إسلام ويب

قذيفة العصرللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة (العصر) اشتملت على السبيل الذي من تمسك به نجا ومن تركه هلك، وهي على قصرها تحمل في طياتها معانٍ عظيمة لمن تدبرها.

    وفي هذا الدرس المبارك يقف الشيخ حفظه الله وقفات بديعة مع هذه السورة العظيمة.

    1.   

    إعجاز القرآن

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عنوان هذه الدرس "قذيفة العصر"، ويعلم الله لقد فكرت اليوم في سورة العصر, وفي معالمها وأحكامها وأضوائها وإشراقاتها, وأردت أن يكون حديثها هو هذه الليلة, ونورها نور هذه الليلة، حتى قرأها فضيلة الشيخ أحمد الحواش في صلاة المغرب, فتواردت الأفكار واتسقت الخواطر على أن تكون هذه السورة هي درسنا هذه الليلة, وهي كلام الواحد الأحد الذي: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] الكلام الذي لم يبلَ على كثرة الترداد, ويزداد عمقاً وأصالة وإبداعاً وإشراقاً, يقول شوقي عن هذا الكلام:

    آياته كلما طال المدىجدد      يزينهن جلال العتق والقدم

    أتى على سفر التوراة فانهزمت      فلم يفدها زمان السبق والقدم

    ولم تقم منه للإنجيل قائمة      كأنه الطيف زار الجفن في الحلم

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن كلامه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن كلامه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    فما هي هذه السورة؟

    وما مضمونها؟

    وماذا تريد؟

    بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فهذان سطران أعجزا البشرية.

    وقد تحدى الله الناس أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن, قال أهل العلم: كسورة العصر أو الكوثر, لكنهم ما استطاعوا، جرّب ذلك بعض الملاحدة والفلاسفة والزنادقة والمعطلة فباءوا بالفشل.

    فمن ذلك الكندي الطبيب الفيلسوف: قرأ قوله تعالى في أول سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:1] , فقال: أنا أستطيع أن أنظم مثل هذا, فدخل بيته وأغلق بابه وأخذ القلم والقرطاس وجلس يكتب فأيبس الله يمينه, فما رفعها إلى فمه مرة ثانية, لأن هذا الكلام لا يمكن أن يأتي به البشر، فكلام البشر كالبشر, وفضل كلام الله على كلام البشر كالبون الذي بين الخالق والمخلوق, فتعالى الله علواً كبيراً أن ينال كلام الناس كلامه, أو أن يكون هناك تناسب أو نسبة بين كلامه وبين كلام الناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والعصر)

    وَالْعَصْرِ [العصر:1] الواو للقسم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه, وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالخالق, فالله أقسم بالليل وما أدراك ما الليل إذا سجى، وأقسم بالضحى, والفجر, والقارعة والطامة والصاخة, وأقسم بالشمس والقمر, وأقسم بالنفس, وأقسم بكثير من الآيات الكونية, وأجاب عن القسم.

    والله عز وجل أقسم ليقرر كثيراً من المسائل في عقول الذين لم يصدقوه إلا بالقسم.

    يقول الأصمعي -وقد ذكرها ابن قتيبة وابن عبد ربه في العقد الفريد-: "سافرت وأنا في طريق الحج, فسمعت قارئاً يقرأ قول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات:22-23] قال: فبكى الأعرابي فقال: من الذي أحوج الجليل حتى يقسم؟" يقول: من الذي في هذه البشرية وهذه البرية أحوج الله حتى يحلف، ألا يرضون إلا بقسم؟! ولا يصدقون إلا بيمين؟! من الذي أحوجه حتى حلف سُبحَانَهُ وَتَعَالى؟

    إنهم البشر.

    إنها العقول التي ما استفاقت على الوحي, وما عرفت طريقها إلى الله، إنها العقول التي عبدت الحجر والوثن.

    إن جدي وجدك قبل الوحي كانوا يجمعون التمر ويسجدون له، فإذا جاعوا أكلوه, جدي وجدك قبل الرسالة كان يبول الثعلب على أصنامهم ويسجدون للصنم.

    أتى واحد منهم إلى صنم في جهينة ليسجد له, فخرج ثعلب من وراء الصنم فهربت ناقته وسقط من على الناقة, قال:

    أتينا إلى سعد ليجمع شملنا      ففرقنا سعد فما نحن من سعد

    وأتى آخر من أجدادنا الوثنيين قبل الإسلام, فوجد ثعلباً يبول على حجر وهو يعبد هذا الحجر, قال:

    أرب يبول الثعلبان برأسه     لقد ذل من بالت عليه الثعالب

    فلما أتى عليه الصلاة والسلام أخرجني وأخرجك، وأخرج أبي وأباك، وأخرج جدي وجدك, كانت أنوفنا في التراب حتى أتى من الغار بـ(اقرأ).

    اقرأ فأنت أبو التعليم رائده      من بحر علمك كل الناس يغترف

    إن لم تصغ منك أقلام معارفها      فالظلم ديدنها والزور والتلف

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا     إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الأمي الذي لم يحمل قلماً ولا طبشورة ولا وقف عند سبورة, ولا عرف جامعة ولا كلية: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

    كانت الأمة ميتة فنفخ الله فيها هذا القرآن فأصبحت مبصرة, فمن يتصور أننا قبل الإسلام في جزيرة العرب نصيد الضباب ونرعى الإبل والبقر والغنم، وبعد خمس وعشرين سنة نتكلم على منبر قرطبة , ونؤذن في منائر إشبيلية , ونسجد لله في الحمراء , ونصلي في سيبيريا ونفتتح الهند والسند , من يصدق؟!

    وهذا إنما كان بالوحي.

    حكم القسم بغير الله

    والعصر [العصر:1] أقسم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وليس لأحد -عند أهل العلم- أن يقسم بغيره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ولو أن الجاهليين أقسموا بغيره، وقد قال زهير:

    فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله     رجال بنوه من قريش وجرهم

    ولكنه وثني, لكن اسمع إلى الذين تربوا في الإسلام ولم يعرفوا أدب الشريعة, يقول المتنبي:

    فومن أحب لأعصينك في الهوى      قسماً به وبحسنه وبهائه

    لا تعذل المشتاق في أشواقه      حتى يكون حشاك في أحشائه

    فهو يقسم بمحبوبته!

    فهذه العقول إذا ما توجهت للوحي ولم تعرف القبلة, أصبح معبودها هواها: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية:23] انظر إليه كيف بلغ به الحال أن يقسم بمحبوبته، وهذا واقع.

    وهذا مجنون ليلى عند المقام في البيت العتيق يقول:

    أتوب إليك يا رحمن مما      جنت نفسي فقد كثرت ذنوب

    وأما من هوى ليلى وتركي      زيارتها فإني لا أتوب

    فهو عند المقام ويقول: من كل شيء أتوب, أما ليلى هذه فلا تحدثني فيها, وأتوب من كل ذنب إلا من زيارة ليلى وحب ليلى , وذلك لأنه لم يتوجه للوحي, ولم يعرف طريقه للقيامة.

