إسلام ويب

رسالة إلى مسئولللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسئولية في الإسلام أمانة، وليست مكاسب، لذلك إذ أخذها المؤمن يأخذها بعد أن يضطر إليها اضطراراً ليحملها وليأجر عليها.

    والأمانة هي كل ما ائتمن الله العبد عليه من قليل أو كثير، فالبيت أمانة، والولاية أمانة، والأولاد أمانة، فمن قصر في أمانته أثم ومن وفى بها أجر.

    وإن الله يردع بالسلطان ما لا يردع بالقرآن، وهو ظل الله في الأرض من أهانه أهانه الله، وطاعته في غير معصية من طاعة الله.

    وينبغي للمؤمن إذا تولى ولاية أن يستعين بالأعوان الصالحين، ويخلص لله عز وجل في عمله، ويرفق بالمسلمين، ويكون حسن الخلق بشوشاً، ويقضي حوائج المسلمين.

    1.   

    من قصص السلف مع الأمانة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    شكر الله لكم حضوركم، وشكر الله لفضيلة الشيخ تقديمه، وأسأل الواحد الأحد أن يفتح علينا وعليكم من فتوحاته.

    قال تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:193].

    عنوان هذه المحاضرة: رسالة إلى مسئول، المسئول المسلم أبي وأخي، والمسئول المسلم صديقي وحبيبي، فمن واجب النصيحة أن أنصحه، ومن واجب الحق وقبول الحق أن يستمع لي، فإن أصبت فمن الله الواحد الأحد، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والله بريء من الخطأ، ورسوله بريء من الزلل.

    لهذه المحاضرة عناصر ثمانية:

    الأمانة: ما تعريفها وما حدها.

    كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

    إثم من قصر في عمله.

    أجر من أتقن عمله.

    طاعة المسئول في طاعة الله الواحد الأحد.

    عدم الحرص على المنصب والوظيفة إلا لمقصد صالح.

    الحرص على الأعوان الصالحين والإخوان الناصحين.

    آداب المسئول المسلم.

    ولكنني أفتتح محاضرتي، بثلاث قصص من قصص السلف من قصص أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، من قصص القوم الذين رباهم الله بالكتاب والسنة:

    هم القوم يروون المكارم عن أب     وجد كريم سيد وابن سيد

    وَهَّزتْهمُ يوم الندى أريحية     كأن شربوا من طعم صهباء صرخد

    ويطربهم وقع الصوارم والقنا     بيوم الوغى لا ما ترى أم معبد

    إذا وعدوا الباغين بالبأس أرعبوا     فإن أحسنوا الحسنى فعن غير موعد

    سلام عليهم، ورضي الله عليهم، وجمعنا بهم في دار الكرامة:

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    قال سبحانه: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    أبو بكر الصديق

    أبو بكر المسئول والخليفة الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعالوا، لننتقل إليه في عاصمة الإسلام في المدينة؛ لنرى يوماً من أيامه مع الرعية، وكيف عاش الخليفة أبو بكر؟!

    ينطلق من المسجد كل صباح بعد صلاة الفجر مع المسلمين ويذهب إلى خيمة في الصحراء فريدة وحيدة، فيدخلها وعمر الوزير والمستشار المفوض لـأبي بكر، يتابع الخليفة في خطواته ولا يدري أبو بكر أن عمر يتابعه ويريد أن يرى أين يذهب أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولما دخل أبو بكر وخرج من الخيمة؛ دخل عمر بعد أبي بكر، فوجد عجوزاً كبيرة كسيرة عمياء في الخيمة، معها أطفال أبوهم قد مات، لا عائل لهم إلا الواحد الأحد، قال عمر: يا أمة الله! من أنت؟

    قالت: امرأة من المسلمين حسيرة كسيرة، عجوز لي أطفال، مات أبوهم من زمن، قال: فمن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟

    قالت: والله ما أدري من هو.

    لكن الواحد الأحد يدري من هو، الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم صدق الصادقين وإنابة المنيبين.

    قال عمر: ماذا يفعل هذا الشيخ الذي يأتيكم، قالت: يأتينا بعد فجر كل يوم، فيكنس بيتنا، الله أكبر أبو بكر يكنس البيت؟!

    نعم. لأنه يريد الجنة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] وقال تعالى أيضاً: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63].

    وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه}.

    قالت المرأة: يكنس البيت، ويصنع لنا طعامنا -يتحول الخليفة إلى طباخ للمساكين، يقدم لهم وجبة الإفطار- ويحلب لنا شياهنا، ثم ينطلق.

    فماذا يرد عمر على هذه القصة؟ جلس عمر يعلق على القصة بالبكاء.

    إذا اشتبكت دموع في خدودٍ     تبين من بكى ممن تباكى

    أحاذر أن يشق على المطايا     فلا تمشي بنا إلا سواكا

    ثم يقول عمر: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]] أتعبت يا أبا بكر المسئولين، أتعبت يا أبا بكر الموظفين؛ لأنك مشيت في طريق لا يستطيع أحد أن يمشي فيه، ولذلك ابن القيم إذا ذكر أبا بكر الصديق قال له:

    من لي بمثل سيرك المدلل     تمشي رويداً وتجى الأول

    عمر بن الخطاب

    عمر بن الخطاب الخليفة الصادق صاحب الجبة المرقعة، الذي يأكل خبز الشعير في الزيت، والذي يموت خوفاً منه كسرى وقيصر:

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته     والزيت أدم له والكوخ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً     من خوفه وملوك الروم تخشاه

    يصعد المنبر يوم الجمعة، وعليه جبة عليها أربع عشرة رقعة، ويقول لبطنه وأحشائه عندما تقرقر جوعاً: [[قرقري أو لا تقرقري، والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]].

    ذكر ابن كثير في تاريخه بسند جيد عن أسلم مولى عمر قال: قال لي عمر في ظلام الليل...

    وعمر لا ينام، تقول له امرأته: يا أمير المؤمنين لا تنام في النهار ولا تنام في الليل، قال: [[لو نمت الليل لضيعت نفسي، ولو نمت النهار لضاعت رعيتي]] يخرج في الليل والناس نيام يجوب الشوارع، يسأل عن الأمن، يطرق البيوت، يدافع الإجرام، يفضح المجرمين، يسري كالبدر، معه درة في يده، يخرج بها وساوس الشياطين من بعض الرءوس.

    قال أسلم وهو مولى: فقال لي عمر انطلق معي هذه الليلة.

    ليلة من ليالي أهل الجنة، قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: {عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله}:

    نامت الأعين إلا مقلة      تذرف الدمع وترعى مضجعك

    قال: فانطلقت معه، فأتينا إلى خيمة بها امرأة في الولادة وهي تبكي، فأخذ عمر يشاركها البكاء -لله دره، قلب وعى القرآن وعرف الإيمان- فقال أسلم: مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟

    قال: يا أسلم ما تدري ماذا تجد من ألم الولادة وألم النفاس، ثم انطلق إلى بيت المال، وأتى بجراب من شحم ومن دقيق ومن تمر وحمله على كتفه.

    فقال أسلم: أنا أحمل عنك هذا يا أمير المؤمنين! قال: إنك لا تحمل خطاياي يوم القيامة، وذهب فدخل البيت، واستأذن على المرأة، فتحجبت وقام يشعل النار، والدخان يتخلل لحيته الكثة التي نصرت لا إله إلا الله في الأرض، فصنع الطعام وقدمه للمرأة فقالت: والله إنك خير من عمر بن الخطاب، وهو عمر بشحمه ولحمه ودمه، وإرادته وصدقه وعزيمته.

