إسلام ويب

هدي السلف في رمضانللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لشهر رمضان خصائص تميزه عن سائر الشهور، فهو شهر القرآن، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن، وكان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين مرة.

    والأمة الإسلامية اليوم تعاني قصوراً شديداً في استغلال مواسم الخير، وبدلاً من السمو والارتفاع الذي كانت تحياه في عصر السلف، تقع في أخطاء فاحشة تحرمها فضيلة هذا الشهر الكريم.

    1.   

    فضل شهر رمضان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أحييكم هذه الليلة بأبيات ابن القيم الرائدة:

    أما والذي شق القلوب وأوجد الـ     ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

    وحملها قلب المحب وإنه     ليضعف عن حمل القميص ويألم

    لأنتم على بعد الديار وقربها     أحبتها إن غبتم أو حضرتم

    وشكر الله لفضيلة الشيخ الأخ/ خليل السبيعي على هذه المقدمة، وقد تكلم هذه الليلة بلسان الرضا

    وعين الرضا عن كل عيب كليلة     كما أن عين السخط تبدي المساويا

    وعنوان المحاضرة: هدي السلف في رمضان.

    بشرى سارة لكم يا معاشر الساجدين، ويا معاشر المصلين والصائمين؛ لقد أظلكم شهر كريم، فهنيئاً لكم ولنا، ونسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من عتقائه في هذا الشهر..

    مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام      يا حبيباً زارنا في كل عام

    قد لقيناك بحب مفعم      كل حب في سوى المولى حرام

    فاقبل اللهم ربي صومنا      ثم زدنا من عطاياك الجسام

    لا تعاقبنا فقد عاقبنا     قلق أسهرنا جنح الظلام

    جاء عند الإمام أحمد في المسند والنسائي بسند صحيح، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول للصحابة في أول رمضان: (أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل مردة الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم) فنسأل الله ألا يحرمنا خيرها، وأن يعتق رقابنا وإياكم من النار.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم     في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً      قد شبت في الرق فاعتقني من النار

    أيها المسلمون: يقول -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه ابن ماجة وغيره من أصحاب السنن: (إن في الجنة أبواباً ثمانية باب يسمى باب الريان يدخل منه الصائمون) وفي الصحيح: (أن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل أحدٌ غيرهم) يقول الله تَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183].

    من الذي كتب؟ ومن الذي فرض؟ إنه الله.. ومن الذي يجازي على الصيام؟ ومن الذي يثيب؟ إنه الله.. ومن الذي يطلع على صوم الصائمين؟ إنه الله.. وفي الصحيحين أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فأنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي) كيف هذا؟ تصلي فيراك الناس، وتزكي فيراك الناس، وتحج فيراك الناس، إلا الصيام فمن يدري؟! لعلك قد تأكل بين الحيطان، وقد تشرب بين الجدران، لكن علام الغيوب يراك الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219].

    رمضان شهر القرآن

    يقول الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] هذا الشهر لنا فيه ذكرى جميلة، وشرفٌ لنا يا أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فقد رفع الله رءوسنا في رمضان يوم استنقذنا بكتاب خالد، وأنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في رمضان، ثم نزل منجماً إلى الدنيا، لكن في ليلة القدر نزل كلام الله وكتابه من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، فنحن نعيش في رمضان ذكرى مجيدة لا تتكرر، وهي نزول هذا القرآن الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، ورفع رءوسنا، وجعلنا سادة الأمم في رمضان.

    ونحن نعيش في رمضان ذكريات عظيمة، فقد وقعت معركة بدر في رمضان، وانتصر رسولنا عليه الصلاة والسلام في رمضان، وعاش غزوة الفتح في رمضان.. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:1-2] هذا شيء من شهر رمضان الذي ننتظره في هذه الليالي ببالغ الشوق.

    1.   

    أقسام الناس في استقبال رمضان

    والناس أمام شهر رمضان على قسمين:

    قسم فرح به، وأتاه من الفرح ما الله به عليم، وهو مقدم على خير وعلى بر، ينتظر أن يعتق من النار، فسجل اسمك في الأسماء التي تعرض على الله كل ليلة، عل الله أن يعتق رقبتك من النار، فإن الفوز أن تزحزح عن النار.. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ويقول سبحانه: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:192].

    أيها الناس: إن بعض الناس يجعل أعلى أمنية له في الحياة أن يحصل منصباً، أو وظيفة، أو مالاً، أو زوجة، أو سيارة، وهؤلاء من أخسر الناس في هممهم ومقاصدهم.

    القسم الثاني: الذي يستقبل رمضان استقبالاً بارداً ميتاً، يعيش في غفلة في رمضان وبعد رمضان، قومٌ إذا دخل عليهم رمضان أمضوا ساعاته في النوم، وأمضوا ليله في السهر، في لعب ولهو وغفلة.. نسأل الله ألا يجعلنا منهم..

    متى يهديك قلبك وهو غافلٍ     إذا الحسنات قد أضحت كالخطايا

    وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    شهر رمضان موسم للعفو وللرحمة وللعتق من النار.. كان لبعض العظماء في الجاهلية يومٌ يسمى يوم العفو، ويوم العفو هذا -ولله المثل الأعلى- يشبه شهر رمضان، فقد كان للنعمان بن المنذر يوم العفو، يستقبل رعيته في ذلك اليوم، فمن زاره أعفاه من الإعدام ومن الحبس، ومن الضرائب.. فمن أراد العفو من الله فلينتظر هذا الشهر الكريم؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر) وقد يخطئ كثير من الناس، فيظن أنه إذا صام رمضان كفِّر عنه حتى الكبائر التي اقترفها بين رمضانين، وهذا فهم خاطئ، فإن التكفير خاص بالصغائر، ولا بد أن تجتنب الكبائر.. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31].

    فترى بعض الناس يظن أنه إذا ارتكب الكبائر وترك الواجبات والفرائض، وصام رمضان كفَّر الله عنه ذلك، وهذا خطأ في الفهم، وضلال في العقل، حتى أن بعضهم إذا دخل رمضان أحياه، فإذا انتهى رمضان عاد إلى حالته الأولى، وإلى سيرته الأولى.. يقول صلى الله عليه سلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي الله فرح بصيامه).

    1.   

    إقبال السلف في رمضان

    وكان رمضان عند السلف الصالح أمنية، وكان بعضهم يهنئ بعضاً برمضان، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه بقدومه، وكانوا يجدونها فرصة لا تتعوض؛ لأنك لا تدري أيها المسلم هل يعود عليك رمضان أم لا، ولا تدري هل يتكرر عليك أم لا.. أما عاش معنا الآباء؟ أما عاش معنا الإخوة؟ أما صاحبنا قوم صاموا في رمضان المنصرم، ثم لم يصوموا رمضان القادم، أين ذهبوا؟ أخذهم هادم اللذات، مفرق الجماعات، ميتم البنين والبنات.. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62].

    وسيدهم وخيرهم هو رسولنا عليه الصلاة والسلام، فقد جعل رمضان مدرسة روحية يجدد لقاءه بربه تبارك وتعالى، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس -هذا عمومٌ لا خصوص له- وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) وقد اشتمل هذا الحديث على أمور:

    أولها: مشروعية كثرة قراءة القرآن في رمضان.

    ثانيها: البذل والعطاء في رمضان.

    ثالثها: مدارسة القرآن في رمضان.

    رابعها: أن من بركة قراءة القرآن أن تنفق المال، قال الإمام الزهري: [هذا رمضان شهر قراءة القرآن وإطعام الطعام]].

    الإمام مالك والشافعي في رمضان

    وكان مالك إمام دار الهجرة إذا دخل رمضان أغلق كتبه، وامتنع عن الفتيا، وأقبل على القرآن، وذكر ابن حجر بسند صحيح أن الشافعي كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة.. وأنا لا أتكلم عن سنية ذلك، لكن عن وروده عن الشافعي بالذات، وذكر الحافظ أيضاً عن البخاري أنه كان يختم القرآن في رمضان ثلاثين مرة، وكان الإمام أحمد يختمه في كل أسبوع، فإذا دخل رمضان ختمه في الأسبوع مرتين: في الليل مرة وفي النهار مرة.