    و جميل بثينة طلب منه قادة التابعين أن يجاهد في سبيل الله ليبيع دمه من الله, على العقد الذي أتى به جبريل، قال:

    يقولون جاهد يا جميل بغزوة      وأي جهاد غيرهن أريد

    قال: لا أريد إلا النساء, ولا أريد إلا الغزل, فتجد كثيراً من الناس لما انتكسوا وارتكسوا لم يعرفوا إلا الغناء والوله والضياع والعبث, فما عرفوا طريقاً, وما سددوا هدفاً.

    والعصر [العصر:1] أقسم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وله أن يقسم بما يريد, والمقسِم هو ويقسم بشيء، وجواب القسم سوف يأتي.

    معنى العصر

    له عند أهل العلم معنيان:

    1- قيل: هو الزمن, فإنه يسمى عصراً, فالزمن هذا الذي نعيشه نحن وعاشه آباؤنا وأجدادنا من ملة آدم عليه السلام، وهو العصر.

    2- وقيل: هو وقت العصر المعروف، أي: وقت صلاة العصر في النهار, وهو العشي من آخر النهار.

    والظاهر أن الأول أولى, فإن هذا جزء من ذاك.

    أهمية الوقت

    وقد أقسم الله به لعظمته, فإنه عمرك, وحياتك, وهو دقائقك وثوانيك, وهذا الزمن عظيم والله عز وجل يحاسب الناس يوم القيامة على الزمن والعمر فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:112-116].

    والصلتان السعدي الشاعر المصقع ذكر له الجاحظ في كتاب الحيوان أبياتاً في الزمن والعصر, يقول:

    أشاب الصغير وأفنى الكبير     كرّ الغداة ومرّ العشي

    فهو يقول: أخذ الملوك والمملوكين والرؤساء والمرءوسين هذا الصباح وهذا العشي.

    أشاب الصغير وأفنى الكبير      كرّ الغداة ومرّ العشي

    إذا ليلة هرمت يومها      أتى بعد ذلك يوم فتي

    نروح ونغدو لحاجاتنا      وحاجات من عاش لا تنقضي

    تموت مع المرء حاجاته     وتبقى له حاجة ما بقي

    فهل سألتم أهل القبور: هل أكملوا حوائجهم في الدنيا؟

    منهم من دعا لوليمة فمات قبل أن يحضر ضيوفه, ومنهم من عقد على امرأة ولم يبن بها, ومنهم من دخل في دراسة ولم يكملها, ومنهم من عمر عمارة ولم يسكنها، فماتت معهم أغراضهم في نفوسهم.

    وقد قرأت هذا اليوم لخليفة عباسي اسمه الظاهر , كان سفاكاً ذبح من العلماء والوزراء وفعل ما الله به عليم, ومات وعمره ست وأربعون سنة، أصابه خوانيق في حنجرته, فأخذ يصيح ويخور مثل الثور ويقول:

    يا كوكباً ما كان أقصر عمره      وكذا تكون كواكب الأسحار

    فهو يقول: ما أقصر عمري!

    والخليفة المعتصم لما حضرته الوفاة تقلب وبكى وقال:"والله لو أعلم أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت من الذنوب والخطايا".

    فبعض الناس يظن أن الموت لا يدرك الشباب, فالله يقرر الزمن لأهله, فيقول: والعصر [العصر:1] فهذا الزمن الذي نعيشه هو حياتنا وهو على أحد ضربين: حياة السعداء وهي في طاعة الله, وحياة الأشقياء وهي في معصية الله, ويقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ}.

    فتجد أكثر الناس منكوبين في الوقت, يجلسون الجلسات الطويلة لا استغفار أو قرآن, ولا ذكر أو توبة, ولا علم أو مدارسة, فيمر هذا الوقت ويحاسبون عليه عند الواحد الأحد, بل بعضهم جعل الوقت حرباً لله عز وجل, فهذا هو العصر, وهو الزمن الذي نعيشه.

    دقات قلب المرء قائلة له      إن الحياة دقائق وثواني

    فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها      فالذكر للإنسان عمر ثاني

    وعند الترمذي بسند صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -وذكر منها-: وعمره فيما أبلاه} فيسأله الله: أما أمهلتك؟ أما خولتك؟ أما تركتك؟ فيقول: بلى يا رب, فيقول: ماذا فعلت؟ فيسأله عن العمر, وقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] ومعناه عند أهل التفسير: أو لم نتركم زمناً يمكنكم أن تتذكروا فيه فما تذكرتم؟!

    وأما النذير, فقال ابن عباس: "الشيب" وما أحسن هذا من تفسير! وغيره قال هذا.

    فإن هذا الشيب خطر وإنذار رهيب، فإذا شاب رأسك وشابت لحيتك؛ فاعلم أنه نذير لك بالقدوم على الله:

    ويقبح بالفتى فعل التصابي     وأقبح منه شيخ قد تفتى

    أي: يقبح بالشاب أن يلهو, وأقبح منه شيخ كبير يلهو, ولذلك تجد بعض الشيوخ الكبار في الستين والسبعين كالسفيه والطفل, برنامجه اليومي كبرنامج الطفل تماماً, تجده في المنتديات العامة والمقاهي والأرصفة. يتحدث بكلام فارغ، وقد أصبحت رجله في حفرة القبر.

    قال سفيان الثوري: "حق على من بلغ ستين سنة أن يلبس كفناً" ويقول صلى الله عليه وسلم: {أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين} فالستون والسبعون معترك المنايا, فأكثر من يموت هم أصحاب الستين إلى السبعين وقليل من يجوزها أو يتعداها: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً [الأحقاف:15] فلما بلغ الأربعين عاد, ولا يعني ذلك ألا يعود الإنسان حتى يبلغ الأربعين, فيسيئ ويعصي ويقول: حتى أبلغ الأربعين ثم أتوب، فإن كثيراً من الناس لم يبلغوا الأربعين, بل عليه من سن التمييز أن يبدأ مع الله عز وجل, حاداً لحدوده محترماً لحرماته, عامراً بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عمره وحياته.

    فالوقت هو النعمة التي تذهب من الناس كثيراً ولا يفكرون فيها إلا في سكرات الموت.

    وهذا الشيب -على ذكره- عجيب, يقول أبو العتاهية:

    بكيت على الشباب بدمع عيني     فلم يغن البكاء ولا النحيب

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيب

    قالوا: ما فعل المشيب يا أبا العتاهية؟

    قال: أحنى ظهري, وأذهب عني لذة الشراب والطعام, وملذة المنام. فصاحب الثمانين والسبعين لا يتلذذ لا بطعام ولا بشراب ولا بمنام, وهو أمر معلوم من سير الناس.

    والعصر [العصر:1] يقسم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالعصر, فيحلف بالزمن على شيء سوف يخبرهم به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, والله عز وجل يقسم بالأمور التي تتعلق بما بعدها.

    فمثلاً: الضحى لما كان فيه لطف مع رسوله صلى الله عليه وسلم ورحمة, اختار وقت الضحى لأن فيه شيئاً من السداية والرعاية, وكذلك الفجر فيه تبلج الحق فأقسم به, ومثله تنـزل الملك على الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي فيقسم بالنجم, فاسمع جواب القسم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:1-8] قالوا: فالنجم يدنو ويتدلى ويهوي, والملك يدنو ويتدلى ويهوي, فسبحان الذي أنزل كتابه, وأبدع كلامه وجعله معجزاً.

    1.   

