! اجعلني إمام قومي} هذا لا يطلب وظيفة من أجل الراتب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يمني الناس بالرواتب والمعاشات، بل كان أجرهم ومثوبتهم على الله، تقول له بعض القبائل العربية: {إذا ملكت الدنيا أشركتنا في الملك؟ قال: لا. الأرض لله يورثها من يشاء}.

    يأتيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم فقراء يريدون شيئاً فيقول: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133].

    فقال هذا الرجل: {يا رسول الله! اجعلني إمام قومي}. وهذا فيه دليل على طلب الإمامة، لا كما يفعل بعض طلبة العلم والدعاة سامحهم الله، يوم يتأخرون عن الإمامة ويقول: لا أريد أن أحرج نفسي، لو صليت بهم المغرب أحرجوني وورطوني في صلاة العشاء. فهل الإمامة ورطة؟! هل تتورط أن تكون واجهة: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم     ولا سراة إذا جهالهم سادوا

    والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة      ولا عماد إذا لم تبن أوتادُ

    فتخجل وتتورط أن تكون داعية وأن يدعى لك بالخير، وأن يترحم عليك، وأن يترضى عليك..! إن هذا من الإحباط والانهزامية والفشل.

    وهذا موجود أن بعضهم لا يريد الإمامة، ويقول: خطبة الجمعة لا أريد.. أنا محرج.. عندي من الأعمال ما يكفيني. فعملك أن تكون إماماً وداعيةً، وأعمالك الأخرى لا تساوي فلساً واحداً.

    فقال: اجعلني إمام قومي، قال: {أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم} وهذا فيه درس على أن من قام يصلي في الناس فلينظر في المسجد هل يرى شيوخاً كباراً، وهل يرى مرضى، وهل يرى أطفالاً، فليكن حكيماً لبيباً فقيهاً.

    وبعض الناس إذا دخل في الصلاة نسي كل شيء وطول الصلاة وهو ربما يوسوس ويبيع ويشتري في السوق، ويطول على الناس حتى يتضجرون من الجماعة والصلاة، وهذا تعذيب للناس: {أفتان أنت يا معاذ؟}.

    وبعضهم يسلقها سلقاً كسلق البيض: الله أكبر، الله أكبر، سمع الله لمن حمده، فالناس معه كأنهم شغالين من الصباح إلى المساء..! وكأنهم في تمارين سويدية..! وترى لفيحهم فقط من السرعة والعجلة، وسقطت ساعاتهم وأقلامهم وكتبهم من جيوبهم! والأمر لله عز وجل؛ فيسلمون والفحمى قد قطت ظهورهم..!! فهذه صلاة لا تقبل.

    والصلاة التي تقبل أن تستكمل ركوعها وخشوعها وخضوعها، قال: {أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً}.

    لكن ما هو الشاهد هنا؟

    الشاهد أن عثمان قام بعد الصلاة فشكى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {يا رسول الله! شيطان لبس علي صلاتي} لأن بعض الناس إذا وسوس وسوس، ما يدري أهو في المسجد أو في مكان آخر، ذهب عقله ولبه فلا يدري أين هو.

    ويقولون: الشيطان لا يأتي بقوة إلا في الصلاة.

    وعلى ذكر ذلك يقولون: إن جحا رأى غمامة في السماء فحفر حفرة في الصحراء ووضع ماله تحت الغمامة؛ وأتى وإذا الغمامة في واد وماله في واد. وذكر هذا عباس محمود العقاد لكن هذا من حديث عجائز نيسابور.

    لكن أذكر أن أبا حنيفة جاءه رجل فقال: ما علمت أين وضعت مالي. قال: قم صل فإن الشيطان سوف يخبرك. فتوضأ الرجل، فلما قال: الله أكبر، أتى الشيطان وقال: وضعت مالك في مكان كذا وكذا. فذهب وترك الصلاة وليته أكمل..!

    فيقول: {يا رسول الله! أشكو إليك شيطاناً لبس علي صلاتي لا أدري ماذا أقول. قال: ذاك شيطان يقال له خنزب. فإذا أحسسته فاستعذ بالله وانفث عن يسارك ثلاثاً} وهذا في صحيح مسلم. الآن قد يقول البعض: لو ذهبنا ننفث ونفثت الجماعة كلهم لأصبح المسجد نفيثاً وأصبح شهيقاً وزفيراً..! فهل هذا وارد؟

    وهذا قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لمن كانت حالته كحالة هذا الرجل، أي أنه لبس عليه الصلاة ولا يدري هل قرأ الفاتحة أم لا.