    وكان عليه الصلاة والسلام يعرض القرآن مع جبريل الذي نزل عليه بهذه الآيات البينات في رمضان مرة، فلما كان آخر رمضان يعيشه صلى الله عليه وسلم عرضه عليه ودارسه مرتين، وكان عليه الصلاة والسلام يجود في رمضان أكثر من غيره، الجود من العدم، والجود من الفقر..

    يجود بالنفس إن ضن البخيل بها     والجود بالنفس أقصى غاية الجود

    يقول: وفي مسند أحمد بسند صحيح عن جابر، قال: سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {لا، وأستغفر الله، وأستغفر الله} أي: أستغفر الله من (لا) لأنها كلمة صعبة..

    ما قال لا قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعم

    جاء عند البخاري من حديث سهل بن سعد، قال: {أهدت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوباً، فقالت: يا رسول الله! هذا الثوب نسجته لك. فأخذه صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليه، فعرض له رجلٌ، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الثوب. فدخل صلى الله عليه وسلم البيت، وخلعه ولبس ثوباً آخر وأعطاه الرجل، فقال الصحابة للرجل: فعل الله بك وفعل، لبسه صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليه، ثم سألته هذا الثوب، وتدري أنه لا يرد أحداً! قال هذا الرجل: والله ما سألت هذا الثوب إلا ليكون كفني، فكان كفنه} وما أحسن الكفن! كفن لبسه صلى الله عليه وسلم، كفن مس بشرته، ووضع على جنبه.

    ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه     من المسك كافوراً وأعواده رندا

    وما ذاك إلا أن هنداً عشية     تمشت وجرت في جوانبه بردا

    وكان صلى الله عليه وسلم يعيش رمضان دعاءً منقطع النظير، وقد جاء عند أبي داود بسند صحيح: {للصائم دعوة لا ترد} وهي قبل الإفطار، إذا ظمئت كبدك، وجاع بطنك، وأحسست بحرارة الجوع.. ولمن جعت وظمئت وتعبت وسهرت؟ كل ذلك لله.

    إن كان سركم ما قال حاسدنا     فما لجرح إذا أرضاكم ألم

    فقبل الغروب وقبل أن تأكل التمرات وتشرب الماء، ارفع يديك، ثم ادع بما تيسر لك دعوة لا ترد.. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    1.   

    رمضان شهر التوبة وشهر الانتصارات

    ورمضان -أيها الأخيار- شهر التوبة، فقد أذنبنا، وأسأنا، وقصرنا، وأخطأنا.. كيف أذنبنا؟ أكلنا النعم فما شكرنا، ورأينا المنكر فما نهينا ولا ائتمرنا، وتناولنا نعم الله عز وجل، فما قمنا بحقها وما يجب علينا نحوها، وأخطأنا كثيراً، وحان منا في الموسم المقبل أن نعلن استسلامنا لله، وأن نعود إلى الله، والله يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    فرمضان موسم للتوبة؛ أن يعود العاصي من معصيته إلى الله، فالذي كان يرتاد المقاهي لاهياً لاغياً عليه أن يرتاد المساجد، وصاحب المجلة الخليعة عليه أن يقبل على القرآن، وصاحب الأغنية الماجنة عليه أن يقبل على التلاوة، وأن يبكي وتدمع عينه، وأن يسلم قلبه إلى الله.. فيا رب ها نحن أقبلنا إليك، فاللهم لا تخرج رمضان إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لا تبور.

    أحاديث في التوبة

    وبشرى لكم! أبشروا وأملوا في ربكم ما يسركم، فلو كان التعامل مع البشر لما رحمونا، ولما عفوا عنا، ولما قبلوا حسناتنا، ولو كانت الخزائن بأيديهم لما أنفقوا، لكن الله رب العالمين يقول: {يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم} رواه مسلم، وعند الترمذي وأحمد، من حديث أنس وهو صحيح: {يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة} فيا رب غفرانك ورحمتك.. وإذا نظرت إلى الناس وجدت تعاملهم مع الناس شديداً، ولكن -لله الحمد- أن جعل الحساب بيده، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].

    من يوقع على قرار مغفرة الذنب إلا الله، ومن يملك أن يغفر سيئاتك إلا الله سبحانه.. وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- {أن رجلاً من بني إسرائيل وكان عابداً، كان يقول لأحد العصاة من بني إسرائيل: تب إلى الله. قال: اتركني وربي. فقال له مرة ثانية: تب إلى الله. قال: اتركني وربي. قال: تب إلى الله. قال: اتركني وربي. فقال له: والله لا يغفر الله لك..} سبحان الله! ما هذا التألي؟ أيملك خزائن السموات والأرض؟! أبيده رحمة الله؟! أعنده صك الغفران أو الحرمان؟! {فقال الله عز وجل: من هذا الذي يتألى علي؟ أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهذا العاصي، وأحبطت عمل هذا العابد} ليثبت سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه يغفر ويرحم، وأنه ينفع ويضر، وأنه يحيي ويميت، تبارك الله رب العالمين.

    ذكرياتنا في رمضان

    كانت أعلامنا مرفوعة في رمضان، يوم أن كنا نسجد لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فالرسول صلى الله عليه وسلم في بدر -كما ذكرت- انتصر ورفع لا إله إلا الله، يقول حسان:

    وبيوم بدر إذ يصد وجوههم      جبريل تحت لوائنا ومحمد

    وهذه هي القيادة العليا.. والفتح كان في رمضان، وصلاح الدين هاجم الصليبية وكسر الصليب في رمضان، وانتصر يوم الجمعة في رمضان.

    تلك المكارم لا قعبان من لبن     وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن

    قال أهل العلم: أكثر المعارك الإسلامية وقعت في رمضان، فنصرنا الله عز وجل، فنسأل الله أن يرينا نصره الأكيد في رمضان.

    1.   

    البيت الإسلامي في رمضان

    لا بد للبيت أن يكون بيتاً إسلامياً في رمضان وفي غير رمضان، لكن في رمضان بالخصوص، فلابد أن يعيش البيت الإسلامي معالم رمضان، والبيت الإسلامي هو الذي أسس بنيانه على التقوى، قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109].

    ومن المسئول عن هذا البيت؟ إنه الأب، والأم، والزوجة، كلهم يشتركون في المسئولية.. كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] وسوف يأتي -إن شاء الله- ما يمكن أن يلمح عن مواصفات البيت الإسلامي وصفاته، الذي يستحق المغفرة والرحمة من الله رب العالمين.

    1.   

    أخطاؤنا في رمضان

    ما هي أخطاؤنا في رمضان التي تتكرر؟ نذكر بعض هذه الأخطاء:

    ضياع الوقت

    فإن كثيراً من الناس يضيع الوقت في رمضان.. وهل سمعت بأمة تلعب البلوت في ليالي رمضان؟ يعتق الله عز وجل الرقاب من فوق عرشه، وهذه الأمة تلعب البلوت في الأرض! الله عز وجل يقول في الثلث الأخير من الليل: {هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟} متفق عليه، وهذه الأمة تلعب البلوت، وتسمع الأغنية والموسيقى، وتعيش الليلة الحمراء في الليل!! فأين رقابتها؟ وأين عودتها إلى الله؟ فقد ضيعنا الأوقات، وأصبحنا أمة لا تقدر الساعات، إلا من رحم ربك.