    بيان جواب القسم : ( إن الإنسان لفي خسر )

    والعصر [العصر:1]: وجواب القسم: إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] والإنسان هنا هو الكافر, فكل إنسان مجرد عن الإيمان في خسر وخسارة في الدنيا والآخرة, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126] قال ابن عباس: [[إن الله عز وجل أخذ على نفسه أن من عمل بهذا الكتاب ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة]].

    وأما من أعرض عن هذا الكتاب فضلالة في الدنيا وشقاوة في الآخرة, وكل من انحرف عن منهج الله فهو خاسر.

    حقيقة النعمة

    ولك أن تسألني سؤالاً: الآن نرى كثيراً من الناس ضلالاً عن منهج الله، وهم يعيشون في نعيم ورغد عيش وقصور ومناصب وبساتين وحدائق وأموال وأولاد, فأين الشقاوة والضلال؟

    أقول لك: أما حج عليه الصلاة والسلام وخطب يوم عرفة على ناقته؟ أما كان فقيراً في غالب أيامه؟ ومع ذلك أنزل الله عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليه في يوم عرفة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] يقول بعض الفضلاء: "يا سبحان الله! يقول الله للرسول صلى الله عليه وسلم: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] مع العلم أنه كان يربط الحجرين على بطنه فأي نعمة هذه؟!

    ويقول: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] مع العلم أنه كان يسكن بيتاً من طين طوله ثلاثة أمتار في مترين.

    وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وكان ينام على خصيف من نخل.

    وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وما شبع من خبز الشعير ثلاث ليال متتابعة.

    وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير, فأين النعمة؟!

    فالنعمة ليست هي التي يتصورها الناس: نعمة البقر والحمير والثيران, أو نعمة الأكل والشرب, فهذا يحصل عليه الوثني الأفريقي والأحمر النصراني والأشقر البلشفي, لكن النعمة غير ذلك, فالنعمة هي أن تعرف الله.

    أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا      إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا     ورسول الله قاد الركب تحدونا خطاه

    ويقول تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257].. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    أسأل سؤالاً: ما هو أثر هذه النعمة على مجتمعنا؟ أما سكنا القصور؟! أما عندنا سيارات فاخرة؟ أما عندنا حدائق وبساتين ومناصب فماذا قدمنا بالنسبة لمن كان قبلنا؟

    شيخ الإسلام ابن تيمية لا زوجة له ولا ولد ولا قصر ولا منصب ولا سيارة, بل كان عنده غرفة بجانب جامع بني أمية, وقد ألف أكثر من سبعمائة مجلد, ورد على أكثر من عشر طوائف, ونازل الإلحاد فدمغه في الأرض, فأقام منهجاً ربانياً على كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, فأين أثر هذه النعمة في حياته؟

    هل وجد الكهرباء ليكتب عليها؟ هل كان يجد من وسائل العصر التي تخدمه في الكتابة؟

    بل كان يشعل السراج ويكتب عليه حتى ينطفئ.

    والإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة , الذي نجتمع الآن على سماع حديثه في المسند , كان يحفظ ألف ألف حديث بالمقطوعات والموقوفات والآثار وكلام الصحابة, يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: "نزل سوق بغداد وعلى كتفه حزمة من الحطب, فأتى الفتح بن خوقان وهو وزير عباسي, فأسرع الإمام أحمد فقال الفتح: أنا -يا أبا عبد الله - أحمل عنك حزمة الحطب, قال الإمام أحمد: لا. نحن قوم مساكين لولا ستر الله افتضحنا".

    يقول ابنه عبد الله: بقيت حذاء أبي معه سبع عشرة سنة وكان يرقعها دائماً, ومع ذلك مات وعنده ثوب وحذاء واحد، ولكن في أصقاع الدنيا أحمد بن حنبل، وفي سمع الدنيا أحمد بن حنبل، وفي ذاكرة الدنيا أحمد بن حنبل، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].

    إذاً: فما هي النعمة؟!

    النعمة هي طاعة المولى, قال ابن تيمية: الكرامة لزوم الاستقامة، والنعمة هي أن تعرف منهجك في الحياة، فتصلي الصلوات الخمس جماعة, والنعمة ألا تكون غاوياً ولا شقياً ولا منحرفاً.

    أما قضية هذه الدنيا فإن الله أعطى البر منها والفاجر, وأعطاها من يحب ومن لا يحب, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن أعدائه: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

    يقول ابن بطوطة صاحب الرحلة: " ذهبت وراء خراسان فوقفت في تربة هناك فأخبرني أهل خراسان أنه دفن في تلك التربة ألف ملك من ملوك الدنيا" فهؤلاء ألف ملك، كنا نظن نحن أننا من ابتدأ التاريخ وكأن الصفر من عندنا, قال: "فوجد حجراً مكتوباً عليه هناك:

    وسلاطينهم سَلِ الطينَ عنهم      والرءوس العظام صارت عظاما

    يقول: سل وتكلم مع الطين, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:45-47] يقول: لا تظنوا أنكم أول من سكن الديار بل سكنها قبلكم أممم.

    وسلاطينهم سَلِ الطينَ عنهم      والرءوس العظام صارت عظاما

    وهؤلاء الذين كان الواحد منهم لا يتكلم مع البشر, ولا يسلم عليهم, ولا ينظر إليهم، أصبح رأسه عظاماً.

    وهذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين أبو الحسن الزاهد الولي قدموا له كوباً من خزف ليشرب فيه, فنظر رضي الله عنه وأرضاه إليه فبكى, فقالوا: ما لك تبكي يا أبا الحسن؟ قال: [[آلله! كم كان في هذا الإناء من طرف كحيل ومن خد أسيل]] يمكن أن يكون هذا الخزف من تراب ورفات الناس الذين ماتوا، مزجت به وأصبحنا نشرب منه, كما يقول أبو العلاء:

    خفف الوطء ما أظن أديم الـ     أرض إلا من هذه الأجساد

    رب لحد قد صار لحداً مراراً      ضاحك من تزاحم الأضداد

    صاحِ! هذي قبورنا تملأ الرحب     فأين القبور من عهد عاد

    فلذلك يظن بعض الذين يعملون المنكر الآن, ويجاهرون الله بالمعاصي, ويحاربونه بالانحراف أنهم أول من أتى في فجر هذا التاريخ.

    والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا يعجزه أحد, فإن الله عز وجل ذكر كل أمة ثم قال: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت:40] فمن الذي اعترض على قضاء الله؟ ومن الذي استطاع أن يقف أمام الله؟!

    هذا نمرود بن كنعان قتله الله ببعوضة, وأذلته أمام الله, وهذا النمرود ربّى نسرين وأطعمها اللحم وقال: أقتل عليها إله إبراهيم, وصعد على النسرين فكان يضرب بالأسهم في السماء ليقتل الله, فأرسل الله عليه بعوضة دخلت في أنفه, فأخذت تأكل من دماغه، فإذا هشهشت بأجنحتها كالعصفور؛ ارتج دماغه فلا يهدأ حتى يضرب الخدم رأسه, فضرب أحد الخدم رأسه فأخرج نخاعه من أنفه فمات, فانظر إلى هذا المصير.