    سعيد بن عامر

    أختار عمر من الصحابة رجلاً فقيراً زاهداً مصلياً عابداً ليكون والياً على حمص.

    وحمص بلد للمشاغبين، كل يوم ترتفع منها شكاية لـعمر يشكون فيها العامل، يثلمون في العامل ولو كان ملكاً من الملائكة، أمة تحب الشكايات طبعاً، فأراد عمر أن يسكتهم في رجل لا مطعن فيه، فقال: يا سعيد بن عامر اذهب فقد وليتك على حمص.

    قال: لن أتولى حمص لك، إني أخاف من الله.

    قال عمر: هيه! تضعونها في عنقي وتتركونني! والله لتتولين حمص.

    يعني: تجعلون الخلافة في عنقي مسئولية وأمانة وغرماً وكلفاً ثم تركونني، فهي ليست سعادة، إنها لمن لم يحسنها خيبة وندامة يوم القيامة.

    فذهب، أتدرون ما هو متاعه، قالوا: صحفة وعصا وشملة، صحفة يغتسل ويتوضأ ويأكل طعامه فيها، وشملة ينام فيها ويجلس عليها، ويضيف ضيوفه على هذا الفراش، وعصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى.

    ذهب إلى حمص، فاستقبله أهل حمص -يظنون أنه يبشر بالأمير، فأتى هذا ومعه صحفة وعصا وشملة وزوجته وراءه- قالوا: هل رأيت الأمير؟

    قال: أنا الأمير.

    قالوا: لا تستهزئ بنا! الأمير الذي أرسله عمر هل رأيته في الطريق؟

    قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو.

    قالوا: وثيابك ثياب أمير!

    قال: إني خرجت مأموراً من عمر ما أردت إمارة وما طلبتها.

    وأتى إلى زوجته وقال: هل لك أن نتاجر في مالك وفي مالي؟ لأنها كانت تاجرة، قالت: وهل تعلم شريكاً يربحنا في التجارة؟

    قال: نعم، وجدت بعض الشركاء يعطوننا في الدرهم عشرة أضعاف إلى سبعمائة درهم.

    قالت: خذ مالي إلى مالك، ولا يفوتك هذا، فإنه مكسب عظيم، فأخذ ماله ومالها، فتصدق به في سبيل الله، وتولى الإمارة ومكث فيهم راضياً زاهداً صادقاً، فأتى عمر يبحث عن الأمراء -كان عمر له جولة استطلاع لاكتشاف المواهب، واكتشاف الدسائس، ويحاكم الأمير والوالي أمام الناس في مجلس شورى مفتوح- فيقول: ما رأيكم فيه، وما رأيه فيكم.

    فلما وصل دور سعيد بن عامر وهو جالس، قال: يا أهل حمص ما رأيكم في أميري عليكم سعيد بن عامر، قام الناطق الرسمي بلسانهم، قال: فيه كل خير إلا أربع خلال فيه.

    قال عمر: الله المستعان! اللهم لا تخيب ظني فيه، ما هي الأربع؟ قال: أولها: لا يخرج إلينا يوماً في الأسبوع ولا نراه، قال: هذه واحدة، والثانية؟ قالوا: من بعد صلاة العشاء مهما طرقنا عليه لا يخرج إلينا، قال: هذه ثانية، والثالثة؟ قالوا: لا يخرج علينا حتى يرتفع النهار ضحى، قال: هذه ثالثة -يعني يتأخر في الدوام- والرابعة، قالوا: إذا جلس في الحكم وفي دار الإمارة يغمى عليه، قال: هذه الرابعة، قال عمر: أجب يا سعيد.

    فقال سعيد: ما أردت أن أظهر شيئاً من عملي بعد أن كتمه الله، ولكن ما دام أنك قد سألتني يا أمير المؤمنين فاسمع.

    قال: الأولى: أما أني لا أخرج لهم يوماً في الأسبوع، فإن امرأتي مريضة، وليس لي خادم، فأنا أغسل ثيابي وثيابها يوماً من الأسبوع، فدمعت عينا عمر وشكره.

    وأما أني لا أخرج عليهم حتى يتعالى النهار، فامرأتي كما قلت مريضة ولا خادم لي، فأنا أصنع الطعام وأفطر أنا وزوجتي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم.

    وأما أني لا أخرج لهم من بعد العشاء ولا أفتح الباب، فقد جعلت النهار لهم والليل لربي.

    وأما قولهم إنه يغمى علي في المجلس، فإني حضرت قتل خبيب بن عدي في مكة وكنت مشركاً، وكان خبيب مسلماً، فاجتمع المشركون حوله ليقتلوه، فرأيته يرفع على الخشبة وهو يقول: [[اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً]].

    ثم قال:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ     يبارك على أوصال شلو ممزع

    فكلما ذكرت ذاك الموقف وأني ما نصرته أغمي علي، وغشي علي، فبكى عمر وبكى الناس، وقال: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك، فقام سعيد بن عامر وقال: خذ إمارتك يا أمير المؤمنين، والله لا أتولى بعدها لك ولاية.

    وجاء عمر يحاسبه بعد هذا الكلام والمحاضرة قال عمر: نحاسبك على ما أعطيناك من عطاء وعلى ما عندك، أدخلني بيتك، فدخل بيته فوجد شملة وصحفة وعصا، قال: أسألك بالله ما عندك من الدنيا إلا هذا، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أملك من الدنيا إلا هذا، فجلس في ركن البيت يبكي، وجلس عمر في ركنه الآخر يبكي، يقول عمر: غرتنا الدنيا إلا أنت يا سعيد.

    سلام الله عليهم، ورضي الله عنهم، أمة أخرجها الله للناس.

    1.   

    تعريف الأمانة وحدها

    المسئولية في الإسلام أمانة وليست مكاسب، والكافر يطلب الإمارة ويطلب الولاية والمنصب ظهوراً وشهرة واستغلالاً، والمؤمن يأخذها بعد أن يضطر إليها اضطراراً، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].

    قال بعض العلماء: الأمانة هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وقال آخر: الأمانة هي الإسلام.

    وقال ثالث: الأمانة هي رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، والصحيح أن الأمانة: كل ما ائتمنك الله عليه من قليل أو كثير، فهو سائلك عنه يوم العرض الأكبر: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58].

    فالأمانة هنا ما ائتمن الله العبد عليه، وظيفة قلَّت أو جلَّت، كبرت أو صغرت، يؤديها عند الله يوم القيامة، قال بعض السلف: " الفروج ومن تولى عليها في عقود أمانة، والأموال ومن كلف بها أمانة، والولايات أمانة، والرجل في بيته مؤتمن، والمرأة في بيتها مؤتمنة"، وسوف يأتي في ذلك عنصر.

    ولما فتح المسلمون القادسية ونصرهم الله، ورفعوا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القادسية سلم لـسعد بن أبي وقاص ذهب وفضة، واستولى على خزائن كسرى، ولما رآها دمعت عيناه وقال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29].

    فماذا فعل؟ جمع الجيش وقال: هذه أمانة فما رأيكم؟

    قالوا: نرى أن تدفعها لـعمر بن الخطاب الخليفة فما أخذوا منها درهماً ولا ديناراً.