    يقولون -بالاستقراء-: أرخص وقت هو وقت المسلمين، فإن الأمم الأخرى مصانعها ومعاملها منتجة معطية، وهذه الأمة إن لم تهتد بهدى القرآن والسنة ضاعت، وإذا تركنا هذا الدين القيم الذي نحمله، أصبحنا ضائعين؛ لأننا لا نحمل الدنيا، لا ننتج، ولا نقدم للبشرية مصانع ولا منتجات، يقول الله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    ورد عن سفيان الثوري أنه جلس في الحرم مع رفقة معه، فقالوا له: اجلس يا أبا عبد الله حدثنا -أي: من حديث مجالسنا، قصص ومجريات الحياة- قال: احبسوا الشمس وأنا أحدثكم. معنى الكلام: هل تستطيعون أن توقفوا الشمس التي تنقض الأعمار لأحدثكم؟ ومن يضمن لي الدقائق التي أصرفها معكم، ومن يعيدها لي يوم القيامة؟ قال الله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] قال بعض أهل التفسير: نفس المؤمن تلومه، تقول له: فيم صرفت عمرك؟ فيم صرفت وقتك؟ وقال الحسن البصري: [[ما من نفس إلا تلوم صاحبها يوم القيامة]]. وقال:: [[يقول المؤمن لنفسه: لم أكلت هذه الأكلة؟ ولم شربت هذه الشربة؟ ولم جلست هذا المجلس؟ ولم قلت هذه الكلمة؟]].

    ويقول عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ} وسيعلم الذين فوتوا أعمارهم في الضياع ما هو الثمن يوم العرض الأكبر.. ينفقونها من أعمارهم، ويقدمونها من أغلى ما يملكون، وإذا أوقفوا يوم العرض الأكبر قالوا: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] وليته سهر في طاعة، لكن الكثير من الناس جعل رمضان موسماً للضياع، فيلعب البلوت، ويسمع الأغنية، والسهرة، ويشاهد الفلم المهدم المخرب إلى صلاة الفجر، ثم يصلي إن كان بقي فيه لمعة من خير، يصلي الفجر ثم ينام جيفة إلى صلاة الظهر، وبعضهم لا يستيقظ إلا قرب العصر.. فأين معاني رمضان؟!

    النوم في النهار

    كذلك من الأخطاء: النوم في النهار.

    الله سبحانه وتعالى جعل الليل سباتاً والنهار معاشاً، وهؤلاء حولوا الليل إلى النهار، فجعلوا النهار نوماً، والليل ضياعاً، فتجد بعضهم ينام النهار كله، فلا يجد جوعاً ولا ظمأً ولا مشقةً، وقبل الغروب يستيقظ من نومه وكسله وخموله، لا قرأ قرآناً، ولا ذكر ذكراً، ولا تنفل بنافلة، ولا دعا الحي القيوم.

    فمن الأخطاء الوخيمة: كثرة النوم في النهار، وقد رأيت لبعض الفقهاء من الشافعية تساؤلاً: من نام النهار كله هل يصح صومه أم لا؟ وهو استفتاءٌ عجيب، والحنابلة يرون صحة صومه، وكأن هذه المسألة مثل مسألة الجرباء: هل يجوز أن يضحى بها أم لا يجوز؟ أما الأجر فشيئٌ آخر.

    إنسان ينام من بعد صلاة الفجر، ولا يستيقظ إلا للظهر والعصر، ثم ينام إلى المغرب! أين معاني الصيام؟ لأن من معاني الصيام أن تذوق الجوع كما ذاقه الفقراء، والمساكين، وأن تذوق الجوع كما ذاقه أطفال اللاجئين والمجاهدين.

    ومن معاني الصيام: أن يكسر شهوتك وشبهتك، وأن يرد قلبك إلى الحي القيوم؛ لأن الله يقول: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] وهذا لا يحصل إلا بالصيام، وأن تذوق الجوع؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرف الجوع، يعيش أربعين سنة لا يجوع، يعيش مدللاً، لا الشمس تمسه، ولا الجوع يذوقه، ولا الظمأ يحس به، في نعيم مقيم، الموائد والأكلات والشراب والثياب والنعيم، فأراد الله أن يذيقه الجوع ليعرف جوع الجائعين.

    يذكرون أن ملكة بريطانيا في عهدها قام الناس متظاهرين يطلبون الخبز، -أهل الشارع الجمهور ماتوا ويريدون كسرة الخبز اليابس- فحفوا بقصرها يقولون: الخبز الخبز، فخرجت من النافذة، وقالت: لماذا لا يأكلون البسكويت حتى يأتي الخبز؟ لو كان هناك بسكويت ما طلبنا الخبز.. فأهل النعيم والترف يظنون أن الناس كلهم مترفون، فلا بد أن يذوقوا الجوع، ولا بد أن يروا الذين ينامون على الأرصفة.. أطفال أفغانستان، والجائعين في السودان، واللاجئين في أنحاء الأرض الذين لا يجدون كسرة الخبز.

    وجاء في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء} فالصوم يكبح جماح الشهوة العارمة، ويحد من طغيان النفس، ويسدد مسالك الشيطان التي يجري فيها؛ لأن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، والصائم إذا صام قلَّ طعامه وشرابه، فضمرت عروقه من الدم، فقلَّ سعي الشيطان فيها.

    وقد سمعت كلمة لعالم أعجبتني، وهو عالم مطِّلع، يعرف الإعجاز العلمي، وهذا إنما هو من الورد الذي يشم ولا يؤكل، يقول: إنما جعل -صلى الله عليه وسلم- صيام الثلاثة الأيام البيض؛ لأن المد يكثر فيها، فالبحر يمد في الليالي القمراء بسبب جاذبية القمر -بقدرة من الباري سبحانه- ويصيبه الجزر في الليالي الظلماء، قال: والدورة الدموية مثل مد البحر، تمتد مع الثلاثة أيام، الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مع القمر، فيزداد ضخ الدم، ويزيد الشيطان من عتوه وتمرده، فطالب صلى الله عليه وسلم المسلم -من باب الاستحباب- أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهي أيام البيض، وهذا جيد، ولا يعارض النصوص والحمد لله، وفيه خير كثير إن شاء الله.

    كثرة الأكل ومفاسده

    ومن الأخطاء التي نقع فيها: كثرة الأكل في رمضان.

    يقول الغزالي في الإحياء: من مقاصد الصيام أن تخفف الوجبات، فإذا جمعت الإفطار والغداء والعشاء بعد صلاة المغرب فكأنك ما صنعت شيئاً، فقد جمعتها دفعة واحدة، والذي يلاحظ على الناس أنهم يذهبون أوقاتهم وأموالهم في رمضان، فيعددون من أشكال الأطعمة ما الله بها عليم، وسوف ترى الأسواق بعد ليال تمتلئ بالمارة والمشترين من كل الأنواع، من أحمر وأصفر، وحلو ومر، ومطعوم ومشروب، ومكسور وملتوت ومفتوت، حتى أنك ترى المائدة ولا تعرف ماذا تقرأ عليها من الأسماء.. وبعضهم يأكل من كل نوع لقمة كـالمأمون، ثم يقوم إلى الصلاة وقد بقي الطعام بحاله، وهذا فيه نظر حتى في الطب، قال أهل الطب: إذا نوعت المطعومات أصبح الجسم قابلاً للأمراض، وكلها بإذن الله، لكن من أسباب الأمراض تركيب الغذاء الذي أكثرنا منه، كالحلويات والمشروبات والقلويات والحمضيات، وما أدارك وهيهات هيهات، فهذه هي أسباب المرض.

    ومن مفاسد كثرة الأكل: أنها خسارة في المال، ونعوذ بالله من قوم أذهبوا أموالهم في بطونهم وأجسامهم، وهؤلاء يأتون يوم القيامة وهم من أفقر الناس، فإن الناس قد دفعوا أموالهم لإطعام المساكين، وإعطاء المحتاجين، وهؤلاء فقط في المطاعم والمشارب، وقد صح عن ابن عباس مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم: {أن الله يقول يوم القيامة للعبد: يا بن آدم! جعت فلم تطعمني. قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فما أطعمته، أما إنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي، يا بن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته وجدت ذلك عندي}.