    وفرعون أين مات؟

    لقد مات في ماء كان يتحدى به, فكان يقف يوم العيد -يوم النيروز- بين قومه الجهلة الفسقه: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف:54] ويقول للخونة الأذيال الأذناب كما حكى الله عنه: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51]؟ فيصفقون له ويعظمونه ويقدسونه.

    وعند قوله تعالى حاكياً قول فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] قال أحد العلماء: فأجراها الله من فوق رأسه في سكرات الموت: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27] لكن من يرجع إلى الله؟ إنه الذي يعرف آياته ويعيش عبره ويستفيد من عظاته.

    1.   

    بيان معنى الخسارة والإيمان

    قال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2] الخسر هنا ليس خسارة المال -فإذا خسرت المال في صفقة عوضت في صفقة أخرى- ولا خسران الولد, فإن الله عز وجل إذا أخذ الصفي فاحتسبته من الولد والقريب عوضك عنه الجنة كما في صحيح البخاري , ولا خسارة المنصب فإن الدنيا تذهب وتأتي, لكن الخسارة خسارة الدين.

    إذا أبقت الدنيا على المرء دينه     فما فاته منها فليس بضائر

    فكل شيء أمره سهل إلا الدين, ويمكن أن تعوض الخسارة إلا في ميثاق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فإنه إذا ذهب منك خسرت خسارة ما بعدها خسارة.

    إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] فالكافر خاسر أبداً مهما جمع وحاز ومهما تولى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر:3] فهذا جواب القسم: إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] ثم استثنى سُبحَانَهُ وَتَعَالى منه, يقول أهل النحو: المستثنى في العادة أقل من المستثنى منه, فهل الناجون المؤمنون أقل من الكفار؟

    الجواب: نعم. فإن الله تعالى يقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] وأقل الناس من شكر. وأقل أهل الدنيا الآن المسلمون, وأقل المسلمين أهل السنة، والقليل في أهل السنة المخلصون.

    فقد كانوا إذا عدوا قليلاً     فقد صاروا أقل من القليل

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] , وقد خرج عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى السوق فسمع رجلاً يقول: [[اللهم اجعلني من عبادك القليل, فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ قال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! يقول الله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] فسألت الله أن يجعلني من هذا القليل, قال: كل الناس أفقه منك يا عمر]].

    إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر:2] فالإيمان برسالة محمد عليه الصلاة والسلام هو الميثاق الذي أتى به, وهو الفتح العظيم الذي نزل عليه في الغار عليه الصلاة والسلام, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] وهو الإيمان الذي ذهب به الصحابة بأيديهم ففتح الله لهم الدنيا, فلما ذهبنا نحن والدنيا في أيدينا ما فتحت لنا بل أغلقت أمامنا الأبواب, وسلبت ديارنا وكرامتنا وأرضنا ومجدنا وسؤددنا وأصبحنا في مؤخرة الركب:

    كم صرفتنا يد كنا نصرفها      وبات يملكنا شعب ملكناه

    أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد      تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

    أتطلبون من المختار معجزة      يكفيه شعب من الأموات أحياه

    من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم

    فمن ذا الذي يريد معجزة من الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر من أن يأتي برعاة البقر والإبل فيجلسهم مجلس كسرى وقيصر، يتكلمون بالقرآن ويحكمون بالعدل وينشرون الحق؟!

    أتطلبون معجزة أكبر من أن يأتي صلى الله عليه وسلم بثلة كانت تعبد الصنم فيوزعهم على ثلاثة أرباع الكرة الأرضية؟!

    فهذا ربعي بن عامر أحد أصحابه صلى الله عليه وسلم يدخل على رستم قائد فارس -وقد تكررت هذه لكن تكرر للفائدة- فيقول رستم وهو يضحك من لباس هذا الأعرابي, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أتى إلى الصحابة لم يفصل لهم ثياباً, أو يهد لهم بشوتاً, ولم يوزع لهم سيارات, أو يفتح دور الرعاية, ولم تكن عندهم مستشفيات, ولا صوامع غلال, نعم. هم بحاجة إلى هذه الأمور, لكنه صلى الله عليه وسلم أتى ففتح أولاً قلوبهم بالقرآن والسنة, كان يسكن في بيت من الطين، لكن من بيت الطين هذا حول ثلاثة أرباع الكرة الأرضية إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله, مات وما في بيته إلا سبعة دنانير وزعت صدقة, وما ترك إلا البغلة والسيف (ذو الفقار) ومع ذلك لا زال في الخافقين.

    فبعث صلى الله عليه وسلم أصحابه في مشارق الأرض ومغاربها يهللون ويكبرون, فيقول رستم وهو يضحك على ربعي: جئتم تفتحون الدنيا يا ربعي؟

    لأن الصحابة يقولون نفتح الدنيا وصدقوا.

    وهذا عقبة بن نافع خرج بفرسه وثلة من الصحابة في أفريقيا , فكان يكبر وكانت الوحوش تدخل جحورها وبيوتها من تكبيره.

    لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها      سجداتنا والأرض تقذف نارا

    كنا نقدم للسيوف صدورنا      لم نخش يوماً غاشماً جبارا

    وكأن ظل السيف ظل حديقة      خضراء تنبت حولنا الأزهارا

    أرواحنا يا رب فوق أكفنا      نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    ثم يقول:

    لم نخش طاغوتاً يحاربنا     ولو نصب المنايا حولنا أسوارا

    فهذا عقبة أتدرون ماذا فعل؟

    فتح القيروان وخطب الجمعة وذهب، ووصل في الجمعة الثانية إلى المحيط الأطلنطي , فوقف بفرسه ليس عنده زورق أو غواصة أو سفينة أو باخرة وليس عنده طائرة! فقال وهو على فرسه: "والله -يا بحر- لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا البحر حتى أرفع لا إله إلا الله محمد رسول الله".

    قال رستم: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلم؟!

    فيقول ربعي -اسمع الكلام الذي ليس مثل كلامنا بارد ميت، قال كلاماً كأنه من الوحي-: [[نعم. إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] فبدأت المعركة فانتصروا ودخلوا ديوان قيصر وحكموه بالقرآن والسنة.

    مفهوم الإيمان عند السلف

    إن هؤلاء الذين أتوا بالإيمان الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم, والإيمان سهل إنما عقدته الثقافة العصرية الحديثة, حتى أصبح معقداً, لأن الشباب والأطفال في سن الفهم وسن حفظ القرآن والسنة أُشغلوا بدرس وزرع وخاط وأكل وشرب, وطه والطبلة كان لطه طبلة يضرب عليها, فلمّا بلغوا سن الفهم لم يحفظوا من المتون شيئاً وليس عندهم إلا طه والطبلة, والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا السن لقن أصحابه وغرس في قلوبهم عقيدة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فكانت تسري في دمائهم قوية كالبركان, صادقة كالفجر, واضحة كالشمس.

    فالإسلام سهل والإيمان بسيط يُتعَلم ولو في دقائق, كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض الدين عرضاً موجزاً, أتاه ضمام بن ثعلبة , قال: {يا رسول الله! إني سائلك ومشدد عليك في المسألة -والحديث في الصحيحين - قال: سل ما بدا لك -وضمام هذا إعرابي من الطائف أقبل بناقة فعقلها في طرف المسجد وتخطى الصفوف بسرعة- قال: من رفع السماء؟ قال صلى الله عليه وسلم: الله}.