    قوم ممزقة ثيابهم، مكسرة رماحهم، بهم من الظمأ والمجاعة ما الله به عليم، فدفعوا الأموال لـعمر، فلما رآها بكى وقال: والله الذي لا إله إلا هو إن قوماً دفعوها إليَّ لأمناء.

    ولما جاء معاذاً من اليمن كان معه بغال أتى ببغال معه وأتى ببعض المال -والقصة صحيحة- فقال عمر: سلم ما عندك من مال أحاسبك، قال: أنت الخليفة، أو أبو بكر، قال: أبو بكر الخليفة ولكن أنا هو وهو إياي، يعني أنا أقول بلسانه وهو يقول بلساني.

    فقال معاذ: والله ما أخذت هذا المال إلا متاجرة وما أخذته من أموال المسلمين، فتركه عمر ونام معاذ تلك الليلة، فرأى في المنام أنه يريد أن يهوي إلى نار عميقة، وأن عمر يسحبه بثيابه على شفى حفرة من النار أي يرى أنه يكاد يهوي على وجهه في نار، وعمر يجره -فذهب معاذ إلى عمر في الصباح، قال: أحسنت، أصاب بك الله الخير، رأيت كيت وكيت، قال عمر: هيا بنا إلى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن أحلك في مالك فهنيئاً مريئاً، وإلا فرده، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبره، قال: أحللته لك خذه هنيئاً مريئاً.

    إن عبادتهم كانت أمانة، ومراقبتهم لله عز وجل لا تفارقهم ليل نهار، وهم الذي بلغوا درجة الإحسان.

    1.   

    كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته

    أما عنصر (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته): فهذا كلام الحبيب عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عن رعيتها، ثم ذكر الولاة، ثم قال: ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

    إذاً: يا أيها الأب في البيت أنت راع، يا أيها المسئول، يا أيها الأمير، يا أيها الوزير، يا أيها القاضي، يا أيها الأستاذ، يا أيها العميد، كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، البيت مسئولية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة -المجدد في القرن الأول، الزاهد الأموي، رضي الله عنه وأرضاه- فأتى لينام الليل، فذهب النوم، قالت له زوجته فاطمة بنت عبد الملك: يا أمير المؤمنين ألا تنام، قال: كيف أنام وقد ولاني الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر الضعيف والمسكين، وأمر الشيخ الكبير والمرأة العجوز، وأمر الهرم والعجوز والفقير، فبكت معه. ونستخلص من هذا:

    أن المسئولية في الإسلام مغرم لا مغنم، فاصرف نظرك أن تظن أن المنصب وسيلة لك إلى السعادة، فلن يكون إلا إذا جعلته طاعة لله.

    وربما رددت علي وقلت: ربما يسعد بعض الناس بالمنصب أو بالمسئولية في مال من غير وجهه أو في شهرة أو في ظهور.

    قلت: هذا مكسب فقده خير منه، وهو الموت والقتل والذبح، وهو الذي يجعله الله وبالاً على صاحبه، وهل أهلك فرعون إلا المنصب يوم جعله لعنة، يوم جعله معصية، يوم جعله محاربة لله، وهل أهلك قارون إلا المال، فجعله سلاحاً هداماً في وجه رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهل أهلك أبا جهل إلا الجاه يوم جعله عقبة في وجه لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    إثم من قصر في عمله

    اسمع إلى الحبيب عليه الصلاة والسلام يقول في الصحيحين: {ما من عبد يسترعيه الله عز وجل على رعية، يموت يوم يموت غاشاً لرعيته، إلا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة} وفي لفظ صحيح: {ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة} غاش ما أعطاها حقها، ولا أنصف مكلومها وما رد ظالمها، وما قضى حوائج أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    إنه حديث عظيم وفي العموم ما من عبد قلت مهمته أو كبرت إلا يسأله الواحد الأحد يوم العرض الأكبر: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:24-25] والجندي واللواء، والقائد، والموظف، والداعية، والأستاذ، كلهم مسئولون:

    إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي     عملتم وكل في الكتاب مرتب

    وماذا كتبتم في شباب وصحة     وفي عمر أنفاسكم فيه تكتب

    فيا ليت شعري ما نقول وما الذي     نجيب به إذ ذاك والأمر أصعب

    إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا     وفي كل يوم واعظ الموت يندب

    حضرت الخليفة عبد الملك بن مروان الوفاة، فلما أصبح في سكرات الموت، ذهبت الجنود والجلود، والرايات والعلامات، والفضة والذهب، والدور والقصور قال: لا إله إلا الله! يا ليتني ما عرفت الخلافة، يا ليتني ما توليت الملك، يا ليتني كنت غسالاً، قال: سعيد بن المسيب يعلق على القصة: -ذكرها الذهبي [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا في سكرات الموت ولا نفر إليهم]].

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام عند مسلم في الصحيح أنه قال: {اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به}.

    ومعنى ذلك: يا رب من شق على أمتي، فحبس صاحب الحاجة، وأخر صاحب الطلب، وغلظ في الخطاب وأتعب المسلمين؛ فأتعبه يا رب يوم العرض الأكبر يوم لا حاكم إلا أنت، ولا منصف إلا أنت، ولا حكم إلا لك.

    ويا رب! من تولى أمراً قليلاً صغيراً أو كبيراً، فرفق بالأمة ورحم ضعيفها، وقضى حوائجهم، وحنَّ عليهم، وتلطف معهم، وصبر على أذاهم؛ فارفق به يوم العرض الأكبر، يوم تتطاير الصحف، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

    وقال عليه الصلاة والسلام: {إن شر الرعاء الحطمة} حديث رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح، والرعاء جمع راعي، وهو ولاه الله مسئولية على المسلمين، ولو في مكتب، ولو على اثنين، ولو على دائرة، ولو على مصلحة صغيرة، هذا من الرعاء.

    والحطمة معناه: ما استخدم قائداً للإبل أو راعياً لها إذا حطم الإبل ولم يحسن سياستها ورعيها، فحطم بعضها ببعض وأهلكها، فهذا من شر الرعاء.

    دخل عائد بن عمرو على عبيد الله بن زياد الوالي فقال: يا أيها الأمير ارفق بالأمة، فإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إن شر الرعاء الحطمة} وهو الذي لا يرفق بالأمة، وهو الذي يعصف بالناس، وهو الذي لا يقضي حوائج الناس على الوجه المطلوب.

    اسمع إلى حديث عظيم رواه أبو داود والترمذي قال عليه الصلاة والسلام: {من ولاه الله شيئاً من أمر أمتي، أو من أمر المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته وفقره وخلته يوم القيامة} حديث صحيح.

    معنى الحديث: من ولاه الله مسئولية الأمة فاحتجب، وقطع الطرق إليه، وعطل المسئولية، ولم يقم بالواجب، وأخر المراجعين، والمحتاجين، وكبت المساكين، احتجب الله دون حاجته وخلته -يعني مشقته- وما يحتاجه يوم القيامة، أو حاجته الداخلية وفقره يوم العرض الأكبر.

    واحتجب هنا بمعنى أن الله له حجاب خاص يليق بجلاله، يحتجب عمن احتجب عن حوائج المسلمين، ومقصود هذا عذاباً وجزاءً ونكالاً، والجزاء من جنس العمل، فكما احتجب عن الأمة، وكما عطل معاملات الأمة، يعطله الله يوم العرض الأكبر، ويؤخره الله في العرصات، ويحتجب دون حاجته، فلا يرفع حاجته، ولا يجيب دعوته، ولا يسد عوجه، ولا يغني فقره، ولا ينجي مقصده، فيبقى في الأذلين الخاسرين.