    فعلينا أن ننفق ما زاد من الأطعمة والأموال للفقراء والمساكين، فإنا -والله- نعرف أسراً وبيوتاً كثيرة يعيشون هَمَّ النفقة في رمضان.

    الأمر الثاني: أن فيها إرهاقاً للأهل، كالأم والزوجة والأخت، بل إن كثيراً من النساء لا تعبد الله في النهار؛ لأنها مشغولة بالإفطار، فإذا استيقظت من نومها بقيت في المطبخ تشتغل وتحضر وتطبخ وتقلي إلى صلاة المغرب، وعرقها يتصبب من أجل هذه البطون، وهذا أمر معلوم، حتى أن بعض النساء لا تقرأ من القرآن شيئاً، إنما هي في إحضار الطعام، وما بقي إلا أن يستدعى الدفاع المدني في المطبخ (خطر ممنوع الاقتراب) بسبب الشربة والسمبوسة، واللقيمات والطعميات، والرز المحروق والرز المفلفل، والأبيض والأحمر والأصفر، فتبقى في هم، تحضر هذا وتسحب هذا.. فأين معاني رمضان في حياة المرأة؟

    لماذا لا نكتفي بثلاثة أنواع أو أربعة؟ التمر وشيء من الخبز، وشيء من الشربة، وشيء من الرز فقط، هكذا أربعة أنواع، نرتاح ونريح، أما أن نأخذ ثلاثين أو أربعين شكلاً فهذا فيه خطأ في الحسبان، وحتى الكفرة غير المسلمين لا يفعلون هذا من باب الاقتصاد في حياتهم؛ لأنهم أجادوا في الحياة، وأجادوا في الطعام والشراب، كما قال سبحانه: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66].

    عدم الاستفادة من دروس الصيام

    ومن الأخطاء أيضاً: عدم الاستفادة من دروس الصيام.. فإن البعض أخذ الصيام عادة، يدخل عليه رمضان ويبارك لجيرانه بدخوله، ويخرج رمضان وهو لم يتأثر ولم يتغير في حياته، وإذا هو الذي يشرب الدخان في رمضان وبعد رمضان وقبل رمضان، وإذا هو المغني المطبل في رمضان وفي غيره، وإذا هو عاق لوالديه في رمضان وغيره، وقاطع الرحم في رمضان وغيره، والمغتاب في رمضان وغيره.. فأين أثر الصيام؟!

    يا أيها الأحباب: ليست الحكمة من الصيام أن تجوع وأن تظمأ، فإن الله غني عن جوع العبد وعن ظمئه، والرسول صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قال: {من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه} إنما المقصود من الصيام ردع النفس، وتربيتها وتهذيبها.

    1.   

    برنامج مقترح في رمضان

    أيها الفضلاء: هذا برنامج مقترح للصائم، وهو نسبي فلك أن تحول فيه، وليس واجباً عليك، إنما من وجهة نظر ومن باب النصيحة للأحبة..

    بعد الفجر

    هذا الوقت مبارك، ولكنه يضيع منا دائماً، فيضيعه كثير من الناس بالنوم، أو بالشرود والغفلة، وقد جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي صخر الغامدي مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم: {بارك الله لأمتي في بكورها} وأبرك وقت هو بعد الفجر، فأنا أقترح للصائم بعد الفجر أن يجعله في المسجد، والمرأة في مصلاها، يذكرون الله عز وجل حتى طلوع الشمس، فإذا ارتفعت الشمس صلى ركعتين، يقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى الصبح في جماعة، ثم جلس في مجلسه الذي صلى فيه يذكر الله عز وجل حتى ترتفع الشمس، ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة} رواه الترمذي وهو حديث صحيح فيما أراه، وقد صححه بعض الفضلاء والعلماء، وهذا مكسب عظيم، فإن جلسة ساعة تكسبك أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، ولكن هذا لمن صلى الفجر في جماعة.

    وجاء عند الإمام مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي: {من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار}.

    من خان حي على الصلاة      يخون حي الكفاح

    ولما تركت صلاة الفجر في جماعة، فتحت الدور للواقعين في المخدرات، ولقاطعي الآباء والأمهات، ولعاصي رب الأرض والسموات، وللساقطين في الأغاني الماجنات والمجلات الخليعات، والمسلسلات المخربات.

    ثم بعد ذلك ينام العبد ليرتاح؛ لأن غالب الناس يسهرون في رمضان، في العبادة أو في غير ذلك، فينام الإنسان حتى يبدأ دوامه، ثم يقوم فيتوضأ، والوضوء سلاح المؤمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم: {والطهور شطر الإيمان} فيصلي ركعتي الضحى، وذلك إذا استيقظ في العاشرة أو قبلها، وركعتا الضحى خير من الدنيا وما فيها، وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام} وقال صلى الله عليه وسلم: {كل سلامى من الناس عليه صدقة، فكل يوم تطلع فيه الشمس تصلح بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى} فالله الله في ركعتي الضحى.

    ثم يذهب الإنسان إلى عمله أو كسبه أو دراسته أو سوقه أو دكانه؛ لأن الإسلام حركة وحياة، فالإسلام في السوق، وفي الدكان، وفي المكتب، وفي الفصل.. وعليه أن يتجنب اللغو، قال الله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3] وأن يكثر من الذكر، وأقترح على المسلم أن يكون مصحفه في رمضان في جيبه، وإن كان حافظاً فليقرأ من حفظه، وإن كان أمياً لا يقرأ القرآن فليكثر من التسبيح والتحميد والتهليل، فهي غراس الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: {الجنة قيعان وغراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} رواه الترمذي، وليردد ما يحفظ من السور.

    ثم يصلي الظهر في جماعة، وحذار حذار -يا أيها الإخوة- من تفويت صلاة الجماعة، فإن بعض الناس يفوت صلاة الجماعة حتى في رمضان، وهذه خطيئة كبيرة، بل يرى كثيرٌ من أهل العلم -وهو القول الصحيح- أن صلاة الجماعة واجبة، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر} رواه أحمد وابن ماجة والحاكم، وصححه ابن تيمية وعبد الحق الأشبيلي، وهو صحيح.. فالله الله في صلاة الجماعة خاصة في رمضان.

    بعد العصر للقرآن

    ثم يواصل في عمله أو في عبادته حتى تأتي صلاة العصر فيصلي، أما من بعد العصر فهو وقت القرآن إلى الغروب، وأرى أن تخفف أعمال الدنيا بعد صلاة العصر، وأن يتشاغل الإنسان بالمصحف وفي المسجد أحسن، وكان السلف يجلسون في المسجد في رمضان بعد العصر، وأرى أن تبقى في مسجدك إذا لم يكن لك غرض في بيتك، فإنه: {ما جلس قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا حفتهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وتنـزلت عليهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده} وجاء عند أبي داود وهو صحيح فيما أرى، ولو أن بعض الفضلاء يحسنونه، يقول صلى الله عليه وسلم: {لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس؛ أحب إلى من أن أعتق أربعة} وهذا فضل عظيم، وهو أفضل من عتق أربع رقاب، فاجلس من العصر إلى صلاة المغرب واحتسبها في سبيل الله عز وجل.

    فالمطلوب -يا أخي- مني ومنك أن نبقى في المسجد بعد العصر لنقرأ كتاب الله عز وجل، ونردده ونعيش معه ونتأمله، وإذا اقترب الغروب فعليك بالدعاء، وارفع أكف الضراعة، وعليك بجوامع الدعاء المأثورة عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام، كأن تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو: اللهم إني أسألك العفو والعافية، أو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وغير ذلك من الأدعية.