    أما الشرود فهو حاصل عند الجميع فلا تنفث فيه، لكن إنسان لا يدري هل قرأ الفاتحة؟! هل هو في الركعة الأولى؟! هل هو في صلاة الظهر؟! شرد ذهنه تماماً؛ فعليه فنقول: ينفث عن يسراه ثلاثاً ويستعيذ بالله من الشيطان، والحديث في مسلم وإذا أصبح الحديث في مسلم فخذه أيها المسلم.. فهذا أمر.

    1.   

    شرح معنى الاستعاذة

    الاستعاذة:

    لدينا ثلاث كلمات: أعوذ، والشيطان، والرجيم. وسوف يرد معنا لفظ "الله" وما أعظم لفظ "الله"! وما أجل الله! وما أكبر الله!

    يقولون: إن سيبويه النحوي الفاره العبقري، الذي ألف الكتاب في النحو من خيوط الحرير، خيوط الهوى، أتى إلى أمة عربية فمنحه الله عقلاً مدركاً، فألف الكتاب، وهذا الكتاب يقولون عنه: من قرأه وفهمه فهو عالم.

    ويقولون: لما توفي رآه العلماء في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي.

    قالوا: بماذا؟

    قال: لأني كتبت في باب المعرفة: الله أعرف المعارف؛ فغفر الله لي.

    أتى سيبويه إلى الكتاب، وانظر إلى الإيمان والحب والطموح، فهو أتى يؤلف وليس كبعض الناس إذا أتى يؤلف قصيدة نسي الله، وانخلع تماماً من الإسلام، وأصبح كأنه قطعة وثن، أو كأنه زنديق عميل ضد الإسلام وهو في بلاد الإسلام، يطعن الدين بقصيدة، ويتكلم في رب السماوات والأرض.. قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95].

    والآن الذي يقرأ كتاب الأعلام للزركلي ويرى الشخصيات هؤلاء وكيف ماتوا، ويرى ما تركوا من تراث، وتقرأ لبعضهم قصائد إلحادية، وتتفكر في أصحابها وقد ذهبوا إلى علام الغيوب، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94].

    فالمقصود أن سيبويه لما رأوه في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟

    قال: قلت في باب المعرفة "الله أعرف المعارف". فهو لم يقل: الله لفظ الجلالة مشتق من أله يألهه إذا تحير أو أحب، فقال: الله أعرف المعارف.

    فالله تعرف إلى الناس بنعمه، حتى يقول بعض الفلاسفة: يستدل بوجود الله عز وجل على وجود الكائنات، ولا يستدل بالكائنات على وجود الله. وهذا أمر ليس بصحيح، ولكن لمبالغته في الإثبات قال هذا الكلام، فيستدل بآياته ومخلوقاته على وجوده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وعلى ملكه وصنعته وحكمته ولطفه وجماله وجلاله.

    قل للطبيب تخطفته يد الردى      من يا طبيب بطبه أرداكا

    قل للمريض نجا وعوفي بعدما      عجزت فنون الطب من عافاكا

    والنحل قل للنحل يا طير البوادي      من الذي بالشهد قد حلاكا

    وإذا ترى الثعبان ينفث سمه     فاسأله من ذا بالسموم حشاكا

    واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو     تحيا وهذا السم يملأ فاكا

    يعيش بقدرة الله

    فالحمد لله الكريم لذاته      حمداً وليس لواحد إلاكا

    وأبو نواس شاعر الخمريات، ذهب وأمره إلى الله في يوم العرض الأكبر، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] والله يزن الناس بالحسنات والسيئات، قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    أبو نواس هذا توفي؛ فرئي -كما يقول ابن كثير - في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقصيدتي في النرجسة. النرجسة: زهرة وصفها وردها إلى قدرة الباري تبارك وتعالى.

    ولذلك يقول سيد قطب: لا يلزم الأديب والشاعر والقصصي أن يمدح الإسلام دائماً، لا.

    ولكن صف الليل ورده إلى الواحد الأحد، صف الزهرة والبستان والحديقة، والماء النمير، والجدول الغدير، ولكن ردها إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    صف النجوم والخمائل، صف الفيافي والصحراء، صف البيداء، تكلم في كل شيء، لكن كن مؤمناً، ولا تتخلى عن إيمانك.

    فماذا؟ ماذا قال في النرجسة؟ يقول أبو نواس:

    تأمل في نبات الأرض وانظر      إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجين شاخصات      بأحداق هي الذهب السبيك

    على قضب الزبرجد شاهدات     بأن الله ليس له شريك

    وهذا من أحسن ما قيل!