    يا لخسارة من ظلم يوم العرض الأكبر، يوم يقول الله: لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار.

    إلى ديان يوم الحشر نمضي     وعند الله تجتمع الخصوم

    أما والله إن الظلم شينٌ     وما زال المشين هو الظلوم

    هذه قالها أبو العتاهية -وقيل أبو نواس - أرسلها في رسالة للأمير عندما حبسه في سجن، فدمع في ظلام الليل، وكتب هذه الأبيات في قصيدة طويلة إلى الخليفة، فأبكاه حتى بلَّ الرسالة بالدموع.

    دعوة المظلوم

    قيل لـخالد بن يحيى البرمكي، والبرامكة أسرة عباسية تولت الوزارة في عهد هارون الرشيد، فعاثت في الأرض فساداً، كان تطلي القصور بالذهب وماء الفضة، زرعوا حدائق وبساتين، عسفوا وظلموا، ثم أغضب الله عليهم أقرب الناس لهم -هارون أُغضب في دقيقة واحدة- فأخذهم فقتل شبابهم وأخذ شيوخهم فأودعهم السجون، منهم خالد الذي ما رأى الشمس سبع سنوات -ذكر القصة ابن كثير- صار الشيخ الوزير الكبير، عجوزاً هزيلاً، وقد طالت أظافره -ما وجد مقراضاً يقلم أظافره- وقد سقطت حواجبه على عينيه، وقد شابت لحيته ورأسه، وأصبح في ثياب ممزقة وفي بأس، قال له ابنه وهو معه: لا إله إلا الله! بعد النعيم والوزارة أصبحنا إلى هذا المكان! لماذا؟!

    قال هذا الرجل وهو يبكي: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل، غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها، وقال: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين:

    جاءتك تمشي رافعاً ذراها     أولها ردت على أخراها

    دعوة المظلوم أسبق من الضوء.

    قيل لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ كم بين العرش والتراب؟! أيجيب بالأميال، أو بالكيلو مترات، قال علي: وحسبك بـأبي الحسن، قال: [[بين العرش والتراب دعوة مستجابة من مظلوم يرفعها الله على الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين]] وفي الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل معاذاً إلى أهل اليمن فقال له في آخر الحديث: {إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب}.

    الإمام أحمد ظلمه ولاة السوء وأهل البدعة، وتولى ظلمه أحمد بن أبي دؤاد أحمد أهل البدعة، وأحمد أهل السنة أحمد بن حنبل وابن الزيات ورجل آخر.

    قال الإمام أحمد لـابن الزيات: اللهم عذبه في دنياه، اللهم اسلب نعمته، وقال لـأحمد بن أبي دؤاد: اللهم احبسه في جسمه.

    فـأحمد بن أبي دؤاد أصابه الفالج، وكان يبكي ويقول: أما نصفي هذا فلو قرض بالمقاريض ما شعرت به، وأما نصفي هذا فلو وقع عليه الذباب ظننت أن القيامة قامت.

    وأتى ابن الزيات فأغضب الله عليه الخليفة فقطع يديه، وأدخله فرناً حاراً وسمر المسامير في أذنيه، وهذا إثم من قصر في علمه، فإنه يستوجب دعاء المظلومين ودموعهم الحارة، فكم وراء الأبواب من مظلوم، ومن محتاج ومقصر لا يستطيع رفع حاجته، ولا إيصال معروضه ولا كتابته، وهذا واجب المسئول الذي يعلم أنه سوف يحشر عرياناً يوم العرض الأكبر على الله. قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94].

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمورُ

    يوم يشيب لهوله الولدان من     أسف ويأكل كفه المثبورُ

    هذا بلا ذنب يخاف لهوله     كيف الذي مرت عليه دهورُ

    كيف الذي مرت عليه سنوات وهو ظالم، ظالم في عمله لا يؤديه على أكمل وجه، لم ينصح لولاة الأمر، ولا نصح للرعية، ولا نصح في الوقت، ولا نصح في الراتب الذي يأخذه، ولا نصح بينه وبين علام الغيوب الذي يعلم السر وأخفى من السر.

    1.   

    أجر من أحسن عمله

    إتقان العمل

    أما العنصر الرابع: فهو أجر من أحسن عمله، قال عليه الصلاة والسلام كما عند البيهقي بسند حسن من حديث كليب وعائشة: {إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه} ما أحسن هذا الحديث! وهو يدخل في كل جزئية من جزئيات العمل، وفي لفظ: {إن الله يحب العامل إذا أحسن} هذان لفظان صحيحان، وهو مقبول على كل حال.

    والإتقان عند أهل العلم أن تؤدي العمل على أكمل وجه، الإتقان في التعليم: أن تعلم تعليماً يقبله الله عز وجل، ويستفيد منه المسلمون، وتلقى به الله عز وجل وأنت صادق.

    الإتقان في التجارة، والوظيفة، والمنصب، والمتجر، والمزرعة، فالله يحب من العبد أن يتقن العلم، أما إذا قدمت العلم معوجاً في الوقت، ومعوجاً في الأداء، ومعوجاً في الحسن؛ فلن يقبله الله عز وجل؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: إمام عادل}.

    وكل راع استرعاه الله رعية فعدل بينهم فهو من الأجناس الذين يظلهم الله عز وجل يوم يشتد الكرب على النفوس، وتدنو الشمس من الرءوس، ولا حكم إلا الله، فينادي الله عز وجل أين ولاة الأمر العدول؟ فيقوم المسئولون، فيظلهم الله في ظل العرش؛ لأنهم صدقوا مع الله الواحد الأحد، ولذلك يقول أهل العلم: نرجو أن يكون عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الراشدين؛ لأنه من أئمة العدل، ومن الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه في مسئوليته وفي ولايته رضي الله عنه وأرضاه.

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم عند مسلم في الصحيح أنه قال: {إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في عملهم وأهليهم وما ولوا}:

    فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    والمقسط: هو العادل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين َ[الحجرات:9] أي: العدول.

    {على منابر من نور} وإذا كانت منابر، وكانت من نور، وكانت في الجنة، وكانت على يمين الرحمن، فماذا تكون، لا إله إلا الله من نعيم ما أحسنه! ولا إله إلا الله من مصدر ما أجمله! ولكن من يعمل لهذه المنابر، {إن المقسطين على منابر من نور عند الله عز وجل الذين يعدلون في عملهم وأهليهم وما ولوا} قال ابن تيمية: حتى العدل بين التلاميذ في التعليم.

    وأقول: حتى العدل بين الطفلين فهو من العدل، حتى القيام بالمسئولية في البيت، والعدل بين الأطفال، والعدل في التصحيح بين التلاميذ والطلاب، إذا فعلت ذلك أجلسك الله على منبر من نور على يمينه في الجنة، وما أحسن المجلس وما أحسن المقام.

    قالت امرأة فرعون آسية: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] قال ابن القيم : انظر إليها سألت الجار قبل الدار، فسؤال الجار قبل الدار أحق للعبد أن يسأله من الواحد الغفار.