    الإفطار

    ثم تفطر على الذي ورد في السنة وهو الرطب، فإذا لم يكن رطب فتمر، فإن لم يكن تمر فلتحس حسوات من ماء، ولك دعوة لا ترد، وعليك أن تعجل إفطارك إذا سمعت الأذان وغربت الشمس، فقد جاء في الصحيح: {لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور} وهذا هديه عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: {إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم} فعليك أن تبادر بالإفطار، وأن تحمد الله عز وجل على نعمة الإفطار.

    يقول أهل العلم: إن من لطائف هذا الدين ومن أسراره أن جعل الإفطار شيئاً حلواً؛ لأن المعدة الخالية لا يناسبها إلا الحلو، فجعل صلى الله عليه وسلم الإفطار رطباً أو تمراً، فأفطر، ثم قم لصلاة المغرب، واحمد الله عز وجل على هذه النعمة.. {للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه} فإن الصائم الذي يتعب في العبادة، إذا اقترب منه إفطاره فرح به وسر، ويفرح إذا لقي الله يوم العرض الأكبر.

    وبعد صلاة المغرب تعود لتناول طعام العشاء، وعليك أن تخفف منه نسبياً؛ لأن بعض الناس يشتغل شغلاً عارماً في الأكل، حتى أنه لا يستطيع أن يصلي التراويح مع الناس، ويصبح مقعداً، وتجده يتدحرج إلى المسجد تدحرجاً، لأنه جعل على بطنه مخلاةً من الطعام من كل ما لذ وطاب، وأفلت يده، وهذا أساس الكسل، والأحسن أن يأكل الإنسان إفطاره على فترات، لا بأس أن يأكل شيئاً، ثم يترك إلى بعد التراويح شيئاً، حتى يستطيع أن يقوم للعبادة نشيطاً؛ ولا يصلي صلاة التراويح جالساً أو مغمىً عليه.

    صلاة العشاء والتراويح

    أما صلاة العشاء جماعة فقليل من الناس من يترك ذلك، لكن صلاة التراويح يتركها كثير من الناس خاصة من الشباب، فيذهبون إلى ملاعب الكرة، أو إلى التنس والطاولة، أو إلى دور السباحة، أو إلى اللهو واللعب.. فحذار حذار من هذا! وصلاة التراويح فضلها عظيم، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وابن حبان: {إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة} حديث صحيح، فلو صلى بك الإمام إحدى عشرة ركعة، وصليت معه حتى ينتهي كتب الله لك كأنك صليت الليلة كلها. وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: {من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} ألا تريدون هذا الأجر؟! والقيام هنا المراد به صلاة التراويح فيما أعلم، والله أعلم.

    والأقرب للسنة -وهو نص أهل العلم وعليه كلام الأئمة من المحدثين- أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، لحديث عائشة في الصحيحين، فأرى أن الأئمة يقتصرون على إحدى عشرة ركعة بخشوع وخضوع، ويخففون على الناس، ويتدبرون كتاب الله، وهذا هو الأقرب لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    ثم يعود إلى بيته بعد التراويح، فإن أراد أن يزور قريباً أو صديقاً زاره أو يستقبل أحد الناس استقبله، وأرى أن يكون له قبل السحر إغفاءة ولو قليلاً ليرتاح جسمه، وأهل الطب يقولون: لا يعوض نوم النهار نوم الليل أبداً.. سبحان الله! مهما نام الإنسان في النهار لا يعوض نوم الليل؛ لأن الله جعل النهار معاشاً، والليل لباساً وسباتاً، والسر في ذلك -كما يقول بعض الأطباء الجهابذة-: أن الخلايا التي في الجسم لا تنام إلا في الليل؛ لأن الشمس تغرب، فإذا غربت الشمس نامت الخلايا، أما في النهار فلا تنام بل تبقى متحركة ولو نمت أنت، ولذلك يوصون أن يكون لك ولو ساعة من الليل تنامها.

    وقت السحر

    ثم تستيقظ قبل السحر فتتوضأ وتصلي ما تيسر ولو ركعتين أو أربعاً، وتدعو الله عز وجل فإن وقت السحر وقت فاضل.

    قلت لليل هل بجوفك سرٌ      عـامر بالحديث والأسرار

    قال لم ألق في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسحار

    قال الله تعالى: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18] قال الحسن البصري رحمه الله: [أمضوا الليل بالصلاة فلما أتى السحر استغفروا]] وقال بعض الفضلاء: عجيب، أنهم كانوا في عبادة وفي قيام، ومع ذلك في السحر يستغفرون.

    وإنه لفضل عظيم أن تقوم بعد العبادة والتعب وتقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وكأنك كنت مقصراً، أو أتيت بمعصية، وهذه علامة التوفيق والقبول بإذن الله.

    ثم تتسحر على بركة الله، والسحور فيه بركة، يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: {تسحروا فإن في السحور بركة} وبعض الشباب يتعشون ولا يتسحرون، وليس المقصد هو الأكل لذاته، ولكن السحور له مقاصد، منها:

    مخالفة أهل الكتاب؛ فقد جاء في السنن من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو حديث حسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر} فيجب علينا أن نخالف أهل الكتاب، فإذا شرقوا غربنا، وإذا غربوا شرقنا، إلا ما أتت فيه النصوص.

    ومنها: أنك تدعو الله في السحور، ومنها: أنك تستعين به على طاعة الله؛ لأنه قد يطول عليك اليوم، فعليك أن تستعين بهذا السحور على طول النهار، ومنها: أنك تحمد الله على النعمة، ومنها: أنك تتبع سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    قيل لـزيد بن ثابت، والحديث في الصحيحين {كم كان بين سحوره صلى الله عليه وسلم وأذان الفجر؟ قال: قدر قراءة خمسين آية} لله درك! ما أحسن هذه الإجابة! خمسون آية يقرؤها الإنسان بين سحوره عليه الصلاة والسلام إلى أذان الفجر، أي: بقدر ربع أو ثلث ساعة، ومن أكل حتى يؤذن فله ذلك، فإن بعض الناس يبقى يأكل ولا يكف، ثم يأتي يسأل ويقول: بقيت آكل حتى الإقامة، فما الحكم؟

    وقد جاء عند أبي داود والحاكم: {إذا رفع أحدكم الإناء في يده وسمع الأذان فلا يضع الإناء حتى يقضي نهمته} وهذا إذا قدر أن الإنسان ضايقه الوقت وهو يأكل فرفع اللقمة فسمع الأذان، فله أن يأكل هذه اللقمة، أو رفع الإناء وسمع الأذان فليشرب، أما أن يستحدث عملاً بعد الأذان فلا.. لا يرفع لقمة، ولا يرفع إناءً بعد الأذان، لكن يأكل الذي في يده، وهذا رحمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمة، أن رخص لهم في هذا، وهذا هو الصحيح.

    لكن أرى أن يكف المسلم قبل الأذان بثلث أو ربع ساعة، يتأمل فيها ويستغفر، ويتوضأ ويبادر إلى المسجد، وحذار أن ينام -وهذا ليس محرماً لكن خشية أن تفوت صلاة الفجر جماعة- بين السحور والفجر، بل يذهب متوضئاً إلى المسجد، وينتظر صلاة الفجر مهللاً مكبراً داعياً مولاه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ويحضر صلاة الفجر في جماعة.

    هذا جدول نسبي تقريبي يقبل وجهة النظر، ولعل هناك جدولاً أحسن منه، ولكن هذا إنما هو من باب التواصي.

    1.   

    خصائص رمضان

    أيها الإخوة الكرام: لرمضان خصائص نذكر بعضاً منها..

    خلوف فم الصائم

    قال صلى الله عليه وسلم: {لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك} والخلوف هو الرائحة التي يخرجها الإنسان بعد الجوع، وهي أطيب عند الله عز وجل من ريح المسك، وأنت قد تتأذى لو شممت رائحة صائم ولا تصبر، لكن الله عز وجل جعلها أحسن من ريح المسك، ودم الشهيد في المعركة يأتي اللون لون الدم، والريح ريح المسك.. فما أحسن ذلك! وما أحسن الرائحة والطعم واللون! أما اللون فلون دم الشهيد في المعركة، وأما الرائحة فرائحة خلوف فم الصائم.