    معنى "أعوذ"

    أعوذ: معناها ألتجئ وأعتصم وأعتمد وأستجير وألوذ بالواحد الأحد، وأنت يوم تنطق "أعوذ" فعليك أن ينصرف قلبك إلى أنك خلق أمام خالق، وأنك ضعيف أمام قوي، وأنك فقير أمام غني، فالقوة والغنى لله، والعظمة لله، وأنت إذا لم يُسددك الله عز وجل فالهلاك والدمار والشنار والبعد لك.

    إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

    فاشدد يديك بحبل الله معتصماً      فإنه الركن إن خانتك أركان

    وكلمة "أعوذ" قبل أن نعرف إعرابها أو نحوها أو صرفها نعرف عقيدتها، وهذا هو الواجب الذي نريد تدارسه؛ لأن الهداية في أعوذ، معناها: أن نعقد نية وعقيدة في أنفسنا على أنه لا يعيذ إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يكتفى إلا بالله، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].

    وأورد ابن عساكر للمتنبي بيتين ليست في ديوان المتنبي، كان يقول المتنبي لأحد السلاطين والملوك الذي هو سيف الدولة ابن حمدان:

    يا من ألوذ به فيما أؤمله      وأستعيذ به مما أحاذره

    لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره      ولا يهيضون عظماً أنت جابره

    وهذا يقوله لرجل من الناس.. سبحان الخالق!

    يقول ابن تيمية: إني لأدعو بما تضمنهما هذين البيتين لله في السجود. بمضمون هذين البيتين يدعو بهما إلى الواحد الأحد؛ لأنها لا تنصرف إلا إلى الباري.

    وأحد الناس وقف أمام سلطان وقال:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار      فاحكم فأنت الواحد القهار

    فابتلاه الله بالمرض وأقعده فأخذ ينبح كما ينبح الكلب على فراشه، حتى يقول وهو يخاطب السلطان:

    أبعين مفتقر إليك نظرتني      فأهنتني وقذفتني من حالق

    لست الملوم، أنا الملوم لأنني      علقت آمالي بغير الخالق

    سبحان الخالق!

    وتأتي أبيات للشعراء فيها انحرافات عقدية، فيبدعون لكنهم انحرفوا.

    أما رأيتم الأبيات لـأبي فراس الحمداني التي قالها في بشر لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، حتى يقول ابن القيم: أبدع كل الإبداع ولكن أساء كل الإساءة لما جعلها في بشر، والناس ينسبون هذه الأبيات لـرابعة العدوية، وهي لـأبي فراس يقولها لابن عمه سيف الدولة؛ لأن أبا فراس الحمداني سجن في سجن الروم أسيراً، فيقول لـسيف الدولة:

    فليتك تحلو والحياة مريرة     وليتك ترضى والأنام غضاب

    وليت الذي بيني وبينك عامر      وبيني وبين العالمين خراب

    إذا صح منك الود فالكل هين      وكل الذي فوق التراب تراب

    فأجاد كل الإجادة في النظم، ولكن أساء كل الإساءة يوم صرفها إلى مخلوق، مات قبله أو مات بعده لم ينفعه أبداً ووصلوا إلى الواحد الأحد.

    معنى الشيطان

    أعوذ: ألتجئ بالله، فلا يمنعك إلا الله.

    والاستعاذة من شيطانين: شيطان الإنس وشيطان الجن، وشيطان الجن يختفي إذا استعذت منه، وشيطان الإنس يلابسك ولكن عليك بالحروز.

    يقول الذهبي لما ترجم لرجل: "إذا رأيت رجلاً يدعوك إلى خلاف السنة فاستعذ بالله منه فإنه أبو جهل، وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي إن استطعت وإلا ففر منه".

    فالمقصود أن في القرآن قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:200] وقد جاءت بعد: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ووردت الاستعاذة في آيات أخرى لكن لا أريد أن أطيل.

    ولكن الشيطان شيطان أنس وشيطان جن، فشيطان الجن تستعيذ منه ويختفي، وشيطان الإنس تداريه وتداريه بالهدية والإحسان وتستجير منه حتى يختفي عنك، فهذا شيطان وذاك شيطان، فأما الشيطان الإنسي فأمرنا بالمصانعة معه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:34] وأما شيطان الجن فأمرنا بمصارعته وبمقاتلته فلا ينفع فيه إلا القتال، وأعظم قتال هو أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    إذا غضبت فقل: أعوذ بالله.