    أستطرد في الجار: التهامي وهو شاعر عربي فصيح، توفي ابنه فرثاه بمرثية تبكي العيون، يقول من ضمن أبياتها:

    إني وترت بصارم ذي رونق      أعددته لطلابة الأوتارِ

    جاورت أعدائي وجاور ربه     شتان بين جواره وجواري

    يقول: أنا بقيت للحساد في الدنيا، وهو ذهب إلى جوار الله.

    قال ابن كثير: توفي أبو الحسن التهامي -هذا الشاعر- فرئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا، قال: بقولي في القصيدة المشهورة:

    جاورت أعدائي وجاور ربه     شتان بين جواره وجواري

    وهي من أحسن ما قيل، والمقصود هنا أن العدول والمؤتمنون والقائمون بأعمالهم على منابر من نور.

    السلطان العادل من أهل الجنة

    وقال عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم في الصحيح: {أهل الجنة ثلاثة: سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال} والشاهد قوله: ذو سلطان مقسط موفق، أي المؤتمن العادل، الذي قام بالأمانة على وجهها، فهو من أهل الجنة، وفي بعض الآثار: [[عدل يوم خير من عبادة سبعين سنة]].

    فكم يؤجر العبد الذي يوليه الله أمراً من أمور المسلمين، فَيحكِّم في الأمة الشريعة، ويقيم سيف العدالة، ويحرس طرق الناس ومدنهم، وانظر إلى آثار تطبيق الشريعة في بلادنا والحمد لله، ننام ونهدأ ولا طارق يطرقنا ولا سارق يسرقنا، ولا ناهب ينهبنا، ولا سالب يسلبنا، هذه آثار العدل، والله أقولها بجدارة من قلبي؛ لأنني رأيت أمم الغرب التي أعرضت عن منهج الله، وتطبيق كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] لما أعرضوا عن تحكيم الشريعة، عاشوا الرعب القلق والاضطراب، هنا سلب، وهناك نهب وقلق، وهنالك قتل وسفك للدماء، لكن لما حكم عندنا الشرع الشريف والكتاب والسنة؛ أصبحت الجزيرة العربية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً يسير السائر فيها لا يخاف إلا الله، يحمل المال والذهب وأهله معه ومحارمه في سيارته؛ لأن اللص والسفاك والمجرم يعرف أن هناك سيفاً مسلولاً بجانب المصحف إذا اعتدى:

    السيف أصدق إنباء من الكتب     في حده الحد بين الجد واللعب

    وقال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] حياة وأمن ورغد، تذهب إلى البنك وتأخذ مالك في حقيبتك في الشارع والناس يرونك، ولا يجرؤ أحد أن يتعدى بخطوة، لكن جرب هذا في نيويورك أو في لوس أنجلوس والله ما تجرؤ، وإن الليل هناك يتحول إلى العصابات والإجرام، وإنك تمسك يدك على قلبك من السفك والسلب والنهب:

    دعها سماوية تمشي على قدر     لا تفسدنها برأي منك منكوس

    شريعة خالدة تجعل الإنسان في ظل الأمن يعيش الرخاء، يذهب بزوجته وبأخته وبفتاته إلى كل مكان، ويعلم المجرم أن وراءه سوطاً وسيفاً وسجناً، وأن وراءه كتاباً منـزلاً وسنة مقروءة من محمد عليه الصلاة والسلام:

    بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا     من العناية ركنا غير منهدم

    لما دعا الله داعينا لدعوته     بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم

    طاعة المسئول في طاعة الله

    المسألة الخامسة: طاعة المسئول في طاعة الله عز وجل:{من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله} حديث من الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ويقول عثمان رضي الله عنه وأرضاه: [[إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن]] ومعنى ذلك: أن الله يردع بالسلطان ما لا يردع بالقرآن، أتظن أن الناس يرتدعون بالآيات البينات كلهم، المجرم لو قرأت عليه القرآن ثلاثين مرة يبقى مجرماً، لكن إذا وجد سلطاناً وسيفاً وحديداً ارتدع، وهذا يردع كثيراً من الناس، فالسلطان ظل الله في الأرض من أهانه أهانه الله.

    وعند أحمد في المسند: {ثلاثة حق على المسلم توقيرهم: حامل القرآن غير الجافي فيه ولا الغالي، وذي الشيبة المسلم، والسلطان العادل} هؤلاء يكرمهم الله، وحق أن توقرهم، لأنهم اتقوا الله، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] أي: في طاعة الله عز وجل، فإذا عصي الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    وفي الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا بايع الصحابة قال: {فيما استطعتم}.

    وقال أبو بكر الصديق في أول خطبة رنانة له في أول يوم تولى فيه الخلافة: [[أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم]] وهذه من الكلمات النيرة لـأبي بكر الصديق.

    قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: {من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني} أي: في طاعة الله عز وجل وفي طاعته عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر لابد أن يعلم، فما قلته من نفسي وإنما قاله أبو القاسم عليه الصلاة والسلام، ونحن ليس لنا قول معه يحتج بقوله على الأقوال، ولا يحتج بالأقوال على قوله، فقوله إذا ذكرت الأقوال ميزة، وفعله إذا ذكرت الأفعال برهان، وحاله إذا ذكرت الأحوال عرفان، فهو الذي عصمه الله سراً وظاهراً، غيباً وشهادة، صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن مسعود: { يا رسول الله، إذا أدركنا ولاة لا يعطوننا حقنا قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم، فإن الله سوف يسألكم عن حقكم ويسألكم عن حقهم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث متفق عليه بنحوه.

    1.   

    عدم الحرص على المنصب إلا لمقصد شرعي

    المسألة السادسة: عدم الحرص على المنصب إلا لمقصد شرعي.

    المنصب عندنا في الإسلام مسئولية وأمانة وتبعة ومغرم، كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يبكي ويقول: يا عمر تول، يا أبا عبيدة نبايعك، وتولى عمر فبكى.

    بكى الصالحون من المسئولية لأنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من خاف الله واتقى الله فيها، أما لمقصد صالح فإني أستثنيكم في ذلك؛ لأن أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إذا رأى المسلم أنه يتعين عليه أن يتولى هذه الولاية فعليه أن يبادر بذلك أو كلاماً يشبه هذا، واستدلوا على ذلك بقول يوسف عليه السلام: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] فطلب المنصب لأنه يرى أنه أحق الناس، فالقاضي إذا رأى أن القضاء سوف يضيع من المسلمين، ويتولاه من ليس كفواً له فعليه وجوباً أن يطلب القضاء، والأستاذ والمدير كل بحسبه إذا أراد الله بهذا العمل رزقه الله الصدق والثبات والتوفيق.

    النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من الحرص على الإمارة

    عبد الرحمن بن سمرة قرشي من آل شمس، أغر كغرة الفرس، رآه عليه الصلاة والسلام فرأى عليه مسحة الإمارة فقال له: {يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إلى نفسك، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها} يعني إذا أجبرت، وعلم الله أنك لا تريد المنصب فأوتيتها، أعانك الواحد الأحد عليها، أما إذا حرصت عليها فإنك لا تعان، لأن عند أهل السنة أن الحرص على الولاية وطلبها لغير مقصد شرعي ينبئ عن مقاصد الله أعلم بها، إما للسلب والنهب أو للمال أو للسرقة أو للتشفي من المسلمين.