    وقد جاء عند ابن ماجة حديث: {استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي} وهذا حديث لا يصح، بل هو أقرب إلى الوضع، وهو موقوف على بعض الصحابة، ولا يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل الصحيح أن تستاك أول النهار وآخره، والشوافع يقولون: يسن السواك أول النهار، ويكره بعد الزوال. وهي رواية للحنابلة، وهذا خطأ مخالف للأدلة، ولهم استنباط في ذلك، يقولون: لو أنك استكت بعد الزوال لأذهبت الخلوف الذي هو أحب إلى الله من ريح المسك.. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الخلوف يأتي من المعدة، لا من الفم، ومهما استاك الصائم فلا ينقطع هذا الخلوف، فبطل ما قالوا سنداً واستنباطاً.

    وفي حديث عامر بن ربيعة الصحيح عند الترمذي: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك ما لا أحصي وهو صائم} وقد علقه البخاري؛ لأنه ليس على شرطه، ويكفي في ذلك عموم حديث أبي هريرة مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة} وفي رواية:{عند كل وضوء} وهذا عموم في رمضان وفي غيره.

    استغفار الملائكة للصائمين

    ومنها: استغفار الملائكة للصائمين، نسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا وإياكم ممن استغفرت لهم الملائكة.. وقد ثبت هذا في أحاديث كثيرة منها: {إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين} وهذا حديث حسن ثابت، والملائكة تستغفر كذلك للصائمين، وتسأل الله لهم القبول والتوبة.

    تزين الجنة

    ومنها: تزين الجنة لأولياء الله عز وجل في رمضان.

    تصفد الشياطين

    ومن خصائص رمضان: أنه تصفد فيه مردة الشياطين.. وهناك سؤال لابد منه، وهو: هل تصفد جميع الشياطين، مع العلم أننا نرى بعض الناس يقتل في رمضان، وبعض الناس يزني في رمضان، وبعض الناس يسرق في رمضان؟ أجاب الحافظ ابن حجر، فقال: لا، بل التي تصفد إنما هم المردة، وأما غيرهم فلا. وصدق -رحمه الله- فإن المردة وهم الشياطين الأقوياء الرءوس الذين لهم مسح شامل وقوة فريدة في إغواء الناس، هؤلاء يصفدون، أما بقية الشياطين الضعاف فيبقون يزاولون أعمالهم حتى في رمضان.. وهذا استنباط عجيب! ولله در ابن حجر! وقد سبقه بعض الحفاظ إلى هذا، وهذا صحيح، فإنك تجد أن المعاصي والجرائم تقل -والحمد لله- في الناس في رمضان؛ لأن الشياطين تصفد، فتنكسر النفوس وتخشع القلوب.

    فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار

    ومنها: أنه تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار.. تفتح أبواب الجنة استعداداً لقبول عباد الله عز وجل، وتهيئةً وكرامةً لهم، وتغلق أبواب جهنم، نسأل الله أن يغلق عنا وعنكم أبواب جهنم.

    ليلة القدر

    ومن خصائص رمضان: أن فيه ليلة القدر، قال الله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] وهي في العشر الأواخر، وبالأخص في الأوتار، وفي ليلة سبع وعشرين أرجى، ويوفق لها من وفقه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فنسأل الله أن يوفقنا لليلة القدر، وفي الصحيحين مرفوعاً: {من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} إيماناً بالله، أي أنه لا يحمله إلا الإيمان، واحتساباً: أي أنه صادق النية محتسب الأجر على الله.

    1.   

    أمور لابد أن ينتبه لها الصائم

    والآن أنبه على بعض الأمور الذي يقع فيها بعض الصائمين:

    سماع الغناء

    فإن الغناء محرم في رمضان وفي غيره، لكن كثيراً من الصائمين يقعون في سماعه، فلا يتغير في بيتهم شيء، فالمعازف، واللهو، والموسيقى، والأغنيات موجودة بأنواعها، وهذا دمار للروح وإفساد للصوم.

    الغيبة

    ومنها: الغيبة.. فإن البعض لا يتحاشى الغيبة، والذي يظهر -والله أعلم- أنها لا تفطر، لكنها تذهب الأجر، وقد توقف ابن حزم عند هذه كثيراً، وهناك قول ضعيف يرى أن الغيبة تفطر، وأن على الصائم أن يقضي يوماً آخر، ولكن جمهور أهل العلم لا يرون ذلك، ويرون أن الإنسان يستغفر ويتوب إلى الله، أما أجره فقد يذهب بالغيبة.

    الأفلام الخليعة والرفقة السيئة

    ومنها: الأفلام الخليعة.. فإن بعض الناس صامت بطونهم وما صامت عيونهم، وصامت بطونهم وما صامت آذانهم، وصامت بطونهم وما صامت قلوبهم، فهذا صوم ناقص ليس مقصوداً في الإسلام.

    ومنها: أن بعض الناس يرافق رفقة السوء حتى في رمضان، وهل أفسد شبابنا إلا رفقة السوء وعصابة الانحراف، الذين صدوا الناس عن منهج رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، وعن صراط الله المستقيم، وهذا خطر عظيم، نسأل الله أن يكفينا وإياكم شر كل ذي شر.

    الاهتمام بالعشر الأواخر

    ومن الأمور التي ينبه عليها: الاهتمام بالعشر الأواخر.. فعلى المسلم أن يكثف من عبادته في العشر الأواخر، فيختم القرآن كثيراً، ويصلي في الليل كثيراً، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام {أنه كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله} قال بعض الشراح: شد مئزره أي: اعتزل النساء، وقال بعضهم: بل شد وشمر للعبادة، (وأحيا ليله) أي: أحياه بالعبادة حتى صلاة الفجر، (وأيقظ أهله) أي: طلب من أهله أن يصلوا معه، فالعشر لها تميز آخر.

    وحبذا لمن استطاع أن يجعل العشر الأواخر في الحرم الشريف؛ فإنه أسكن لقلبه وأخشع، ولم يكن عنده ظروف ولا مشقة، ولا يترك من المصالح أعظم مما يذهب إليه.. وهنا تنبيه: كثير من الأئمة يسافرون في رمضان ويتركون المساجد خاوية على عروشها، فيوكل في أول رمضان، والوكيل يوكل، ووكيل الوكيل يوكل، فيصبح المؤذن يصلي بالناس، فتنتقل صلاة التراويح إلى الفراش، ثم يذهب الأئمة ويغلق المسجد، وهذا خطأ.. تترك وأنت إمام وتذهب إلى الحرم! أي أجر تحصل عليه وقد ضيعت أكبر الفرائض وهي إمامة الناس التي كلفت بها؟!

    وبعض الدعاة له نفع في بلده وفي مدينته، فيترك هذا النفع ويترك الدروس ويذهب إلى الحرم، وهذا يكون نفعه لازماً، والنفع المتعدي هو الأعظم؛ لأن كونك تدرس وتعلم، أعظم من أن تكون عابداً منزوياً في طرف الحرم، ولو كانت المسألة هكذا لرجع الصحابة من سجستان، ورجعوا من بغداد ومن دمشق إلى الحرم، لكنهم ما فعلوا؛ لأن الأصلح أن يكونوا هناك.

    العمرة في رمضان

    ومنها: أن على المسلم أن يحرص أن يعتمر في رمضان، ففي حديث أم معقل بنت يسار، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لزوجها: {لماذا ما حججت معي؟ قال: يا رسول الله شغلني شاغل -أو كما قال- قال: فاعتمر في رمضان فأن عمرة في رمضان كحجة معي} وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قاله للمرأة، وهذا ثابت في الصحيح، فعلى المسلم أن يحرص أن يعتمر في رمضان، عسى الله أن يتقبل منا ومنه.