    وهذا الأعرابي يعرف أن الله هو الذي رفع السماء: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25] لكنه يأتي بمقدمات حتى يصل إلى نتيجة, وهذا أدب الحوار, ولذلك قال أنس: [[ما رأينا وافداً مباركاً كـضمام بن ثعلبة]]؟

    فمن أدب الحوار أن تبدأ مع من تحاوره أو تجادله بقضايا مسلمة تشترك أنت وإياه في الإيمان بها, فقال: {من رفع السماء؟ قال: الله, قال: من بسط الأرض؟ قال: الله, قال: من نصب الجبال؟ قال: الله, قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ فاتكأ عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم نعم} كان يخاف أن يقول من نفسه هل أنت رسول، أو أنت رأيت أنك تأتينا وتقول: أنك مرسل، أو أنك تريد أن تملك العرب أو ماذا تريد {ثم قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم -فسأله عن أركان الإسلام كلها فلما انتهى- قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص, أنا ضمام بن ثعلبة -هذه هي البطاقة الشخصية- أخو بني سعد بن بكر, ثم ولّى وفك عقال الناقة وركبها, فقال عليه الصلاة والسلام: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا}.

    هذا هو الدين والإسلام؛ فالإيمان يعرض في دقائق, ويفهمه الناس ويخرج هؤلاء الأعراب علماء للناس, يعلمونهم أمور الدين, يقول عمر: [[نهينا عن التكلف]].

    إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:2-3] والإيمان عند أهل السنة: "قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان".

    والمرجئة قالوا: "اعتقاد بالجنان وقول باللسان".

    والكرامية قالوا: "قول باللسان فحسب".

    وأخطأت المرجئة وأخطأت الكرامية وأصاب أهل السنة.

    فالإيمان اعتقاد بالجنان: أي أن تعتقد وحدانية الواحد الأحد، وأن تصدق بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام, وإلا فالذي يصلي ولا يؤمن بالله منافق, لا تعذره صلاته، وإنما يرفع السيف عنه في الدنيا وهو في الآخرة خالد مخلد في النار, في الدرك الأسفل من النار: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1] لأنهم أظهروا شيئاً وأبطنوا شيئاً آخر, فهذا الاعتقاد بالجنان.

    أول واجب على المكلف

    النطق باللسان هو أول ما يجب على المكلف، أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله}.

    وهذا أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "أول واجب على المكلف النظر والاستدلال في الكون " وهذا أورده ابن حجر في فتح الباري , فرد سماحة الشيخ ابن باز في الحاشية, وقال: "لا. أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداَ رسول الله".

    وهذه هي الكلمة التي طلبها محمد صلى الله عليه وسلم من عمه, ومن الناس جميعاً, وهي كلمة التوحيد التي تنجي صاحبها إذا قالها مخلصاً وعمل بمقتضاها.

    لكن بعض الناس يظن أن الإيمان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله, ثم ينتهك الحدود ويحارب أولياء الله, ويعطل شرع الله, ويكون حجر عثرة في طريق هذا الدين, فأين هو من لا إله إلا الله؟

    من خان حي على الصلاة      يخون حي على الكفاح

    وكثير من الناس يقولها ولكن لم يصدقوا في قولها ولم يقولوها مخلصين, ولم يعملوا بمقتضاها.

    ضرورة الإتيان بعمل الجوارح

    وعمل بالأركان: وأن تعمل بجوارحك الفرائض: {من ترك الصلاة فقد كفر} والمرجئة يقولون: تارك الصلاة لا يكفر, فيكفي الإنسان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويعتقدها وإن صلى أو تركها فسيان, والرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم ويقول في الصحيح: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} , ويقول: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة}.

    إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] لأنه -لاحظ- لا بد مع الإيمان من عمل الصالحات, والإيمان بلا عمل الصالحات هو الإيمان المجرد الذي لا ينفع, وهذه هي العواطف المجنحة التي نسمعها من الناس صباح مساء.

    فإذا طلبت من جارك أن يصلي في المسجد, يقول: الله يعلم أني أحبه وأني أحب رسوله لكن لا أستطيع أن أصلي صلاة الفجر في المسجد, فما هذه المحبة المدعاة؟

    وما هذا الكذب الزائف؟!

    وما هذا البرود السامج؟!

    يقول تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] , ويقول: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18], فكأن المعنى: يا كذبة! يا مردة! يامن ادعيتم أنه يحبكم فلم يعذبكم؟ فأنتم تخالفون ويعذبكم بهذه النكبات والويلات, فبنو إسرائيل ضرب الله عليهم الذلة عبر التاريخ, وما تسودوا إلا علينا! وما تصدروا إلا علينا! لأننا قل قدرنا -نحن- عن الدين وعن التمسك به فعزوا علينا, وإلا فانظر إلى تاريخهم: كانوا مشردين مضطهدين في سويسرا وبلجيكا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا , كانوا يؤتى بهم بالعشرات في الأفران يربطون مع الخنازير, يذبحون دبحاً لأن الله يقول: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ [آل عمران:112] ولكنهم صادفوا قوماً لم يحملوا ميراث نبيهم عليه الصلاة والسلام.

    لهم شموخ المثنى ظاهراً ولهم     هوى إلى بابك الخرمي ينتسب

    فسادوا وسيطروا عليهم وأخذوا زمام المبادرة.

    شروط العمل الصالح

    لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، والعمل الصالح لا بد فيه من شرطين اثنين:

    1- أن يكون صاحبه مخلصاً قاصداً بعمله وجه الله يقول تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] ويقول: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وقال سبحانه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] , وقال سبحانه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72] ويقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] وعند مسلم: {من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه}.

    2- الشرط الثاني: أن يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم, فهو الإمام العظيم الذي لا يجوز للأمة أن تخالف نهجه, وحرام عليها أن تأخذ إماماً غيره, أو شيخاً في الطريق سواه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31].. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا دخل النار} فيجب اتباع سنته عليه الصلاة والسلام وهديه:

    فهو يصلي ويقول: {صلوا كما رأيتموني أصلي}.

    ويحج ويقول: {خذوا عني مناسككم}.

    فأنت تقلم أظفارك وهو معك بسنته, وتقص شاربك وهو معك بسنته, في حياتك وليلك ونهارك وهو يتابعك بسنته, لكن متى؟

    إذا رضيته إماماً: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] وعمل الصالحات دأب عباد الله الصالحين, ولا ينزل العبد في درجات الجنة إلا بالعمل الصالح, وهنا مسألة -يا أيها الأحباب- بحثها ابن القيم رحمه الله وغيره من العلماء, وهي الجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام {لا يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا إن يتغمدني الله برحمته} وظاهر الحديث أنه لا يدخل داخلٌ جنة الله عز وجل إلا برحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مهما كان عند هذا العامل من العمل.

    إذاً: فالعمل ليس له دخل في دخول الجنة, ولا يدخل الناس الجنة بسبب أعمالهم، فهذا ظاهر الحديث.