    وإذا أصابتك غفلة أو شهوة أو شيء من جنوح أو شيء من شرود فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    وأكبر ما نصل إليه من القضايا في "أعوذ" أنها بمعنى: أستجير وأستعيذ وألتجئ وأستكفي... فهذه المعاني كلها في معنى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    والشيطان: قالوا: من شاط أي احترق أو هلك.

    أو من تشيطن أي: بعد، تشيطنت الديار أي بعدت، فلا يهمنا هذا ولا يهمنا هذا ولكن الشيطان خلق من خلق الله، لا يخرج عن قدرة الله، خلقه الله للابتلاء، ولو لم يخلق الله الشيطان لدخل الناس الجنة، لكن الله أخذ على نفسه أن يملأ الجنة وأن يملأ النار، لهذه ملؤها ولهذه ملؤها، والشيطان الرجيم يوسوس لك وهو أعظم عدو لك في الدنيا، وعليك بحروز:

    أولها: أن تستعيذ بالله، فأنت إذا استعذت بالله شرد عنك وفر.

    ثانياً: الأذان، فإنه إذا سمع الأذان شرد وهرب.

    ثالثاً: مداومة الذكر.

    رابعاً: الصلاة، فإنك إذا توضأت وصليت قتله هذا الأمر.

    خامساً: قراءة القرآن بتدبر.

    سادساً: التعوذات والحروز التي في القرآن كآية الكرسي، والمعوذات والإخلاص وغيرها.

    سابعاً: تهليل مائة تهليلة في الصباح وفي المساء فلا يقربك شيطان أبداً.

    ثامناً: قراءة سورة البقرة في البيت: {فبيت تقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه شيطان أبداً}حديث صحيح.

    والشيطان الرجيم: فيه خلاف. قالوا: هو من الجن. ولا يهمنا هل هو من الجن أو من بني سلمة أو من خلق الإنسان، إنما يهمنا أن الله خلقه ابتلاء للعبد، وأن مدافعته لا تأتي إلا بهذه الأمور التي أوردناها وقد أوردها ابن القيم في بدائع الفوائد عندما فسر سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1].

    وهذه الأمور هي حروز من الشيطان.

    والشيطان هل يموت أم لا؟ وهو كأنه يتناسل، والله قد أنظره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فقال: قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الأعراف:15] وقوله تعالى: إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:38] فأنظره الله إلى يوم القيامة فهو يوسوس، وعرشه وكرسيه نصبه على البحر، ومن الصباح يوزع جنوده ويرسلهم في المهمات وأعظمهم من يأتي فيقول: فرقت بين المرء وزوجه، فيقول: أنت حبيبي وقريني.

    والشيطان يحب الأسواق لأنها ضجة وصجة، ويكره المساجد.

    والشيطان يحب اللغط وارتفاع الأصوات.

    والشيطان يرتاد الأماكن القذرة والنجاسات في المراحيض والحمامات.

    والشيطان يدخل مع الإنسان وقت الغضب فيوسوس له وخاصة في وقت الشهوة والغفلة، فمنافذ المعصية ثلاثة منافذ: غضب وشهوة وغفلة، فإذا وصلتك هذه الأمور دخل الشيطان معك فيها.

    هذا هو الشيطان، والشيطان يعدك الفقر؛ فهو يأتيك بالهواجس بأنك سوف تكون تعيساً في حياتك، والله يعدك مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم.

    والشيطان يأمرك بالفاحشة.

    والشيطان يخيل لك الحوادث والزلازل والكرب.

    هذا هو الشيطان وهذا هو تعريفه المعنوي، ولا ندخل في التشقيقات اللفظية.

    معنى "الرجيم"

    الرجيم: الرجم هو القتل واللعن والطرد والشتم، فرجم فلاناً بكلمة، أي: شتمه، ورجمه بحجر، أي: رماه وقذفه بحجر، رجمه فقتله، أي: قتله، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن قوم نوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116] أي: من المقذوفين أو من المقتولين بالحجارة.

    وقال أبو إبراهيم لابنه: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم:46] فهذا الرجيم.

    والرجيم هنا معناه: المطرود الملعون، فهو مطرود من رحمة الله فلا تدركه رحمة الله. وقيل: مشتوم من الناس فالناس يشتمونه، وقيل: مقتول بالأعمال والصالحات؛ فإن العبد إذا سجد تنحى إبليس وبكى وقال: يا ويلتاه! أمر بالسجود فسجد وأمرت بالسجود فعصيت. ولا رئي الشيطان -كما في الصحيح- يوماً أغيظ ولا أدحر ولا أبعد من يوم عرفة لاجتماع الناس.