    الإنفاق في سبيل الله

    ومن التنبيهات: أن على الناس أن يغتنموا تفطير الصائمين والمحتاجين، يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {من فطَّر صائماً فله مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء} أي: أنك إذا فطَّرت صائماً كتب الله لك كأجر الصائم دون أن ينقص من أجره شيء.

    قيل عن الوزير ابن هبيرة الحنبلي: كان يفطر كل ليلة عشرة آلاف لكنه وزير، وعنده ميزانية ضخمة، فهو يستطيع ذلك، وكان مستجاب الدعوة، فقد روي: أنه حج مرة وقد قحط الناس، فقال: " اللهم أغثنا " فنزل الغيث حتى شرب الناس الثلج، فبكى وقال: " يا ليتني سألت الله المغفرة " هذا الوزير ابن هبيرة أمره عجيب، وهو صاحب الإفصاح، كان يفطر في كل ليلة عشرة آلاف، وهذا من ماله الخاص، وإلا لو كان من المال العام لما كتب الله له أجراً، وهذا أمر معلوم لا بد أن ينتبه له.

    فاحرص على أن تفطر فقيراً، أو مسكيناً، أو محتاجاً، أو اثنين أو ثلاثة، كل إنسان على قدره، وما تجود به نفسه، وحبذا أن يحضر شيئاً من التمر، وشيئاً من الماء واللبن إلى المسجد؛ لأنه قد يجد فقيراً أو محتاجاً أو منقطعاً في المسجد، ويسأل عن الفقراء؛ علَّ الله عز وجل أن يكرمه يوم العرض الأكبر.

    هذا ما أردت أن أقوله في هذه العجالة، مع العلم أن المسألة مسألة عمل، والكلام كثير، وعندنا نحن المسلمين ترف في الحديث، ولكن علَّ الذكرى أن تنفع، وعلَّ الكلام أن يجد قبولاً، جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

    1.   

    نداء للمرأة المسلمة

    وأنبه في آخر هذه المحاضرة الأمهات والأخوات المسلمات أن يتقين الله عز وجل، وأن يحرصن في هذا الشهر القادم الفضيل على استغلاله واغتنامه فيما يقربهن من الواحد الأحد، بالصلاة والذكر والدعاء والحجاب، وأحذرهن من نزول الأسواق في كل وقت وخاصة في رمضان، فإن الكثير من النساء حتى في رمضان بعد التراويح وفي أثناء التراويح ينـزلن إلى الأسواق، وهذا دليل على قلة الفقه، وعلى قلة الورع والتقوى، وليس في الأسواق خير، وهذا مما يجر الويلات والسيئات على الأمة وعلى الأفراد والشعوب، من الاختلاط، والأمور التي تسبب غضب الله تبارك وتعالى.

    وأوصي الأمهات أيضاً بتربية أبنائهن على الصيام إذا قاربوا البلوغ، وإذا وصلوا إلى العاشرة، فعليهن أن يعودنهم على الصيام كما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعودون أبناءهم على ذلك، وأن تكون الأم حصيفة في بيتها، وأن تقوم على شئون بيتها في رمضان أمراً ونهياً، وتستفيد من هذه الدروس والعبر، وألا تشغلها شواغل عن أن تقدم حسنات لنفسها من قراءة وتلاوة وذكر.

    أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأشكر الله عز وجل على أن جمعني بكم في هذا المقام، ونسأل الله أن يبلغنا رمضانات عديدة، ويحيينا في الخيرات أياماً مديدة، وأن يجعلنا ممن انسلخ عنهم الشهر وقد رضي عنهم، ونسأله أن يجمعنا بكم في رمضان آخر، فإن عز ففي مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي     مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    واجبنا نحو المجاهدين الأفغان

    السؤال: إن رمضان شهر الجهاد، ولنا إخوان يجاهدون في سبيل الله في أفغانستان وغيرها، فما هو واجبنا تجاه هؤلاء المجاهدين في سبيل الله في هذا الشهر المبارك؟

    الجواب: هؤلاء المجاهدون اجتمع عليهم في رمضان جهادان: جهاد الأنفس وجهاد الأعداء الكفار، جهاد بالسلاح وجهاد الجوع والظمأ والمشقة، ونحن -والحمد لله- في أمن واستقرار، أزال الله عدونا، ونحمده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على أن أسبل علينا ثوب الأمن، وعلى أن حمانا من العدو الظالم المعتدي، الذي أراد أن يجتاحنا، فوالله لولا نصر الله ما انتصرنا، ولولا أن الله كتب أن ننتصر ما سحق هذا العدو، وكما قلت لكم: ما أشهاها وما أحسنها أن يعفر وجه البعث بالتراب! يقول أبو تمام:

    ما ربع مية محفوفاً يطوف به      غيلان أبهى لها من خدها التيب

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت      كان الخراب لها أعدى من الجرب

    رمى بك الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    من الذي أصاب؟ إنه الله وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] ولولا أن الله كتب لنا النصر لاجتاحنا العدو، ولصمنا رمضان في بلاد أخرى، لكن لله الحمد على أن حمانا ورعانا ووقانا وكفانا، فنسأله أن يزيدنا أمناً وإيماناً واستقراراً.. وإخواننا في أفغانستان يحتاجون إلى المدد، فهم فقراء يحتاجون إلى من يطعمهم، وإلى من يعطيهم ويكسوهم، وأنتم قد عودتمونا وعودتم العالم أنكم أنتم الذين تبذلون الأرواح، وليس الدراهم والدنانير فقط، فأبناؤكم هم الذي سحقوا تحت الدبابات في أفغانستان، وقصفوا بالقنابل هناك في الجبال، فليس بعزيز عليكم أن تنفقوا أموالكم في سبيل الله خاصة في رمضان.

    كلمة للإخوة الكويتيين

    السؤال: نريد من فضيلة الشيخ همسة حب، ولفتة محب للأمة بعد انجلاء الغمة، وخصوصاً لإخواننا الضيوف علينا، أعني: الكويتيين، فتفضلوا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: تكرار الكلام يكلف على النفس، وقبل ليلتين كانت هناك محاضرة في جامع التركي بعنوان: واجب الأمة بعد زوال الغمة، فلا أريد أن أكرر الكلام الذي قيل، ولكن أستغلها فرصة، وأغتنمها مناسبة؛ فأحمد الله عز وجل على أن رد هذا الشعب إلى أرضه، وأهنِّئ هؤلاء الإخوة والجيران الأشقاء على أن عادوا، ولكن مع التهنئة أوصيهم ونفسي بتقوى الله، وأن يحمدوا المنعم سبحانه، وأن يسجدوا له سجود الشكر، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا انتصر سجد لله سجود الشكر، ثم إني آمرهم أن يقيموا أوامر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في أنفسهم وفي مجتمعاتهم، قال الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41] هذا ما أريد أن أقوله.

    بقيت مسألة وهي: كيف نعبر عن النصر؟ هناك محاضرة في مسجد الذياب في حي السلي، وسوف يكون فيها لفتات عن التعبير عن النصر، كيف نعبر عن النصر؟ هل نعبر عن النصر بحفلات الاختلاط، وبالسهرات الحمراء، وبالغناء، وبتعدي حدود الله؟ لا.. التعبير عن النصر يكون بالخضوع لله، والشكر له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وتحكيم شرعه، والانضواء تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله، والتشرف بحمل وثيقة إياك نعبد وإياك نستعين.

    وأقول للإخوة الكويتيين: تأملوا وتفكروا في حالتين: تلك الليلة التي شردتم فيها من دياركم، وأخرجتم من أهلكم وذويكم، من الهلع والخوف والمشقة والغربة والأسى واللوعة، وهذه الليلة التي تعودون فاتحين منتصرين راجعين إلى أماكنكم، فاحمدوا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فهو الذي ردكم وهو الناصر وحده، كما قال عليه الصلاة والسلام: {لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده}.