    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي موسى أنه قال: {إنا لا نعطي هذا الأمر من حرص عليه} هذه الولاية لا نعطيها رجلاً يحرص عليها، وإذا رأيت الرجل يجري وراءها فاعرف أنه يريد شيئاً، (كاد المريب أن يقول خذوني) في قلبه أسرار، وله مقاصد غير معروفة، أما إذا ظهر مقصده الصحيح وعلم الله صدقه، أعانه الله على هذا المنصب، قال سبحانه: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ الشرعي عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] فيجعل الله العاقبة لمن اتقى الله في المنصب وسدد وقارب.

    أول مرسوم أخذه عمر وفعل به في الخلافة أتدري ما هو؟

    أول ما تولى الخلافة، قال: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح أمَّا بَعْد:

    فتول إمرة الجيوش واعزل خالداً.

    خالد بن الوليد سيف الله! خاض مائة معركة ما هزمت له راية:

    تسعون معركة مرت محجلة     من بعد عشرٍ بنان الفتح يحصيها

    وخالد في سبيل الله مشعلها     وخالد في سبيل الله مذكيها

    ما نازل الفرس إلا خاب نازلها      ولا رمى الروم إلا طاش راميها

    فأتت الرسالة إلى أبي عبيدة فبكى، لأنه سمع بموت أبي بكر وسمع البيان -هذا المرسوم- فلف الرسالة والمسلمون في المعركة، فما أخبر خالداً، فلما انتهت المعركة أخبره، قال: أنا لا أريد الإمارة وأنت أحق مني، فإن تريد الإمارة فابق عليها، وإنما هي أيام قلائل حتى نلقى الله، حتى دمعت عينا خالد وقال: أنت أحق بالإمارة مني، وقبل رأس أبي عبيدة وقال: أنا لا أعمل لـعمر أنا أعمل لله أميراً أو جندياً، وسوف أقاتل لله اليوم مثلما قاتلت لله في الأمس، فبقي في الجيش من عرض الجنود: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].

    ليس كل تقي مؤهلاً للإمارة

    وعند مسلم في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: {يا أبا ذر! إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها خزي وندامة يوم القيامة} والسبب أن أبا ذر قال: يا رسول الله وليت فلاناً، ووليت فلاناً وتركتني، يعني ما هو السبب؟!

    لماذا تولي فلاناً على نجران مثلاً، وفلاناً في اليمن، وفلاناً في مكة، وأنا تتركني، ظن أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه أن الرسول عليه الصلاة والسلام يولي بسبب حبه للناس، قال: {يا أبا ذر إنك رجل ضعيف}.

    قال بعض المحدثين: ضعيف التصريف، لأن بعض الأتقياء لا يصلح في الإدارة، لو وليته الإدارة ضاعت الإدارة، وضاعت الكراسي، وضاعت الماسات والمكتب والدبابيس والخرامات، وكل شيء يجعله فوضى، تصبح المسألة مخربة، وهو تقي يقوم الليل ويصلي الضحى، ويصوم النهار، ويقرأ القرآن لكن لا يعرف.

    وبعض الناس فيه قليل من التقوى لكنه يجيد الولاية، لذلك سئل الإمام أحمد -والسؤال هذا صحيح، ذكره ابن تيمية في كتاب الجهاد من الفتاوى- أيولى على المسلمين القوي الفاجر، أم التقي الضعيف؟

    قال: "بل يولى عليهم القوي الفاجر"، لأن قوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الضعيف التقي فضعفه على المسلمين وتقواه لنفسه، وابن تيمية يرى هذا ويقول: قد ولى الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الولايات خالد بن الوليد، وفي الصحابة من هو أفضل منه، كـأبي ذر، وفلان وفلان، وخالد أجدر بالإمرة، وأقوى في تنفيذ الأوامر، وأحسن سياسة، فولاه عليه الصلاة والسلام وهذه فائدة، فـأبو ذر قال له صلى الله عليه وسلم:{إنك ضعيف} وفي بعض الروايات الصحيحة: {وإني أحب لك ما أحب لنفسي}.

    أبي بن كعب هو أبو المنذر سيد القراء، يصلح للقراءات، فهي تخصصه ولا يصلح في الإدارة قال لـعمر: يا أمير المؤمنين! تولي الصحابة جميعاً حتى الأنصار وتتركني، ماذا رأيت فيَّ؟ قال عمر: [[يا أبا المنذر! والله الذي لا إله إلا هو إنك من أحب الناس إليَّ؛ ولكني لا أريد أن أدنسك بالدنيا]] أريد أن تبقى نظيفاً.

    ولذلك يصفون أبي بن كعب فيقولون: كانت لحيته بيضاء وجسمه أبيض، ورأسه أبيض، وثيابه بيضاء نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    قال: [[والله إنك من أحب الناس إلي؛ ولكني لا أريد أن أدنسك بالدنيا]].

    وعند البخاري أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {إنكم لتحرصون على الإمارة، وإنها خيبة وندامة يوم القيامة} لا إله إلا الله! ووقع والله، كان أحد الصحابة إذا ذكر هذا الحديث يبكي ويقول: [[والله حرصنا عليها حتى قتل بعضنا بعضاً عليها]] ولذلك كان في جبلة العرب الحرص على الإمارة.

    الآن الطلاب في المركز الصيفي أو في المخيم إذا أركبتهم في (أتوبيس) وتقول: العريف عليكم فلان، قاموا يضاربون يريدون العرافة.

    يقول أحد المفكرين: العرب مثل قرون التوت، يسافر ثلاثة منهم فيختلفون في الأمير، يريد كل منهم أن يكون أميراً، ويريد أن يكون إماماً، بكى ذاك الصحابي وقال: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد حرصنا عليها حتى قتل بعضنا بعضاً ]] نعوذ بالله من حرص على المسئولية، فإنها والله ندامة وخزي إن لم يحسن العبد التعامل ويراقب الله في ذلك، وقال رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: {إنا والله لا نولي هذا الأمر أحداً سأله أو حرص عليه} وهذا الحديث زادنا فائدة وهي: أن من سأل الأمر أو حرص عليه ففيه نظر، إلا إذا ظهرت القرائن أنه يريد أن ينصر الإسلام من هذا المنصب، فجزاه الله خير ما جزى والياً عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الحرص على اتخاذ الأعوان الصالحين والناصحين

    العنصر السابع: الحرص على اتخاذ الأعوان الصالحين والإخوان الناصحين.

    لكل مسئول جلاس، ولكل موظف سمار، ولكل أمين مؤتمنون حوله، يجلسون معه، ويعطيهم سره، وأمره، وفي صحيح البخاري يقول: الرسول عليه الصلاة والسلام: (h=7001566>ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة، إلا قيظ له بطانتين: بطانة تأمره بالخير وتنهاه عن السوء، وبطانة تأمره بالسوء وتنهاه عن الخير، فمن أراد الله به خيراً قيظ له من يأمره بالخير وينهاه عن السوء، ومن أراد به السوء قيظ له من يأمره بالسوء وينهاه عن الخير) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    والبطانة: خاصة الرجل. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وقال عليه الصلاة والسلام عند الترمذي بسند لا بأس به: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) لا تجعل جليسك يا مسئول إلا مؤمناً يخاف الله، أمين السر، أمين المكتب، السكرتير، المسئول، المراقب، صاحب الاتصالات، الكاتب، الموزع، السائق، اجعلهم ممن يتقون الله.