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] وظاهر الآية أن الجنة يرثها عباد الله بأعمالهم, فكيف نجمع بين الحديث الذي يقول: {لا يدخل الجنة أحد بعمله} وبين الآية التي تقول: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]؟

    الجواب أن يقال: أما دخول الجنة فبرحمة الله أرحم الراحمين, وأما نزول المنازل داخل الجنة وتبوّء الدرجات فبالأعمال، هذا هو الصحيح, الدخول أولاً برحمة أرحم الراحمين, أما التنزل في الدرجات وأخذ المنازل وتبوء المقاعد إنما يكون بالأعمال الصالحة وهذا هو الصحيح إن شاء الله الذي لا يعدل عنه إلى غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

    من ميزة هذه الأمة أنها تتواصى, وأنها لا تدفن الأخطاء وتقول: كل شيء على ما يرام, ولا تجامل, ولا تحابي في دين الله.

    إذا رأينا الخطأ مثل الجبل وقلنا: كل شيء جيد وحسن؛ فإن هذا يعتبر خيانة, وعند ابن حبان عن أبي ذر قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أقول الحق وإن كان مراً) فالحق مر وأحياناً يذهب الرءوس, ويزهق النفوس, ويسيل الدماء لأنه مر.

    يقول أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري شيخ الإسلام الهروي: قدمت رأسي للسيف خمس مرات, كانوا يضعون السيف تحت أذني من أجل ألا أهاجم أو أسب المذاهب الأخرى فما رجعت.

    وذلك لأنه يريد أن يقول الحق.

    فقل الحق ولو كان مراً، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية مصفداً في الحديد في قلعة دمشق والإسكندرية , وفي كل مكان لأنه يقول الحق, أما الذي لا يقول الحق فإنه لا يؤذى.

    فقول الحق والتواصي به صعب, ولا بد أن يقال ولكن بلين.

    ومن صفات هذه الأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهو من التواصي, وعند البخاري عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وشرط عليّ والنصح لكل مسلم) وعند مسلم: (الدين النصيحة, الدين النصيحة, الدين النصيحة, قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    والتواصي ألاَّ نسكت على الأخطاء, لأن الشر يعم والخير يخص: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116].

    فسُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول: فهلاّ كان منكم عصابة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟

    ويقول لوط لقومه: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] , ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [الأعراف:165] فما نجى الله إلا من أمر ونهى, وقد وصف عليه الصلاة والسلام من يأمر وينهى الأمة بالسفينة التي لو ترك فيها الأشرار لخرقوها، وكذلك سفينة الأمة إذا تركت للسفهاء والأنذال والمحرومين والمخذولين خرقوا شرع محمد صلى الله عليه وسلم وتحطمت وخسرنا هذا الدين بسبب أننا سكتنا.

    والساكت عن الحق شيطان أخرس, والناطق بالباطل شيطان ناطق, والناطق بالحق على لسانه ملك يؤيده, وهؤلاء أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب:39] وهو البلاغ الذي قال عنه عليه الصلاة والسلام كما عند أبي داود: (بلغوا عني ولو آية) , وقال: (نضَّر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع).

    وأكثر الناس الآن محبوسون في الشعير, هذه الأكياس التي تباع للغنم وتوزع في السيارات فيتضاربون عليها، فأكثرهم الآن محبوس في كيس شعير, أو قطعة أرض, أو في غنم أو تيوس, أو محبوس من أجل عادة أو طريق بينه وبين جاره, وهذه التضحيات وعالم الضحيات من أجل البطون والقدور, وهم شهداء الشعير الذين إذا ماتوا شهدت لهم أكياس الشعير يوم العرض الأكبر, بأنهم قدموا منهجهم من أجل أكياس الشعير, وصدق فيهم محمد إقبال إذ يقول:

    ومن الذي باع الحياة رخيصة     ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

    أم من رمى نار المجوس فأطفئت     وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

    ولذلك بعض الناس الآن تعال وخذ متراً من أرضه, والله لا تستطيع، ويسيل دمك في الأرض, ويقاتلك بمسدسه الأسباني رقم تسعة، لأن الأرض أرضه.

    فإن الماء ماء أبي وجدي     وبئري ذو حفرت وذو طويت

    لكن يُستهزئ بالدين, يقول: للدين رب يحميه, مثل عبد المطلب أتى أبرهة ليحطم الكعبة فقال: رد لي إبلي أما البيت فله رب يحميه, فإبلي لي وأنا رب الإبل.

    فالناس يقولون الشعير شعيرنا, والدين لربنا, والمساجد لله، والذي يستهزئ بالرسول صلى الله عليه وسلم كل يلقى عمله عند الله, والذي يستهزئ بالقرآن الله يحاسبه ولا نتدخل فيه, والذي يسب الإسلام في الصحف الصباحية ويستهزئ بالدين في الملاحق الرياضية, فالله سبحانه الحسيب وهناك جنة ونار, أما الشعير شعيرنا, والأرض أرضنا والدنيا دنيانا, فلماذا لا تغضب لدين الله عز وجل كغضبك على هذه الأمور؟ هذا الفارق بيننا وبين الصحابة, فالصحابة غضبوا من أجل (لا إله إلا الله) ونحن نغضب من أجل الشعير, هم قدموا مهجهم من أجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] , ونحن قدمنا مهجنا من أجل الماء والطين, فالفارق بيننا واضح.

    وأكثر القتلى الآن بل ما سمعنا أن أحداً قتل من أجل لا إله إلا الله! من أجل هذه الكلمة قتل من الأنصار (80%).

    وهذا حنظلة الذي غسلته الملائكة -أنا لا أريد أن أذكر أباه لأنه فاسق مجرم- أتى من مكة يحرض ابنه على الارتداد عن الدين, فأخذ ابنه كفاً من التراب ولطخ به وجه أبيه وقال: اخرج يا فاسق!

    لم يعد أباً له بل انقطعت هذه الأبوة وانقطع هذا النسل, الدم الضال انقطع، العرق الآثم المشئوم انفصل, أصبح حنظلة شيئاً آخر؛ فقد رباه محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد, تزوج حنظلة وعمره عشرون وقيل أقل, بنى بزوجته وفي الصباح سمع الهتاف الخالد في أحد والملائكة تتنـزل, وكان أبو سفيان يحشد الكفر ليجتاح عاصمة الإسلام, يخرج الرسول ويعلن الحرب على أبي سفيان من على المنبر, فسمع حنظلة الصياح.

    وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا

    فخرج وهو لم يغتسل من الجنابة, لبس ثيابه لأن الأمر أسرع, كيف يغتسل والرسول أصبح يقود المعركة؟! الدقيقة تؤخر، فالرءوس أصبحت تقطع في سبيل الله, فأخذ سيفه بدون غمد, وذهب سريعاً إلى أحد , فقاتل وقتل قبل صلاة الظهر, والتفت عليه الصلاة والسلام إلى السماء فأشاح بوجهه وقال: (والذي نفسي بيده! لقد رأيت حنظلة بين السماء والأرض تغسله الملائكة بماء المزن في صحاف الذهب, سلوا أهله لِمَ تغسله الملائكة؟ قالت امرأته: خرج جنباً ولم يغتسل) فغسلته الملائكة قبل أن يدخل الجنة.

    أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا     جثمان حنظلة والروح تختطف

    وكلم الله من أوس شهيدهم     من غير ترجمة زيحت له السجف

    وهذا شهيد آخر مات من أجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أتى في الصباح فلبس أكفانه, فهذا لا يريد خط الرجعة، لأن الذي يلبس أكفانه هذا لا يريد أن يعود مرة ثانية, ترك ثيابه في البيت ولبس أكفانه وتتطيب واغتسل وأخذ السيف؛ لأنه رأى في المنام أنه أول قتيل في المعركة, فلما حضر المعركة قال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فقتل, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعته) وهو عبد الله بن عمرو الأنصاري والد جابر , فـجابر هذا حافظ الحديث ولد هذا الذي قتل, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا جابر! والذي نفسي بيده لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان -مباشرة- فقال: تمن, قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية, قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون, فتمن, قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك, قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً) فهؤلاء هم الشهداء, وهذا هو موكب الأمة, وهو جيل محمد صلى الله عليه وسلم.

    فتجد الآن أعداء الله يقدمون من التضحيات أكثر مما يقدم أولياء الله عز وجل, كم قتل من العرب من أجل البعث! وكم قتل من العرب من أجل مذهب ماركس؟

    ألوف مؤلفة من أجل أن يبقى مذهب لينين -"لا إله والحياة مادة"- في الأرض, والوطنيون حزب الطليعة والصاعقة.

    ناصريون نصرهم أين ولى     يوم داست على الجباه اليهود

    ويقول الآخر:

    وَحدَوِيوُّن.. وهذا يقول: المظلة العربية.. الدم العربي.. الأخوة العربية.

    وحدويون والبلاد شظايا     كل جزء من لحمها أشلاء

    ماركسيون والجماهير جوعى     فلماذا لا يشبع الفقراء

    لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء

    بيان معنى الحق والصبر

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] ما هو الحق؟ وما هو الصبر؟ وهل بينهما عموم وخصوص؟ أوليس الحق صبراً والصبر حقاً.

    أما الحق فهو الذي أتى به رسولنا صلى الله عليه وسلم, فالكتاب والسنة هما الحق, وتواصوا به أي: تعلموه وعلموه الناس, وتواصوا به: تفقهوا به, وعلم بعضهم بعضاً هذا الحق, فالحق كله ما أتى به صلى الله عليه وسلم, وكل ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الحق, وأما ما سوى ما أتى به صلى الله عليه وسلم لا يخلو من أمرين:

    إما حق, فهو في شرعه عليه الصلاة والسلام.

    وإما باطل فلا نريده.

    وأي أمر لا يعرف أنه حق أو باطل حتى يعرض على الكتاب والسنة, قال مالك رحمه الله: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام" , وإنما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الحق لتكون كلمة جامعة لكل خير, ورشد وهدى, فكل ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم حق, فلا يجوز للإنسان أن يوجب على الناس شيئاً إلا ما أوجب الله ورسوله, ولا أن يستحب لهم إلا ما استحبه الله ورسوله, ولا يجوز أن يحرم عليهم إلا ما حرم الله ورسوله, ولا أن يكره لهم إلا ما كره الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولا أن يبيح لهم إلا ما أباح الله ورسوله, فلا بد من هذه القضايا الخمس.

    فكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يحتج به, ولا يحتج له, وكلام غير الله ورسوله عليه الصلاة والسلام يحتج له ولا يحتج به, فهذه قواعد يقررها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وهي قواعد تكتب بماء الذهب وتحفظ, فهذا هو الحق: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3].

    والحق لا يحمل إلا بصبر, والحق لا يبلغ إلا بصبر, والصبر لا بد له من حق, فاجتمعت الرسالة التي هي حق مع وسيلتها وهو الصبر, حتى تبلغ للناس.

    إذاً: من هم المبلغون؟ إنهم المؤمنون الذين عملوا الصالحات, وماذا يبلغون؟ يبلغون الحق , بأي وسيلة؟ بالصبر.

    والصبر ثلاثة أقسام:

    صبر على طاعته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وصبر عن المعاصي.

    وصبر على المصائب.

    فأما الصبر على الطاعات فهو أشرفها وهو القول الصحيح الذي يختاره كثير من أهل العلم كـالشيخين: ابن تيمية وابن القيم , فالصبر على الطاعات أشرف من الصبر عن المعاصي, وأشرف من الصبر على المصائب, ويجعل ابن تيمية المقصود من الدين إقامة الشعائر والفرائض, فإن من صلى وشرب الخمر خير ممن ترك الخمر ولم يصلِ, مع العلم أن العبد الطائع لله هو الذي يصلي ولا يشرب الخمر, لأن الخمر من الكبائر وحق على الله أن من شرب الخمر ولم يتب منها أن يسقيه الله من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار والعياذ بالله.

    والصبر على الطاعات: أن تؤديها في أوقاتها بخشوعها وفرائضها وسننها, كالصبر على الصلاة, فهي تحتاج إلى صبر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].

    والصبر عن المعاصي: أن تكف عنها, واصبر عنها وما صبرك إلا بالله, طلباً في ثواب الله وخوفاً من عقابه, لأن بعض الناس يكف عن المعاصي حفظاً لجاهه, أو خوفاً من السلطة, وهذا ليس مأجوراً.

    والصبر على المصائب: هي أن تصبر على قضاء الله وقدره فيما يصيبك, وتقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

    فهذه بعض معالم سورة: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]

    أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لنا ولكم, وأن يرحمنا وإياكم, وأن يتولانا وإياكم, وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل, وأن يخرجنا وإياكم من الظلمات إلى النور, وأن يوفقنا إلى اتباع سنة محمد عليه الصلاة والسلام, وأن يثبتنا على الإيمان حتى نلقاه, ولا يجعل فينا شقياً ولا محروماً, وأن يتولانا وإياكم ولاية عامة وخاصة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم النوم عن صلاة الفجر والعصر

    السؤال: لي جار لا يصلي الفجر ولا العصر مع الجماعة, فنصحته, فأجاب بأنه ينام في هذين الوقتين، فما حكم ذلك؟

    الجواب: سبحان الله! اختار الفجر والعصر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من صلى البردين دخل الجنة} والبردان: الفجر والعصر, وإنما سماهما صلى الله عليه وسلم "البردين" لأنهما يأتيان في وقت براد, واختار صلى الله عليه وسلم لهما جزاءً الجنة لأنهما في وقت مشقة, فإن العصر يأتي بعد العمل والكسب والكدح, والفجر يأتي بعد النوم, ولا يحافظ عليهما إلا مؤمن, يقول عليه الصلاة والسلام: {من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله} يعني: فقد أهله وماله, وكأنما احترق بيته بأهله وفقد ماله.

    أما النوم فإنه عذر إذا وقع نادراً, وأما إذا صار عادة وتعمد ووضع في موضع الصلوات فليس بعذر لصاحبه, وهذا يدل على تفريطه, فما دام يعرف أنه سوف ينام عن الصلاة, وأن من عادته أن ينام عنها فهو مسيء, وصلاة الجماعة واجبة عند أهل العلم, دلَّ على ذلك أكثر من أربعة عشر دليلاً من الكتاب والسنة منها: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] ومنها: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102] وهذا في صلاة الخوف ففي صلاة الحضر الجماعة أولى.

    ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: {من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر} رواه ابن ماجة وأحمد والحاكم وصححه عبد الحق الإشبيلي وابن تيمية وهو حديث صحيح.