    أخاف على نفسي من الانتكاسة

    السؤال: أولاً: نقول من صميم قلوبنا: إننا نحبك في الله. سؤالي: أنا شاب أبلغ من العمر ستة عشر عاماً، قد هداني الله عز وجل منذ أشهر قلائل، ولي إخوة ما زالوا على ضلالهم، ويعيشون من المنكرات ما الله به عليم، وكان لي إخوة في الله ينصحونني، ويوجهونني، ويحثونني على كل خير، ولكن قلت في نفسي: أترك إخوتي في الله لكي أتفرغ لإخوتي من أبي، فتركت إخوتي في الله، وأنا اليوم في حيرة من أمري، وأخشى على نفسي من الانتكاسة بعد الهداية، فما نصيحتك لي مع بداية هذا الشهر الكريم؟

    الجواب: أولاً: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وهذا الأخ المقبل على الله عز وجل أسأل الله أن يثبته ويثبت كل مسلم، وأن يزيده بصيرة وتوفيقاً، وفي الحقيقة أن هذا السن -سن السادسة عشرة وما يقاربها- سن خطير، والإنسان فيه بين مفترق الطرق، مع نقص نسبي في العقل، ومع كثرة العواطف والاندفاع، ومع قلة العلم، ومع الشهوة العارمة، ويسميه بعض الناس من القدامى: سن الجنون، وقد روي عن عمر: [[الشباب شعبة من الجنون]] وهذا أمر معهود عند كثير من الناس والأمم، أن سن الشباب هو سن الغلطات والعواطف إن لم يعصم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويوفق.

    وتجد الإنسان اليوم يلوم نفسه على فعل فعله بالأمس أو في الصغر، ويرى أنه ارتكب حماقات، وغلطات، وأخطاء، فأقول لك: عليك بأمور، منها: أن تنضوي -بعد التجائك إلى الله عز وجل- إلى شيخ عالم فقيه ورع، أو طالب علم تثق به، فيكون بينك وبينه مدرسة وصلة ونسبة، دائماً تستفتيه وتشاوره وتجلس معه، ثم يكون لك رفقة صالحون من عباد الله الأتقياء البررة.

    الأمر الثاني: أرى أن تطلب العلم، فإن سنك يطلب فيه العلم، فالذهن متفتح ومتفتق وقابل، فأرى أن تستعد لحفظ النصوص، وما تيسر من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وتدعو الله دائماً: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.

    الأمر الثالث: طاعة الوالدين، وأمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر بالتي هي أحسن، والقيام على البيت، فإن بعض الشباب إذا اهتدى ترك والده وبيته، واشتغل بالدعوة، وخرج من البيت في المخيمات، وفي اللقاءات، والسمرات والسهرات، مع العلم أنه -أحياناً- ليست هناك دعوة، لكن باسم الدعوة، وإذا أمره أبوه قال: أنا في الدعوة، وإذا نهته أمه، قال: أنا في المحاضرة، أنا مع الشباب، أنا في المخيم، وهذا خطأ كبير، حتى أنك تجد بعض الآباء يصد ابنه عن الاستقامة بسبب هذا الأفعال، ويقول: إذا كان الاتجاه والالتزام والاستقامة يسبب لي ابناً عاقاً لا يقوم معي، ولا يقضي أغراضي، ولا يلبي طلبي، فلا أريد هذا الابن.. وهذا مسلك خطير، حتى أن الأبناء الذين يفعلون ذلك لا يتقبل منهم أهلهم في بيتهم؛ لأن أهله يرون أنه عاص، وأنه لا يقوم معهم، ولا يحضر عزائمهم ولا ولائمهم، ولا يقضي أغراضهم، ولا يوصل مريضهم إلى المستشفى، ثم يأتي ينصحهم: اتركوا هذا وافعلوا هذا، فلا يتقبلون منه.

    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم     فطالما استعبد الإنسان إحسان

    فوصيتي للشاب ألا يكون سلبياً في بيته، بل ولا في حيه، وعليه أن يقدم الخدمات للناس، حتى يستولي على قلوبهم، ويقبلون كلامه، ويعيشون واقعه، وإذا اغترب عنهم تحروه واشتاقوا له، هذا هو الداعية الحق، أما الكلام وحده فلا يكفي، يقول أبو العتاهية:

    العنز لا تشبع إلا بالعلف      لا تشبع العنز بقول ذي لطف

    وهذا فيه حكمة جليلة، يقول: الناس لا يشبعون بالكلام، والمحاضرات لا تشبع أحداً، والرسول صلى الله عليه وسلم لو بقي فقط يتكلم من فوق المنبر بكلمات: افعلوا واتركوا ما أقبلت له العرب، لكنه كان يعطي ثوبه للفقير، ويعطي مائة ناقة لصناديد الناس، ويعطي دموعه، ويسلم خدماته، ويتبسم، ويضيف في بيته، ويذهب إلى المسكين، ويقف مع العجوز، ويمسح رأس الطفل، ويعطي اليتيم، ويحل مشاكل الناس، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصل الرحم، ويعفو عن الزلة.

    فعاش صلى الله عليه وسلم وإذا أفعاله مثل الجبال.

    زاد معروفك عندي عظماً      وهو في نفسك مستور حقير

    تتحاماه كأن لم تأته      وهو عند الناس مشهور خطير

    هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63] فهذه أياديه البيضاء التي طوقت الأعناق عليه الصلاة والسلام، وهي وصية للأخ الشاب.

    التوبة من الذنوب

    السؤال: وقعت في ذنب بدافع الشهوة، وكلما تبت عدت إليه ثانية حتى ملت نفسي وتعبت كثيراً، وأملي في الله كبير، وبقدوم شهر رمضان شهر التوبة أخشى ألا أدركه، فوجهني جزاك الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.

    الجواب: أولاً: أوصيك ونفسي الآن بالتوبة، الآن وأنت جالس أن تعقد العزم على أن تتوب، ولا تنتظر رمضان؛ لأنه قد تؤخذ نفسك من بين جنبيك قبل أن تصلي العشاء، فالآن اعقد التوبة، وأنا وإياك والحضور نعلن التوبة النصوح عل الله أن يتوب علينا جميعاً.

    ثانياً: ما ذكرت من الذنب والخطيئة، فإن هناك رباً يغفر ويرحم، وقد جاء عند ابن حبان عن عائشة {أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني أذنب. قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله. قال: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المدحور} وفي بعض الآثار: {ولو عاد في اليوم سبعين مرة} فأنت ما معك إلا التوبة، وكما يقول ابن عباس: [[اصبحوا تائبين، وامسوا تائبين]] وقال ابن مسعود: [[تحترقون تحترقون، ثم يكشف ما بكم، ثم تحترقون تحترقون، ثم يكشف ما بكم]] فما معي ومعك إلا أن نتوب ونستغفر دائماً، ونجدد توبتنا واستغفارنا علَّ الله أن يرحمنا، هذا ما أطالبك به.

    ثالثاً: أرى أن تستغل شهر رمضان في تكفير السيئات الماضية، فتحضر صلاة الجماعة، وتقرأ القرآن، وترافق الصالحين، وتبكي على ما فات منك، وتتأسف وتندم، فإن الندم توبة، وما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة، فاندم على ما فات..

    تقطعني على التفريط دأباً     وبالتفريط نفسك قد قطعتا

    وفي صغري تحدثني المنايا      وما خطرت بقلبك إذ كبرتا

    وتشفق للمصر على الخطايا     وترحمه ونفسك ما رحمتا

    مشيت القهقرى وخبطت عشوا     لعمرك لو وصلت لما رجعتا

    إذا ما لم يفدك العلم خيراً      فليتك ثم ليتك ما علمتا

    وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    فنسأل الله أن يفهمنا وإياكم، وأن يتوب علينا وعليكم.. أكرر الشكر لإمام هذا المسجد ولكم، والشكر أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737372613

    عدد مرات الحفظ

    684510095