    عندما تولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه جاء فحجب الحاجب وقال: [[اعزل نفسك، قال: ولم؟! قال: رأيتك تتستر في ظل الخيمة، والناس في الشمس في عهد الوليد بن عبد الملك، والله ما تكون لي حاجباً أبداً، تعال يا مزاحم أنت حاجبي، فقد رأيتك تكثر من قراءة القرآن وتصلي الضحى في مكان لا يراك إلا الله]] وكان عمر يقدر الناس بقدر تقواهم.

    وفد عليه ثلاثة شباب، قال للأول: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن الأمير الذي كان في عهد الوليد، قال عمر: اغرب عني وأبيك، فإن أباك كان يجلد المسلمين.

    قال للثاني: وأنت ابن من؟ قال: ابن والي الكوفة قال: دعني منك ومن أبيك.

    وقال للثالث: وأنت ابن من؟ قال: أبي هو قتادة بن النعمان الذي ضرب في عينه يوم أحد -ضربه مشرك فسالت عينه على خده- فردها محمد صلى الله عليه وسلم فكانت أحر من الأخرى ثم قال الفتى:

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه     فردت بكف المصطفى أحسن الرد

    فبكى عمر بن عبد العزيز وقال:

    تلك المكارم لا قعبان من لبن     شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

    يقول: من أراد أن يفتخر فليفعل مثلك، أنت النسب، أنت البطل، أنت التقي، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (المرء يحشر مع من أحب، فمن أحب الصالحين حشر معهم).

    تولى علي رضي الله عنه وأرضاه الخلافة، فتفرقت الأمور وما ضبطت كعهد أبي بكر وعمر فجاء رجل إلى علي وقال: يا أمير المؤمنين! ما للناس أطاعوا أبا بكر وعمر وما أطاعوك؟!

    قال علي -وكان ذكياً- قال: أتدري لماذا أطاعوهم وعصوني، كانت الرعية في عهد أبي بكر وعمر، الرعية علي وطلحة والزبير وعثمان ومعاذ وأبي وسعد، ولما توليت أنا أصبحت الرعية أنت وأمثالك.

    وجاءه رجل يمدحه فقال علي: خفف من كلامك، فإني أعظم مما في نفسك ودون ما تقول.

    يعني كأن الرجل في الظاهر يمدح علياً كرم الله وجهه، وفي الباطن لا يرى حق علي، قال: أنا أعظم مما في صدرك وأنا دون لا تذكر من غلو المدح.

    إذا عرف ذلك فقد عرف عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).

    يقال في بعض أسباب الحديث -ولو أن السند ضعيف إن امرأة أتت من أهل مكة -كانت مزاحة تضحك النساء- فنـزلت على امرأة مزاحة في أهل المدينة، فقال في الحديث الآخر: (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ولذلك تجد الصالح يأنس للصالحين، سائقه صالح، والسكرتير عنده صالح، وأمين المكتب صالح، والمتصل صالح، والموزع صالح، فيأنس لهم بخلاف الذين تولوا عن منهج الله.

    1.   

    آداب المسئول المسلم

    العنصر الثامن والأخير: آداب المسئول المسلم.

    للمسئول المسلم آداب لأنه يمتاز بميز عن المسئول الكافر، نعم. هذا مسئول وذاك مسئول؛ لكن هذا وهو يذهب إلى عمله يتذكر الواحد الأحد، ويتذكر لقاء الله عز وجل، ويتذكر المحاسبة بين يدي الله عز وجل بخلاف الآخر، وللمسئول المسلم أربعة آداب:

    الإخلاص في العلم وإرادة وجه الله بالعمل

    قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ [البينة:5] وقال: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] جلوسه على المكتب؛ في الفصل والمعمل والوظيفة أمانة وعبادة، وإذا احتسبها عند الله عز وجل هي من أعظم العبادات، فإن الصحابة ما خرجوا كلهم يتنفلون في بقية أوقاتهم، بل كانوا يؤدون الفرائض، ثم يذهب هذا أميراً، وهذا والياً، وهذا خليفة، وهذا راعياً، وهذا مسئولاً، فيأجرهم الله على ذلك.

    فالله الله في الصدق، وفي طلب ما عند الله من الأجر، فإن الله يعظم الأجر بقدر ما يصدق العبد معه في العمل، فيا مسئولاً خف الله.

    ويا مسئولاً في بلاد الله، ويا مسئولاً مع ولاة الأمر الذين يحكمون بشرع الله، أوصيك بمخافة الله، والصدق مع الله، وبمحاسبة نفسك قبل أن تحاسب في العرض الأكبر، حاسب نفسك في أداء الأمانة في الوقت، وفي إعطاء العمل حقه.

    الرفق بالمسلمين

    أنت تتعامل مع موحدين، أنت تتعامل مع عباد الله، وفي بعض الآثار التي يحسنها بعض العلماء: {الفقراء عيال الله، فأقربهم إلى الله أنفعهم لعياله} فهؤلاء عيال الله، هؤلاء أمة الله، وهؤلاء يحتاجون إلى حنان منك فلاطفهم، كلمة توجه لرجل المرور الذي هو منا، أخونا وابن عمنا، الجندي، الحارس، المسئول، الأستاذ، العميد، الموظف أن يتعامل برفق، قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه} وقد سبق معنا الحديث الصحيح: {اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق به} فالرفق الرفق! الحنان والعطف عليهم، قبول ما يبدر منهم، المعاونة لهم على متطلباتهم والسعي في مهماتهم: {والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه}.. {ومن سهل على مسلم سهل الله عليه في الدنيا والآخرة} وفي لفظ الصحيح: {من يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله، ومن قضى حاجة لأخيه قضى الله حاجته يوم القيامة}.

    حسن الخلق والبشاشة

    نطالب المسئول المؤتمن أن يبش لوجوه المسلمين، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {وتبسمك في وجه أخيك صدقة} إذا سلم رد عليه السلام، قم للشيخ الكبير، أنزل التقي منزلته، فرحب به وحيه، كن داعية في مكتبك وفي وظيفتك لتثني عليك الألسنة، وتدعو لك القلوب، وتحبك الأرواح، ويجعلك الله ولياً من أوليائه.

    أحسن إلى الناس تستبعد قلوبهم     فطالما استعبد الإنسان إحسان

    كن رائق البشر إن الحر شيمته     صفيحة وعليها البشر عنوان

    تبسم؛ هز راحتك، قدم يدك، احتف بالداخلين عليك لأنك داعية، ما أحسن المسئول يوم يحيي الداخلين والمراجعين! ما أحسنه حين يتواضع! ما أحسنه يسأل عن أخبارهم! كان عليه الصلاة والسلام إذا وفدت عليه الوفود يقول: {ممن القوم؟} وكان يسأل ويقول كما عند الترمذي بسند فيه كلام: {إذا عرف أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه وعن نسبه فإنه يواصل المودة}.

    قال العربي الأول الكريم؛ صاحب المروءة وهو وثني:

    أُحادث ضيفي قبل إنزال رحله     ويخصب عندي والمكان جديب

    وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى     ولكنما وجه الكريم خصيب

    وفي حديث: {إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم حسن الخلق} أنت لا تنفق على الناس من جيبك، إنما تنفق عليهم بالبسمة، وبالرحمة يحببك الله إلى الخلق، ويجعلك قريباً منه، وبقدر ما يفعل الإنسان يفعل الله له يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل.