    ومنها أن الرسول لم يرخص للأعمى وقال: {أتسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم, قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة} فوصيتي لك يا أخي! يا من ينام عن الفجر والعصر! أن تتقي الله وأن تُعِدَّ للقاء الله, وأن تعلم أنه سوف يكون هنالك نوم طويل, إما في روضة من رياض الجنة، وإما في حفرة من حفر النار.

    فما أطال النوم عمراً     وما قصر في الأعمار طول السهر

    حكم حلق اللحية

    السؤال: ما حكم حلق اللحية؟

    الجواب: حلق اللحية محرم بإجماع أهل العلم, وممن نقل هذه الأقوال ابن حزم في المحلى وجعل مع تحريم حلق اللحية تعزيراً, وفيه أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بإعفائها وقص الشارب ومخالفة المجوس, فمن حلقها فقد ارتكب محرماً وكبيرة من الكبائر, ووجب أن يعفيها وأن يخاف الله عز وجل.

    الهروي عمله خير من علمه

    السؤال: هل شيخ الإسلام الهروي هذا هو الهروي الصوفي الذي رد عليه ابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين في أبيات قالها؟

    الجواب: كتاب مدارج السالكين إنما هو شرح لكتاب الهروي شيخ الإسلام , الذي يسمى منازل السائرين , وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول عن الهروي رحمه الله: عمله خير من علمه, فإنه فيه تصوف وهو يميل إلى الشافعية والحنابلة في الفرعيات, ولكنه إمام شجاع عضلة من العضل, يخاف منه السلاطين الظلمة, فعمله خير من علمه, وهو الذي عرض على السيف, لكن رد عليه ابن القيم في أبيات يقول:

    ما وحد الواحد من واحد      توحيد من وحده لاحد

    فمن هذه الأبيات رد عليه, لأن فيها خبط وعدم وضوح.

    والهروي من ذرية أبي أيوب الأنصاري , ومن أهل القرن الخامس، لكن يخاف الجدار ولا يخاف قلب أبي إسماعيل الهروي , وكان يهد الجيوش وله صوت جهور، إذا وعظ انتفضت قلوب السلاطين.

    قيل أنه أتى مرة حساده في هرات في شمال أفغانستان , وأرادوا أن يشوا به للسلطان حتى يذبحه, فأتوا بصنم ووضعوه تحت سجادة الهروي في المسجد, وذهبوا للسلطان وقالوا: يا أيها الأمير! أبو إسماعيل يعبد الأصنام من دون الله, قال: سبحان الله! قالوا: والله! إنه يعبد صنماً من نحاس تحت سجادته, فأرسل الجنود يأخذوا الصنم لتعلم أننا صادقون؟

    فأرسلَ الجنود فرفعوا السجادة فوجدوا الصنم من النحاس, وهذا السلطان هو محمود بن سبكتكين , جيشه مليون -ألف ألف- مقاتل, وهذا الملك هو الذي دمر بلاد الهند وأخذ الأصنام وأحرقها في النار, وهو الذي مدحه محمد إقبال إذ يقول فيه:

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

    فاستدعاه محمود والوزراء والأمراء حوله, وسل السيف, وقال: متى يدخل عليّ وأجد فيه أنه فعل هذا فاذبحوه, قال: يا أبا إسماعيل! أتعبد الأصنام من دون الله؟ قال: ماذا؟ قال: وجدنا هذا الصنم من النحاس تحت سجادتك، فرفع صوته أمام السلطان وقال: سبحانك هذا بهتان عظيم! فأخذ السلطان يرتعد, وقال: تعالوا بالوشاة فجلدهم, وحبسهم, وأكرم أبا إسماعيل وأطلقه, وقد عرضه على السيف مرات, ولكن يقول هو: "ما فصل رأسي عن كتفي إلا ليقطع في سبيل الله" يعني باع نفسه من الله, فكان قوياً في ذات الله, لكن علمه تلقاه من مدرسة الشمال فأصبح فيه بعض الأخطاء نبه عليها ابن القيم رحمه الله, وهو صاحب هذه الأبيات المقصودة.

    و أبو إسماعيل الهروي دخل على نظام الملك فقال له:

    بسيفك أدرك المظلوم ثاره     ومن جدواك شاد الملك داره

    وقبلك هنئ الوزراء حتى     نهضت بها فهنئت الوزاره

    ثم أخذ يعظه حتى بكى!

    حكم تقبيل المصحف

    السؤال: ما حكم تقبيل القرآن الكريم بعد القراءة؟

    الجواب: سئل الإمام أحمد عن هذا فرآه, وقال: قبّله عكرمة بن أبي جهل, وكان يقبّله ويبكي ويقول: [[كلام ربي.. كلام ربي]] ولا أعلم فيه حديثاً مرفوعاً إليه عليه الصلاة والسلام, لكن أسأل الله أن من قبّل على جهة التعظيم والاحترام أن يثيبه ويأجره.

    السنة في إكمال الصفوف

    السؤال: هناك كثير من الأخوات المسلمات إذا حضرن الدروس والمحاضرات وأقيمت الصلاة يتوزعن في أنحاء المسجد, فلا يقمن في صف, بل صف في أول المسجد وصف في آخر المسجد وصف في طرفه، فما حكم هذا؟

    الجواب: إن كان هذا يحدث فهذا خلاف السنة, وعلى النساء أن يصففن صفوفاً وراء بعضها, يكملن الصف الأول فالثاني فالثالث, كصفوف الرجال تماماً, لعموم النصوص في ذلك.

    حكم الإسبال

    السؤال: ما حكم الإسبال؟

    الجواب: حكم الإسبال محرم, فمن أسبل لخيلاء لا ينظر الله إليه, ومن أسبل لغير خيلاء فما أسفل من الكعبين ففي النار.

    حال حديث: ( من لم يؤمن بالقدر خيره وشره ...)

    السؤال: ما صحة هذا الحديث: {من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار

    الجواب: لا أعرف هذا اللفظ, والله أعلم, لكن هناك ألفاظ في القضاء والقدر, مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {وأن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره} وقول ابن عمر: [[فوالله لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقضاء والقدر]].

    ويقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله:

    وكل شيء بقضاء وقدر      والكل في أم الكتاب مستطر

    حكم إظهار الزينة للحمو

    السؤال: هل يجوز لزوجتي أن تكشف على أخي؟

    الجواب: لا. أخوك حمو لها, ولا يجوز الكشف على الحمو, والحمو الموت, ومحرم عليها أن تكشف عليه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {الحمو الموت} لأنه أجنبي.

    حكم الغناء

    السؤال: ما حكم الغناء؟

    الجواب: الغناء محرم بالإجماع، وقد نقل الإجماع الشوكاني في نيل الأوطار , والآجري في كتاب الشريعة.

    حكم شرب الدخان

    السؤال: الإخوة المدخنون لا يستطيعون ترك الدخان، فما حكم ذلك؟

    الجواب: لا. من خاف النار ترك الدخان, ومن أطاع الرحمن ترك الدخان, ومن اتبع سيد ولد عدنان ترك الدخان.

    أيها الإخوة أشكركم على إصغائكم, وإنصاتكم, وأسأل الله أن يجمعنا بكم في دار الكرامة.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.