    والشيطان يغيظه أمور أربعة: منها قيام الناس في الصفوف وقت الصلاة، إذا قاموا في الصلاة صفوفاً فهو أغيظ للشيطان من كل شيء، ولذلك الذين ينادون بجواز الجماعة في البيوت، وأن جَوز هؤلاء الصلاة في البيوت فهم يرضون الشيطان ويغضبون الرحمن.

    ومما يغيظ الشيطان قيام المجاهدين صفوفاً في سبيل الله، إذا شهروا السيوف وأشرعوا الرماح وأراشوا الأسهم واستقبلوا وجه الله عز وجل فهذا يغيظه غيظاً كبيراً.

    ويغيظ الشيطان إذا جلست مع المصحف وقرأت وذكرت الله.

    ويغيظه دروس العلم ومجالس الخير وحلق الذكر فيموت غيظاً، أغاظه الله ولعنه وشرده.

    وموقفك من الشيطان أن تستعيذ، واللعن وارد لكنك لست دائماً مضطر لأن تلعن.

    وكثير من الناس إذا غضب في المجلس، قال: لعن الله الشيطان!

    وهذا صحيح لكن قل: أعوذ بالله من الشيطان؛ لأنه يتكبر إذا لعنته حتى يصبح كالجبل، وهو ملعون، لكن من السنة أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا نسيت شيئاً قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقول كلمة غير صحيحة قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالسائد بيننا والواجب أن نكرر دائماً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه يتكبر من اللعن والشتم.

    و"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ليست بآية من القرآن، ويجوز قراءتها في الصلاة قبل القراءة سراً ولا يجهر بها بالإجماع، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بعد الاستفتاح.

    وسوف نصل إلى البسملة فيما يأتى -إن شاء الله- وما قرب، ونواصل -إن شاء الله- في التفسير لأن البخاري وصل إلى كتاب التفسير، واستفتح صحيحه بحديث أبي سعيد بن المعلى، قال: {كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فدعاني وأنا أصلي فلم أنصرف إليه، فلما انتهيت قال: لماذا لم تجبني؟ أما يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] لأعلمنك أعظم سورة من القرآن قبل أن أخرج، فأخذ بيدي فلما أردت أن أخرج، قال: هي الحمد لله رب العالمين}.

    وهذا الحديث أورده البخاري، ولكن صحيح البخاري وحده لا يكفي في التفسير؛ لأنه لم يختر إلا نبذاً وشذرات وثمرات من الأحاديث الصحيحة، فلابد من التفسير، ومن كان له وجهة نظر أو نصيحة أو إرشاد إلى طريقة التفسير؛ لنعيش مع القرآن ونحلق مع القرآن وليكن كتابنا وسميرنا وأنيسنا القرآن.

    وأدعوكم ونفسي من هذه اللحظة إلى العودة إلى المصحف، فيكون معك في كل مكان أنيسك وسميرك، لاتدخل وتجلس في بيتك إلا وقد قرأت آيات، ولا تقم في الصباح بعد الفجر إلا وقد فتحت مصحفك، وتتدبر منه وتعود إليه، وتأخذ حروزك من القرآن وأذكارك وأدعيتك الصباحية والمسائية.

    وانظر إلى الجمال في القرآن، فإن القرآن عجيب جد عجيب لمن تذوقه، وقبل أن تقرأ القرآن عليك بأمور ذكرها النووي في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن منها:

    أن تتوضأ وتكون طاهراً، وأن تتساك، وتتطيب، وأن تستقبل القبلة ولم أعلم في ذلك حديثاً، وأن تتدبر ما تقول، وأن تقرأه بتمهل وترسل، ثم تعيش مع القرآن فإنك سوف تجد الجمال والروعة والإبداع.

    آنس الله قلبي وقلوبكم بالقرآن، وهدانا الله بالقرآن، ووفقنا الله بالقرآن، وفتح الله علينا بالقرآن، وأرشدنا الله سواء السبيل بالقرآن، وعصمنا الله من الذنوب والخطايا بالقرآن، وشرح الله صدورنا بالقرآن، وجعل الله طريقنا إلى الجنة بالقرآن.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن أقام حدود القرآن وحفظ حروفه، اللهم اجعلنا ممن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، ويكل ما لا يعلم إلى عالمه.

    اللهم اجعلنا ممن قاده القرآن إلى الجنة، ولا تجعلنا ممن أخذه القرآن فقذفه في النار.

    اللهم اجعلنا من حملة القرآن العاملين بالقرآن، التالين للقرآن، المصدقين للقرآن، المنفذين لأحكام القرآن، اشرح به صدورنا، وأذهب به همومنا وأحزاننا، ووفقنا به لكل خير.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.