    قضاء الحوائج والحرص على إنهاء متطلبات المؤمنين

    فإن صاحب الحاجة مجنون بها حتى تقضى، وهو مشغول بها ليل نهار، أما تدري أن صاحب الحاجة يظن أن الدنيا ومشكلة الشرق الأوسط في هذه الحاجة، ينام الليل وهي في ذهنه، ويقوم النهار وهي في ذهنه، فإذا قضيتها قضى الله لك حوائجك، ويسر لك أمورك، التسويف أو المماطلة للمسلمين -تعطيل المسلمين- ليس بوارد عند من يخاف الله ويريد الدار الآخرة، شيخ كبير عجوز هرم أو شاب عنده من الأمور ما يعطله فاقض حاجته وفرج كربته، وفي الحديث: {من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة} يوم الكربات، يوم الهموم والغموم، يوم الأحزان، فرج كربة عن صاحب حاجة، عن مراجع، عمن عنده مسألة، والله إن من المكسب لك أن تنهي له الحاجة.

    وفد رجل على علي فطلب له حاجة، فقال: الحمد لله الذي جعلك صاحب الحاجة ولم يجعلني صاحب الحاجة، لأقضينها إن شاء الله. قال الرجل:

    كسوتني حلة تبلى محاسنها     لأكسونك من حسن الثنا حللا

    الثناء الجميل

    ولم أرَ كالإحسان أما مذاقه     فحلو وأما وجهه فجميل

    كاد الجميل أن يكون رجلاً، ولو كان رجلاً لكان حسناً، وكاد أن يكون نبتاً، ولو كان نبتاً لكان ورداً.

    قال أبو جعفر المنصور لجلاسه وسماره: ما أحسن بيت قالته العرب؟

    قالوا: ما ندري.

    قال: قول القائل:

    الخير يبقى وإن طال الزمان به     والشر أخبث ما أوعيت من زاد

    وقال الحُطيئة:

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه     لا يذهب العرف بين الله والناس

    جاء إعرابي إلى ابن عباس، وهو في الحرم ينثر على الناس العلم كالدرر وينثر والمال كما قال تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] قال الإعرابي: يا ابن عباس! قد أحسنت إليك إحساناً فكافئني، قال: ما فعلت يا أخا العرب، قال: رأيتك العام الأول تشرب من زمزم وأصابتك الشمس فظللتك عن الشمس، قال: يا غلام أعطه مائة دينار، واكسه حلة، وقد قصرنا لكن يكافئك الله على ما قدمت لنا.

    فما أحسن الجميل! فقضاء الحوائج ولو بالميسور من اللفظ، والشفاعة إن استطعت أن تقوم بها فافعل، توسط واتصل واكتب، وسوف ترى ذلك في سجل الحسنات: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    1.   

    الأسئلة

    أسباب عدم التأثر بسماع القرآن

    السؤال: السلف كانوا يبكون بكاءً شديداً من سماع القرآن، ولكنا نسمع الآيات ولا نبكي ولا نتأثر كما تأثر السلف فما هو العلاج؟

    الجواب: أقول كلنا ذاك الرجل، ونسأل الله عز وجل أن يتوب علينا وعليكم، وأن يلين قلوبنا لذكره، ولا نيئس من روح الله، فإن نفحات الله تمر بالعبد، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وقسوة القلب تأتي من أمور:

    منها: مرض الشبهات: فإنه فتاك، وهو السم الزعاف، وهو يقتل القلب قتلاً.

    ومنها: الشهوات: فإنها مرض خطير وعضال، وهي حب المعاصي والفاحشة والعياذ بالله.

    ومنها: المباحات: وكثرتها وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة الخلطة خاصة خلطة من لا يقربك من الله، وكثرة النوم، وكثرة الأكل كلها من المباحات التي إذا كثرت قسا القلب، وقد بينها ابن القيم.

    ولكني أوصيك ونفسي بكثرة الذكر، وبتدبر القرآن، وبصيام بعض الأيام على السنة، وبمجالسة الصالحين، وبحضور حلق العلم والمحاضرات والدروس، ولا تقل إنك عالم أو إن المحاضر لا يأتي بجديد، الجديد رحمة الله التي تظلك وأنت في المجلس، الجديد تنزل الملائكة عليك، الجديد غشيان السكينة، الجديد حفوف الرحمة، الجديد أن يقول الله في آخر المحاضرة: {انصرفوا مغفوراً لكم فقد رضيت عنكم وأرضيتموني، فتقول الملائكة: يا رب معهم فلان ليس منهم -أي: مر في الطريق هو يريد طريقاً آخر لكن رأى المحاضرة فدخل- قال: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم} رحيم:

    فلما جلسنا مجلساً طله الندى     جميلاً وبستاناً من الروض غانيا

    أثار لنا طيب المكان وحسنه     منى فتمنينا فكنت الأمانيا

    أمنيتنا نرفعها هذه الليلة إلى الحي القيوم أن يجمعنا بكم في دار الكرامة، اللهم لا تخيب ظننا فيك، اللهم إننا ظننا بك الظن الجميل والحسن، ظننا أن تغفر لنا، وأن تتوب علينا، وأن تقول لنا في آخر هذه المحاضرة انصرفوا مغفوراً لكم، نتحرى هذه الكلمة فيا سميع ويا عليم ويا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم! أسألك أن تقولها لنا هذه الليلة، وأن تجمعنا بـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة مع الأنبياء والمرسلين: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55] يا رب العالمين.

    أيها السائل سؤالك ينبئ عن خير، وحضورك معنا شهادة لك أنك من أهل الخير، غيرك في البارات وفي الخمارات، غيرك مع الكمنجة والعود والموسيقى، غيرك مع البلوت والباصرة، غيرك يطارد الدجاج والحمام، وأنت جلست مع قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، أنت من الصالحين، زادك الله توفيقاً وبصيرة وإيانا.

    حكم لعب الكرة

    السؤال: هل يجوز لعب الكرة بعد صلاة العصر مع العلم أنها لا تضيع المغرب؟

    الجواب: ما علمت عالماً يحرم لعب الكرة بعد صلاة العصر أو بعد الظهر أو بعد الصبح، ولكن هذه القضايا تؤخذ بملابساتها، أهل العلم إذا وجدوا عملاً لم يكن عليه السلف كيفوه بالكتاب والسنة؛ فأتوا بصلاحيته وبمحاذيره وبأضراره ثم جعلوه على قواعد الإسلام، يحذر من هذا العمل إذا لابسه بعض المعاصي كتأخير الصلاة أو تضييع العلم، والإسراف بهذه الكرة حتى يصبح لاعباً لا يعرف شيئاً من أمور دينه ولا يتفقه، ولا يقرأ القرآن، أو يتحزب لهذه لكرة ويوالي ويعادي عليها، أو يلبس لباساً غير شرعي، فإذا خلت من هذه الأضرار والمحاذير، فلا بأس بها.

    فليلعب مع إخوانه إذا لم يضيع الصلاة، ولم تفوته من طلب العلم، وكان لباسه لباساً شرعي من السرة إلى الركبة ساتراً، ولم يوال ولم يعاد على الكرة، فلا بأس بها، يلعب بقدر، وإن لنفسك عليك حقاً، وهي من باب الترويح ولا حرج من ذلك إن شاء الله.

    أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.

    وصلى الله على محمد وعلى صحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734222006

    عدد مرات الحفظ

    684424558